Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:52–56
17:52Page 287
يَوۡمَ يَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِيبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا ٥٢
On the Day He will call you and you will respond with praise of Him and think that you had not remained [in the world] except for a little."
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيِ اذْكُرُوا أوْ بَدَلٌ مِن ﴿قَرِيبًا﴾ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيكُونَ تامَّةً بِالِاتِّفاقِ وناقِصَةً عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ أعْمالَ النّاقِصَةِ في الظُّرُوفِ أوْ بِتُبْعَثُونَ مَحْذُوفًا أوْ بِضَمِيرِ المَصْدَرِ المُسْتَتِرِ في يَكُونَ أوْ عَسى العائِدِ عَلى العَوْدِ مَثَلًا بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ المُجَوِّزِينَ إعْمالَ ضَمِيرِ المَصْدَرِ كَما في قَوْلِهِ:
صفحة 93
وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
وجَعْلُهُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ بَدَلُ اشْتِمالٍ ولَمْ يُرْفَعْ لِأنَّهُ إذا أُضِيفَ إلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَدْ يُبْنى عَلى الفَتْحِ تَكَلُّفٌ وادِّعاءُ ظُهُورِهِ مُكابَرَةٌ، والدُّعاءُ قِيلَ: مَجازٌ عَنِ البَعْثِ وكَذا الِاسْتِجابَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ مَجازٌ عَنِ الِانْبِعاثِ أيْ يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ فَلا دُعاءَ ولا اسْتِجابَةَ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ( كُنْ فَيَكُونُ ) في أنَّهُ لا خِطابَ ولا مُخاطَبَ في المَشْهُورِ، وتَجُوزُ بِالدُّعاءِ والِاسْتِجابَةِ عَنْ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى السُّرْعَةِ والسُّهُولَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: قُمْ يا فُلانُ أمْرٌ سَرِيعٌ لا بُطْءَ فِيهِ، ومُجَرَّدُ النِّداءِ لَيْسَ كَمُزاوَلَةِ الإيجادِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا، وعَلى أنَّ المَقْصُودَ الإحْضارُ لِلْحِسابِ والجَزاءِ فَإنَّ دَعْوَةَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ إنَّما تَكُونُ لِاسْتِخْدامِهِ أوْ لِلتَّفَحُّصِ عَنْ أمْرِهِ والأوَّلُ مُنْتَفٍ لِأنَّ الآخِرَةَ لا تَكْلِيفَ فِيها فَتَعَيَّنَ الثّانِي، وقالَ الإمامُ وأبُو حَيّانَ: يَدْعُوكم بِالنِّداءِ الَّذِي يُسْمِعُكم وهو النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ الآيَةَ. ويُقالُ: إنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي رِوايَةِ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُنادِي عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ: أيَّتُها الأجْسامُ البالِيَةُ والعِظامُ النَّخِرَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ عُودِي كَما كُنْتِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: ««قالَ ﷺ: إنَّكم تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأسْمائِكم وأسْماءِ آبائِكم فَحَسِّنُوا أسْماءَكُمْ»».
لَعَلَّ هَذا عِنْدَ الدُّعاءِ لِلْحِسابِ وهو بَعْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، واقْتَصَرَ كَثِيرٌ عَلى التَّجَوُّزِ السّابِقِ فَقِيلَ: إنَّ فِيهِ إشارَةً إلى امْتِناعِ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ لِما يَلْزَمُ مِنَ الحَمْلِ عَلَيْها خِطابُ الجَمادِ وهو الأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ ولَوْ لَمْ تَمْتَنِعْ إرادَةُ الحَقِيقَةِ لَكانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ البَعْثِ والِانْبِعاثِ لا مَجازًا والمُجَوِّزُ لِإرادَتِها يَقُولُ: إنَّ الدَّعْوَةَ بِالأمْرِ التَّكْوِينِيِّ وهو مِمّا يُوَجَّهُ إلى المَعْدُومِ، وقَدْ قالَ جَمْعٌ بِهِ في قَوْلِ كُنْ ولَمْ يَتَجَوَّزُوا في ذَلِكَ، وأمّا أنَّهُ لَوْ لَمْ تَمْتَنِعْ إرادَةُ الحَقِيقَةِ لَكانَ كِنايَةً لا مَجازًا فَأمْرٌ سَهْلٌ كَما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ.
﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ وهُمُ الكُفّارُ كَما هو الظّاهِرُ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: فَتَسْتَجِيبُونَ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ أيْ حامِدِينَ لَهُ تَعالى عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ الحَمْدَ لَهُ عَلى النِّعَمِ لا تُنْكِرُونَ ذَلِكَ لِأنَّ المَعارِفَ هُناكَ ضَرُورِيَّةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ وهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، ولا بُعْدَ في صُدُورِ ذَلِكَ مِنَ الكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ وإنْ لَمْ يَنْفَعْهُ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ عَلى المَجازِ والمُرادُ المُبالَغَةُ في انْقِيادِهِمْ لِلْبَعْثِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَأْمُرُهُ بِرُكُوبِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ فَيَتَأبّى ويَمْتَنِعُ: سَتَرْكَبُهُ وأنْتَ حامِدٌ شاكِرٌ؛ يَعْنِي أنَّكَ تُحْمَلُ عَلَيْهِ وتُقْسَرُ قَسْرًا حَتّى إنَّكَ تَلِينُ لِينَ المُسْمِحِ الرّاغِبِ فِيهِ الحامِدِ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُنْقادِينَ لِبَعْثِهِ انْقِيادَ الحامِدِينَ لَهُ، وتَعَلُّقُ الجارِّ بِيَدْعُوكم لَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَنِ الطَّبَرِيِّ أنَّ: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ اعْتِراضَهُ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها في قَوْلِهِ:
فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
ويَكُونُ الكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ لِرَجُلٍ وقَدْ خَصَمْتَهُ في مَسْألَةٍ: أخْطَأْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى.
فَكَأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: عَسى أنْ يَكُونَ البَعْثُ قَرِيبًا يَوْمَ تُدْعَوْنَ فَتَقُومُونَ بِخِلافِ ما تَعْتَقِدُونَ اليَوْمَ وذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى صِدْقِ خَبَرِي.
ومُلَخَّصُهُ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى خِلافِ اعْتِقادِكم والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّهُ مَعْنًى مُتَكَلِّفٌ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ ونَحْنُ في غِنًى عَنِ ارْتِكابِهِ والحَمْدُ لِلَّهِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وانْقَطَعَ
صفحة 94
خِطابُ الكافِرِينَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَرِيبًا﴾ فَيَسْتَجِيبُونَ حامِدِينَ لَهُ سُبْحانَهُ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ وتَوْفِيقِهِ إيّاهم لِلْإيمانِ بِالبَعْثِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَيْسَ عَلى أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْشَةٌ في قُبُورِهِمْ ولا في مَنشَرِهِمْ وكَأنِّي بِأهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ ويَقُولُونَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ»».
وفِي رِوايَةٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««لَيْسَ عَلى أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْشَةٌ عِنْدَ المَوْتِ ولا في القُبُورِ ولا في الحَشْرِ وكَأنِّي بِأهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ قَدْ خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ يَنْفُضُونَ رُؤُوسَهم مِنَ التُّرابِ يَقُولُونَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ»».
وقِيلَ: الخِطابُ لِلْفَرِيقَيْنِ وكُلُّهم يَقُولُونَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ.
﴿وتَظُنُّونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى (تَسْتَجِيبُونَ) وإلَيْهِ ذَهَبَ الحُوفِيُّ وغَيْرُهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: هو بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: وأنْتُمْ تَظُنُّونَ ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ: ما لَبِثْتُمْ في القُبُورِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ أوْ ما لَبِثْتُمْ في الدُّنْيا كَما رَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: (يَسْتَقِلُّونَ) لُبْثَهم بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ فَإنَّهُ يُزالُ عَنْهُمُ العَذابُ في ذَلِكَ البَيْنِ؛ ولِذا يَقُولُونَ: ﴿مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ وقِيلَ: يَسْتَقِلُّونَ لُبْثَهم في عَرْصَةِ القِيامَةِ لِما أنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمُ الدُّخُولُ إلى النّارِ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ كَما لا يَخْفى، والظَّنُّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اليَقِينِ وهو مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِ «إنْ» النّافِيَةِ وقَلَّ مَن ذَكَرَها مِن أدَواتِ التَّعْلِيقِ، قالَهُ أبُو حَيّانَ، وانْتِصابُ: ( قَلِيلًا ) عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: لُبْثًا قَلِيلًا، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى مَصْدَرِهِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ
17:53Page 287
وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ٥٣
And tell My servants to say that which is best. Indeed, Satan induces [dissension] among them. Indeed Satan is ever, to mankind, a clear enemy.
﴿وقُلْ لِعِبادِي﴾ أيِ المُؤْمِنِينَ فالإضافَةُ لِتَشْرِيفِ المُضافِ ﴿يَقُولُوا﴾ عِنْدَ مُحاوَرَتِهِمْ مَعَ المُشْرِكِينَ ﴿الَّتِي﴾ أيِ الكَلِمَةَ أوِ العِبارَةَ الَّتِي ﴿هِيَ أحْسَنُ﴾ ولا يُخاشِنُوهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ومَقُولُ فِعْلِ الأمْرِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: قُلْ لَهم قُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ يَقُولُوا ذَلِكَ فَجُزِمَ يَقُولُوا لِأنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الأخْفَشُ، ولِكَوْنِ المَقُولِ لَهم هُمُ المُؤْمِنُونَ المُسارِعُونَ لِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِ رَسُولِهِ ﷺ بِمُجَرَّدِ ما يُقالُ لَهم لَمْ يَكُنْ غُبارٌ في هَذا الجَزْمِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ يَقُولُوا هو المَقُولُ وجَزَمَهُ بِلامِ الأمْرِ مَحْذُوفَةً؛ أيْ: قُلْ لَهم لِيَقُولُوا الَّتِي إلَخْ. وقالَ المازِنِيُّ: إنَّهُ المَقُولُ أيْضًا إلّا أنَّهُ مُضارِعٌ مَبْنِيٌّ لِحُلُولِهِ مَحَلَّ المَبْنِيِّ وهو فِعْلُ الأمْرِ، والمَعْنى: قُلْ لِعِبادِي قُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ وهو كَما تَرى، ومَقُولُ يَقُولُوا «الَّتِي» وإذا أُرِيدَ بِهِ الكَلِمَةُ حُمِلَتْ عَلى مَعْناها الشّامِلِ لِلْكَلامِ.
﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: يُفْسِدُ ويُهَيِّجُ الشَّرَّ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ بِالمُخاشَنَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى تَأكُّدِ العِنادِ وتَمادِي الفَسادِ فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: «يَنْزِغُ» بِكَسْرِ الزّايِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لَعَلَّها لُغَةٌ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: الفَتْحُ والكَسْرُ لُغَتانِ نَحْوَ يَمْنَحُ ويَمْنِحُ.
﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ﴾ قِدْمًا ﴿لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ظاهِرَ العَداوَةِ فَهو مِن أبانَ اللّازِمِ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن أنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ
17:54Page 287
رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِكُمۡۖ إِن يَشَأۡ يَرۡحَمۡكُمۡ أَوۡ إِن يَشَأۡ يُعَذِّبۡكُمۡۚ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ٥٤
Your Lord is most knowing of you. If He wills, He will have mercy upon you; or if He wills, He will punish you. And We have not sent you, [O Muḥammad], over them as a manager.
﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ ﴿أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بِالإماتَةِ عَلى الكُفْرِ، وهَذا تَفْسِيرُ الَّتِي هي أحْسَنُ والجُمْلَتانِ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما والخِطابُ فِيهِ لِلْمُشْرِكِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُولُوا لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ وما يُشاكِلُها وعَلِّقُوا أمْرَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ولا تُصَرِّحُوا بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ؛ فَإنَّهُ مِمّا يُهَيِّجُهم عَلى الشَّرِّ مَعَ أنَّ الخاتِمَةَ مَجْهُولَةٌ لا يَعْلَمُها غَيْرُهُ تَعالى فَلَعَلَّهُ سُبْحانَهُ يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ، والظّاهِرُ أنَّ أوْ لِلِانْفِصالِ الحَقِيقِيِّ.
صفحة 95
وقالَ الكِرْمانِيُّ: هي لِلْإضْرابِ؛ ولِذا كُرِّرَتْ مَعَها إنْ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ أوْ هُنا لِسِعَةِ الأمْرَيْنِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ويُقالُ لَها المُبِيحَةُ كالَّتِي في قَوْلِهِمْ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ فَإنَّهم يَعْنُونَ: قَدْ وسَّعْنا لَكَ الأمْرَ وهو كَما تَرى.
﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ أيْ: مَوْكُولًا ومُفَوَّضًا إلَيْكَ أمْرُهم تَقْسِرُهم عَلى الإسْلامِ وتُجْبِرُهم عَلَيْهِ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ فَدارِهِمْ ومُرْ أصْحابَكَ بِمَداراتِهِمْ وتَحَمَّلْ أذِيَّتَهم وتَرْكَ المُشاقَّةِ مَعَهُمْ، وهَذا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ
17:55Page 287
وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ٥٥
And your Lord is most knowing of whoever is in the heavens and the earth. And We have made some of the prophets exceed others [in various ways], and to David We gave the book [of Psalms].
﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وبِأحْوالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ فَيَخْتارُ مِنهم لِنُبُوَّتِهِ ووِلايَتِهِ مَن يَشاءُ مِمَّنْ تَراهُ حِكْمَتُهُ أهْلًا لِذَلِكَ وهو رَدٌّ عَلَيْهِ إذْ قالُوا: بَعِيدٌ أنْ يَكُونَ يَتِيمُ ابْنِ أبِي طالِبٍ نَبِيًّا وأنْ يَكُونَ العُراةُ الجُوعُ كَصُهَيْبٍ وبِلالٍ وخَبّابٍ وغَيْرِهِمْ أصْحابَهُ دُونَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الأكابِرِ والصَّنادِيدِ.
وذَكَرَ مَن في السَّمَواتِ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ وذَكَرَ مَن في الأرْضِ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ فَلا يَدُلُّ تَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ وتَعَلُّقُهُما بِأعْلَمَ بِعَلى اخْتِصاصِ أعِلْمِيَّتِهِ تَعالى بِما ذُكِرَ فَما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ مِن أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِعَلِمَ مَحْذُوفًا ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِأعْلَمَ لِاقْتِضائِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ بِأعْلَمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ العِلْمِ بِما ذَكَرْنا عَلى أنَّ أبا حَيّانَ أنْكَرَ تَعَدِّيَ عَلِمَ بِالباءِ وإنَّما يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ.
﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضَ﴾ بِالفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ والمَزايا القُدْسِيَّةِ وإنْزالِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لا بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأتْباعِ ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ بَيانٌ لِحَيْثِيَّةِ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ بِإيتائِهِ الزَّبُورَ لا بِإيتائِهِ المُلْكَ والسَّلْطَنَةَ وفِيهِ إيذانٌ بِتَفْضِيلِ نَبِيِّنا ﷺ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمَ الأنْبِياءِ وأُمَّتُهُ خَيْرُ الأُمَمِ مِمّا تَضَمَّنَهُ الزَّبُورُ وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ وأُمَّتَهُ ونَصَّ بَعْضُهم أنَّ هَذا مِن بابِ التَّلْمِيحِ نَحْوَ قِصَّةِ المَنصُورِ وقَدْ وعَدَ الهُذَلِيَّ بِعِدَّةٍ فَنَسِيَها فَلَمّا حَجّا وأتَيا المَدِينَةَ قالَ لَهُ يَوْمًا وهو يُسايِرُهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هَذا بَيْتُ عاتِكَةَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الأحْوَصُ: يا بَيْتَ عاتِكَةَ الَّذِي أتَغَزَّلُ؛ فَفَطِنَ لِمُرادِهِ حَيْثُ قالَ ذَلِكَ ولَمْ يَسْألْهُ وعَلِمَ أنَّهُ يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ في هَذِهِ القَصِيدَةِ:
وأراكَ تَفْعَلُ ما تَقُولُ وبَعْضُهم مَذِقُ اللِّسانِ يَقُولُ ما لا يَفْعَلُ
فَأنْجَزَ عِدَتَهُ، والزَّبُورُ في الأصْلِ وصْفٌ لِلْمَفْعُولِ كالحَلُوبِ أوْ مَصْدَرٌ كالقَبُولِ، نَعَمْ هَذا الوَزْنُ في المَصادِرِ قَلِيلٌ والأكْثَرُ ضَمُّ الفاءِ وبِهِ قَرَأ حَمْزَةُ وجَعَلَهُ بَعْضُهم عَلى هَذِهِ القِراءَةِ جَمْعَ زِبْرٍ بِكَسْرِ الزّايِ بِمَعْنى مَزْبُورٍ ثُمَّ جُعِلَ عَلَمًا لِلْكِتابِ المَخْصُوصِ ولَيْسَ فِيهِ مِنَ الأحْكامِ شَيْءٌ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الزَّبُورُ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ودُعاءٌ وتَسْبِيحٌ، وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّ الزَّبُورَ دُعاءٌ عُلِّمَهُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَحْمِيدٌ وتَمْجِيدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ فِيهِ حَلالٌ ولا حَرامٌ ولا فَرائِضُ ولا حُدُودٌ. والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الآثارِ اشْتِمالُهُ عَلى بَعْضِ النَّواهِي والأوامِرِ.
فَقَدْ رَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ أنَّهُ مَكْتُوبٌ فِيهِ: أنِّي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا مَلِكُ المُلُوكِ، قُلُوبُ المُلُوكِ بِيَدِي فَأيُّما قَوْمٍ كانُوا عَلى طاعَةٍ جَعَلْتُ المُلُوكَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً، وأيُّما قَوْمٍ كانُوا عَلى مَعْصِيَةٍ جَعَلْتُ المُلُوكَ عَلَيْهِمْ نِقْمَةً، فَلا تَشْغَلُوا أنْفُسَكم بِسَبِّ المُلُوكِ ولا تَتُوبُوا إلَيْهِمْ وتُوبُوا إلَيَّ أعْطِفْ قُلُوبَهم عَلَيْكم.
والمَزامِيرُ الَّتِي يُفْهَمُ مِنها الأمْرُ والنَّهْيُ كَثِيرَةٌ فِيهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن رَآهُ، ومَعَ هَذا الفَرْقُ
صفحة 96
بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْراةِ ظاهِرٌ، ودُخُولُ ألْ عَلَيْهِ في بَعْضِ الآياتِ لِلَمْحِ الأصْلِ وذَلِكَ لا يُنافِي العَلَمِيَّةَ كَما في العَبّاسِ والفَضْلِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَكِرَةً غَيْرَ عَلَمٍ ونُكِّرَ لِيُفِيدَ أنَّهُ بَعْضٌ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ أوْ مِن مُطْلَقِ الكُتُبِ ولا إشْكالَ أيْضًا في دُخُولِ ألْ عَلَيْهِ؛ أيْ: آتَيْناهُ زَبُورًا مِنَ الزُّبُرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِكِتابِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ بِعَلَمٍ بَلْ مِن غَلَبَةِ اسْمِ الجِنْسِ وهو كالقُرْآنِ يُطْلَقُ عَلى المَجْمُوعِ وعَلى الأجْزاءِ، وتَقَدَّمَ إفادَةُ التَّنْكِيرِ لِلْبَعْضِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( لَيْلًا ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُنا آتَيْناهُ بَعْضًا مِنَ الزَّبُورِ فِيهِ ذِكْرُهُ ﷺ، هَذا ووَجْهُ رَبْطِ الآياتِ بِما تَقَدَّمَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ نَبِيَّهُ ﷺ إلى جَوابِ الكُفّارِ بِجِدِّهِ في اسْتِهْزائِهِمْ وتَوَقُّرِهِ في اسْتِخْفافِهِمْ لِيَكُونَ أغْيَظَ لَهم وأشْجى لِحُلُوقِهِمْ أرْشَدَهُ إلى أنْ يَحْمِلَ أصْحابَهُ أيْضًا عَلى ذَلِكَ وأنْ يَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ وعَلَّلَ ذَلِكَ بِما اعْتُرِضَ بِهِ مِن أنَّ الشَّيْطانَ بِنَزْغِهِ يَحْمِلُ عَلى المُخاشَنَةِ فَعَلى العاقِلِ الحازِمِ أنْ لا يَغْتَرَّ بِوَساوِسِهِ كَيْفَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا﴾ المُشْتَمِلِ عَلى مُجادَلَتِهِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وقُلْ لِعِبادِي﴾ المُشْتَمِلِ عَلى حَمْلِهِمْ عَلَيْها إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن تَتِمَّةِ ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ فَإنَّهم طَعَنُوا فِيهِ وحاشاهُ تارَةً بِأنَّهُ شاعِرٌ ساحِرٌ مَجْنُونٌ وأُخْرى بِنَحْوِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ و﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ فَأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِما أُجِيبَ وعَنِ الثّانِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ﴾ إلَخْ لِلْمُؤْمِنِينَ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وأخْرَجَ الأوَّلَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أيُّها المُؤْمِنُونَ في الدُّنْيا بِإنْجائِكم مِنَ الكَفَرَةِ ونَصْرِكم عَلَيْهِمْ أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكم والمُرادُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ المُجادَلَةُ الحَسَنَةُ فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الحُجَّةَ اليَقِينِيَّةَ في صِحَّةِ المَعادِ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ لِلْمُؤْمِنِينَ: إذا أرَدْتُمْ إيرادَ الحُجَّةِ عَلى المُخالِفِينَ فاذْكُرُوا الدَّلائِلَ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ وهو أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ مَمْزُوجًا بِالشَّتْمِ والسَّبِّ؛ لِأنَّهُ لَوِ اخْتَلَطَ بِهِ لا يَبْعُدُ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ فَيَزْدادَ الغَضَبُ ويَهِيجَ الشَّرُّ فَلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ﴾ إلَخْ. وضَمِيرُ بَيْنَهم إمّا لِلْكُفّارِ أوْ لِلْفَرِيقَيْنِ، ورُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ أفْرَطُوا في إيذاءِ المُؤْمِنِينَ فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: شَتَمَ عُمَرَ رَجُلٌ فَهَمَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهِ فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالعَفْوِ. قالَ في الكَشْفِ إنَّهُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ الكَلِمَةُ الَّتِي هي أحْسَنُ نَحْوَ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ تَعالى ولَيْسَتْ مُفَسَّرَةً بِرَبِّكم أعْلَمُ بِكم.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاحْتِمالِ بِأنَّ المُخاشَنَةَ مِن فِعْلِ الشَّيْطانِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفِيهِ حَثٌّ عَلى المُداراةِ أيْ: فَدارُوهُمْ؛ لِأنَّ رَبَّكم أعْلَمُ بِكم وبِما يَصْلُحُ لَكم مِن أوامِرَ إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم بِقَبُولِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم بِإبائِكم أوْ إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم بِالمُلايَنَةِ والتَّراحُمِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ السَّلامَةِ عَنْ أذى الكُفّارِ أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم بِمُخاشَنَتِكم في غَيْرِ إبّانِها، وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا فَهَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ وهم أتْباعُكَ أوْلى وأوْلى بِأنْ لا يَكُونُوا وكِيلًا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: والأوَّلُ أوْفَقُ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ وفي إفادَةِ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ الحَثُّ عَلى ما قُرِّرَ تَكَلُّفٌ ما اه.
وقِيلَ: المُرادُ مِن عِبادِي الكُفّارُ وحَيْثُ كانَ المَقْصُودُ مِنَ الآياتِ الدَّعْوَةَ لا يَبْعُدُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ لِيَصِيرَ سَبَبًا لِجَذْبِ قُلُوبِهِمْ ومِيلِ طِباعِهِمْ إلى قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِعِبادِي الَّذِينَ أقَرُّوا بِكَوْنِهِمْ عِبادًا لِي: يَقُولُوا الَّتِي هي
صفحة 97
أحْسَنُ وهي الكَلِمَةُ الحَقَّةُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ وإثْباتِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ وعَرِّفْهم أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يُصِرُّوا عَلى المَذْهَبِ الباطِلِ تَعَصُّبًا لِلْأسْلافِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطانِ وهو لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلى قَوْلِهِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ بِالقَوْلِ الأمْرُ بِاعْتِقادِ ذَلِكَ، وذَكَرَ القَوْلَ لِما أنَّهُ دَلِيلُ الِاعْتِقادِ ظاهِرًا ثُمَّ قالَ لَهم سُبْحانَهُ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بِالهِدايَةِ ﴿أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بِالإماتَةِ عَلى الكُفْرِ إلّا أنَّ تِلْكَ المَشِيئَةَ غائِبَةٌ عَنْكم فاجْتَهِدُوا أنْتُمْ في طَلَبِ الدِّينِ الحَقِّ ولا تُصِرُّوا عَلى الباطِلِ لِئَلّا تَصِيرُوا مَحْرُومِينَ عَنِ السِّعاداتِ الأبَدِيَّةِ والخَيْراتِ السَّرْمَدِيَّةِ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ أيْ: لا تُشَدِّدِ الأمْرَ عَلَيْهِمْ ولا تُغْلِظْ لَهم بِالقَوْلِ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ إظْهارُ اللِّينِ والرِّفْقِ لَهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ لِأنَّهُ أقْرَبُ لِحُصُولِ المَقْصُودِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَمَّمَ عِلْمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ﴾ إلَخْ. ويَحْسُنُ عَلى هَذا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ مِن تَفْسِيرِ: ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ونَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ مِنَ العُلَماءِ ثُمَّ قالَ: ويَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يُرادَ بِعِبادِي جَمِيعُ الخَلْقِ لِأنَّ جَمِيعَهم مَدْعُوٌّ إلى قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويَجِيءُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ غَيْرُ مُناسِبٍ إلّا عَلى مَعْنى يَنْزَغُ خِلالَهم وأثْناءَهم ويُفَسَّرُ النَّزْغُ بِالوَسْوَسَةِ والإمْلالِ ولا يَخْفى أنَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ، وما ذُكِرَ مِنَ الدَّلِيلِ لا يَتِمُّ إلّا إذا لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ نُكْتَةٌ، وهي هاهُنا ظاهِرَةٌ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى:
17:56Page 287
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا ٥٦
Say, "Invoke those you have claimed [as gods] besides Him, for they do not possess the [ability for] removal of adversity from you or [for its] transfer [to someone else]."
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ إلَخْ. كالِاسْتِدْلالِ عَلى حَقِّيَّةِ ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ورَبَطَهُ بِما تَقَدَّمَ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا لا أظُنُّهُ يَخْفى، والزَّعْمُ بِتَثْلِيثِ الزّايِ قَرِيبٌ مِنَ الظَّنِّ ويُقالُ إنَّهُ القَوْلُ المَشْكُوكُ فِيهِ ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الكَذِبِ حَتّى قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما ورَدَ في القُرْآنِ زَعَمَ فَهو كَذِبٌ وقَدْ يُطْلَقُ عَلى القَوْلِ المُحَقَّقِ والصِّدْقِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ.
فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أنَسٍ «أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ البادِيَةِ - واسْمُهُ ضِمامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ - جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أتانا رَسُولُكَ فَزَعَمَ أنَّكَ تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَكَ. قالَ: صَدَقَ... الحَدِيثَ».
فَإنَّ تَصْدِيقَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهُ مَعَ قَوْلِهِ زَعَمَ وتَزْعُمُ دَلِيلٌ عَلى ما قُلْنا.
ووَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««زَعَمَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذا»» وقَدْ أكْثَرَ سِيبَوَيْهِ وهو إمامُ العَرَبِيَّةِ في كِتابِهِ مِن قَوْلِهِ:
زَعَمَ الخَلِيلُ، زَعَمَ أبُو الخَطّابِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ القَوْلَ المُحَقَّقَ، وقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ جَماعاتٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ وغَيْرِهِمْ ونَقَلَهُ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ في شَرْحِ الفَصِيحِ عَنْ شَيْخِهِ أبِي العَبّاسِ ثَعْلَبٍ عَنِ العُلَماءِ بِاللُّغَةِ مِنَ الكُوفِيِّينَ والبَصْرِيِّينَ، وهو مِمّا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ وقَدْ حُذِفا هاهُنا أوْ ما يَسُدُّ مَسَدَّهُما جائِزٌ، والخِلافُ في حَذْفِ أحَدِهِما، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ كُلُّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ العُقَلاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ نَفَرٌ مِنَ الإنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ فَأسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ وتَمَسَّكَ الإنْسِيُّونَ بِعِبادَتِهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكانَ هَؤُلاءِ الإنْسُ مِنَ العَرَبِ كَما صَرَّحَ بِهِ في رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ وغَيْرِهِ عَنْهُ، وفي أُخْرى التَّصْرِيحُ بِأنَّهم مِن خُزاعَةَ، وفي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ:
كانَ قَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَ صِنْفًا مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ الجِنُّ ويَقُولُونَ هم بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى فَعَبَدُوا عِيسى وأُمَّهُ
صفحة 98
وعُزَيْرًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ، وعَلى هَذا فَفي الآيَةِ عَلى ما في البَحْرِ تَغْلِيبُ العاقِلِ عَلى غَيْرِهِ، ومَتى صَحَّ إدْراجُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ بِناءً عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِن ذَوِي العِلْمِ فَلْيُدْرَجْ سائِرُ ما عُبِدَ بِالباطِلِ مِنَ الأصْنامِ ويُرْتَكَبُ التَّغْلِيبُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ ابْتِغاءِ الوَسِيلَةِ ورَجاءِ الرَّحْمَةِ والخَوْفِ مِنَ العَذابِ يُؤَيِّدُ إرادَةَ العُقَلاءِ كَعِيسى وعُزَيْرٍ عَلَيْهِما السَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ الأصْنامَ لا يُعْقَلُ مِنها ذَلِكَ، وارْتِكابُ التَّغْلِيبِ هُناكَ أيْضًا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والدُّعاءُ كالنِّداءِ لَكِنَّ النِّداءَ قَدْ يُقالُ إذا قِيلَ: «يا» أوْ «أيا» أوْ نَحْوَهُما مِن غَيْرِ أنْ يُضَمَّ إلَيْهِ الِاسْمُ والدُّعاءُ لا يَكادُ يُقالُ إلّا إذا كانَ مَعَهُ الِاسْمُ نَحْوَ: يا فُلانُ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما مَوْضِعَ الآخَرِ، والمُرادُ: ادْعُوهم لِكَشْفِ الضُّرِّ الَّذِي هو أوْلى مِن جَلْبِ النَّفْعِ وأهَمُّ، وتَوَجُّهُ القَلْبِ إلى مَن يَكْشِفُهُ أكْمَلُ وأتَمُّ.
﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ فَلا يَسْتَطِيعُونَ بِأنْفُسِهِمْ ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ كالمَرَضِ والفَقْرِ والقَحْطِ وغَيْرِها ﴿ولا تَحْوِيلا﴾ ولا نَقْلَهُ مِنكم إلى غَيْرِكم مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدْهم أوْ ولا تَبْدِيلَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ ومَن لا يَمْلِكُ ذَلِكَ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ إذْ شَرْطُ اسْتِحْقاقِها القُدْرَةُ الكامِلَةُ التّامَّةُ عَلى دَفْعِ الضُّرِّ وجَلْبِ النَّفْعِ ولا تَكُونُ كَذَلِكَ إذا كانَتْ مُفاضَةً مِنَ الغَيْرِ، وكَأنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ مِلْكِهِمْ ذَلِكَ نَفْيُ قُدْرَتِهِمُ التّامَّةِ الكامِلَةِ عَلَيْهِ وكَوْنُ قُدْرَةِ الآلِهَةِ الباطِلَةِ مُفاضَةٌ مِنهُ تَعالى مُسَلَّمٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ لِأنَّهم لا يُنْكِرُونَ أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى بِجَمِيعِ صِفاتِها، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أقْوى وأكْمَلُ صِفَةً مِنها، وبِهَذا يَتِمُّ الدَّلِيلُ ويَحْصُلُ الإفْحامُ وإلّا فَنَفْيُ قُدْرَةِ نَحْوِ الجِنِّ والمَلائِكَةِ الَّذِينَ عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مُطْلَقًا عَلى كَشْفِ الضُّرِّ مِمّا لا يَظْهَرُ دَلِيلُهُ فَإنَّهُ إنْ قِيلَ: هو أنّا نَرى الكَفَرَةَ يَتَضَرَّعُونَ إلَيْهِمْ ولا تَحْصُلُ لَهُمُ الإجابَةُ عُورِضَ بِأنّا نَرى أيْضًا المُسْلِمِينَ يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى ولا تَحْصُلُ لَهُمُ الإجابَةُ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ نَفْيُ قُدْرَتِهِمْ عَلى ذَلِكَ أصْلًا ويُحْتَجُّ لَهُ بِدَلِيلِ الأشْعَرِيِّ عَلى اسْتِنادِ جَمِيعِ المُمْكِناتِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ابْتِداءً.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الضُّرَّ هُنا بِالقَحْطِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ أصابَهم قَحْطٌ شَدِيدٌ أكَلُوا فِيهِ الكِلابَ والجِيَفَ فاسْتَغاثُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ لِيَدْعُوَ لَهم فَنَزَلَتْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ. واسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الرِّوايَةِ عَلى أنَّ نَفْيَ الِاسْتِطاعَةِ مُطْلَقًا عَنْ آلِهَتِهِمْ كانَ إذْ ذاكَ مُسَلَّمًا عِنْدَهم وإلّا لَما تَرَكُوها واسْتَغاثُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ لِيَدْعُوَ لَهم وفِيهِ نَظَرٌ فانْظُرْ وتَدَبَّرْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences