Al-AlusiAl‑Isra · 17:85–91

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:85–91, continued

والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ مَعَ ما ذُكِرَ أنَّ الأرْواحَ وإنِ اخْتَلَفَ مُسْتَقَرُّها بِمَعْنى مَحَلِّها الَّذِي أُعْطِيَتَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى جَزاءَ عَمَلِها لَكِنْ لَها جَوَلانًا في مُلْكِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ شاءَ جَلَّ جَلالُهُ ولا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الإذْنِ وهي مُتَفاوِتَةٌ في ذَلِكَ حَسْبَ تَفاوُتِها في القُرْبِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى إنَّ بَعْضَ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ لَتَظْهَرُ فَيَراها مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأحْياءِ يَقَظَةً، وأنَّ أرْواحَ المَوْتى تَتَلاقى وتَتَزاوَرُ وتَتَذاكَرُ وقَدْ تَتَلاقى أرْواحُ الأمْواتِ والأحْياءِ مَنامًا ولا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلّا مَن يَجْعَلُ الرُّؤْيا خَيالاتٍ لا أصْلَ لَها، وذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لَكِنْ لا يَنْبَغِي أنْ يُبْنى عَلى ذَلِكَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لِاحْتِمالِ عَدَمِ الصِّحَّةِ وإنْ قامَتْ قَرِينَةٌ عَلَيْها، وما صَحَّ مِن أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ خَرَجَ مَعَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ إلى حَرْبِ مُسَيْلِمَةَ فاسْتُشْهِدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكانَ عَلَيْهِ دِرْعٌ نَفِيسَةٌ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأخَذَها فَبَيْنا رَجُلٌ مِنَ الجُنْدِ نائِمٌ إذْ أتاهُ ثابِتٌ في مَنامِهِ فَقالَ لَهُ: أُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ فَإيّاكَ أنْ تَقُولَ: هَذا حُلْمٌ فَتُضَيِّعَهُ؛ إنِّي لَمّا قُتِلْتُ أمْسِ مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأخَذَ دِرْعِي ومَنزِلُهُ في أقْصى النّاسِ وعِنْدَ خِبائِهِ فَرَسٌ يَسْتَنُّ في طُولِهِ وقَدْ كَفى عَلى الدِّرْعِ بُرْمَةً وفَوْقَ البُرْمَةِ رَحْلٌ فَأْتِ خالِدًا فَمُرْهُ أنْ يَبْعَثَ إلَيَّ دِرْعِي فَيَأْخُذَها وإذا قَدِمْتَ المَدِينَةَ عَلى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْ لَهُ: إنَّ عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ كَذا وكَذا، وفُلانٌ مِن رَقِيقِي عَتِيقٌ، فَأتى الرَّجُلُ خالِدًا فَأخْبَرَهُ فَبَعَثَ إلى الدِّرْعِ وأتى بِها وحَدَّثَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِرُؤْياهُ فَأجازَ وصِيَّتَهُ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُ مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بِإجازَةِ الوارِثِ وهي بِنْتُهُ لِغَلَبَةِ ظَنِّ صِدْقِ الرُّؤْيا بِما قامَ مِنَ القَرِينَةِ ولَوْ لَمْ تُجِزْ لَمْ يَسُغْ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيا، وقِيلَ: إنَّ أبا بَكْرٍ لَمْ يَرَ الرَّدَّ فَفَعَلَ ذَلِكَ مِن حِصَّةِ بَيْتِ المالِ، ومِثْلُ هَذِهِ القِصَّةِ قِصَّةُ مُصْعَبِ بْنِ جَثّامَةَ وعَوْفِ بْنِ مالِكٍ، وقَدْ ذَكَرَها ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِ الرُّوحِ وهي أغْرَبُ مِمّا ذُكِرَ بِكَثِيرٍ، ورُبَّما يُؤْذَنُ لِأرْواحِ بَعْضِ النّاسِ في زِيارَةِ أهْلِيهِمْ كَما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ، وبَعْضُ الأرْواحِ تُحْبَسُ في قَبْرِها أوْ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَنْ مَقامِها كَرُوحِ مَن يَمُوتُ وعَلَيْهِ دَيْنٌ اسْتَدانَهُ في مُحَرَّمٍ لا مُطْلَقًا كَما هو المَشْهُورُ، وتَحْقِيقُهُ في شَرْحِ الشَّمائِلِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ.

ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اتِّصالَ الرُّوحِ بِالبَدَنِ لا يَخْتَصُّ بِجُزْءٍ دُونَ جُزْءٍ، بَلْ هي مُتَّصِلَةٌ مُشْرِقَةٌ عَلى سائِرِ أجْزائِهِ، وإنْ تَفَرَّقَتْ وكانَ جُزْءٌ بِالمَشْرِقِ وجُزْءٌ بِالمَغْرِبِ، ولَعَلَّ هَذا الإشْراقَ عَلى الأجْزاءِ الأصْلِيَّةِ لِأنَّها الَّتِي يَقُومُ بِها الإنْسانُ مِن قَبْرِهِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ، واعْلَمْ أيْضًا أنَّ الرُّوحَ عَلى القَوْلِ بِتَجَرُّدِها لا مُسْتَقَرَّ لَها بَلْ لا يُقالُ إنَّها داخِلَ العالَمِ أوْ خارِجَهُ كَما سَمِعْتَ وإنَّما المُسْتَقَرُّ حِينَئِذٍ لِلْبَدَنِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ، وقَدْ نَصَّ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ تَتَعَلَّقَ نَفْسٌ بِبَدَنَيْنِ فَأكْثَرَ، بَلْ هو واقِعٌ عِنْدَهُمْ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ أحَدَ البَدَنَيْنِ هو البَدَنُ الأصْلِيُّ والآخَرُ مِثالِيٌّ يَظْهَرُ لِلْعِيانِ عَلى وجْهِ خَرْقِ العادَةِ، وقالَ آخَرُ: إنَّ الآخَرَ مِن بابِ تَطَوُّرِ الرُّوحِ وظُهُورِها بِصُورَةٍ عَلى نَحْوِ ظُهُورِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وظُهُورِ القُرْآنِ لِحافِظِهِ بِصُورَةِ الرَّجُلِ الشّاحِبِ

صفحة 164

يَوْمَ القِيامَةِ، والفَلاسِفَةُ قالُوا: لا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ نَفْسٌ واحِدَةٌ بِأبْدانٍ كَثِيرَةٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومُ أحَدِها مَعْلُومُ الآخَرِ، ومَجْهُولُ أحَدِها مَجْهُولُ الآخَرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا الدَّلِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ إنْسانَيْنِ يَعْلَمُ أحَدُهُما ما لا يَعْلَمُ الآخَرُ فَإنَّ نَفْسَهُما مُتَغايِرَتانِ فَلِمَ لا يَجُوزُ وُجُودُ إنْسانَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِما نَفْسٌ واحِدَةٌ، ويَكُونُ كُلُّ ما عَلِمَهُ أحَدُهُما عَلِمَهُ الآخَرُ لا مَحالَةَ، وما يَجْهَلُهُ أحَدُهُما يَكُونُ مَجْهُولًا لِلْآخَرِ لا بُدَّ لِعَدَمِ الجَوازِ مِن دَلِيلٍ، وعَلى ما ذَكَرَهُ هَؤُلاءِ الصُّوفِيَّةُ يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الرُّوحُ بِبَدَنٍ في الجَنَّةِ وبِبَدَنٍ آخَرَ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَلْ يَجُوزُ أنْ تَظْهَرَ في صُوَرٍ شَتّى في أماكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ عَلى حَدِّ ما قالُوهُ في جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ في حالِ ظُهُورِهِ في صُورَةِ دِحْيَةَ أوْ أعْرابِيٍّ غَيْرِهِ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُفارِقْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ ما يَقُولُونَ في تَجَلِّي اللَّهِ تَعالى في الصُّوَرِ وسَمِعْتَ خَبَرَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ»».

ومِن هُنا قالُوا: مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ فافْهَمِ الإشارَةَ، ولَعَمْرِي هي عِبارَةٌ، ثُمَّ إنَّ أرْواحَ سائِرِ الحَيَواناتِ مِنَ البَهائِمِ ونَحْوِها قِيلَ: تَكُونُ بَعْدَ المُفارَقَةِ في الهَواءِ ولا اتِّصالَ لَها بِالأبْدانِ، وقِيلَ: تُعْدَمُ ولا يُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنْ كانَ لِلْحَيَواناتِ حَشْرٌ يَوْمَ القِيامَةِ كَما هو المَشْهُورُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ظَواهِرُ الآياتِ والأخْبارِ فالأوْلى أنْ يُقالَ بِبَقاءِ أرْواحِها في الهَواءِ أوْ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها حَشْرٌ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الغَزالِيُّ وأوَّلَ الظَّواهِرَ فالأوْلى أنْ يُقالَ بِانْعِدامِها، هَذا وبَقِيَتْ أبْحاثٌ كَثِيرَةٌ تَرَكْناها لِضِيقِ القَفَصِ واتِّساعِ دائِرَةِ الغُصَصِ، ولَعَلَّ فِيما ذَكَرْناهُ هُنا مَعَ ما ذَكَرْناهُ فِيما قَبْلُ كِفايَةً لِأهْلِ البِدايَةِ وهِدايَةً لِمَن ساعَدَتْهُ العِنايَةُ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ولِيُّ الكَرَمِ والجُودِ، ومِنهُ سُبْحانُهُ بَدْءُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ جَلَّ وعَلا يَعُودُ.

17:86Page 290

وَلَئِن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيۡنَا وَكِيلًا ٨٦

And if We willed, We could surely do away with that which We revealed to you. Then you would not find for yourself concerning it an advocate against Us.

﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والَّذِي ثَبَّتْناكَ عَلَيْهِ حِينَ كادُوا يَفْتِنُونَكَ عَنْهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أوْصافِهِ الَّتِي يُشْعِرُ بِها السِّياقُ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ ووَصْفًا لَهُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ابْتِداءً إعْلامًا بِحالِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وبِأنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ كَلامِ المَخْلُوقِ، واللّامُ الأُولى مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ «ولَنَذْهَبَنَّ» جَوابُهُ النّائِبُ مَنابَ جَزاءِ الشَّرْطِ فَهو مُغْنٍ عَنْ تَقْدِيرِهِ ولَيْسَ جَزاءً لِدُخُولِ اللّامِ عَلَيْهِ وهو ظاهِرٌ وبِذَلِكَ حَسُنَ حَذْفُ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ، والمُرادُ بِالذَّهابِ بِهِ مَحْوُهُ عَنِ المَصاحِفِ والصُّدُورِ وهو أبْلَغُ مِنَ الأفْعالِ، ويُرادُ عَلى هَذا مِنَ القُرْآنِ عَلى ما قِيلَ صُورَتُهُ مِن أنْ تَكُونَ في نُقُوشِ الكِتابَةِ أوْ في الصُّوَرِ الَّتِي في القُوَّةِ الحافِظَةِ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ﴾ أيِ القُرْآنِ ﴿عَلَيْنا وكِيلا﴾ أيْ: مُتَعَهِّدًا ومُلْتَزِمًا اسْتِرْدادَهُ بَعْدَ الذَّهابِ بِهِ كَما يَلْتَزِمُ الوَكِيلُ ذَلِكَ فِيما يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ مُتَوَقِّعًا أنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا في السُّطُورِ والصُّدُورِ كَما كانَ قَبْلُ، فالوَكِيلُ مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ.

17:87Page 291

إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَيۡكَ كَبِيرٗا ٨٧

Except [We have left it with you] as a mercy from your Lord. Indeed, His favor upon you has ever been great.

﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عَلى ما اخْتارَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما وهو مُفَسَّرٌ بِلَكِنْ في المَشْهُورِ، والِاسْتِدْراكُ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الطِّيبِيُّ وغَيْرُهُ، واقْتَضاهُ ظاهِرُ كَلامِ جَمْعٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ﴾ وقالَ في الكَشْفِ: إنَّهُ لَيْسَ اسْتِدْراكًا عَنْ ذَلِكَ فَإنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ ﴿وكِيلا﴾ وهَذا مِنَ المُنْقَطِعِ المُمْتَنِعِ إيقاعُهُ مَوْقِعَ الِاسْمِ الأوَّلِ الواجِبِ فِيهِ النَّصْبُ في لُغَتَيِ الحِجازِ وتَمِيمٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مِن رَحِمَ﴾ في رَأْيٍ، وقَوْلِهِمْ: لا تَكُونَنَّ مِن فُلانٍ إلّا سَلامًا بِسَلامٍ، فَقَدْ صَرَّحَ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ الفَرِيقَيْنِ يُوجِبُونَ النَّصْبَ ولا يُجَوِّزُونَ الإبْدالَ في المُنْقَطِعِ فِيما لا يَكُونُ قَبْلَهُ اسْمٌ يَصِحُّ حَذْفُهُ، وكَوْنُ

صفحة 165

ما نَحْنُ فِيهِ مِن ذَلِكَ ظاهِرٌ لِمَن لَهُ ذَوْقٌ، والمَعْنى: ثُمَّ بَعْدَ الإذْهابِ لا تَجِدُ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْنا بِالِاسْتِرْدادِ ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ تَرَكْتُهُ غَيْرَ مَنصُوبٍ فَلَمْ تَحْتَجْ إلى مَن يَتَوَكَّلُ لِلِاسْتِرْدادِ مَيْئُوسٌ عَنْهُ بِالفِقْدانِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلا تَجِدُ، والتَّغايُرُ المَعْنَوِيُّ بَيْنَ الكَلامَيْنِ مِن دَلالَةِ الأوَّلِ عَلى الإذْهابِ ضِمْنًا والثّانِي عَلى خِلافِهِ حاصِلٌ وهو كافٍ فافْهَمْ، ويُفْهَمُ صَنِيعُ البَعْضِ اخْتِيارَ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ﴿وكِيلا﴾ أيْ: لا تَجِدُ وكِيلًا بِاسْتِرْدادِهِ إلّا الرَّحْمَةَ فَإنَّكَ تَجِدُها مُسْتَرَدَّةً، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ شُمُولَ الوَكِيلِ لِلرَّحْمَةِ يَحْتاجُ إلى نَوْعِ تَكَلُّفٍ.

وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ «رَحْمَةً» نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والتَّقْدِيرُ: حَفِظْناهُ عَلَيْكَ لِلرَّحْمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، أيْ: ولَكِنْ رَحِمْناكَ رَحْمَةً اه. وهو كَما تَرى، والآيَةُ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ امْتِنانٌ بِإبْقاءِ القُرْآنِ بَعْدَ الِامْتِنانِ بِتَنْزِيلِهِ، وذَكَرُوا أنَّها عَلى التَّقْدِيرِ الآخَرِ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ الإبْقاءِ فالمِنَّةُ حِينَئِذٍ إنَّما هي في تَنْزِيلِهِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الخَفاءِ وما يُذْكَرُ في بَيانِهِ لا يَرْوِي الغَلِيلَ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ مَشِيئَةَ الذَّهابِ بِهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ وأنَّ فِقْدانَ المُسْتَرَدِّ إلّا الرَّحْمَةَ إنَّما هو عَلى فَرْضِ تَحَقُّقِ المَشِيئَةِ لَكِنْ جاءَ في الأخْبارِ أنَّ القُرْآنَ يُذْهَبُ بِهِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.

فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَدْرُسُ الإسْلامُ كَما يَدْرُسُ وشْيُ الثَّوْبِ حَتّى لا يُدْرى ما صِيامٌ ولا صَدَقَةٌ ولا نُسُكٌ، ويُسْرى عَلى كِتابِ اللَّهِ تَعالى في لَيْلَةٍ فَلا يَبْقى في الأرْضِ مِنهُ آيَةٌ، ويُبْقى الشَّيْخُ الكَبِيرُ والعَجُوزُ يَقُولُونَ: أدْرَكْنا آباءَنا عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَنَحْنُ نَقُولُها»».

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ قالا: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «يا أيُّها النّاسُ، ما هَذِهِ الكُتُبُ الَّتِي بَلَغَنِي أنَّكم تَكْتُبُونَها مَعَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، يُوشِكُ أنْ يَغْضَبَ اللَّهُ تَعالى لِكِتابِهِ فَيُسْرى عَلَيْهِ لَيْلًا لا يُتْرَكُ في قَلْبٍ ولا ورَقٍ مِنهُ حَرْفٌ إلّا ذَهَبَ بِهِ. فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ؟ قالَ: مَن أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهِ خَيْرًا أبْقى في قَلْبِهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: يُسْرى عَلى كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَيُرْفَعُ إلى السَّماءِ فَلا يَبْقى في الأرْضِ آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ ولا مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ فَيُنْزَعُ مِن قُلُوبِ الرِّجالِ فَيُصْبِحُونَ في الضَّلالَةِ لا يَدْرُونَ ما هم فِيهِ.

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَرْجِعَ القُرْآنُ مِن حَيْثُ جاءَ لَهُ دَوِيٌّ حَوْلَ العَرْشِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ما لَكَ؟ فَيَقُولُ: مِنكَ خَرَجْتُ وإلَيْكَ أعُودُ، أُتْلى ولا يُعْمَلُ بِي،» وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ.

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: سَيُرْفَعُ القُرْآنُ مِنَ المَصاحِفِ والصُّدُورِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا﴾ الآيَةَ.

وفِي البَهْجَةِ أنَّهُ يُرْفَعُ أوَّلًا مِنَ المَصاحِفِ ثُمَّ يُرْفَعُ لِأعْجَلِ زَمَنٍ مِنَ الصُّدُورِ، والذّاهِبُ بِهِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: فَيا لَها مِن مُصِيبَةٍ ما أعْظَمَها، وبَلِيَّةٍ ما أوْخَمَها.

فَإنْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى الذَّهابِ بِهِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَها وبَيْنَ هَذِهِ الأخْبارِ، وإذا دَلَّتْ عَلى إبْقائِهِ فالمُنافاةُ ظاهِرَةٌ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ الإبْقاءَ لا يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِمْرارَ ويَكْفِي فِيهِ إبْقاؤُهُ إلى قُرْبِ قِيامِ السّاعَةِ فَتَدَبَّرْ، ومِمّا يُرْشِدُ إلى أنَّ سَوْقَ الآيَةِ لِلِامْتِنانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ﴾ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ ﴿عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ ومِنهُ إنْزالُ القُرْآنِ واصْطِفاؤُهُ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ وخَتْمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهِ، وإعْطاؤُهُ المَقامَ المَحْمُودَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ أبُو سَهْلٍ: إلّا أنَّها

صفحة 166

سِيقَتْ لِتَهْدِيدِ غَيْرِهِ ﷺ بِإذْهابِ ما أُوتُوا لِيَصُدَّهم عَنْ سُؤالِ ما لَمْ يُؤْتَوْا كَعِلْمِ الرُّوحِ وعِلْمِ السّاعَةِ.

وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنِ الرُّوحِ وذِي القَرْنَيْنِ وأهْلِ الكَهْفِ وأبْطَأ عَلَيْهِ الوَحْيُ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وبَلَغَ مِنهُ الغايَةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ تَسْكِينًا لَهُ ﷺ، والتَّقْدِيرُ أيَعِزُّ عَلَيْكَ تَأخُّرُ الوَحْيِ فَإنّا إنْ شِئْنا ذَهَبْنا بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ جَمِيعِهِ، فَسَكَنَ ما كانَ يَجِدُهُ ﷺ وطابَ قَلْبُهُ انْتَهى، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى.

17:88Page 291

قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا ٨٨

Say, "If mankind and the jinn gathered in order to produce the like of this Qur’ān, they could not produce the like of it, even if they were to each other assistants."

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ أيِ اتَّفَقُوا ﴿عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ﴾ المَنعُوتِ بِما لا تُدْرِكُهُ العُقُولُ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ مِنَ البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وكَمالِ المَعْنى، وتَخْصِيصُ الثَّقَلَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ المُنْكِرَ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِنهُما لا مَن غَيْرِهِما، والتَّحَدِّي إنَّما كانَ مَعَهُما، وإنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ مَبْعُوثًا إلى المَلَكِ كَما هو مَبْعُوثٌ إلَيْهِما لا لِأنَّ غَيْرَهُما قادِرٌ عَلى المُعارَضَةِ؛ فَإنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى فَرْضِ تَصَدِّيهِمْ لَها وحاشاهم إذْ هم مَعْصُومُونَ لا يَفْعَلُونَ إلّا ما يُؤْمَرُونَ عاجِزُونَ كَغَيْرِهِمْ ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ أيْ: هَذا القُرْآنُ وأُوثِرَ الإظْهارُ عَلى إيرادِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المَثَلِ المَذْكُورِ احْتِرازًا عَنْ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ لَهُ مَثَلًا مُعَيَّنًا وإيذانًا بِأنَّ المُرادَ نَفِيُ الإتْيانِ بِمِثْلٍ ما؛ أيْ: لا يَأْتُونَ بِكَلامٍ مُماثِلٍ لَهُ فِيما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ وفِيهِمُ العَرَبُ العُرَباءُ أرْبابُ البَراعَةِ والبَيانِ، وقِيلَ: المُرادُ تَعْجِيزُ الإنْسِ وذَكَرَ الجِنَّ مُبالَغَةً في تَعْجِيزِهِمْ؛ لِأنَّهم إذا عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ ومَعَهُمُ الجِنُّ القادِرُونَ عَلى الأفْعالِ المُسْتَغْرَبَةِ فَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ وحْدَهم أعْجَزُ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الجِنِّ ما يَشْمَلُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقَدْ جاءَ إطْلاقُ الجِنِّ عَلى المَلائِكَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ نَعَمْ الأكْثَرُ اسْتِعْمالُهُ في غَيْرِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَيْثُ كانُوا وسائِطَ في إتْيانِهِ لا يَنْبَغِي إدْراجُهم إذْ لا يُلائِمُهُ حِينَئِذٍ ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ نَفْيَ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ مِمَّنْ أُسْنِدَ إلَيْهِمُ الفِعْلُ، وجُمْلَةُ: «لا يَأْتُونَ» جَوابُ القَسَمِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ اللّامُ المُوَطِّئَةُ، وسادٌّ مَسَدَّ جَزاءِ الشَّرْطِ ولَوْلاها لَكانَ ﴿لا يَأْتُونَ﴾ جَزاءَ الشَّرْطِ، وإنْ كانَ مَرْفُوعًا بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ إذا كانَ ماضِيًا يَجُوزُ الرَّفْعُ في الجَوابِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ:

وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ يَقُولُ لا غائِبٌ مالِيَ ولا حَرِمُ

لِأنَّ أداةَ الشَّرْطِ إذا لَمْ تُؤَثِّرُ في الشَّرْطِ ظاهِرًا مَعَ قُرْبِهِ جازَ أنْ لا تُؤَثِّرَ في الجَوابِ مَعَ بُعْدِهِ، وهَذا القَوْلُ خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ ومَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والمُبَرِّدِ كَما فُصِّلَ في مَوْضِعِهِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ اللّامِ جَعْلُ المَذْكُورِ جَوابَ الشَّرْطِ خِلافًا لِلْفَرّاءِ، وأمّا قَوْلُ الأعْشى:

لَئِنْ مُنِيتَ بِنا عَنْ غِبِّ مَعْرَكَةٍ ∗∗∗ لا تُلْفِنا عَنْ دِماءِ الخَلْقِ نَنْتَفِلُ

فاللّامُ لَيْسَتِ المُوَطِّئَةَ بَلْ هي زائِدَةٌ عَلى ما قِيلَ فافْهَمْ، وحَيْثُ كانَ المُرادُ بِالِاجْتِماعِ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ مُطْلَقَ الِاتِّفاقِ عَلى ذَلِكَ سَواءٌ كانَ التَّصَدِّي لِلْمُعارَضَةِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى الِانْفِرادِ أوْ مِنَ المَجْمُوعِ بِأنَّ يَتَألَّبُوا عَلى تَلْفِيقِ كَلامٍ واحِدٍ بِتَلاحُقِ الأفْكارِ وتَعاضُدِ الأنْظارِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ أيْ: مُعِينًا في تَحْقِيقِ ما يَتَوَخَّوْنَهُ مِنَ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُهم

صفحة 167

لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، ولَوْ كانَ... إلَخْ. وهي في مَوْضِعِ الحالِ كالجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، والمَعْنى: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ ولَوْ في مِثْلِ هَذِهِ الحالِ المُنافِيَةِ لِعَدَمِ الإتْيانِ بِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِها وفِيهِ رَدٌّ لِلْيَهُودِ أوْ قُرَيْشٍ في زَعْمِهِمُ الإتْيانُ بِمِثْلِهِ.

فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ طائِفَةً مِنَ الأوَّلِينَ قالُوا: أخْبِرْنا يا مُحَمَّدُ بِهَذا الحَقِّ الَّذِي جِئْتَ بِهِ أحَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَإنّا لا نَراهُ مُتَناسِقًا كَتَناسُقِ التَّوْراةِ فَقالَ ﷺ لَهُمْ: «أما واللَّهِ إنَّكم لَتَعْرِفُونَهُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. قالُوا: إنّا نَجِيئُكَ بِمِثْلِ ما تَأْتِي بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».

وفِي رِوايَةٍ: «أنَّ جَماعَةً مِن قُرَيْشٍ قالُوا لَهُ ﷺ: جِئْنا بِآيَةٍ غَرِيبَةٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ فَإنّا نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى المَجِيءِ بِمِثْلِهِ فَنَزَلَتْ».

ولَعَلَّ مُرادَهم بِهَذِهِ الآيَةِ الغَرِيبَةِ ما تَضَمَّنَهُ الآياتُ بَعْدُ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ إلَخْ وحِينَئِذٍ قِيلَ: يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ الآياتِ الأُخَرِ رَدٌّ لِجَمِيعِ ما عَنَوْهُ بِهَذا الكَلامِ إلّا أنَّهُ ابْتَدَأ بِرَدِّ قَوْلِهِمْ: نَحْنُ نَقْدِرُ إلَخِ اهْتِمامًا بِهِ فَإنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ مَنشَأُ طَلَبِهِمُ الآيَةَ الغَرِيبَةَ.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ حَسْمَ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ في رَوْمِ تَبْدِيلِ بَعْضِ آياتِهِ بِبَعْضٍ ولا مَساغَ لِكَوْنِها تَقْرِيرًا لِما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا﴾ كَما قِيلَ لَكِنْ لا لِما قِيلَ مِن أنَّ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ أصْعَبُ مِنَ اسْتِرْدادِ عَيْنِهِ ونَفْيُ الشَّيْءِ إنَّما يُقَرِّرُهُ نَفْيُ ما دُونَهُ دُونَ نَفْيِ ما فَوْقَهُ لِأنَّ أصْعَبِيَّةَ الِاسْتِرْدادِ بِغَيْرِ أمْرِهِ تَعالى مِنَ الإتْيانِ المَذْكُورِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ، بَلْ لِأنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لَيْسَتْ مَسُوقَةً إلى النَّبِيِّ ﷺ بَلْ إلى المُكابِرِينَ مِن قَبْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ انْتَهى، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ في وجْهِ التَّقْرِيرِ: أنَّ عَدَمَ قُدْرَةِ الثَّقَلَيْنِ عَلى رَدِّهِ بَعْدَ إذْهابِهِ مُساوٍ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى مِثْلِهِ لِأنَّ رَدَّهُ بِعَيْنِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِعَدَمِ وُصُولِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا رَدُّهُ بِمِثْلِهِ فَصَرَّحَ بِنَفْيِهِ تَقْرِيرًا لَهُ مِنَ النَّظَرِ وعَدَمِ الجَدْوى، هَذا واسْتَدَلَّ صاحِبُ الكَشّافِ بِإعْجازِ القُرْآنِ عَلى حُدُوثِهِ؛ إذْ لَوْ كانَ قَدِيمًا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا فَلا يَكُونُ مُعْجِزًا كالمُحالِ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا نِزاعَ في حُدُوثِ النَّظْمِ وإنْ تَحاشى أهْلُ السُّنَّةِ مِن إطْلاقِ المَخْلُوقِ عَلَيْهِ لِلْإيهامِ وهو المُعْجِزُ إنَّما النِّزاعُ في المُعَبِّرِ بِهَذِهِ العِبارَةِ المُعْجِزَةِ وهو المُسَمّى بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ فَهو اسْتِدْلالٌ لا يَنْفَعُهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ ابْنُ المُنَيِّرِ.

وقالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: الجَوابُ مَنعُ المُلازَمَةِ إذْ مُصَحِّحُ المَقْدُورِيَّةِ الإمْكانُ وهو حاصِلٌ لا الحُدُوثُ، وأيْضًا المُعْجِزُ لَفْظُهُ ولا يُقالُ بِقِدَمِهِ والقَدِيمُ كَلامُ النَّفْسِ ولا يُقالُ بِإعْجازِهِ، وأيْضًا سَلَّمْنا أنَّ القَدِيمَ لا يَقْدِرُ البَشَرُ عَلى عَيْنِهِ لَكِنْ لِمَ لا يُقْدَرُ عَلى مِثْلِهِ، واخْتارَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ هَذا الأخِيرَ في الجَوابِ، وقَدْ ذَكَرْنا في المُقَدِّماتِ مِنَ الكَلامِ ما يَنْفَعُكَ في هَذا المَقامِ فَتَدَبَّرْ، واللَّهُ تَعالى ولِيُّ الإنْعامِ ومُسَدِّدُ الأفْهامِ.

17:89Page 291

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٨٩

And We have certainly diversified for the people in this Qur’ān from every [kind of] example, but most of the people refused except disbelief.

﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ كَرَّرْنا ورَدَّدْنا عَلى أسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ تُوجِبُ زِيادَةَ تَقْرِيرٍ ورُسُوخٍ ﴿لِلنّاسِ﴾ أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ كَما هو الظّاهِرُ ﴿فِي هَذا القُرْآنِ﴾ المَنعُوتِ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ مِن كُلِّ مَعْنًى بَدِيعٍ هو في الحُسْنِ والغَرابَةِ واسْتِجْلابِ النُّفُوسِ كالمَثَلِ، ومَفْعُولُ ﴿صَرَّفْنا﴾ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ مَحْذُوفٌ؛ أيِ البَيانَ وقَدَّرَهُ البَيِّناتِ والعِبَرَ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ تَكُونَ سَيْفَ خَطِيبٍ، فَ «كُلِّ» هو المَفْعُولُ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ زِيادَةَ مِن في الإيجابِ دُونَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ.

وقَرَأ الحَسَنُ: «صَرَفْنا» بِتَخْفِيفِ الرّاءِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أبْلَغُ. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ فَعَلْنا ذَلِكَ لِلنّاسِ لِيُذْعِنُوا ويَتَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ أيْ: جُحُودًا وفُسِّرَ بِهِ لِثُبُوتِ الصِّدْقِ بِأصْلِ

صفحة 168

الإعْجازِ، والمُرادُ بِالنّاسِ المَذْكُورُونَ أوَّلًا وأُوثِرَ الإظْهارُ عَلى الإضْمارِ تَأْكِيدًا وتَوْضِيحًا، والمُرادُ بِالأكْثَرِ قِيلَ: مَن كانَ في عَهْدِهِ ﷺ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ.

واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ بِدَلِيلِ أنَّ الضَّمائِرَ الآتِيَةَ لَهُمْ، ونُصِبَ ﴿كُفُورًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ أبى والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، وصَحَّ ذَلِكَ هُنا مَعَ أنَّهُ مَشْرُوطٌ بِتَقَدُّمِ النَّفْيِ فَلا يَصِحُّ ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا؛ لِأنَّ أبى قَرِيبٌ مِن مَعْنى النَّفْيِ فَهو مُؤَوَّلٌ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ما قَبِلَ أكْثَرُهم إلّا كُفُورًا، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في أبَوُا الإيمانَ؛ لِأنَّ فِيهِ زِيادَةً عَلى أنَّهم لَمْ يَرْضَوْا بِخَصْلَةٍ سِوى الكُفْرِ مِنَ الإيمانِ والتَّوَقُّفِ في الأمْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ وأنَّهم بالَغُوا في عَدَمِ الرِّضا حَتّى بَلَغُوا مَرْتَبَةَ الإباءِ، وإنَّما لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ في الإثْباتِ لِفَسادِ المَعْنى؛ إذْ لا قَرِينَةَ عَلى تَقْدِيرِ أمْرٍ خاصٍّ والعُمُومُ لا يَصِحُّ إذْ لا يُمْكِنُ في المِثالِ أنْ تَضْرِبَ كُلَّ أحَدٍ إلّا زَيْدًا فَإنْ صَحَّ العُمُومُ في مِثالٍ جازَ التَّفْرِيغُ في غَيْرِ تَأْوِيلٍ بِنَفْيٍ فَيَجُوزُ صَلَّيْتُ إلّا يَوْمَ كَذا؛ إذْ يَجُوزُ أنَّ تُصَلِّيَ كُلَّ يَوْمٍ غَيْرَهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ أبَوْا كُلَّ شَيْءٍ فِيما اقْتَرَحُوهُ إلّا كُفُورًا.

17:90Page 291

وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا ٩٠

And they say, "We will not believe you until you break open for us from the ground a spring

﴿وقالُوا﴾ عِنْدَ ظُهُورِ عَجْزِهِمْ ووُضُوحِ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ بِالإعْجازِ التَّنْزِيلِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ مُتَعَلِّلِينَ بِما لا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ وُقُوعَهُ مِنَ الأُمُورِ ولا تَوَقُّفَ لِثُبُوتِ المُدَّعى عَلَيْهِ، وبَعْضُهُ مِنَ المُحالاتِ العَقْلِيَّةِ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ مِن بابِ نَصَرَ المُتَعَدِّي، وبِذَلِكَ قَرَأ الكُوفِيُّونَ أيْ تَفْتَحُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: «تُفَجِّرَ» مِن فَجَّرَ مُشَدَّدًا، والتَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ «تُفْجِرَ» مِن أفْجَرَ رُباعِيًّا وهي لُغَةٌ في فَجَرَ ﴿لَنا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مَكَّةَ لِقِلَّةِ مِياهِها فالتَّعْرِيفُ عَهْدِيٌّ ﴿يَنْبُوعًا﴾ مَفْعُولٌ مِن نَبَعَ الماءُ كَيَعْبُوبٍ مَن عَبَّ الماءُ إذا زَخَرَ وكَثُرَ مَوْجُهُ، فالياءُ زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، والمُرادُ عَيْنًا لا يَنْضُبُ ماؤُها، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ اليَنْبُوعَ هو النَّهْرُ الَّذِي يَجْرِي مِنَ العَيْنِ، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وكَفى بِهِ

17:91Page 291

أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا ٩١

Or [until] you have a garden of palm trees and grapes and make rivers gush forth within them in force [and abundance]

﴿أوْ تَكُونَ لَكَ﴾ خاصَّةً ﴿جَنَّةٌ﴾ بُسْتانٌ تَسْتُرُ أشْجارُها ما تَحْتَها مِنَ العَرْصَةِ ﴿مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ﴾ خَصُّوهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما كانا الغالِبَ في هاتِيكَ النَّواحِي مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِما ﴿فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ﴾ أيْ تُجْرِيَها ﴿خِلالَها﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ وسَطَ تِلْكَ الجَنَّةِ وأثْناءَها ﴿تَفْجِيرًا﴾ كَثِيرًا، والمُرادُ إمّا إجْراءُ الأنْهارِ خِلالَها عِنْدَ سَقْيِها أوْ إدامَةُ إجْرائِها كَما يُنْبِئُ الفاءُ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ﴾ الجِرْمَ المَعْلُومَ ﴿كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ جَمْعُ كِسْفَةٍ كَقِطْعَةٍ وقِطَعٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وهو حالٌ مِنَ السَّماءِ والكافُ في ( كَما ) في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إسْقاطًا مُماثِلًا لِما زَعَمْتَ يَعْنُونَ بِذَلِكَ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском