Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:61–66
17:61Page 288
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا ٦١
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees.1 He said, "Should I prostrate to one You created from clay?"
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ تَذْكِيرٌ لِما جَرى مِنهُ تَعالى مِنَ الأمْرِ ومِنَ المَلائِكَةِ مِنَ الِامْتِثالِ والطّاعَةِ مِن غَيْرِ تَثَبُّطٍ، وتَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ إلَخْ، أمّا إنْ كانَ المُرادُ مِنَ المَوْصُولِ المَلائِكَةُ فَظاهِرٌ، وأمّا إنْ كانَ غَيْرُهم فَلِلْمُقايَسَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى عاقِبَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ عانَدُوا الحَقَّ واقْتَرَحُوا الآياتِ وكَذَّبُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهم داخِلُونَ في الذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ احْتَنَكَهم إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ واتَّبَعُوهُ اتِّباعَ الظِّلِّ لِذَوِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ومُشارِكُونَ لَهُ في العِنادِ أتَمَّ مُشارَكَةٍ حَتّى قالُوا: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ﴾ فَوَجْهُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرٌ، وقِيلَ: الوَجْهُ مُشابَهَةُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كَذَّبُوا النَّبِيَّ ﷺ لِإبْلِيسَ في أنَّ «كُلًّا» مِنهُما حَمَلَهُ الحَسَدُ والكِبْرُ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ؛ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لِلْمَلائِكَةِ: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ تَحِيَّةً وتَكْرِيمًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: المَعْنى اجْعَلُوهُ قِبْلَةَ سُجُودِكم لِلَّهِ تَعالى.
﴿فَسَجَدُوا﴾ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ امْتِثالًا لِأمْرِهِ تَعالى ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ، وكانَ مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ مُنْدَرِجًا تَحْتَ الأمْرِ بِالسُّجُودِ ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ مِنهُ بَعْدَ التَّخَلُّفِ، فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ؛ أيْ: بَعْدَ أنْ وُبِّخَ بِما وُبِّخَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ ﴿أأسْجُدُ﴾ وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ ﴿لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ نُصِبَ عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛
صفحة 109
أيْ: مِن طِينٍ كَما صَرَّحَ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ كَوْنَهُ حالًا مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ والعامِلُ ﴿خَلَقْتَ﴾ فَيَكُونُ المَعْنى: أأسْجُدُ لِمَن كانَ في وقْتِ خَلْقِهِ طِينًا فالطِّينِيَّةُ وإنْ كانَتْ مُقَدَّمَةً عَلى خَلْقِهِ إنْسانًا لَكِنَّها مُقارِنَةٌ لِابْتِداءِ تَعَلُّقِهِ بِهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا كَوْنُهُ حالًا مِن نَفْسِ المَوْصُولِ والعامِلُ حِينَئِذٍ ﴿أأسْجُدُ﴾ عَلى مَعْنى: أأسْجُدُ لَهُ وهو طِينٌ أيْ أصْلِهِ طِينٌ، قالَ في الكَشْفِ: وهو أبْلَغُ لِأنَّهُ مُؤَيِّدٌ لِمَعْنى الإنْكارِ وفِيهِ تَحْقِيرٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وحاشاهُ بِجَعْلِهِ نَفْسَ ما كانَ عَلَيْهِ لَمْ تُزَلْ عَنْهُ تِلْكَ الذِّلَّةُ ولَيْسَ في جَعْلِهِ حالًا مِنَ العائِدِ هَذِهِ المُبالَغَةُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحالِيَّةَ عَلى كُلِّ حالٍ خِلافُ الظّاهِرِ لِكَوْنِ الطِّينِ جامِدًا ولِذا أوَّلَهُ بَعْضُهم بِمُتَأصِّلًا، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ أيْضًا وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ تَمْيِيزًا ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ، وذَكَرَ الخَلْقَ مَعَ أنَّهُ يَكْفِي في المَقْصُودِ أنْ يُقالَ: لِمَن كانَ مِن طِينٍ أدْخَلُ في المَقْصُودِ مَعَ أنَّهُ فِيهِ عَلى ما قِيلَ إيماءٌ إلى عِلَّةٍ أُخْرى وهي أنَّهُ مَخْلُوقٌ والسُّجُودُ إنَّما هو لِلْخالِقِ تَعالى مَجْدُهُ.
17:62Page 288
قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٢
[Iblees] said, "Do You see this one whom You have honored above me? If You delay me [i.e., my death] until the Day of Resurrection, I will surely destroy1 his descendants, except for a few."
﴿قالَ﴾ أيْ إبْلِيسُ، وفي إعادَةِ الفِعْلِ بَيْنَ كَلامَيِ اللَّعِينِ إيذانٌ بِعَدَمِ اتِّصالِ الثّانِي بِالأوَّلِ وعَدَمِ ابْتِنائِهِ عَلَيْهِ بَلْ عَلى غَيْرِهِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخْرى؛ أيْ: قالَ بَعْدَ طَرْدِهِ مِنَ المَحَلِّ الأعْلى ولَعْنِهِ واسْتِنْظارِهِ وإنْظارِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ .
الكافُ حَرْفُ خِطابٍ مُؤَكِّدٍ لِمَعْنى التّاءِ قَبْلَهُ وهو مِنَ التَّأْكِيدِ اللُّغَوِيِّ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ورَأى عِلْمِيَّةٌ فَتَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ و«هَذا» مَفْعُولُها الأوَّلُ والمَوْصُولُ صِفَتُهُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ، وهَذا الإنْشاءُ مَجازٌ عَنْ إنْشاءٍ آخَرَ ومِن هُنا تَسْمَعُهم يَقُولُونَ: المَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ وأنا أكْرَمُ مِنهُ، والعَلاقَةُ ما بَيْنَ العِلْمِ والإخْبارِ مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ واللّازِمِيَّةِ والمَلْزُومِيَّةِ، وجُمْلَةُ: لِمَ كَرَّمْتَهُ واقِعَةٌ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الثّانِي، وذَهَبَ بَعْضُ النُّحاةِ إلى أنَّ رَأى بَصَرِيَّةٌ فَتَتَعَدّى إلى واحِدٍ واخْتارَهُ الرَّضِيُّ، ويَجْعَلُونَ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ المَذْكُورَةَ مُسْتَأْنَفَةً.
وقالَ الفَرّاءُ: الكافُ ضَمِيرٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ؛ أيْ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ وهو كَما تَقُولُ: أتَدَبَّرْتَ آخِرَ أمْرِكَ فَإنِّي صانِعٌ كَذا، و﴿هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَدْ حُذِفَ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ؛ أيْ: أهَذا إلَخْ، وقالَ بَعْضُهم بِهَذا إلّا أنَّهُ جَعَلَ الكافَ حَرْفَ خِطابٍ مُؤَكَّدٍ أيْ: أخْبِرْنِي أهَذا مَن كَرَّمْتَهُ ﴿عَلَيَّ﴾، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الكافُ حَرْفٌ كَما قِيلَ لَكِنَّ مَعْنى أرَأيْتَكَ أتَأمَّلْتَ؛ كَأنَّ المُتَكَلِّمَ يُنَبِّهُ المُخاطَبَ عَلى اسْتِحْضارِ ما يُخاطِبُهُ بِهِ عَقِيبَهُ، وكَوْنُهُ بِمَعْنى أخْبِرْنِي قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، والزَّجّاجِ وتَبِعَهُما الحُوفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُما، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ اسْتِفْهامٌ ولا اسْتِفْهامَ في الآيَةِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُقَرَّرَ في أرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي أنْ تَدْخُلَ عَلى جُمْلَةٍ ابْتِدائِيَّةٍ يَكُونُ الخَبَرُ فِيها اسْتِفْهامًا مَذْكُورًا أوْ مُقَدَّرًا فَمُجَرَّدُ عَدَمِ وُجُودِهِ لا يَأْبى ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فاسْمُ الإشارَةِ لِلتَّحْقِيرِ، والمُرادُ مِنَ التَّكْرِيمِ التَّفْضِيلُ.
وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ اسْتِئْنافٌ وابْتِداءُ كَلامٍ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ .
وفِي البَحْرِ: لَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلّا أنَّ هَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأرَأيْتَكَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي والمَفْعُولُ الثّانِي الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ المَذْكُورَةُ لِانْعِقادِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا قَبْلَ دُخُولِ أرَأيْتُكَ لَذَهَبَ مَذْهَبًا حَسَنًا؛ إذْ لا يَكُونُ في الكَلامِ عَلى هَذا إضْمارٌ وهو كَما تَرى، والمُرادُ مِن أخَّرْتَنِي أبْقَيْتَنِي حَيًّا أوْ أخَّرْتَ مَوْتِي، ومَعْنى ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمُ اسْتِيلاءً قَوِيًّا مِن قَوْلِهِمْ: حَنَّكَ الدّابَّةَ واحْتَنَكَها إذا جَعَلَ في حَنَكِها الأسْفَلِ حَبْلًا يَقُودُها بِهِ.
وأخْرَجَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ أوْ لَأسْتَأْصِلَنَّهم وأُهْلِكَنَّهم
صفحة 110
بِالإغْواءِ مِن قَوْلِهِمْ: احْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ إذا أهْلَكَ نَباتَها وجَرَّدَ ما عَلَيْها، واحْتَنَكَ فُلانٌ مالَ فُلانٍ إذا أخَذَهُ وأكَلَهُ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: نَشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا فَأضْعَفَتْ واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا وأجْلَفَتْ.
وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَكِ وهو باطِنُ أعْلى الفَمِ مِن داخِلِ المِنقارِ فَهو اشْتِقاقٌ مِنَ اسْمِ عَيْنٍ، واخْتارَ هَذا الطَّبَرِيُّ والجُبّائِيُّ وجَماعَةٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: يَقُولُ: لَأُضِلَّنَّهم وهو بَيانٌ لِخُلاصَةِ المَعْنى، وهَذا كَقَوْلِ اللَّعِينِ ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ .
﴿إلا قَلِيلا﴾ مِنهُمْ، وهو العِبادُ المُخْلَصُونَ الَّذِينَ جاءَ اسْتِثْناؤُهم في آيَةٍ أُخْرى جَعَلَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاكم مِنهم.
وعَلِمَ اللَّعِينُ تَسَنِّيَ هَذا المَطْلَبِ لَهُ حَتّى ذَكَرَهُ مُؤَكَّدًا إمّا بِواسِطَةِ التَّلَقِّي مِنَ المَلائِكَةِ سَماعًا وقَدْ أخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ أوْ رَأوْهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ بِواسِطَةِ اسْتِنْباطِهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ مَعَ تَقْرِيرِ اللَّهِ تَعالى لَهُ أوْ بِالفِراسَةِ لِما رَأى فِيهِ مِن قُوَّةِ الوَهْمِ والشَّهْوَةِ والغَضَبِ المُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءُ القَلِيلِ بِالفِراسَةِ أيْضًا وكَأنَّهُ لَمّا رَأى أنَّ المانِعَ مِنَ الِاسْتِيلاءِ في القَلِيلِ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ وسَوَّسَ إلى آدَمَ وغَرَّهُ حَتّى كانَ ما كانَ فَقاسَ الفَرْعَ عَلى الأصْلِ وهو مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ كانَ قَبْلَ الوَسْوَسَةِ الَّتِي كانَ بِسَبَبِها ما كانَ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ كانَ هُناكَ وسُوسَتانِ فَعَلَيْهِ البَيانُ، ولا يَأْتِي بِهِ حَتّى يَؤُوبَ القارِظانِ أوْ يَسْجُدَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الشَّيْطانُ.
17:63Page 288
قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا ٦٣
[Allāh] said, "Go, for whoever of them follows you, indeed Hell will be the recompense of [all of] you - an ample recompense.
﴿قالَ﴾ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿اذْهَبْ﴾ لَيْسَ المُرادُ بِهِ حَقِيقَةَ الأمْرِ بِالذَّهابِ ضِدَّ المَجِيءِ بَلِ المُرادُ تَخْلِيَتُهُ وما سَوَّلَتْهُ نَفْسُهُ إهانَةً لَهُ كَما تَقُولُ لِمَن يُخالِفُكَ: افْعَلْ ما تُرِيدُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الذَّهابِ ضِدَّ المَجِيءِ؛ فَمَعْناهُ حِينَئِذٍ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾، وقِيلَ: هو طَرْدٌ وتَخْلِيَةٌ ويَلْزَمُ عَلى ظاهِرِهِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ والقائِلُ مِمَّنْ يَرى جَوازَهُ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ ضِدَّ المَجِيءِ تَعْقِيبُهُ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ وضَلَّ عَنِ الحَقِّ ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ أيْ جَزاؤُكَ وجَزاؤُهم فَغَلَّبَ المُخاطَبَ عَلى الغائِبِ رِعايَةً لِحَقِّ المَتْبُوعِيَّةِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلتّابِعِينَ عَلى الِالتِفاتِ مِن غَيْبَةِ المُظْهَرِ إلى الخِطابِ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ هِشامٍ في تَذْكِرَتِهِ فَقالَ: عِنْدِي أنَّهُ فاسِدٌ لِخُلُوِّ الجَوابِ أوِ الخَبَرِ عَنِ الرّابِطِ فَإنَّ ضَمِيرَ الخِطابِ لا يَكُونُ رابِطًا وأُجِيبَ بِأنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِتَقْدِيرٍ فَيُقالُ لَهُمْ: إنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ، ورُدَّ بِأنَّهُ يَخْرُجُ حِينَئِذٍ عَنِ الِالتِفاتِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ضَمِيرَ الخِطابِ إنْ سُلِّمَ أنَّهُ لا يَكُونُ عائِدًا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِهِ الغائِبُ التِفاتًا لا يُرْبَطُ بِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأبْعَدَ مِنَ الرَّبْطِ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ فاحْفَظْ.
﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ أيْ: مُكَمَّلًا لا يُدَّخَرُ مِنهُ شَيْءٌ كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ مِن فَرَّ كَعَدَّ لِصاحِبِكَ عِرْضَهُ فِرَةً؛ أيْ: كَمِّلْ لِصاحِبِكَ عِرْضَهُ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ:
ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عِرْضِهِ يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
وجاءَ وفَرَ لازِمًا نَحْوَ: وفَرَ المالُ يَفِرُ وُفُورًا؛ أيْ: كَمُلَ وكَثُرَ، وانْتَصَبَ ( جَزاءً ) عَلى المَصْدَرِ بِإضْمارِ تُجْزَوْنَ أوْ تُجازَوْنَ فَإنَّهُما بِمَعْنًى، وهَذا المَصْدَرُ لَهُما.
صفحة 111
وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ كَوْنَ العامِلِ فِيهِ «جَزاؤُكُمْ» بِناءً عَلى أنَّ المَصْدَرَ يَنْصِبُ المَفْعُولَ المُطْلَقَ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مُوطِئَةً لِصِفَتِها الَّتِي هي حالٌ في الحَقِيقَةِ؛ ولِذا جاءَتْ جامِدَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ولا حاجَةَ لِتَقْدِيرِ ذَوِي فِيهِ حِينَئِذٍ، وصاحِبُ الحالِ مَفْعُولُ تُجْزَوْنَهُ مَحْذُوفًا والعامِلُ الفِعْلُ، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِتَقْدِيرِ ذَوِي جَزاءٍ، وقالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: المَعْنى ذَوِي جَزاءٍ لِيَكُونَ حالًا عَنْ ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ويَكُونَ المَصْدَرُ عامِلًا وإلّا فالعامِلُ مَفْقُودٌ ثُمَّ قالَ: الأظْهَرُ أنَّهُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ نَحْوَ: زَيْدٌ حاتِمٌ جَوادًا، وفي الكَشْفِ أنَّ هَذا مُتَعَيِّنٌ ولَيْسَ الأوَّلُ بِالوَجْهِ، ومِثْلُهُ: جَعْلُهُ حالًا عَنِ الفاعِلِ، وقِيلَ: هو تَمْيِيزٌ ولا يُقْبَلُ عِنْدَ ذَوِيِهِ.
17:64Page 288
وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤
And incite [to senselessness] whoever you can among them with your voice and assault them with your horses and foot soldiers and become a partner in their wealth and their children and promise them." But Satan does not promise them except delusion.
﴿واسْتَفْزِزْ﴾ أيْ: واسْتَخِفَّ؛ يُقالُ: اسْتَفَزَّهُ إذا اسْتَخَفَّهُ فَخَدَعَهُ وأوْقَعَهُ فِيما أرادَهُ مِنهُ، وأصْلُ مَعْنى الفَزِّ القَطْعُ ومِنهُ تَفَزَّزَ الثَّوْبُ إذا انْقَطَعَ، ويُقالُ لِلْخَفِيفِ فَزٌّ ولِذا سُمِّيَ بِهِ ولَدُ البَقَرَةِ الوَحْشِيَّةِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ:
إذا اسْتَغاثَ بِشَيْءٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ خافَ العُيُونَ فَلَمْ يُنْظَرْ بِهِ الحَشَكُ
والواوُ عَلى ما في البَحْرِ لِلْعَطْفِ عَلى اذْهَبْ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ التَّهْدِيدُ وكَذا مِنَ الأوامِرِ الآتِيَةِ، ويَمْنَعُ مِن إرادَةِ الحَقِيقَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ.
﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ أيِ الَّذِي اسْتَطَعْتَ أنْ تَسْتَفِزَّهُ ﴿مِنهُمْ﴾ فَمِن مَوْصُولُ مَفْعُولِ ( اسْتَفْزِزْ ) ومَفْعُولُ اسْتَطَعْتَ ) مَحْذُوفٌ هو ما أشَرْنا إلَيْهِ. واخْتارَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ «مِن» اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ نَصْبِ بِاسْتَطَعْتَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ولا داعِيَ إلى ارْتِكابِهِ ﴿بِصَوْتِكَ﴾ أيْ: بِدُعائِكَ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى ووَسْوَسَتِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الدُّعاءِ بِالصَّوْتِ تَحْقِيرًا لَهُ حَتّى كَأنَّهُ لا مَعْنى لَهُ كَصَوْتِ الحِمارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرَهُ بِالغِناءِ والمَزامِيرِ واللَّهْوِ والباطِلِ، وذَكَرَ الغَزْنَوِيُّ أنَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أسْكَنَ ولَدَ هابِيلَ أعْلى جَبَلٍ ووَلَدَ قابِيلَ أسْفَلَهُ وفِيهِمْ بَناتٌ حِسانٌ فَزَمَّرَ الشَّيْطانُ فَلَمْ يَتَمالَكُوا أنِ انْحَدَرُوا واقْتَرَنُوا ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: صِحْ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَلَبَةِ وهي الصِّياحُ قالَهُ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ، وذَكَرَ أنَّ جَلَبَ وأجْلَبَ بِمَعْنًى. وقالَ الزَّجّاجُ: أجْلَبَ عَلى العَدُوِّ جَمَعَ عَلَيْهِ الخَيْلَ.
وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: جَلَبَ عَلَيْهِ أعانَ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أجْلَبَ عَلى الرَّجُلِ إذا تَوَعَّدَهُ الشَّرَّ وجَمَعَ عَلَيْهِ الجَمْعَ، وفَسَّرَ بَعْضُهم ( أجْلِبْ ) هُنا بِأجْمِعْ فالباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ مَزِيدَةٌ كَما فِي: لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ، وقَرَأ الحَسَنُ: «واجْلُبْ» بِوَصْلِ الألِفِ وضَمِّ اللّامِ مِن جَلَبَ ثُلاثِيًّا، والخَيْلُ يُطْلَقُ عَلى الأفْراسِ حَقِيقَةً ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقِيلَ: إنَّ واحِدَهُ خائِلٌ لِاخْتِيالِهِ في مَشْيِهِ وعَلى الفُرْسانِ مَجازًا وهو المُرادُ هُنا، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ لِأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ««يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي»».
والرَّجِلُ بِكَسْرِ الجِيمِ فَعِلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ فَهو صِفَةٌ كَحَذِرٍ بِمَعْنى حاذِرٍ يُقالُ: فُلانٌ يَمْشِي رَجِلًا أيْ غَيْرَ راكِبٍ.
وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو بِمَعْنى الرِّجالِ يَعْنِي أنَّهُ مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْمَقامِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وبِهَذا قَرَأ حَفْصٌ وأبُو عُمَرَ في رِوايَةٍ والحَسَنُ، وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ لِلْعَيْنِ خَيْلًا ورَجِلًا وبِهِ قالَ جَمْعٌ، فَقِيلَ: هم مِنَ الجِنِّ، وقِيلَ: مِنهم ومِنَ الإنْسِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ قالُوا: إنَّ لَهُ خَيْلًا ورَجِلًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ فَما كانَ مِن راكِبٍ يُقاتِلُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو مِن خَيْلِ إبْلِيسَ وما كانَ مِن راجِلٍ يُقاتِلُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو مِن رَجِلِ إبْلِيسَ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ لِلشَّيْطانِ خَيْلٌ ولا رَجّالَةٌ
صفحة 112
وإنَّما هُما كِنايَةٌ عَنِ الأعْوانِ والأتْباعِ مِن غَيْرِ مُلاحِظَةٍ لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ راكِبًا وبَعْضُهم ماشِيًا.
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ اسْتِفْزازُهُ بِصَوْتِهِ وإجْلابِهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ تَمْثِيلًا لِتَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ فَكَأنَّ مِغْوارًا وقَعَ عَلى قَوْمٍ فَصَوَّتَ بِهِمْ صَوْتًا يُزْعِجُهم مِن أماكِنِهِمْ وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ مِن خَيّالَةٍ ورَجّالَةٍ حَتّى اسْتَأْصَلَهُمْ، ومُرادُهُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ ولا يَضُرُّ فِيها اعْتِبارُ مَجازٍ أوْ كِنايَةٍ في المُفْرَداتِ فَلا تَغْفُلْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: «رَجْلِكَ» بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الجِيمِ وهو اسْمُ جَمْعِ راجِلٍ كَرَكْبٍ وراكِبٍ لا جَمْعَ لِغَلَبَةِ هَذا الوَزْنِ في المُفْرَداتِ، وقُرِئَ: «رَجُلِ» بِفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّ الجِيمِ وهو مُفْرَدٌ كَما في قِراءَةِ حَفْصٍ وقَدْ جاءَتْ ألْفاظٌ مِنَ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ عَلى فَعِلٍ وفَعُلٍ كَسْرًا وضَمًّا كَحَدِثٍ ونَدُسٍ وغَيْرِهِما.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: «رِجالِكَ» كَنِبالِكَ، وقُرِئَ: «رُجّالِكَ» كَكُفّارِكَ وكِلاهُما جَمْعُ رُجْلانٍ وراجِلٍ كَما في الكَشْفِ، وفي بَعْضِ نُسَخِ الكَشّافِ أنَّهُ قُرِئَ: (رَجّالِكَ) بِفَتْحِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى أنَّ أصْلَهُ رَجّالَةٌ فَحُذِفَ تاؤُهُ تَخْفِيفًا وهي نُسْخَةٌ ضَعِيفَةٌ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ بِحَمْلِهِمْ عَلى كَسْبِها مِمّا لا يَنْبَغِي وصَرْفِها فِيما لا يَنْبَغِي.
وقِيلَ: بِحَمْلِهِمْ عَلى صَرْفِها في الزِّنا، وعَنِ الضَّحّاكِ بِحَمْلِهِمْ عَلى الذَّبْحِ لِلْآلِهَةِ، وعَنْ قَتادَةَ بِحِمْلِهِمْ عَلى تَسْيِيبِ السَّوائِبِ وبَحْرِ البَحائِرِ والتَّعْمِيمُ أوْلى.
﴿والأوْلادِ﴾ بِالحَثِّ عَلى التَّوَصُّلِ إلَيْهِمْ بِالأسْبابِ المُحَرَّمَةِ وارْتِكابِ ما لا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى فِيهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: المُشارَكَةُ في الأوْلادِ حَمْلُهم عَلى تَسْمِيَتِهِمْ بِعَبْدِ الحَرْثِ. وعَبْدِ شَمْسٍ، وفي رِوايَةٍ: حَمْلُهم عَلى أنْ يُرَغِّبُوهم في الأدْيانِ الباطِلَةِ ويَصْبَغُوهم بِغَيْرِ صِبْغَةِ الإسْلامِ.
وفِي أُخْرى: حَمْلُهم عَلى تَحْصِيلِهِمْ بِالزِّنا، وأُخْرى تَزْيِينُ قَتْلِهِمْ إيّاهم خَشْيَةَ الإمْلاقِ أوِ العارِ، وقِيلَ: حَمْلُهم عَلى أنْ يُرَغِّبُوهم في القِتالِ وحِفْظِ الشِّعْرِ المُشْتَمِلِ عَلى الفُحْشِ والحِرَفِ الخَسِيسَةِ الخَبِيثَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ الرَّجُلَ إذا لَمْ يُسَمِّ عِنْدَ الجِماعِ فالجانُّ يَنْطَوِي عَلى إحْلِيلِهِ فَيُجامِعُ مَعَهُ؛ وذَلِكَ هي المُشارَكَةُ في الأوْلادِ،والأوْلى ما ذَكَرْنا.
﴿وعِدْهُمْ﴾ المَواعِيدَ الباطِلَةَ كَشَفاعَةِ الآلِهَةِ ونَفْعِ الأنْسابِ الشَّرِيفَةِ مَن لَمْ يُطِعِ اللَّهَ تَعالى أصْلًا، وعَدَمِ خُلُودِ أحَدٍ في النّارِ لِمُنافاةِ ذَلِكَ عِظَمَ الرَّحْمَةِ وطُولَ أمَلِ البَقاءِ في الدُّنْيا، ومِنَ الوَعْدِ الكاذِبِ وعْدُهُ إيّاهم أنَّهم إذا ماتُوا لا يُبْعَثُونَ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، ثُمَّ هَذا مِن قَبِيلِ المُشارَكَةِ في النَّفْسِ كَما في البَحْرِ.
﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ ما خُوطِبَ بِهِ الشَّيْطانُ لِبَيانِ حالِ مَواعِيدِهِ والِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ لِتَقْوِيَةِ مَعْنى الِاعْتِراضِ مَعَ ما فِيهِ مِن صَرْفِ الكَلامِ عَنْ خِطابِهِ وبَيانِ حالِهِ لِلنّاسِ ومِنَ الإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ شَيْطَنَتِهِ لِلْغُرُورِ وهو تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ أنَّهُ صَوابٌ ويُقالُ: غَرَّ فُلانًا إذا أصابَ غِرَّتَهُ أيْ: غَفْلَتَهُ ونالَ مِنهُ ما يُرِيدُ، وأصْلُ ذَلِكَ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ مِنَ الغَرِّ وهو الأثَرُ الظّاهِرُ مِنَ الشَّيْءِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ وصْفُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعْدًا غُرُورًا عَلى الأوْجُهِ الَّتِي فِي: رَجُلٌ عَدْلٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ وما يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ ما لا يَتِمُّ ولا يَقَعُ إلّا لِأنْ يَغُرُّهم. والأوَّلُ أظْهَرُ.
وذَكَرَ الإمامُ في سَبَبِ كَوْنِ وعْدِ الشَّيْطانِ غُرُورًا لا غَيْرَ أنَّهُ إنَّما يَدْعُو إلى أحَدِ ثَلاثَةِ أُمُورٍ قَضاءِ الشَّهْوَةِ. وإمْضاءِ الغَضَبِ، وطَلَبِ الرِّياسَةِ والرِّفْعَةِ، ولا يَدْعُو البَتَّةَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وخِدْمَتِهِ وتِلْكَ الأشْياءُ الثَّلاثَةُ
صفحة 113
لَيْسَتْ لَذائِذَ في الحَقِيقَةِ بَلْ دَفْعُ آلامٍ وإنْ سُلِّمَ أنَّها لَذائِذُ لَكِنَّها خَسِيسَةٌ يَشْتَرِكُ فِيها النّاقِصُ والكامِلُ بَلِ الإنْسانُ والكَلْبُ ومَعَ ذَلِكَ وهي وشِيكَةُ الزَّوالِ ولا تَحْصُلُ إلّا بِمَتاعِبَ كَثِيرَةٍ ومَشاقَّ عَظِيمَةٍ ويَتْبَعُها المَوْتُ والهَرَمُ واشْتِغالُ البالِ بِالخَوْفِ مِن زَوالِها والحِرْصِ عَلى بَقائِها، ولَذّاتُ البَطْنِ والفَرْجِ مِنها لا تَتِمُّ إلّا بِمُزاوَلَةِ رُطُوباتٍ مُتَعَفِّنَةٍ مُسْتَقْذَرَةٍ فَتَزْيِينُ ذَلِكَ لا يَكادُ يَكُونُ إلّا بِما هو أكْذَبُ مِن دَعْوى اجْتِماعِ النَّقِيضَيْنِ وهو الغُرُورُ.
17:65Page 288
إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥
Indeed, over My [believing] servants there is for you no authority. And sufficient is your Lord as Disposer of affairs.1
﴿إنَّ عِبادِي﴾ الإضافَةُ لِلتَّعْظِيمِ فَتَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ العِبادِ بِالمُخْلَصِينَ كَما وقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى ولِقَرِينَةِ كَوْنِ اللَّهِ تَعالى وكِيلًا لَهم يَحْمِيهِمْ مِن شَرِّ الشَّيْطانِ فَإنَّ مَن هو كَذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَبْدًا مُكْرَمًا مُخْتَصًّا بِهِ تَعالى، وكَثِيرًا ما يُقالُ لِمَن يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ حُبُّ شَيْءٍ فَيَنْقادُ لَهُ عَبْدُ ذَلِكَ الشَّيْءِ ومِنهُ عَبْدُ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ وعَبْدُ الخَمِيصَةِ وعَبْدُ بَطْنِهِ، ومِن هُنا يُقالُ لِمَن يَتْبَعُ الشَّيْطانَ عَبْدُ الشَّيْطانِ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ في الكَلامِ صِفَةً مَحْذُوفَةً؛ أيْ: إنَّ عِبادِي المُخْلَصِينَ.
وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ ﴿عِبادِي﴾ عامٌّ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ ولَيْسَ هُناكَ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ لَكِنْ تُرِكَ الِاسْتِثْناءُ اعْتِمادًا عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي هَذِهِ الإضافَةِ إيذانٌ بِعِلَّةِ ثُبُوتِ الحُكْمِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ أيْ: تَسَلُّطٌ وقُدْرَةٌ عَلى إغْوائِهِمْ، وتَأْكِيدُ الحُكْمِ مَعَ اعْتِرافِ الخَصْمِ بِهِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ.
﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ لَهم يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا ويَسْتَمِدُّونَ مِنهُ تَعالى في الخَلاصِ عَنْ إغْوائِكَ فَيَحْمِيهِمْ سُبْحانَهُ مِنهُ، والخِطابُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ قِيلَ لِلشَّيْطانِ كَما في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ فَفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ المُطْلَقَةِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ إشْعارٌ بِكَيْفِيَّةِ كِفايَتِهِ تَعالى لَهم وحِمايَتِهِ إيّاهم مِنهُ؛ أعْنِي سَلْبَ قُدْرَتِهِ عَلى إغْوائِهِمْ، وقِيلَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِلْإنْسانِ كَأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ مِن حالِ الشَّيْطانِ ما بَيَّنَ صارَ ذَلِكَ لِحُصُولِ الخَوْفِ في القُلُوبِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ﴾ أيُّها النَّبِيُّ أوْ أيُّها الإنْسانُ وكِيلًا فَهو جَلَّ جَلالُهُ يَدْفَعُ كَيْدَ الشَّيْطانِ ويَحْفَظُ مِنهُ، والقَلْبُ يَمِيلُ إلى عَدَمِ كَوْنِهِ خِطابًا لِلشَّيْطانِ وإنْ كانَ في السّابِقِ لَهُ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَعْصُومَ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى، وإنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَحْتَرِزَ بِنَفْسِهِ عَنْ مَواقِعِ الضَّلالِ وإلّا لَقِيلَ: وكَفى بِالإنْسانِ وكِيلًا لِنَفْسِهِ، هَذا وهاهُنا سُؤالانِ ذَكَرَهُما الإمامُ مَعَ جَوابَيْهِما، الأوَّلُ أنَّ إبْلِيسَ هَلْ كانَ عالِمًا بِأنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهُ بِهَذِهِ التَّهْدِيداتِ هو إلَهُ العالَمِ أوْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَكَيْفَ يُصِرُّ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ مانِعًا لَهُ مِنَ المَعْصِيَةِ مَعَ أنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وإنْ كانَ الثّانِي فَكَيْفَ قالَ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ والجَوابُ: لَعَلَّهُ كانَ شاكًّا في الكُلِّ، وكانَ يَقُولُ في كُلِّ قِسْمٍ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ، وأقُولُ: لا يَخْفى ما في هَذا الجَوابِ.
والحَقُّ فِيهِ أنَّهُ كانَ جازِمًا بِأنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهُ بِذَلِكَ هو إلَهُ العالَمِ جَلَّ وعَلا إلّا أنَّهُ غَلَبَتْ عَلَيْهِ شِقْوَتُهُ الَّتِي اسْتَعَدَّتْ لَها ذاتُهُ فَلَمْ يَصِرِ الوَعِيدُ مانِعًا لَهُ؛ ولِذا حِينَ تُنْصَبُ لِهَلاكِهِ الحَبائِلُ إذا جاءَ وقْتُهُ ويُعايِنُ مِنَ العَذابِ ما يُعايِنُ وتَضِيقُ عَلَيْهِ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ، فَيُقالُ لَهُ: اسْجُدِ اليَوْمَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَنْجُوَ لا يَسْجُدُ ويَقُولُ: لَمْ أسْجُدْ لَهُ حَيًّا فَكَيْفَ أسْجُدُ لَهُ مَيِّتًا كَما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ.
ولَيْسَ هَذا بِأعْجَبَ مِن حالِ الكُفّارِ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أشَدَّ العَذابِ عَلى كُفْرِهِمْ ويَطْلُبُونَ العَوْدَ لِيُؤْمِنُوا حَيْثُ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ. ورُبَّما يُقالُ: إنَّ اللَّعِينَ مَعَ هَذا الوَعِيدِ لَهُ أمَلٌ بِالنَّجاةِ، فَقَدْ حُكِيَ أنَّ مَوْلانا عَبْدَ اللَّهِ التُّسْتَرِيَّ سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ
صفحة 114
يُرِيَهُ إبْلِيسَ فَرَآهُ فَسَألَهُ: هَلْ تَطْمَعُ في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى؟ فَقالَ: كَيْفَ لا أطْمَعُ فِيها واللَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وأنا شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ فَقالَ التَّسْتُرِيُّ: ويْلَكَ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَيَّدَ في آخِرِ الآيَةِ فَقالَ إبْلِيسُ لَهُ: ويَحْكَ ما أجْهَلَكَ؛ القَيْدُ لَكَ لا لَهُ، ولَعَلَّهُ يَزْعُمُ أنَّ آياتِ الوَعِيدِ مُطْلَقًا مُقَيَّدَةٌ بِالمَشِيئَةِ وإنْ لَمْ تُذْكَرْ كَما يَقُولُهُ بَعْضُ الأشاعِرَةِ في آياتِ الوَعِيدِ لِلْعُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْظَرَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ومَكَّنَهُ مِنَ الوَسْوَسَةِ؟ والحَكِيمُ إذا أرادَ أمْرًا وعَلِمَ أنَّ لَهُ مانِعًا يَمْنَعُ مِن حُصُولِهِ لا يَسْعى في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المانِعِ، والجَوابُ أمّا عَلى مَذْهَبِنا فَظاهِرٌ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالَ الجُبّائِيُّ مِنهُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ أنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ عِنْدَ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ يَكْفُرُونَ بِتَقْدِيرِ أنْ لا يُوجَدَ وحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ في وُجُودِهِ مَزِيدُ مَفْسَدَةٍ، وقالَ أبُو هاشِمٍ: لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ مِن وُجُودِهِ مَزِيدُ مَفْسَدَةٍ إلّا أنَّهُ تَعالى أبْقاهُ تَشْدِيدًا لِلتَّكْلِيفِ عَلى الخَلْقِ لِيَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ مَزِيدَ الثَّوابِ، وأنا أقُولُ: إنَّ إبْلِيسَ لَيْسَ مانِعًا مِمّا يُرِيدُهُ اللَّهُ جَلَّ مَجْدُهُ وتَعالى جَدُّهُ فَما شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، واللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى خَلَقَ الخَلْقَ طِبْقَ عِلْمِهِ وعَلِمَ بِهِ طِبْقَ ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِهِ فافْهَمْ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
17:66Page 288
رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦
It is your Lord who drives the ship for you through the sea that you may seek of His bounty. Indeed, He is ever, to you, Merciful.
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقِيلَ: المَوْصُولُ صِفَةُ ﴿رَبُّكُمُ﴾ وهو صِفَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾ أوْ بَدَلٌ مِنهُ وذَلِكَ جائِزٌ، وإنْ تَباعَدَ ما بَيْنَهُما اه، وفِيهِ ما فِيهِ، وأصْلُ الإزْجاءِ السَّوْقُ حالًا بَعْدَ حالٍ، والمُرادُ بِهِ الإجْزاءُ، وكَأنَّ اخْتِيارَهُ عَلَيْهِ لِما أنَّهُ أدَلُّ مِنهُ عَلى القَسْرِ وهو أوْفَقُ بِالمَقامِ وأعْظَمُ في الإنْعامِ، أيْ: هو سُبْحانَهُ وتَعالى القادِرُ الحَكِيمُ الَّذِي يُجْرِي لِنَفْعِكُمُ السُّفُنَ في البَحْرِ بِالرِّيحِ اللَّيِّنَةِ وبِالآلاتِ حَسْبَما جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ تَعالى ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ تَصْرِيحٌ بِالنَّفْعِ؛ أيْ: لِتَطْلُبُوا مِن رِزْقِهِ الَّذِي هو فَضْلٌ مِن قِبَلِهِ سُبْحانَهُ أوْ مِنَ الرِّبْحِ الَّذِي هو جَلَّ شَأْنُهُ مُعْطِيهِ، ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ وتَفْسِيرُ الفَضْلِ بِالحَجِّ أوِ الغَزْوِ غَيْرُ مُناسِبٍ، وهَذا تَذْكِيرٌ لِبَعْضِ النِّعَمِ الَّتِي هي دَلائِلُ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو المُرادُ الأصْلِيُّ مِنَ البِعْثَةِ وتَمْهِيدٌ لِذِكْرِ تَوْحِيدِهِمْ عِنْدَ مِساسِ الضُّرِّ تَكْمِلَةٌ لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ الآيَةَ.
﴿إنَّهُ كانَ﴾ أزَلًا وأبَدًا ﴿بِكم رَحِيمًا﴾ حَيْثُ هَيَّأ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وسَهَّلَ عَلَيْكم ما يَعْسُرُ مِن مَبادِيهِ، وهَذا تَذْيِيلٌ فِيهِ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإزْجاءِ والِابْتِغاءِ لِلْفَضْلِ، وصِيغَةُ الرَّحِيمِ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّحْمَةِ الرَّحْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ والنِّعْمَةُ العاجِلَةُ المُنْقَسِمَةُ إلى الجَلِيلَةِ والحَقِيرَةِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِصاصِ الرَّحِيمِ بِالدُّنْيا كَما هو المَشْهُورُ، وعَلَيْهِ يا رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمَ الدُّنْيا، وقِيلَ بِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ وعَلَيْهِ يا رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمَهُما.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences