Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:41–45
18:41Page 298
أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا ٤١
Or its water will become sunken [into the earth], so you would never be able to seek it."
﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: غائِرًا في الأرْضِ، والتَّعْبِيرُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ نَظِيرُ ما مَرَّ.
﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ﴾ أيْ: لِلْماءِ الغائِرِ ﴿طَلَبًا﴾ تَحَرُّكًا وعَمَلًا في رَدِّهِ وإخْراجِهِ، والمُرادُ نَفْيُ اسْتِطاعَةِ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِنَفْيِ الطَّلَبِ إشارَةً إلى أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، والعاقِلُ لا يَطْلُبُ مِثْلَهُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ «لَهُ» لِلْماءِ مُطْلَقًا لا لِلْماءِ المَخْصُوصِ؛ أيْ: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لِماءٍ لَها بَدَلَ ذَلِكَ الماءِ الغائِرِ طَلَبًا، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الماوَرْدِيِّ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.
والظّاهِرُ أنَّ «يُصْبِحَ» عَطْفٌ عَلى (تُصْبِحَ) وحِينَئِذٍ لا بُدَّ أنْ يُرادَ بِالحُسْبانِ ما يَصْلُحُ تَرَتُّبُ الأمْرَيْنِ عَلَيْهِ عادَةً كالحُكْمِ الإلَهِيِّ بِالتَّخْرِيبِ إذْ لَيْسَ كُلُّ آفَةٍ سَماوِيَّةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إصْباحُ الجَنَّةِ صَعِيدًا زَلَقًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إصْباحُ مائِها غَوْرًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ( يُرْسِلَ ) وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالحُسْبانِ؛ أيْ: مَعْنى كانَ مِنَ المَعانِي السّابِقَةِ، وعَلى هَذا يَكُونُ المُؤْمِنُ قَدْ تَرَجّى هَلاكَ جَنَّةِ صاحِبِهِ الكافِرِ إمّا بِآفَةٍ سَماوِيَّةٍ أوْ بِآفَةٍ أرْضِيَّةٍ وهو غَوْرُ مائِها فَيَتْلَفُ كُلُّ ما فِيها مِنَ الشَّجَرِ والزَّرْعِ لَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِما يَتَرَتَّبُ عَلى الغَوْرِ مِنَ الضَّرَرِ والخَرابِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِظُهُورِهِ والِاكْتِفاءِ بِالإشارَةِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ( فَلَنْ ) إلَخْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّهُ لا فَسادَ في هَذا العَطْفِ لا لَفْظًا ولا مَعْنًى إلّا أنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ:
أوْ يَجْعَلَ ماءَها غَوْرًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ إسْنادُ الفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا يَظْهَرُ لِلْعُدُولِ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ وجْهٌ فَتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تَرَنِ﴾ إلَخْ في مُقابَلَةِ قَوْلِ الكافِرِ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا﴾ إلَخْ وكَأنَّهم عَنَوُا المُقابَلَةَ في الجُمْلَةِ لا المُقابَلَةَ التّامَّةَ، أمّا إذا لَمْ يَتَّحِدِ المُرادُ بِالنَّفَرِ والوَلَدِ فَظاهِرٌ، وأمّا إذا اتَّحَدَ بِأنْ فُسِّرَ النَّفَرُ بِالوَلَدِ فَلِأنَّ هُناكَ أمْرَيْنِ أكْثَرِيَّةً وأعَزِّيَّةً ولَمْ يُذْكَرْ هُنا إلّا مُقابِلُ أحَدِهِما وهو الأقَلِّيَّةُ المَنسُوبَةُ في المَعْنى إلى المالِ والوَلَدِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ أقَلِّيَّةَ
صفحة 282
الوَلَدِ قَدْ تَسْتَلْزِمُ الأذَلِيَّةَ والأكْثَرِيَّةَ قَدْ تَسْتَلْزِمُ الأعَزِّيَّةَ كَما يُشاهَدُ في عَرَبِ البادِيَةِ. هَذا وكانَ الظّاهِرُ أنْ يَتَعَرَّضَ في الجَزاءِ لِأمْرِ الوَلَدِ كَما تَعَرَّضَ لِأمْرِ المالِ بِأنْ يُقالَ: وعَسى أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن ولَدِكَ ويُصِيبَهم بِبَلاءٍ فَيُصْبِحُوا هَلْكى أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ إشارَةً إلى اسْتِيلاءِ حُبِّ المالِ عَلى قَلْبِ ذَلِكَ الكافِرِ وأنَّهُ يَكْفِي في نِكايَتِهِ وإغاظَتِهِ تَلَفُ جَنَّتِهِ وإعْطاءُ صاحِبِهِ المُؤْمِنِ خَيْرًا مِنها.
وقِيلَ: إنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ لِما فِيهِ مِن تَرَجِّي هَلاكِ مَن لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ مُكالَمَةٌ ومُحاوَرَةٌ ولَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ مُقاوَمَةٌ ومُفاخَرَةٌ لِمُجَرَّدِ إغاظَةِ كافِرٍ حاوَرَ وكاثَرَ وفاخَرَ وتَرْكُهُ أفْضَلُ لِلْكامِلِ وأكْمَلُ لِلْفاضِلِ، والدُّعاءُ عَلى الكَفَرَةِ وذَرارِيهِمُ الصّادِرُ مِن بَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ هَذا التَّرَجِّي كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ وحَيْثُ أرادَ تَرْكَ هَذا التَّرَجِّي تَرَكَ تَرَجِّيَ الوَلَدِ لِنَفْسِهِ تَبَعًا لَهُ أوْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُهِمٍّ لَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ تَرَجّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ لِأنَّ المُرادَ «شَيْئًا خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ». والنَّكِرَةُ قَدْ تَعُمُّ بِمَعُونَةِ المَقامِ فَيَنْدَرِجُ الوَلَدُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقِيلَ: أرادَ ما هو الظّاهِرُ؛ أيْ: جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ إلّا أنَّ الخَيْرِيَّةَ لا تَتِمُّ مِن دُونِ الوَلَدِ؛ إذْ لا تَكْمُلُ لَذَّةٌ بِالمالِ لِمَن لا ولَدَ لَهُ، فَتَرَجِّي جَنَّةٍ خَيْرٍ مِن تِلْكَ الجَنَّةِ مُتَضَمِّنٌ لِتَرَجِّي ولَدٍ خَيْرٍ مِن أُولَئِكَ الوَلَدِ ولَمْ يَتَرَجَّ هَلاكَ ولَدِهِ لِيَكُونَ بَقاؤُهم بَعْدَ هَلاكِ جَنَّتِهِ حِمْلًا عَلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ مِن خَيْرِيَّةِ الجَنَّةِ إلّا خَيْرِيَّتُها فِيما يَعُودُ إلى كَوْنِها جَنَّةً مِن كَثْرَةِ الأشْجارِ وزِيادَةِ الثِّمارِ وغَزارَةِ مِياهِ الأنْهارِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: لِيَكُونَ إلَخْ مَنعٌ ظاهِرٌ، وقِيلَ: لَمْ يَتَرَجَّ الوَلَدَ اكْتِفاءً بِما عِنْدَهُ مِنهُمْ؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الأوْلادِ لَيْسَ مِمّا يَرْغَبُ فِيهِ الكامِلُونَ وفِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَقْرِنْ تَرَجِّيَ إيتاءِ الوَلَدِ مَعَ تَرَجِّي إيتاءِ الجَنَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ الإيتاءَ المُتَرَجّى في الآخِرَةِ وهي لَيْسَتْ مَحَلًّا لِإيتاءِ الوَلَدِ لِانْقِطاعِ التَّوَلُّدِ هُناكَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّهُ لا يُؤْتى الوَلَدُ لِمَن شاءَهُ في الآخِرَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَرَجِّي الوَلَدِ في قَوْلِهِ:
﴿خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ أرادَ مِن جَنَّتِهِ جَمِيعَ ما مُتِّعَ بِهِ مِنَ الدُّنْيا وتَكُونَ الضَّمائِرُ بَعْدَها عائِدَةً عَلَيْها بِمَعْنى البُسْتانِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْدامِ وهو كَما تَرى فَتَدَبَّرْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ وأخْبَرُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: «غُؤُورًا» بِضَمِّ الغَيْنِ وهَمْزَةٍ بَعْدَها، وواوٍ بَعْدَهُما
18:42Page 298
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٤٢
And his fruits were encompassed [by ruin], so he began to turn his hands about [in dismay] over what he had spent on it, while it had collapsed upon its trellises, and said, "Oh, I wish I had not associated with my Lord anyone."1
﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أُهْلِكَ أمْوالُهُ المَعْهُودَةُ مِن جَنَّتَيْهِ وما فِيهِما، وهو مَأْخُوذٌ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ وهي اسْتِدارَتُهُ بِهِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ، اسْتُعْمِلَتْ في الِاسْتِيلاءِ والغَلَبَةِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ هَلاكٍ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً؛ شَبَّهَ إهْلاكَ جَنَّتَيْهِ بِما فِيهِما بِإهْلاكِ قَوْمٍ حاطَ بِهِمْ عَدُوٌّ وأوْقَعَ بِهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَنْجُ أحَدٌ مِنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ تَبَعِيَّةً، وبَعْضٌ يُجَوِّزُ كَوْنَها تَمْثِيلِيَّةً تَبَعِيَّةً انْتَهى. وجَعْلُ ذَلِكَ مِن بابِ الكِنايَةِ أظْهَرُ والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقَعَ بَعْضُ ما تَرَجّى وأُحِيطَ إلَخْ. وحُذِفَ لِدَلالَةِ السِّباقِ والسِّياقِ عَلَيْهِ، واسْتُظْهِرَ أنَّ الإهْلاكَ كانَ لَيْلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أصْبَحَ بِمَعْنى صارَ فَلا تَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الخَبَرِ بِالصَّباحِ، ويَجْرِي هَذانِ الأمْرانِ في «تُصْبِحَ» و«يُصْبِحَ» السّابِقَيْنِ، ومَعْنى تَقْلِيبِ الكَفَّيْنِ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ أنْ يُبْدِيَ بَطْنَ كُلٍّ مِنهُما ثُمَّ يُعَوِّجُّ يَدَهُ حَتّى يَبْدُوَ ظَهْرُ كَلٍّ، يَفْعَلُ ذَلِكَ مِرارًا، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو أنْ يَضَعَ باطِنَ إحْداهُما عَلى ظَهْرِ الأُخْرى ثُمَّ يَعْكِسَ الأمْرَ ويُكَرِّرَ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والتَّحَسُّرِ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: قَلَّبْتُ الأمْرَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، كَما في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ:
صفحة 283
وضَرَبْنا الحَدِيثَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ وأتَيْنا مِن أمْرِنا ما اشْتَهَيْنا
فَإنَّ ذَلِكَ مَجازٌ عَنِ الِانْتِقالِ مِن بَعْضِ الأحادِيثِ إلى بَعْضٍ، ولِكَوْنِهِ كِنايَةً عَنِ النَّدَمِ عُدِّيَ بِعَلى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ فالجارُّ والمَجْرُورُ ظَرْفٌ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِ «يُقَلِّبُ» كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ عَلى ما أنْفَقَ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ يَجُوزُ في الكِنايَةِ أنْ تُعَدّى بِصِلَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ كَما في قَوْلِهِمْ: بَنى عَلَيْها وبِصِلَةِ المَعْنى الكِنائِيِّ كَما هُنا فَيَجُوزُ: بَنى بِها ويَكُونُ القَوْلُ بِأنَّهُ غَلَطٌ غَلَطٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا مُتَعَلِّقُهُ خاصٌّ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ «يُقَلِّبُ» أيْ: مُتَحَسِّرًا عَلى ما أنْفَقَ وهو نَظَرًا إلى المَعْنى الكِنائِيِّ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ عَلى ما قِيلَ لِأنَّ التَّحَسُّرَ والنَّدَمَ بِمَعْنًى، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ التَّحَسُّرَ الحُزْنُ وهو أخَصُّ مِنَ النَّدَمِ فَلْيُراجَعْ، وأيًّا ما كانَ فَلا تَضْمِينَ في الآيَةِ كَما تُوُهِّمَ. وقُرِئَ: «تَقَلَّبُ كَفّاهُ» أيْ: تَتَقَلَّبُ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أمْرُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى هَذا، وما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: عَلى إنْفاقِهِ في عِمارَتِها، وإمّا مَوْصُولَةٌ؛ أيْ: عَلى الَّذِي أنْفَقَهُ في عِمارَتِها مِنَ المالِ، ويُقَدَّرُ عَلى هَذا مُضافٌ إلى المَوْصُولِ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ إذا كانَ مُتَعَلِّقُ الجارِّ ( يُقَلِّبُ ) مُرادًا مِنهُ يَنْدَمُ لِأنَّ النَّدَمَ إنَّما يَكُونُ عَلى الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، ويُعْلَمُ مِن هَذا وجْهُ تَخْصِيصِ النَّدَمِ عَلى ما أنْفَقَ بِالذِّكْرِ دُونَ هَلاكِ الجَنَّةِ، وقِيلَ: لَعَلَّ التَّخْصِيصَ لِذَلِكَ ولِأنَّ ما أنْفَقَ في عِمارَتِها كانَ ما يُمْكِنُ صِيانَتُهُ عَنْ طَوارِقِ الحَدَثانِ وقَدْ صَرَفَهُ إلى مَصالِحِها رَجاءَ أنْ يَتَمَتَّعَ بِها أكْثَرَ مِمّا يَتَمَتَّعُ بِهِ، وكانَ يَرى أنَّهُ لا تَنالُها أيْدِي الرَّدى ولِذَلِكَ قالَ ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ فَلَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّها مِمّا يَعْتَرِيهِ الهَلاكُ نَدِمَ عَلى ما صَنَعَ بِناءً عَلى الزَّعْمِ الفاسِدِ مِن إنْفاقِ ما يُمْكِنُ ادِّخارُهُ في مِثْلِ هَذا الشَّيْءِ السَّرِيعِ الزَّوالِ انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّ إهْلاكَها واسْتِئْصالَ نَباتِها وأشْجارِها كانَ دَفْعِيًّا بِآفَةٍ سَماوِيَّةٍ ولَمْ يَكُنْ تَدْرِيجِيًّا بِإذْهابِ ما بِهِ النَّماءُ وهو الماءُ، فَقَدْ قالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُقُوعِ اسْتِئْصالِ نَباتِها وأشْجارِها عاجِلًا بِآفَةٍ سَماوِيَّةٍ صَرِيحًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ﴾ بِالفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ والتَّحَسُّرِ إنَّما يَكُونُ لِما وقَعَ بَغْتَةً فَتَأمَّلْ.
﴿وهِيَ﴾ أيِ الجَنَّةُ مِنَ الأعْنابِ المَحْفُوفَةِ بِنَخْلٍ ﴿خاوِيَةٌ﴾ أيْ ساقِطَةٌ، وأصْلُ الخَواءِ كَما قِيلَ: الخَلاءُ، يُقالُ خَوى بَطْنُهُ مِنَ الطَّعامِ يَخْوِي خَوًى وخَواءً إذا خَلا. وفي القامُوسِ: خَوَتِ الدّارُ تَهَدَّمَتْ، وخَوَتْ وخَوِيَتْ خَيًّا وخُوِيًّا وخَواءً وخَوايَةً خَلَتْ مِن أهْلِها، وأُرِيدُ السُّقُوطُ هُنا لِتَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ بِذَلِكَ، والعُرُوشُ جَمْعُ عَرْشٍ وهو هُنا ما يُصْنَعُ مِنَ الأعْمِدَةِ لِتُوضَعَ عَلَيْهِ الكُرُومُ، وسُقُوطُ الجَنَّةِ عَلى العُرُوشِ لِسُقُوطِها قَبْلَها، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ أصابَ الجَنَّةَ مِنَ العَذابِ ما جَعَلَها صَعِيدًا زَلَقًا لا يَثْبُتُ فِيها قائِمٌ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ حالِ الكُرُومِ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ إمّا لِأنَّها العُمْدَةُ وهُما مِن مُتَمِّماتِها، وإمّا لِأنَّ ذِكْرَ هَلاكِها عَلى ما قِيلَ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ هَلاكِ الباقِي لِأنَّها حَيْثُ هَلَكَتْ وهي مُسْنَدَةٌ بِعُرُوشِها فَهَلاكُ ما عَداها بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وإمّا لِأنَّ الإنْفاقَ في عِمارَتِها أكْثَرُ، ثُمَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ تُبْعِدُ ما رُوِيَ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ عَلَيْها نارًا فَأحْرَقَتْها وغارَ ماؤُها إلّا أنْ يُرادَ مِنها مُطْلَقُ الخَرابِ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن «هِيَ» الجَنَّةُ بِجَمِيعِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ ( ويَقُولُ ) عَطْفٌ عَلى ( يُقَلِّبُ ) وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ بِتَقْدِيرِ: وهو يَقُولُ؛ لِأنَّ المُضارِعَ المُثْبَتَ لا يَقْتَرِنُ بِالواوِ الحالِيَّةِ إلّا شُذُوذًا.
﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَأنَّهُ تَذَكَّرَ مَوْعِظَةَ أخِيهِ وعَلِمَ أنَّهُ إنَّما أُتِيَ مِن قِبَلِ شِرْكِهِ فَتَمَنّى لَوْ لَمْ
صفحة 284
يَكُنْ مُشْرِكًا فَلَمْ يُصِبْهُ ما أصابَهُ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوْبَةً مِنَ الشِّرْكِ ونَدَمًا عَلَيْهِ فَيَكُونُ تَجْدِيدًا لِلْإيمانِ لِأنَّ نَدَمَهُ عَلى شِرْكِهِ فِيما مَضى يُشْعِرُ بِأنَّهُ آمَنَ في الحالِ فَكَأنَّهُ قالَ: آمَنتُ بِاللَّهِ تَعالى الآنَ ولَيْتَ ذَلِكَ كانَ أوَّلًا، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ مُجَرَّدَ النَّدَمِ عَلى الكُفْرِ لا يَكُونُ إيمانًا وإنْ كانَ النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ قَدْ يَكُونُ تَوْبَةً إذا عَزَمَ عَلى أنْ لا يَعُودَ وكانَ النَّدَمُ عَلَيْها مِن حَيْثُ كَوْنُها مَعْصِيَةً كَما صَرَّحَ بِهِ في المَواقِفِ، وعَلى فَرْضِ صِحَّةِ قِياسِهِ بِها لَمْ يَتَحَقَّقْ هُنا مِنَ الكافِرِ نَدَمٌ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ هو كُفْرٌ بَلْ بِسَبَبِ هَلاكِ جَنَّتَيْهِ، والآيَةُ فِيما بَعْدُ ظاهِرَةٌ أيْضًا في أنَّهُ لَمْ يَتُبْ عَمّا كَفَرَ بِهِ وهو إنْكارُ البَعْثِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ إنَّما لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ عِنْدَ مُشاهَدَةِ البَأْسِ، والإيمانُ إذْ ذاكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ، غَيْرِ مَقْبُولٍ؛ إذْ غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ إيمانٌ بَعْدَ مُشاهَدَةِ إهْلاكِ مالِهِ ولَيْسَ في ذَلِكَ سَلْبُ الِاخْتِيارِ الَّذِي هو مَناطُ التَّكْلِيفِ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ الإهْلاكُ لِلْإنْذارِ، نَعَمْ إذا قِيلَ: إنَّ هَذا حِكايَةٌ لِما يَقُولُهُ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ كانَ وجْهُ عَدَمِ القَبُولِ ظاهِرًا؛ إذْ لا يَنْفَعُ تَجْدِيدُ الإيمانِ هُناكَ بِالِاتِّفاقِ
18:43Page 298
وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ٤٣
And there was for him no company to aid him other than Allāh, nor could he defend himself.
﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ﴾ وقَرَأ الأخَوانِ ومُجاهِدٌ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وأيُّوبُ وخَلَفٌ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ: «يَكُنْ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ المَرْفُوعَ بِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِئَةٌ﴾ غَيْرُ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، والفِعْلُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِالمَنصُوبِ، وقَدْ رُوعِيَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ المَعْنى فَأُتِيَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ تَنْصُرُهُ» مُراعاةً لِلَّفْظِ فَقَطْ، والمُرادُ مِنَ النُّصْرَةِ لازِمُها وهو القُدْرَةُ عَلَيْها؛ أيْ: لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ تَقْدِرُ عَلى نَصْرِهِ إمّا بِدَفْعِ الهَلاكِ قَبْلَ وُقُوعِهِ أوْ بِرَدِّ المُهْلَكِ بِعَيْنِهِ عَلى القَوْلِ بِجَوازِ إعادَةِ المَعْدُومِ بِعَيْنِهِ أوْ بِرَدِّ مِثْلِهِ عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ جَوازِ ذَلِكَ.
﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى القادِرُ عَلى نَصْرِهِ وحْدَهُ، وارْتَكَبَ المَجازَ لِأنَّهُ لَوْ أبْقى ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ لاقْتَضى نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ؛ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: لا يَنْصُرُ زَيْدًا أحَدٌ دُونَ بَكْرٍ. فُهِمْ مِنهُ نُصْرَةُ بَكْرٍ لَهُ في العُرْفِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ بَلِ المُرادُ ما سَمِعْتَ، وحاصِلُهُ: لا يَقْدِرُونَ عَلى نَصْرِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى القَدِيرُ ﴿وما كانَ﴾ في نَفْسِهِ ﴿مُنْتَصِرًا﴾ مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنِ انْتِقامِ اللَّهِ تَعالى مِنهُ
18:44Page 298
هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا ٤٤
There1 the authority is [completely] for Allāh, the Truth. He is best in reward and best in outcome.
﴿هُنالِكَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ وتِلْكَ الحالِ الَّتِي وقَعَ فِيها الإهْلاكُ ﴿الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيِ النُّصْرَةُ لَهُ تَعالى وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها أحَدٌ، فالجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ وتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ﴾ إلَخْ، أوْ يَنْصُرُ فِيها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ كَما نَصَرَ سُبْحانَهُ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ فالوِلايَةُ بِمَعْنى النُّصْرَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ إلّا أنَّها عَلى الأوَّلِ مُطْلَقَةٌ أوْ مُقَيَّدَةٌ بِالمُضْطَرِّ ومَن وقَعَ بِهِ الهَلاكُ وعَلى هَذا مُقَيَّدَةٌ بِغَيْرِ المُضْطَرِّ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، ويُعَضِّدُ أنَّ المُرادَ نُصْرَتُهم قَوْلُهُ: تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: عاقِبَةً لِأوْلِيائِهِ، ووُجِّهَ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ خُتِمَتْ بِحالِ الأوْلِياءِ فَيُناسِبُ أنْ يَكُونَ ابْتِداؤُها كَذَلِكَ.
وقَرَأ الأخَوانِ والأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ وشَيْبَةُ وابْنُ غَزْوانَ عَنْ طَلْحَةَ وخَلَفٍ وابْنِ سَعْدانَ وابْنِ عِيسى الأصْبَهانِيِّ وابْنِ جَرِيرٍ: «الوِلايَةُ» بِكَسْرِ الواوِ وهي والوَلايَةُ بِالفَتْحِ بِمَعْنًى واحِدٍ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ كالوَكالَةِ والوِكالَةِ والوَصايَةِ والوِصايَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ؛ أيْ: هُنالِكَ السُّلْطانُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُغْلَبُ ولا يُمْتَنَعُ مِنهُ ولا يُعْبَدُ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾
صفحة 285
فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ﴾ إلَخْ كانَ عَنِ اضْطِرارٍ وجَزَعٍ عَمّا دَهاهُ ولَمْ يَكُنْ عَنْ نَدَمٍ وتَوْبَةٍ، وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو والأصْمَعِيِّ أنَّهُما قالا: إنَّ كَسْرَ الواوِ لَحْنٌ هُنا؛ لِأنَّ فِعالَةَ إنَّما تَجِيءُ فِيما كانَ صَنْعَةً ومَعْنًى مُتَقَلَّدًا كالكِتابَةِ والإمارَةِ والخِلافَةِ ولَيْسَ هُنا تَوَلِّي أمْرٍ إنَّما هي الوَلايَةُ بِالفَتْحِ بِمَعْنى الدِّينِ بِالكَسْرِ ولا يُعَوَّلُ عَلى ذَلِكَ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ﴿هُنالِكَ﴾ إشارَةً إلى الدّارِ الآخِرَةِ؛ أيْ: في تِلْكَ الدّارِ الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ ويُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ويَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ والظّاهِرُ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ أنَّ الوَقْفَ عَلى ﴿مُنْتَصِرًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ﴾ إلَخِ ابْتِداءُ كَلامٍ، وحِينَئِذٍ فالوِلايَةُ مُبْتَدَأٌ و«لِلَّهِ» الخَبَرُ، والظَّرْفُ مَعْمُولُ الِاسْتِقْرارِ، والجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ لِتَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، واقْتِرانُ الخَبَرِ بِلامِ الِاخْتِصاصِ كَما قُرِّرَ في «الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ» وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ «هُنالِكَ» خَبَرَ «الوِلايَةُ» أوِ الوِلايَةُ مَرْفُوعَةٌ بِهِ و«لِلَّهِ» يَتَعَلَّقُ بِالظَّرْفِ أوْ بِالعامِلِ فِيهِ أوْ بِالوِلايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِ «مُنْتَصِرًا» والإشارَةُ إلى الدّارِ الآخِرَةِ، والمُرادُ الإخْبارُ بِنَفْيِ أنْ يَنْتَصِرَ في الآخِرَةِ بَعْدَ نَفْيِ أنْ تَكُونَ لَهُ فِئَةٌ تَنْصُرُهُ في الدُّنْيا. والزَّجّاجُ جَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِ «مُنْتَصِرًا» أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: وما كانَ مُنْتَصِرًا في تِلْكَ الحالَةِ، و«الحَقِّ» نَعْتٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ.
وقَرَأ الأخَوانِ وحُمَيْدٌ والأعْمَشُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مُناذِرٍ واليَزِيدِيُّ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ: «الحَقُّ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ﴿الوَلايَةُ﴾ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي أوْ هو الحَقُّ وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وهو خَبَرُهُ، وقَرَأ أُبَيٌّ: «هُنالِكَ الوَلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ» بِتَقْدِيمِ «الحَقُّ» ورَفْعِهِ وهو يُرَجِّحُ كَوْنَ «الحَقُّ» نَعْتًا لِلْوَلايَةِ في القِراءَةِ السّابِقَةِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السَّمّالِ ويَعْقُوبُ عَنْ عِصْمَةَ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «الحَقَّ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والنّاصِبُ لَهُ عامِلٌ مُقَدَّرٌ كَما في قَوْلِكَ: هَذا عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ نَعْتٌ مَقْطُوعٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ وخَلَفٌ: «عُقْبًا» بِسُكُونِ القافِ والتَّنْوِينِ، وعَنْ عاصِمٍ «عُقْبى» بِألِفِ التَّأْنِيثِ المَقْصُورِ عَلى وزْنِ رُجْعى، والجُمْهُورُ بِضَمِّ القافِ والتَّنْوِينِ والمَعْنى في الكُلِّ ما تَقَدَّمَ.
18:45Page 298
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥
And present to them the example of the life of this world, [its being] like rain which We send down from the sky, and the vegetation of the earth mingles with it1 and [then] it becomes dry remnants, scattered by the winds. And Allāh is ever, over all things, Perfect in Ability.
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ اذْكُرْ لَهم ما يُشْبِهُها في زَهْرَتِها ونَضارَتِها وسُرْعَةِ زَوالِها لِئَلّا يَغْتَرُّوا بِها ولا يُضْرِبُوا عَنِ الآخِرَةِ صَفْحًا بِالمَرَّةِ أوِ اذْكُرْ لَهم صِفَتَها العَجِيبَةَ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ وبَيِّنْها لَهم.
﴿كَماءٍ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المَثَلِ؛ أيْ: هي ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِ «اضْرِبْ» عَلى أنَّهُ بِمَعْنى صَيِّرْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ الكافَ تَنْبُو عَنْهُ إلّا أنْ تَكُونَ مُقْحَمَةً. ورُدَّ بِأنَّهُ مِمّا لا وجْهَ لِأنَّ المَعْنى صَيِّرِ المَثَلَ هَذا اللَّفْظَ فالمَثَلُ بِمَعْنى الكَلامِ الواقِعِ فِيهِ التَّمَثُّلُ. وقالَ الحُوفِيُّ: الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ضَرْبًا كَماءٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ أيْ: فاشْتَبَكَ وخالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا لِكَثْرَتِهِ وتَكاثُفِهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ سَقْيِ الماءِ إيّاهُ أوِ المُرادُ فَدَخَلَ الماءُ في النَّباتِ حَتّى رُوِيَ ورَفَّ، وكانَ الظّاهِرُ في هَذا المَعْنى فاخْتَلَطَ بِنَباتِ الأرْضِ لِأنَّ
صفحة 286
المَعْرُوفَ في عُرْفِ اللُّغَةِ والِاسْتِعْمالِ دُخُولُ الباءِ عَلى الكَثِيرِ الغَيْرِ الطّارِئِ وإنْ صَدَقَ بِحَسْبِ الوَضْعِ عَلى كُلٍّ مِنَ المُتَداخِلَيْنِ أنَّهُ مُخْتَلِطٌ ومُخْتَلَطٌ بِهِ إلّا أنَّهُ اخْتِيرَ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْمُبالَغَةِ في كَثْرَةِ الماءِ حَتّى كَأنَّهُ الأصْلُ الكَثِيرُ، فَفي الكَلامِ قَلْبٌ مَقْبُولٌ ﴿فَأصْبَحَ﴾ ذَلِكَ النَّباتُ المُلْتَفُّ إثْرَ بَهْجَتِهِ ونَضارَتِهِ ﴿هَشِيمًا﴾ أيْ: يابِسًا مُتَفَتِّتًا، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقِيلَ: جَمْعُ هَشِيمَةٍ وأصْبَحَ بِمَعْنى صارَ فَلا يُفِيدُ تَقْيِيدَ الخَبَرِ بِالصَّباحِ كَما في قَوْلِهِ:
أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
وقِيلَ: هي عَلى ظاهِرِها مُفِيدَةٌ لِتَقْيِيدِ الخَبَرِ بِذَلِكَ لِأنَّ الآفاتِ السَّماوِيَّةَ أكْثَرُ ما تَطْرُقُ لَيْلًا. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِكَوْنِهِ هَشِيمًا لِآفَةٍ سَماوِيَّةٍ بَلِ المُرادُ بَيانُ ما يَؤُولُ إلَيْهِ بَعْدَ النَّضارَةِ مِنَ اليُبْسِ والتَّفَتُّتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ أيْ: تُفَرِّقُهُ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وقالَ الأخْفَشُ: تَرْفَعُهُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: تَجِيءُ بِهِ وتَذْهَبُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: «تُذْرِيهِ» مِن أذْرى رُباعِيًّا وهو لُغَةٌ في ذَرى وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ والأعْمَشُ وطِلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مُحَيْصِنٍ وخَلَفٌ وابْنُ عِيسى وابْنُ جَرِيرٍ: «تَذْرُوهُ الرِّيحُ» بِالإفْرادِ، ولَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ نَفْسَ الماءِ بَلْ هو الهَيْئَةُ المُنْتَزَعَةُ مِنَ الجُمْلَةِ وهي حالُ النَّباتِ المُنْبَتِ بِالماءِ يَكُونُ أخْضَرَ مُهْتَزًّا ثُمَّ يَصِيرُ يابِسًا تُطَيِّرُهُ الرِّياحُ حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ، وعَبَّرَ بِالفاءِ في الآيَةِ لِلْإشْعارِ بِسُرْعَةِ زَوالِهِ وصَيْرُورَتِهِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلَيْسَتْ فَصِيحِيَّةً، وقِيلَ: هي فَصِيحِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ فَزَّها ومَكَثَ مُدَّةً فَأصْبَحَ هَشِيمًا ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْشاءُ والإفْناءُ ﴿مُقْتَدِرًا﴾ كامِلَ القُدْرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences