Al-AlusiAl‑Kahf · 18:36–40

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:36–40

18:36Page 298

وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦

And I do not think the Hour will occur. And even if I should be brought back to my Lord, I will surely find better than this as a return."

﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أيْ: كائِنَةً فِيما سَيَأْتِي، فالقِيامُ الَّذِي هو مِن صِفاتِ الأجْسامِ مَجازٌ عَنِ الكَوْنِ والتَّحَقُّقِ، لَكِنَّهُ جارٍ في العُرْفِ مَجْرى الحَقِيقَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي﴾ بِالبَعْثِ عِنْدَ قِيامِها كَما زَعَمْتَ ﴿لأجِدَنَّ﴾ حِينَئِذٍ ﴿خَيْرًا مِنها﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الجَنَّةِ.

وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو بَحْرِيَّةَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ مُناذِرٍ ونافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: «مِنهُما» بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ وكَذا في مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ؛ أيْ: مِنَ الجَنَّتَيْنِ ﴿مُنْقَلَبًا﴾ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً لِفَناءِ الأُولى وبَقاءِ الأُخْرى عَلى زَعْمِكَ، وهو تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ، ومَدارُ هَذا الطَّمَعِ واليَمِينِ الفاجِرَةِ اعْتِقادُ أنَّهُ تَعالى إنَّما أوْلاهُ ما أوْلاهُ في الدُّنْيا لِاسْتِحْقاقِهِ الذّاتِيِّ وكَرامَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ ولَمْ يَدْرِ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ، وكَأنَّهُ لِسَبْقِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ فِراقُهُ وهي الجَنَّةُ الَّتِي ظَنَّ أنَّها لا تَبِيدُ جاءَ هُنا ﴿رُدِدْتُ﴾ ولِعَدَمِهِ فِيما سَيَأْتِي بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن آيَةِ حم المَذْكُورَةِ جاءَ: ﴿رُجِعْتُ﴾ فَلْيُتَأمَّلْ.

18:37Page 298

قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧

His companion said to him while he was conversing with him, "Have you disbelieved in He who created you from dust and then from a sperm-drop and then proportioned you [as] a man?

﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ كالسّابِقَةِ، وفائِدَتُها التَّنْبِيهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ ما يَتْلُوها كَلامٌ مُعْتَنًى بِشَأْنِهِ مَسُوقٌ لِلْمُحاوَرَةِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ: «وهُوَ يُخاصِمُهُ» ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: في ضِمْنِ خَلْقِ أصْلِكَ مِنهُ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أنَّ خَلْقَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ إذْ لَمْ تَكُنْ فِطْرَتُهُ الشَّرِيفَةُ مَقْصُورَةً عَلى نَفْسِهِ بَلْ كانَتْ أُنْمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرَةِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ انْطِواءً إجْمالِيًّا مُسْتَتْبِعًا لِجَرَيانِ آثارِها عَلى الكُلِّ، فَإسْنادُ الخَلْقِ مِن تُرابٍ إلى ذَلِكَ الكافِرِ حَقِيقَةٌ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مادَّةُ أصْلِهِ، وكَوْنُ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلى صِحَّةِ قِياسِ المُساواةِ خَيالٌ واهٍ، وقِيلَ: خَلَقَكَ مِنهُ لِأنَّهُ أصْلُ مادَّتِكَ؛ إذْ ماءُ الرَّجُلِ يَتَوَلَّدُ مِن أغْذِيَةٍ راجِعَةٍ إلى التُّرابِ، فالإسْنادُ مَجازٌ مِن إسْنادِ ما لِلسَّبَبِ إلى المُسَبَّبِ، فَتَدَبَّرْ.

﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ هي مادَّتُكَ القَرِيبَةُ فالمَخْلُوقُ واحِدٌ والمَبْدَأُ مُتَعَدِّدٌ، ونُقِلَ أنَّهُ ما مِن نُطْفَةٍ قَدَّرَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَخْلُقَ مِنها بَشَرًا إلّا ومَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِها يُلْقِي فِيها قَلِيلًا مِن تُرابٍ ثُمَّ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى مِنها ما شاءَ مِن ذِكْرٍ أوْ أُنْثى.

وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى ثُبُوتِ صِحَّتِهِ، وأنا أقُولُ: غالِبُ ظَنِّي أنِّي وقَفْتُ عَلى تَصْحِيحِهِ لَكِنْ في تَخْرِيجِ الآيَةِ عَلَيْهِ كَلامٌ لا يَخْفى ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ عَدَلَكَ وكَمَّلَكَ إنْسانًا ذَكَرًا، وأصْلُ مَعْنى التَّسْوِيَةِ جَعْلُ الشَّيْءِ سَواءً؛ أيْ: مُسْتَوِيًا كَما فِيما ﴿تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ تارَةً بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ فَإذا قُرِنَ بِالخَلْقِ والإيجادِ كَما هُنا فالمُرادُ بِهِ الخَلْقُ عَلى أتَمِّ حالٍ وأعْدَلِهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ

صفحة 277

الحِكْمَةُ بِدُونِ إفْراطٍ ولا تَفْرِيطٍ، ونُصِبَ ( رَجُلًا ) عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ عَلى الحالِ وهو مُحْوِجٌ إلى التَّأْوِيلِ.

وقالَ الحُوفِيُّ: نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ «سَوّى»، والمُرادُ: ثُمَّ جَعَلَكَ رَجُلًا، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ الرُّجُولِيَّةِ؛ أيْ: جَعَلَكَ ذَكَرًا ولَمْ يَجْعَلْكَ أُنْثى.

والظّاهِرُ أنَّ نِسْبَةَ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى إلَيْهِ لِشَكِّهِ في البَعْثِ وقَوْلِهِ ( ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ) والشّاكُّ في البَعْثِ كَما في الكَشْفِ كافِرٌ مِن أوْجُهِ الشَّكِّ في قُدْرَتِهِ تَعالى وفي إخْبارِهِ سُبْحانَهُ الصِّدْقَ وفي حِكْمَتِهِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ وهَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ إلَخْ وقَعَ رَدًّا لِقَوْلِهِ ( ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ) ولِذَلِكَ رَتَّبَ الإنْكارَ بِخَلْقِهِ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ، المُلَوِّحَ بِدَلِيلِ البَعْثِ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ ونُوقِشُوا فِيهِ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الظّاهِرُ أنَّهُ كانَ مُشْرِكًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ صاحِبِهِ تَعْرِيضًا بِهِ: ﴿لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وقَوْلُهُ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ولَيْسَ في قَوْلِهِ: ( لَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي ) ما يُنافِيهِ لِأنَّهُ عَلى زَعْمِ صاحِبِهِ كَما مَرَّ مَعَ أنَّ الإقْرارَ بِالرُّبُوبِيَّةِ لا يُنافِي الإشْراكَ فَعَبَدَةُ الأصْنامِ مُقِرُّونَ بِها وهم مُشْرِكُونَ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ أأشْرَكْتَ اه، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَعْضُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ.

وقَرَأ ثابِتٌ البُنانِيُّ وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ كَنَظائِرِهِ المُتَقَدِّمَةِ: «ويْلَكَ أكَفَرْتَ»

18:38Page 298

لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨

But as for me, He is Allāh, my Lord, and I do not associate with my Lord anyone.

﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ أصْلُهُ: لَكِنْ أنا، وقَدْ قَرَأ بِهِ أُبَيٌّ والحَسَنُ، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَنَقَلَ حَرَكَةَ هَمْزَةِ أنا إلى نُونِ لَكِنَّ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ ثُمَّ حُذِفَتِ الحَرَكَةُ ثُمَّ أُدْغِمَتِ النُّونُ في النُّونِ، وقِيلَ: حُذِفَتِ الهَمْزَةُ مَعَ حَرَكَتِها ثُمَّ أُدْغِمَ أحَدُ المِثْلَيْنِ في الآخَرِ، وهو أقْرَبُ مَسافَةً إلّا أنَّ الحَذْفَ المَذْكُورَ عَلى خِلافِ القِياسِ، وقَدْ جاءَ الحَذْفُ والإدْغامُ في قَوْلِهِ:

وتَرْمِينَنِي بِالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذْنِبٌ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكِ لا أقْلِي

فَإنَّهُ أرادَ: لَكِنَّ أنا لا أقْلِيكِ، وهو أوْلى مِن جَعْلِهِمُ التَّقْدِيرَ لَكِنَّهُ إيّاكَ عَلى حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ الأصْلِ: لَكِنَّنِي إيّاكِ عَلى حَذْفِ اسْمِ لَكِنَّ كَما في قَوْلِهِ:

فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ∗∗∗ ولَكِنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافِرِ

أيْ: لَكِنَّكَ مَعَ نُونِ الوِقايَةِ، وبِإثْباتِ الألِفِ آخِرًا في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ كَما هو الأصْلُ في أنا وقْفًا ووَصْلًا قَرَأ الكُوفِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ وقالُونَ، وأبْدَلَها هاءً في الوَقْفِ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ فَقالَ: «لَكِنَّهُ» ذَكَرَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «لَكِنَّهُ هو اللَّهُ رَبِّي» بِضَمِيرٍ لَحِقَ لَكِنَّ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ والزُّهْرِيُّ بِإثْباتِ الألِفِ وقْفًا ووَصْلًا وهو رِوايَةٌ عَنْ نافِعٍ ويَعْقُوبَ وأبِي عَمْرٍو ووَرْشٍ وأبِي جَعْفَرٍ وأبِي بَحْرِيَّةَ، وجاءَ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ؛ فَإنَّهم يُثْبِتُونَ ألِفَ أنا في الأصْلِ اخْتِيارًا، وأمّا غَيْرُهم فَيُثْبِتُها فِيهِ اضْطِرارًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ إثْباتَها في الوَصْلِ غَيْرُ فَصِيحٍ لَكِنَّهُ حَسَنٌ هُنا لِمُشابِهَةِ أنا بَعْدَ حَذْفِ هَمْزَتِهِ لِضَمِيرِ «نا» المُتَّصِلِ، ولِأنَّ الألِفَ جُعِلَ عِوَضًا عَنِ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ فِيهِ. وقِيلَ: أُثْبِتَتْ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وفي إثْباتِها دَفْعُ اللَّبْسِ بِلَكِنَّ المُشَدَّدَةِ، ومِن إثْباتِها وصْلًا قَوْلُ الشّاعِرِ:

صفحة 278

أنا شَيْخُ العَشِيرَةِ فاعْرِفُونِي ∗∗∗ حُمَيْدًا قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما

وفِي رِوايَةِ الهاشِمِيِّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ حَذْفُها وصْلًا ووَقْفًا، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أبِي عَبْلَةَ وأبِي حَيْوَةَ وأبِي بَحْرِيَّةَ، وقَرَأ: «لَكِنَنا» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ النُّونَيْنِ، و«لَكِنْ» في جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ حَرْفُ اسْتِدْراكٍ لا عَمَلَ لَهُ، وأنا مُبْتَدَأٌ أوَّلُ و«هُوَ» ضَمِيرُ الشَّأْنِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ و﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ وهي غَنِيَّةٌ عَنِ الرّابِطِ، وجُمْلَةُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ وخَبَرُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والرّابِطُ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُضافُ إلَيْهِ، والتَّرْكِيبُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: هِنْدٌ هو زَيْدٌ ضارِبُها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «هُوَ» مُبْتَدَأً ثانِيًا، والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلًا مِنهُ و«رَبِّي» خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ والرّابِطُ الياءُ أيْضًا.

وفِي البَحْرِ أنَّ «هُوَ» ضَمِيرُ الشَّأْنِ وثَمَّ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لَكِنْ أنا أقُولُ هو اللَّهُ رَبِّي، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الَّذِي ﴿خَلَقَكَ﴾ أيْ: لَكِنْ أنا أقُولُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ رَبِّي فَخَبَرُهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ و«رَبِّي» نَعْتٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ انْتَهى، ثُمَّ جُوِّزَ عَدَمُ تَقْدِيرِ القَوْلِ واقْتُصِرَ عَلى جَعْلِ «هُوَ» ضَمِيرَ الشَّأْنِ حِينَئِذٍ حَسْبَما سَمِعْتَ، ولا يَخْفى أنَّ احْتِمالَ تَقْدِيرِ القَوْلِ بِعِيدٌ في هَذِهِ القِراءَةِ، ولَعَلَّ احْتِمالَ كَوْنِ الِاسْمِ الجَلِيلِ بَدَلًا أقْرَبُ مَعْنًى مِن كَوْنِهِ خَبَرًا وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الَّذِي خَلَقَكَ، وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ كَوْنَ - نا - ضَمِيرَ الجَماعَةِ كالَّتِي في خَرَجْنا وضَرَبْنا ووَقَعَ الإدْغامُ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ إلّا أنَّهُ أُرِيدَ بِها ضَمِيرُ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ فَوَحَّدَ «رَبِّي» عَلى المَعْنى ولَوِ اتَّبَعَ اللَّفْظَ لَقِيلَ: رَبُّنا ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في الآيَةِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لَكِنَّ هي العامِلَةَ مِن أخَواتِ إنَّ واسْمُها مَحْذُوفٌ، وحَذْفُهُ فَصِيحٌ إذا دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ قَوْلِي هو اللَّهُ رَبِّي، لَكِنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتِمُّ لَوْ قُرِئَ بِحَذْفِ الألِفِ وقْفًا ووَصْلًا وأنا لا أعْرِفُ أحَدًا قَرَأ بِذَلِكَ انْتَهى.

وأنْتَ قَدْ عَرَفْتَ مَن قَرَأ بِهِ، وقَدْ ذُكِرَ غَيْرُهم قَرَءُوا أيْضًا أبُو القاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيٍّ الهُذَلِيُّ في كِتابِهِ الكامِلِ في القِراءاتِ لَكِنْ لا أظُنُّكَ تَسْتَحْسِنُ التَّخْرِيجَ عَلى ذَلِكَ، وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ: «لَكِنْ هو اللَّهُ» بِسُكُونِ نُونِ لَكِنْ، وحَكاهُ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والأهْوازِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وإعْرابُهُ ظاهِرٌ جِدًّا.

وقُرِئَ: «لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبِّي» ويُعْلَمُ إعْرابُهُ مِمّا مَرَّ، وخَرَّجَ أبُو حَيّانَ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو عَلى رِوايَةِ هارُونَ عَلى أنْ يَكُونَ «هُوَ» تَأْكِيدًا لِضَمِيرِ النَّصْبِ في «لَكِنَّهُ» وجَعْلِهِ عائِدًا عَلى «الَّذِي خَلَقَكَ» ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا لِوُقُوعِهِ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ شَأْنٍ لِأنَّهُ لا عائِدَ حِينَئِذٍ عَلى اسْمِ لَكِنَّ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا انْتَهى، ويا لَيْتَ شِعْرِي ما الَّذِي مَنَعَهُ مِن تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ لَكِنَّهُ لِلشَّأْنِ ويَكُونَ «هُوَ» مُبْتَدَأً عائِدًا عَلى﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ والِاسْمُ الجَلِيلُ خَبَرُهُ و«رَبِّي» نَعْتًا، أوْ عَطْفَ بَيانٍ أوْ بَدَلًا، والجُمْلَةُ خَبَرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ المَنصُوبِ بِلَكِنَّ، أوْ يَكُونَ «هُوَ» مُبْتَدَأً، والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلًا مِنهُ و«رَبِّي» خَبَرًا والجُمْلَةُ خَبَرُ الضَّمِيرِ.

هَذا وقَوْلُهُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ عَطْفٌ عَلى إحْدى الجُمْلَتَيْنِ والِاسْتِدْراكُ عَلى ﴿أكَفَرْتَ﴾ ومُلَخَّصُ المَعْنى لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو لِلتَّقْرِيرِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ: أنْتَ كافِرٌ بِاللَّهِ تَعالى لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ.

ولِلتَّغايُرِ الظّاهِرِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ وقَعَتْ لَكِنَّ مَوْقِعَها؛ فَقَدْ قالُوا: إنَّها تَقَعُ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ نَحْوَ: زَيْدٌ حاضِرٌ لَكِنْ عَمْرٌو غائِبٌ، وإلى كَوْنِ المَعْنى ما ذُكِرَ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، وذَكَرَ في الكَشْفِ أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ الكُفْرَ بِاللَّهِ تَعالى يُقابِلُهُ الإيمانُ والتَّوْحِيدُ، فَجازَ أنْ يَسْتَدْرَكَ بِكُلٍّ مِنهُما وبِهِما مَعًا؛ أيْ: كَما هُنا فَإنَّ الإيمانَ مُفادُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ والتَّوْحِيدُ مُفادُ: ( لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا ) وأنْتَ تَعْلَمُ أيْضًا أنَّ الشِّرْكَ كَثِيرًا ما يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ الكُفْرِ

صفحة 279

وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وإنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن مَجْمُوعِ الكَلامِ إثْباتَ الإيمانِ عَلى الوَجْهِ الأكِيدِ، ولَعَلَّ شِرْكَ صاحِبِهِ الَّذِي عَرَّضَ بِهِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ بِهَذا المَعْنى.

وقِيلَ: الشِّرْكُ فِيهِ بِالمَعْنى المُتَبادِرِ وإثْباتُهُ لِصاحِبِهِ تَعْرِيضًا بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَمّا أنْكَرَ البَعْثَ فَقَدْ عَجَّزَ البارِيَ جَلَّ جَلالُهُ، ومَن عَجَّزَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقَدْ سَوّاهُ بِخَلْقِهِ تَعالى في العَجْزِ وهو شِرْكٌ، وقِيلَ: بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَمّا اغْتَرَّ بِدُنْياهُ وزَعَمَ الِاسْتِحْقاقَ الذّاتِيَّ وأضافَ ما أضافَ لِنَفْسِهِ كانَ كَأنَّهُ أشْرَكَ فَعَرَّضَ بِهِ المُؤْمِنُ بِما عَرَّضَ فَكَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ أنا مُؤْمِنٌ ولا أرى الغِنى والفَقْرَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى يُفْقِرُ مَن يَشاءُ ويُغْنِي مَن يَشاءُ ولا أرى الِاسْتِحْقاقَ الذّاتِيَّ عَلى خِلافِ ما أنْتَ عَلَيْهِ، والإنْصافُ أنَّ كُلًّا مِنَ القَوْلَيْنِ تَكَلُّفٌ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِشْرِكِ صاحِبِهِ ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِكَلامِهِ السّابِقِ بَلْ يَكْفِيهِ ثُبُوتُ كَوْنِهِ مُشْرِكًا في نَفْسِ الأمْرِ وفِيما بَعْدُ ما هو ظاهِرٌ فِيهِ فَتَأمَّلْ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ ذِكْرٌ جَلِيلٌ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِماتٍ أقُولُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».

18:39Page 298

وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩

And why did you, when you entered your garden, not say, 'What Allāh willed [has occurred]; there is no power except in Allāh'? Although you see me less than you in wealth and children,

﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ حَضٌّ عَلى القَوْلِ وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المُحَضَّضِ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِتَحَتُّمِ القَوْلِ في آنِ الدُّخُولِ مِن غَيْرِ رَيْثٍ لِلْقَصْرِ، وجازَ تَقْدِيمُهُ لِذَلِكَ وجَعْلُهُ فاصِلًا بَيْنَ ( لَوْلا ) وفِعْلِها لِتَوَسُّعِهِمْ في الظُّرُوفِ؛ أيْ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ ما دَخَلْتَها ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ أوْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كائِنٌ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ إمّا عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً في مَحَلِّ نَصْبٍ بِ «شاءَ» والجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: أيَّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ تَحْضِيضُهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّ جَنَّتَهُ وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أبادَها، ودَلالَةُ الجُمْلَةِ عَلى العُمُومِ الدّاخِلِ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ لِأنَّ تَعْرِيفَ الأمْرِ لِلِاسْتِغْراقِ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا تُفِيدُ الحَصْرَ، وأمّا عَلى غَيْرِهِ فَقِيلَ: لِأنَّ ما شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ وهي في مَعْنى الشُّرَطِ، والشَّرْطُ وما في مَعْناهُ يُفِيدُ تَوَقُّفَ وُجُودِ الجَزاءِ عَلى ما في حَيِّزِهِ فَيُفِيدُ عَدَمَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما شاءَ كانَ وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ولا غُبارَ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم في الثّانِي مِنَ احْتِمالَيِ المَوْصُولَةِ ما شاءَ اللَّهُ هو الكائِنُ حَتّى تُفِيدَ الجُمْلَةُ ما ذُكِرَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

وزَعَمَ القَفّالُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ أنَّ التَّقْدِيرَ هَذا ما شاءَهُ اللَّهُ تَعالى والإشارَةُ إلى ما في الجَنَّةِ مِنَ الثِّمارِ ونَحْوِها، وهَذا كَقَوْلِ الإنْسانِ إذا نَظَرَ إلى كِتابٍ مَثَلًا: هَذا خَطُّ زَيْدٍ، ومُرادُهُ نَفْيُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى العُمُومِ لِيَسْلَمَ لَهُ مَذْهَبُ الِاعْتِزالِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ الكَعْبِيُّ والجُبّائِيُّ حَيْثُ قالا: الآيَةُ خاصَّةٌ فِيما تَوَلّى اللَّهُ تَعالى فِعْلَهُ ولا تَشْمَلُ ما هو مِن فِعْلِ العِبادِ ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ سُبْحانَهُ ما لا يُرِيدُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما يَنْهى عَنْهُ، ولا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ وذِهْنٌ مُسْتَقِيمٌ أنَّ المُنْساقَ إلى الفَهْمِ العُمُومُ وكَمْ لِلْمُعْتَزِلَةِ عُدُولٌ عَنْ ذَلِكَ ﴿لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾ مِن مَقُولِ القَوْلِ أيْضًا؛ أيْ: هَلّا قُلْتَ ذَلِكَ اعْتِرافًا بِعَجْزِكَ وإقْرارًا بِأنَّ ما تَيَسَّرَ لَكَ مِن عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها إنَّما هو بِمَعُونَتِهِ تَعالى وإقْدارِهِ جَلَّ جَلالُهُ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ ذِكْرًا جَلِيلًا أيْضًا.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: أنْ تَقُولَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»».

صفحة 280

قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: قُلْتُ لِأبِي هُرَيْرَةَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ فَقالَ: لا، إنَّها في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: «إنَّ مِن أفْضَلِ الدُّعاءِ قَوْلَ الرَّجُلِ: ما شاءَ اللَّهُ».

وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، إلّا دَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾»» إلَخْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ قالَ: مَن رَأى شَيْئًا مِن مالِهِ فَأعْجَبَهُ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ لَمْ يُصِبْ ذَلِكَ المالَ آفَةٌ أبَدًا وقَرَأ الآيَةَ، وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: كانَ مالِكٌ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ يَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ. قُلْتُ لِمالِكٍ: لِمَ تَقُولُ هَذا؟

قالَ: ألا تَسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ العَرَبِيِّ أنَّ مالِكًا يَسْتَدِلُّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الذِّكْرِ لِكُلِّ مَن دَخَلَ مَنزِلَهُ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ كانَ إذا رَأى مِن مالِهِ شَيْئًا يُعْجِبُهُ أوْ دَخَلَ حائِطًا مِن حِيطانِهِ قالَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ويَتَأوَّلُ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾ الآيَةَ. ويَفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ اسْتِحْبابُ قَوْلِ ذَلِكَ عِنْدَ رُؤْيَةِ ما يُعْجِبُ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ، وأنَّهُ إذا قالَ ذَلِكَ لَمْ تُصِبْهُ عَيْنُ الإعْجابِ ﴿إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾ إلَخْ. «أنا» تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المَنصُوبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ في «تَرَنِ» وقَدْ أُقِيَمَ ضَمِيرُ الرَّفْعِ مَقامَ ضَمِيرِ النَّصْبِ، والرُّؤْيَةُ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً فَ «أقَلَّ» مَفْعُولٌ ثانٍ، وإنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً فَهو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ «أنا» فَصْلًا وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً لِأنَّ الفَصْلَ إنَّما يَقَعُ بَيْنَ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ في الحالِ أوْ في الأصْلِ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: «أقَلُّ» بِالرَّفْعِ فَيَكُونُ «أنا» مُبْتَدَأً و«أقَلَّ» خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ مِنَ احْتِمالَيِ الرُّؤْيَةِ أوِ الحالِ عَلى الثّانِي مِنهُما، و﴿مالا ووَلَدًا﴾ تَمْيِيزٌ عَلى القِراءَتَيْنِ وما فِيهِما مِنَ الِاحْتِمالِ،

18:40Page 298

فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا ٤٠

It may be that my Lord will give me [something] better than your garden and will send upon it a [disastrous] penalty from the sky, and it will become a smooth, dusty ground,

وقَوْلُهُ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ قائِمٌ مُقامَ جَوابِ الشَّرْطِ؛ أيْ: إنْ تَرَنِ كَذَلِكَ فَلا بَأْسَ عَسى رَبِّي إلَخْ، وقالَ كَثِيرٌ: هو جَوابُ الشَّرْطِ، والمَعْنى: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ فَأنا أتَوَقَّعُ مِن صَنِيعِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَقْلِبَ ما بِي وما بِكَ مِنَ الفَقْرِ والغِنى فَيَرْزُقَنِي لِإيمانِي جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويَسْلُبَكَ بِكُفْرِكَ نِعْمَتَهُ ويُخَرِّبَ جَنَّتَكَ، وقَيَّدَ بَعْضُهم هَذا الإيتاءَ بِقَوْلِهِ: في الآخِرَةِ، وقالَ آخَرُ: في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، وظاهِرُ ما ذُكِرَ أنَّهُ في الدُّنْيا كالإرْسالِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: عَذابًا كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنْهُ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقَ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُسْبانًا﴾ فَقالَ: نارًا. وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ حَسّانَ:

بَقِيَّةُ مَعْشَرٍ صُبَّتْ عَلَيْهِمْ شَآبِيبٌ مِنَ الحُسْبانِ شُهْبُ

وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مَصْدَرٌ كالبُطْلانِ والغُفْرانِ بِمَعْنى الحِسابِ والمُرادُ بِهِ المَحْسُوبُ والمُقَدَّرُ؛ أيْ: مُقَدَّرًا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وحَسِبَهُ وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها، والظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَهُ عَلى الحُكْمِ المَذْكُورِ مَجازٌ، والزَّجّاجُ جَعَلَ الحُسْبانَ بِمَعْنى الحِسابِ أيْضًا إلّا أنَّهُ قَدَّرَ مُضافًا؛

صفحة 281

أيْ: عَذابَ حِسابٍ وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الحُسْبانِ بِهَذا المَعْنى العَذابُ مَجازًا فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.

وظاهِرُ عِبارَةِ القامُوسِ وكَذا ما رُوِيَ أوَّلًا عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّ إطْلاقَ الحُسْبانِ عَلى العَذابِ حَقِيقَةٌ، ويُمْكِنُ عَلى ما قِيلَ أنْ يَكُونَ إطْلاقُهُ عَلى النّارِ بِاعْتِبارِ أنَّها مِنَ العَذابِ أوْ مِنَ المُقَدَّرِ، ونَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ ﴿حُسْبانًا﴾ جَمْعُ حُسْبانَةٍ وهي المِرْماةُ؛ أيْ: ما يُرْمى بِهِ كالسَّهْمِ والصّاعِقَةِ وأُرِيدَ بِها هُنا الصَّواعِقُ، وقِيلَ: أعَمُّ مِن ذَلِكَ؛ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرَدًا وإمّا حِجارَةً وإمّا غَيْرَهُما مِمّا يَشاءُ ﴿فَتُصْبِحَ﴾ لِذَلِكَ ﴿صَعِيدًا﴾ أيْ: أرْضًا ﴿زَلَقًا﴾ لَيْسَ فِيها نَباتٌ، قالَهُ الحَسَنُ وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قِيلَ: وأصْلُ مَعْنى الزَّلَقِ الزَّلَلُ في المَشْيِ لِوَحْلٍ ونَحْوِهِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ فِيما لا يَكُونُ فِيهِ نَبْتٌ ونَحْوُهُ مِمّا يَمْنَعُ مِنهُ تُجُوِّزَ بِهِ أوْ كُنِّيَ عَنْهُ، وعَبَّرَ بِالمَصْدَرِ عَنِ المَزْلَقَةِ مُبالَغَةً، وقِيلَ: الزَّلَقُ مِن زَلَقَ رَأْسَهُ بِمَعْنى حَلَقَهُ والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ؛ أيْ: فَتُصْبِحَ أرْضًا مَلْساءَ لَيْسَ فِيها شَجَرٌ ولا نَباتٌ كالرَّأْسِ الَّذِي حُلِقَ وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّلَقِ المَزْلَقَةُ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ الظّاهِرِ، والمَعْنى: فَتُصْبِحَ أرْضًا لا نَباتَ فِيها ولا يَثْبُتُ فِيها قَدَمٌ، وحاصِلُهُ: فَتُصْبِحَ مَسْلُوبَةَ المَنافِعِ حَتّى مَنفَعَةَ المَشْيِ عَلَيْها فَتَكُونَ وحْلًا لا تُنْبِتُ ولا يَثْبُتُ عَلَيْها قَدَمٌ، وظاهِرُ صَنِيعِ أبِي حَيّانَ اخْتِيارُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أيْ: فَتُصْبِحَ رَمْلًا هائِلًا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском