Al-AlusiAl‑Kahf · 18:79–81

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:79–81

18:79Page 302

أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا ٧٩

As for the ship, it belonged to poor people working at sea. So I intended to cause defect in it as there was after them a king who seized every [good] ship by force.

﴿أمّا السَّفِينَةُ﴾ الَّتِي خَرَقَها ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى مُدافَعَةِ الظَّلَمَةِ جَمْعُ مِسْكِينٍ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها، ويَجْمَعُ عَلى مَساكِينَ ومِسْكِينُونَ وهو الضَّعِيفُ العاجِزُ، ويَشْمَلُ هَذا ما إذا كانَ العَجْزُ لِأمْرٍ في النَّفْسِ أوِ البَدَنِ، ومِن هُنا قِيلَ سُمُّوا مَساكِينَ لِزَمانَتِهِمْ وقَدْ كانُوا عَشْرَةً خَمْسَةٌ مِنهم زَمْنى وإطْلاقُ مَساكِينَ عَلَيْهِمْ عَلى هَذا مِن بابِ التَّغْلِيبِ، وهَذا المَعْنى لِلْمِسْكِينِ غَيْرُ ما اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفَقِيرِ، وعَلَيْهِ لا تَكُونُ الآيَةُ حُجَّةً لِمَن يَقُولُ: إنَّ المِسْكِينَ مَن يَمْلِكُ شَيْئًا ولا يَكْفِيهِ لِأنَّ هَذا المَعْنى مَقْطُوعٌ فِيهِ النَّظَرُ عَنِ المالِ وعَدَمِهِ.

وقَدْ يُفَسَّرُ بِالمُحْتاجِ وحِينَئِذٍ تَكُونُ الآيَةُ ظاهِرَةً فِيما يَدَّعِيهِ القائِلُ المَذْكُورُ، وادَّعى مَن يَقُولُ: إنَّ المِسْكِينَ مَن لا شَيْءَ لَهُ أصْلًا وهو الفَقِيرُ عِنْدَ الأوَّلِ أنَّ السَّفِينَةَ لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لَهم بَلْ كانُوا أُجَراءَ فِيها، وقِيلَ: كانَتْ مَعَهم عارِيَةٌ واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ لا لِلْمِلْكِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ ولا يُقْبَلُ بِلا دَلِيلٍ، وقِيلَ: إنَّهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لا شَيْءَ لَهُ أصْلًا وأُطْلِقَ عَلَيْهِمُ المَساكِينَ تَرَحُّمًا.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ (لِمَسّاكِينَ) بِتَشْدِيدِ السِّينِ جَمْعُ تَصْحِيحٍ لِمَسّاكٍ فَقِيلَ: المَعْنى لِمَلّاحِينَ، وقِيلَ: المَسّاكُ مَن يُمْسِكُ رِجْلَ السَّفِينَةِ وكانُوا يَتَناوَبُونَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَسّاكُونَ دَبَغَةُ المُسُوكِ وهي الجُلُودُ واحِدُها مِسْكٌ ولَعَلَّ إرادَةَ المَلّاحِينَ أظْهَرُ ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ أيْ يَعْمَلُونَ بِها فِيهِ ويَتَعَيَّشُونَ بِما يَحْصُلُ لَهم، وإسْنادُ العَمَلِ إلى الكُلِّ عَلى القَوْلِ بِأنَّ مِنهم زَمْنى عَلى التَّغْلِيبِ أوْ لِأنَّ عَمَلَ الوُكَلاءِ بِمَنزِلَةِ عَمَلِ المُوَكَّلِينَ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِالخَرْقِ ولَمْ أُرِدْ إغْراقَ مَن بِها كَما حَسِبْتَ، ولِإرادَةِ هَذا المَعْنى جِيءَ بِالإرادَةِ ولَمْ يَقُلْ فَأعَبْتُها. وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ اللّامَ في الِاعْتِراضِ لِلتَّعْلِيلِ ويَحْتاجُ حَمَلُها عَلى العاقِبَةِ إلى ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ هُنا كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ أيْ: أمامَهم وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وهو قَوْلُ قَتادَةَ وأبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ السِّكِّيتِ والزَّجّاجِ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ لَبِيَدٍ:

ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ

وقَوْلُ سَوّارِ بْنِ المُضَرَّبِ السَّعْدِيِّ:

أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمِي تَمِيمٌ والفَلاةُ ورائِيا

وقَوْلُ الآخَرِ:

ألَيْسَ ورائِي أنَّ أدُبَّ عَلى العَصا ∗∗∗ فَيَأْمَنَ أعْدائِي ويَسْأمُنِي أهْلِي

وفِي القُرْآنِ كَثِيرٌ أيْضًا، ولا خِلافَ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ في مَجِيءِ وراءَ بِمَعْنى أمامَ وإنَّما الخِلافُ في غَيْرِ ذَلِكَ، وأكْثَرُهم عَلى أنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ يَصِحُّ إرادَتُهُ مِنها في أيِّ مَوْضِعٍ كانَ، وقالُوا: هي مِنَ الأضْدادِ، وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ لَها مَعْنًى واحِدًا يَشْمَلُ الضِّدَّيْنِ فَقالَ ابْنُ الكَمالِ نَقْلًا عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّها اسْمٌ لِلْجِهَةِ الَّتِي يُوارِيها الشَّخْصُ مِن خَلْفٍ أوْ قُدّامٍ، وقالَ البَيْضاوِيُّ ما حاصِلُهُ: إنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرُ ورا يَرْئِي كَقَضا يَقْضِي وإذا أُضِيفَ إلى

صفحة 10

الفاعِلِ يُرادُ بِهِ المَفْعُولُ أعْنِي المَسْتُورَ وهو ما كانَ خَلَفًا، وإذا أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ يُرادُ بِهِ الفاعِلُ أعْنِي السّاتِرَ وهو ما كانَ قُدّامًا. ورُدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعُوا وراءَكُمْ﴾ فَإنَّ وراءَ أُضِيفَتْ فِيهِ إلى المَفْعُولِ والمُرادُ بِها الخَلْفُ.

وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلرَّجُلِ بَيْنَ يَدَيْكَ هو وراءَكَ وكَذا في سائِرِ الأجْسامِ، وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ في المَواقِيتِ مِنَ اللَّيالِي والأيّامِ وقالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّما جازَ اسْتِعْمالُ وراءَ بِمَعْنى أمامَ عَلى الِاتِّساعِ لِأنَّها جِهَةٌ مُقابَلَةٌ لِجِهَةٍ فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الجِهَتَيْنِ وراءَ الأُخْرى إذا لَمْ يَرِدْ مَعْنى المُواجَهَةِ، ويَجُوزُ ذَلِكَ في الأجْرامِ الَّتِي لا وجْهَ لَها مِثْلَ حَجَرَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما وراءَ الآخَرِ، وقِيلَ: أيْ خَلْفَهم كَما هو المَشْهُورُ في مَعْنى وراءَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إذا كانَ خَلْفَهم فَقَدْ سَلِمُوا مِنهُ، وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ خَلْفَهم مُدْرِكٌ لَهم ومارٌّ بِهِمْ أوْ بِأنَّ رُجُوعَهم عَلَيْهِ واسْمُهُ عَلى ما يَزْعُمُونَ هُدَدُ بْنُ بُدَدٍ وكانَ كافِرًا، وقِيلَ: جَلَنْدى بْنُ كُرْكُرَ مَلِكُ غَسّانَ، وقِيلَ: مِفْوادُ بْنُ الجَلَنْدِ ابْنِ سَعِيدٍ الأزْدِيُّ وكانَ بِجَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ أيْ: صالِحَةٍ وقَدْ قَرَأ كَذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ولَوْ أُبْقِي العُمُومُ عَلى ظاهِرِهِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْيِيبِ فائِدَةٌ ﴿غَصْبًا﴾ مِن أصْحابِها، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ الأخْذِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ يَغْصِبُ السُّفُنَ مِن أصْحابِها ثُمَّ لا يَرُدُّها عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: كانَ يُسَخِّرُها ثُمَّ يَرُدُّها، والفاءُ في (فَأرَدْتُ) لِلتَّفْرِيعِ فَيُفِيدُ أنَّ سَبَبَ إرادَةِ التَّعْيِيبِ كَوْنُها لِقَوْمٍ مَساكِينَ عَجَزَةٍ لَكِنْ لَمّا كانَتْ مُناسَبَةُ هَذا السَّبَبِ لِلْمُسَبِّبِ خَفِيَّةً بَيْنَ ذَلِكَ بِذِكْرِ عادَةِ المَلِكِ في غَصْبِ السُّفُنِ، ومَآلِ المَعْنى أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِقَوْمٍ مَساكِينَ عَجَزَةٍ يَكْتَسِبُونَ بِها فَأرَدْتُ بِما فَعَلْتُ إعانَتَهم عَلى ما يَخافُونَهُ ويَعْجِزُونَ عَنْ دَفْعِهِ مِن غَصْبِ مَلِكٍ وراءَهم عادَتُهُ غَصْبُ السُّفُنِ الصّالِحَةِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ السَّبَبَ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ المَسْكَنَةُ والغَصْبُ إلّا أنَّهُ وسَّطَ التَّفْرِيعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وكانَ الظّاهِرُ تَأْخِيرَهُ عَنْهُما لِلْغايَةِ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ كانَ هو المُنْكَرَ المُحْتاجَ إلى بَيانِ تَأْوِيلِهِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ الأقْوى في السَّبَبِيَّةِ هو الأمْرُ الأوَّلُ ولِذَلِكَ لَمْ يُبالِ بِتَخْلِيصِ سُفُنِ سائِرِ النّاسِ مَعَ تَحَقُّقِ الجُزْءِ الأخِيرِ مِنَ السَّبَبِ ولِأنَّ في تَأْخِيرِهِ فَصْلًا بَيْنَ السَّفِينَةِ وضَمِيرِها مَعَ تَوَهُّمِ رُجُوعِهِ إلى الأقْرَبِ فَلْيُفْهَمْ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما عَلِمَ تَأْوِيلَ هَذا الفِعْلِ قَبْلُ.

ويُشْكِلُ عَلَيْهِ ما جاءَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ خَرَقَ السَّفِينَةَ وسَلِمَتْ مِنَ المَلِكِ الظّالِمِ أقْبَلَ عَلى أصْحابِها فَقالَ: إنَّما أرَدْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ لَكم فَحَمِدُوا رَأْيَهُ وأصْلَحَها لَهم كَما كانَتْ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْقَفَهم عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ، والظّاهِرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حاضِرًا يَسْمَعُ ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا الخَبَرَ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ واحْتِمالُ صِحَّتِهِ مَعَ عَدَمِ سَماعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.

18:80Page 302

وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا ٨٠

And as for the boy, his parents were believers, and we feared that he would overburden them by transgression and disbelief.

﴿وأمّا الغُلامُ﴾ الَّذِي قَتَلَهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ﴾ أيْ أبُوهُ وأُمُّهُ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ واسْمُ الأبِ عَلى ما في الإتْقانِ كَأْزِيرُ والأُمُّ سَهْوا، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ) والمَعْنى عَلى ذَلِكَ في قِراءَةِ السَّبْعَةِ إلّا أنَّهُ تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِكُفْرِهِ إشْعارًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى الذِّكْرِ لِظُهُورِهِ واسْتَدَلَّ بِتِلْكَ القِراءَةِ مَن قالَ: إنَّ الغُلامَ كانَ بالِغًا لِأنَّ الصَّغِيرَ لا يُوصَفُ بِكُفْرٍ وإيمانٍ حَقِيقِيَّيْنِ. وأجابَ النَّوَوِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ، الأوَّلُ أنَّ القِراءَةَ شاذَّةٌ لا حُجَّةَ فِيها، الثّانِي أنَّهُ سَمّاهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ لَوْ عاشَ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ الغُلامَ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا وأُوِّلَ بِنَحْوِ هَذا، وكَذا ما مَرَّ مِن خَبَرِ صاحِبِ العُرْسِ والعَرائِسِ لَكِنَّ في صِحَّتِهِ تَوَقُّفَ عِنْدِي لِأنَّهُ رُبَّما يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ عِلْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَأْوِيلِ القَتْلِ قَبْلَ الفِراقِ، وعَلى ما سَمِعْتُ مِنَ التَّأْوِيلِ لا يَرِدُ شَيْءٌ مِمّا ذُكِرَ عَلى القَوْلِ المَنصُورِ في الأطْفالِ وهو أنَّهم مُطْلَقًا في

صفحة 11

الجَنَّةِ عَلى أنَّهُ قِيلَ الكَلامُ في غَيْرِ مَن أخْبَرَ الصّادِقَ بِأنَّهُ كافِرٌ، وقَرَأ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ والجَحْدَرِيُّ ( فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنانِ ) وخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ عَلى أنَّ في كانَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، والجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لَها، وأجازَ أبُو الفَضْلِ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنانِ عَلى لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ فَيَكُونَ مَنصُوبًا، وأجازَ أيْضًا أنْ يَكُونَ في كانَ ضَمِيرُ (الغُلامِ) والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.

﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ فَخِفْنا خَوْفًا شَدِيدًا أنْ يُغْشِيَ الوالِدَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ لَوْ بَقِيَ حَيًّا ﴿طُغْيانًا﴾ مُجاوَزَةً لِلْحُدُودِ الإلَهِيَّةِ ﴿وكُفْرًا﴾ بِاللَّهِ تَعالى وذَلِكَ بِأنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى مُتابَعَتِهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، ولَعَلَّ عَطْفَ الكُفْرِ عَلى الطُّغْيانِ لِتَفْظِيعِ أمْرِهِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الطُّغْيانِ مَعَ أنَّ ظاهِرَ السِّياقِ الِاقْتِصارُ عَلى الكُفْرِ لِيَتَأتّى هَذا التَّفْظِيعُ أوْ لِيَكُونَ المَعْنى فَخَشِينا أنْ يُدَنِّسَ إيمانَهُما أوَّلًا ويُزِيلَهُ آخِرًا، ويَلْتَزِمُ عَلى هَذا القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ أشْنَعُ وأقْبَحُ مِن إزالَتِهِ بِدُونِ سابِقِيَّةِ تَدْنِيسٍ وفَسَّرَ بَعْضُ شُرّاحِ البُخارِيِّ الخَشْيَةَ بِالعِلْمِ فَقالَ: أيْ عَلِمْنا أنَّهُ لَوْ أدْرَكَ وبَلَغَ لَدَعا أبَوَيْهِ إلى الكُفْرِ فَيُجِيبانِهِ ويَدْخُلانِ مَعَهُ في دِينِهِ لِفَرْطِ حُبِّهِما إيّاهُ، وقِيلَ: المَعْنى خَشِينا أنْ يُغْشِيَهُما طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما عَلَيْهِ مِن تَرْبِيَتِهِما إيّاهُ وكَوْنِهِما سَبَبًا لِوُجُودِهِ بِسَبَبِ عُقُوقِهِ وسُوءِ صَنِيعِهِ فَيَلْحَقُهُما شَرٌّ وبَلاءٌ، وقِيلَ: المَعْنى خَشِينا أنْ يُغْشِيَهُما ويَقْرِنَ بِإيمانِهِما طُغْيانَهُ وكُفْرَهُ فَيَجْتَمِعُ في بَيْتٍ واحِدٍ مُؤْمِنانِ وطاغٍ كافِرٌ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الغُلامَ كانَ يُفْسِدُ وفي رِوايَةٍ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ويُقْسِمُ لِأبَوَيْهِ أنَّهُ ما فَعَلَ فَيُقْسِمانِ عَلى قَسَمِهِ ويَحْمِيانِهِ مِمَّنْ يَطْلُبُهُ، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَن قالَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا، والذّاهِبُ إلى صِغَرِهِ يَقُولُ إنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ ولَعَلَّ الحَقَّ مَعَهُ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ أجابَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جِهَتِهِ، وجَوْزُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حِكايَةً لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والمُرادُ فَكَّرَ هُنا بِجَعْلِ الخَشْيَةِ مَجازًا مُرْسَلًا عَنْ لازَمَها وهو الكَراهَةُ عَلى ما قِيلَ، قالَ في الكَشْفِ: وذَلِكَ لِاتِّحادِ مُقامِ المُخاطَبَةِ كانَ سُؤالُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ تَعالى والخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى يُجِيبُ عَنْهُ وفي ذَلِكَ لُطْفٌ ولَكِنَّ الظّاهِرَ هو الأوَّلُ انْتَهى، وقِيلَ: هو عَلى هَذا الِاحْتِمالِ بِتَقْدِيرِ فَقالَ اللَّهُ: خَشِينا والفاءُ مِنَ الحِكايَةِ وهو أيْضًا بَعِيدٌ ولا يَكادُ يُلائِمُ هَذا الِاحْتِمالُ الآيَةَ بَعْدُ إلّا أنْ يُجْعَلَ التَّعْبِيرُ بِالظّاهِرِ فِيها التِفاتًا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَةِ أُبَيٍّ فَخافَ رَبُّكَ والتَّأْوِيلُ ما سَمِعْتَ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الخَوْفَ والخَشْيَةَ كالتَّرَجِّي بِلَعَلَّ ونَحْوِها الواقِعُ في كَلامِهِ تَعالى مَصْرُوفٌ إلى المُخاطِبِينَ وإلّا فاللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ. / 50

18:81Page 302

فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا ٨١

So we intended that their Lord should substitute for them one better than him in purity and nearer to mercy.

﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ بِأنْ يُرْزَقَهُما بَدَلَهُ ولَدًا خَيْرًا مِنهُ ﴿زَكاةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ دِينًا وهو تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ والكَثِيرُ قالُوا: أيُّ طَهارَةٍ مِنَ الذُّنُوبِ والأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ والإضافَةِ إلَيْهِما ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِما ﴿وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ أيْ: رَحْمَةً، قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ:

يا مُنْزِلَ الرُّحْمِ عَلى إدْرِيسا ومُنْزِلُ اللَّعْنَ عَلى إبْلِيسا

وهُما مَصْدَرانِ كالكَثْرِ والكَثْرَةِ، والمُرادُ أقْرَبُ رَحْمَةً عَلَيْهِما وبِرًّا بِهِما واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، ولَعَلَّ وجْهَهُ كَثْرَةُ اسْتِعْمالِ المَصْدَرِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مَعَ ما في ذَلِكَ هُنا مِن مُوافَقَةِ المَصْدَرِ قَبْلَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ أنَّ المَعْنى هُما بِهِ أرْحَمُ مِنهُما بِالغُلامِ، ولَعَلَّ المُرادَ عَلى هَذا أنَّهُ أحَبُّ

صفحة 12

إلَيْهِما مِن ذَلِكَ الغُلامِ إمّا لِزِيادَةِ حُسْنِ خُلُقِهِ أوْ خُلُقِهِ أوِ الِاثْنَيْنِ مَعًا، وهَذا المَعْنى أقْرَبُ لِلتَّأْسِيسِ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ عَلى تَفْسِيرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما سَمِعْتَ إلّا أنَّهُ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ التَّفْسِيرَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما أبْدَلا جارِيَةً ولَدَتْ نَبِيًّا، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها أدْرَكَتْ يُونُسَ بْنَ مَتّى فَتَزَوَّجَها نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ فَوَلَدَتْ نَبِيًّا هَدى اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وفي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ أنَّها ولَدَتْ نَبِيَّيْنِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها ولَدَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا.، واسْتَبْعَدَ هَذا ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ: لا يُعْرَفُ كَثْرَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ المَرْأةُ مِنهم وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ، ووَجْهُ التَّأْيِيدِ أنَّ الجارِيَةَ بِحَسَبِ العادَةِ تُحِبُّ أبَوَيْها وتَرْحَمُهُما وتَعْطِفُ عَلَيْهِما وتَبَرُّ بِهِما أكْثَرَ مِنَ الغُلامِ قِيلَ: أبْدَلَهُما غُلامًا مُؤْمِنًا مِثْلَهُما، وانْتِصابُ المَصْدَرَيْنِ عَلى التَّمْيِيزِ والعامِلُ ما قَبْلَ كُلٍّ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ولا يَخْفى ما في الإبْهامِ أوَّلًا ثُمَّ البَيانُ ثانِيًا مِنَ اللُّطْفِ ولِذا لَمْ يَقُلْ: فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما أزْكى مِنهُ وأرْحَمَ عَلى أنَّ في خَيْرٍ زَكاةً مِنَ المَدْحِ ما لَيْسَ في أزْكى كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ الصّادِقِ.

وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ أفْعَلَ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ هُنا لِأنَّهُ لا زَكاةَ في ذَلِكَ الغُلامِ ولا رَحْمَةَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ كانَ زَكِيًّا طاهِرًا ( مِنَ الذُّنُوبِ بِالفِعْلِ إنْ كانَ صَغِيرًا وبِحَسَبِ الظّاهِرِ إنْ كانَ بالِغًا، فَلِذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ( نَفْسًا زَكِيَّةً ) وهَذا في مُقابَلَتِهِ فَخَيْرٌ مِن زَكاةِ مَن هو زَكِيٌّ في الحالِ والمَآلِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ والباطِنِ ولَوْ سَلِمَ فالِاشْتِراكُ التَّقْدِيرِيُّ يَكْفِي في صِحَّةِ التَّفْضِيلِ وأنَّ قَوْلَهُ: ولا رَحْمَةَ قَوْلٌ بِلا دَلِيلٍ انْتَهى.

وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ الجَوابَ الصَّحِيحَ هُنا أنْ يُكْتَفى بِالِاشْتِراكِ التَّقْدِيرِيِّ لِأنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عالِمًا بِالباطِنِ فَهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا زَكاةَ فِيهِ ولا رَحْمَةَ فَقَوْلُهُ: إنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لا وجْهَ لَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الرَّحْمَةَ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي مِمّا لا يَصِحُّ نَفْيُها لِأنَّها مَدارُ الخَشْيَةِ فافْهَمْ، والظّاهِرُ أنَّ الفاءَ لِلتَّفْرِيعِ فَيُفِيدُ سَبَبِيَّةَ الخَشْيَةِ لِلْإرادَةِ المَذْكُورَةِ ويُفْهَمُ مِن تَفْرِيعِ القَتْلِ، ولَمْ يُفَرِّعْهُ نَفْسَهُ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ تَأْوِيلُهُ اعْتِمادًا عَلى ظُهُورِ انْفِهامِهِ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ، وفِيها إشارَةٌ إلى رَدِّ ما يُلَوِّحُ بِهِ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنَّ قَتْلَهُ ظُلْمٌ وفَسادٌ في الأرْضِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وحُمَيْدٌ والأعْمَشُ وابْنُ جَرِيرٍ (يُبَدِّلَهُما) بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ ويَعْقُوبُ وأبُو حاتِمٍ ( رُحْمًا ) بِضَمِّ الحاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( رَحْمًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الحاءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском