Al-AlusiAl‑Kahf · 18:82

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:82

18:82Page 302

وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا ٨٢

And as for the wall, it belonged to two orphan boys in the city, and there was beneath it a treasure for them, and their father had been righteous. So your Lord intended that they reach maturity and extract their treasure, as a mercy from your Lord. And I did it not of my own accord. That is the interpretation of that about which you could not have patience."

﴿وأمّا الجِدارُ﴾ المَعْهُودُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ﴾ قِيلَ: إنَّهُما أصْرَمُ وصَرِيمٌ ﴿يَتِيمَيْنِ﴾ صَغِيرَيْنِ ماتَ أبُوهُما وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّ يُتْمَ بَنِي آدَمَ بِمَوْتِ الأبِ، وفي الحَدِيثِ ( «لا يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ» )

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أنَّهُما كانا بِالغَيْنِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ ما كانَ عَلى مَعْنى الشَّفَقَةِ عَلَيْهِما ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ فِيما سَبَقَ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْها بِالمَدِينَةِ هُنا لِإظْهارِ نَوْعِ اعْتِدادٍ بِها بِاعْتِدادِ ما فِيها مِنَ اليَتِيمَيْنِ وما هو مِن أهْلِها وهو أبُوهُما الصّالِحُ. ولَمّا كانَ سَوْقُ الكَلامِ السّابِقِ عَلى غَيْرِ هَذا المَساقِ عَبَّرَ بِالقَرْيَةِ فِيهِ ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ مالٌ مَدْفُونٌ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ أبِي الدَّرْداءِ

وبِذَلِكَ قالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ ثُمَّ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ المَفْعُولِ.

صفحة 13

قالَ الرّاغِبُ: الكَنْزُ جَعْلُ المالِ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ وحِفْظَهُ وأصْلُهُ مَن كَنَزَتِ التَّمْرِ في الوِعاءِ، واسْتَشْكَلَ تَفْسِيرُ الكَنْزِ بِما ذُكِرَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الكانِزَ لَهُ أبُوهُما لِاقْتِضاءِ ﴿لَهُما﴾ لَهُ إذًا لا يَكُونُ لَهُما إلّا إذا كانَ إرْثًا أوْ كانا قَدِ اسْتَخْرَجاهُ والثّانِي مُنْتَفٍ فَتُعَيِّنُ الأوَّلُ وقَدْ وُصِفَ بِالصَّلاحِ، ويُعارِضُ ذَلِكَ ما جاءَ في ذَمِّ الكانِزِ. وأُجِيبُ بِأنَّ المَذْمُومَ ما لَمْ تُؤَدَّ مِنهُ الحُقُوقُ بَلْ لا يُقالُ لِما أدَّيْتَ مِنهُ كَنْزٌ شَرْعًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ حَدِيثُ: كُلُّ مالٍ لا تُؤَدّى زَكاتُهُ فَهو كَنْزٌ فَإنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِصَدَدِ بَيانِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ لا المَفاهِيمِ اللُّغَوِيَّةِ لِأنَّها مَعْلُومَةٌ لِلْمُخاطَبِينَ ولا يُعْتَبَرُ في مَفْهُومِهِ اللُّغَوِيِّ المُرادِ هُنا شَيْءٌ مِنَ الإخْراجِ وعَدَمِهِ، والوَصْفُ بِالصَّلاحِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الكَنْزِ المَذْمُومِ، ومَن قالَ: إنَّ ( الكَنْزَ حَرامٌ مُطْلَقًا ادَّعى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في شَرْعِ مَن قَبْلَنا، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الكُنُوزُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ وأُحِلَّتْ لَنا الغَنائِمُ وحُرِّمَتْ عَلَيْنا الكُنُوزُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَ ذَلِكَ وفِيهِ فَلا يَعْجَبَنَّ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: ما شَأْنُ الكَنْزِ حَلَّ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَحُلُّ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ وهي السُّنَنُ والفَرائِضُ تَحِلُّ لِأُمَّةٍ وتَحْرُمُ عَلى أُخْرى، وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ما كانَ ذَهَبًا ولا فِضَّةً ولَكِنْ كانَ صُحُفَ عِلْمٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَرْفُوعًا والبَزّارُ عَنْ أبِي ذَرٍّ كَذَلِكَ، والخَرائِطِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا أنَّهُ كانَ لَوْحًا مِن ذَهَبٍ مَكْتُوبًا فِيهِ عَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ وعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ وعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ وعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالحِسابِ كَيْفَ يَغْفُلُ وعَجِبْتُ لِمَن يَعْرِفُ الدُّنْيا وتَقَلُّبَها بِأهْلِها كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إلَيْها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

وفِي رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَكْتُوبٌ في أحَدِ شِقَّيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَجِبْتُ إلَخْ، في الشِّقِّ الآخَرِ: أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا وحْدِي لا شَرِيكَ لِي خَلَقْتُ الخَيْرَ والشَّرَّ فَطُوبى لِمَن خَلَقْتُهُ لِلْخَيْرِ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ، والوَيْلُ لِمَن خَلَقْتُهُ لِلشَّرِّ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ.

وجَمَعَ بَعْضُهم بِأنَّ المُرادَ بِالكَنْزِ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ المالُ المَدْفُونُ مُطْلَقًا، وكُلٌّ مِنَ المَذْكُوراتِ مالٌ كانَ مَدْفُونًا إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ في كُلٍّ مِنَ الرِّواياتِ عَلى واحِدٍ مِنها، وفِيهِ أنَّهُ عَلى بُعْدِهِ يَأْباهُ ظاهِرُ قَوْلِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما كانَ ذَهَبًا ولا فِضَّةً ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ الأبُ الأقْرَبُ الَّذِي ولَدَهُما، وذَكَرَ أنَّ اسْمَهُ كاشِحٌ وأنَّ اسْمَ أُمِّهِما دُهْنا، وقِيلَ: كانَ الأبَ العاشِرَ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ الأبَ السّابِعَ.

وأيًّا ما كانَ فَفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ صَلاحَ الآباءِ يُفِيدُ العِنايَةَ بِالأبْناءِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ طُوبى لِذُرِّيَّةِ المُؤْمِنِ ثُمَّ طُوبى لَهم كَيْفَ يُحْفَظُونَ مِن بَعْدِهِ وتَلا خَيْثَمَةُ هَذِهِ الآيَةَ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ وهْبٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيَحْفَظُ بِالعَبْدِ الصّالِحِ القَبِيلَ مِنَ النّاسِ، وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ لِبَعْضِ الخَوارِجِ في كَلامٍ جَرى بَيْنَهُما: بِمَ حَفِظَ اللَّهُ تَعالى مالَ الغُلامَيْنِ؟

قالَ: بِصَلاحِ أبِيهِما. قالَ: فَأبِي وجَدِّي خَيْرٌ مِنهُ، فَقالَ الخارِجِيُّ أنْبَأنا اللَّهُ تَعالى: أنَّكم قَوْمٌ خَصِمُونَ، وذَكَرَ مِن صَلاحِ هَذا الرَّجُلِ أنَّ النّاسَ كانُوا يَضَعُونَ عِنْدَهُ الوَدائِعَ فَيَرُدُّها إلَيْهِمْ كَما وضَعُوها.

ويُرْوى أنَّهُ كانَ سَبّاحًا ﴿فَأرادَ رَبُّكَ﴾ مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أُمُورِكَ، فَفي إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ

صفحة 14

ضَمِيرِهِما تَنْبِيهٌ لَهُ عَلى تَحَتُّمِ كَمالِ الِانْقِيادِ والِاسْتِسْلامِ لِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ ووُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنِ المُناقَشَةِ فِيما وقَعَ بِحَسْبِهِما الَّتِي يُشَمُّ مِنها طَلَبُ ما يَحْصُلُ بِهِ تَرْبِيَةُ البَدَنِ وتَدْبِيرُهُ ﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ قِيلَ أيِ الحُلُمَ وكَمالَ الرَّأْيِ، وفي الصِّحاحِ القُوَّةُ وهو ما بَيْنَ ثَمانِيَ عَشَرَ إلى ثَلاثِينَ وهو واحِدٌ جاءَ عَلى بِناءِ الجَمْعِ مِثْلَ آنَّكَ ولا نَظِيرَ لَهُما، ويُقالُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ مِثْلُ آسالَ وأبابِيلَ وعَبادِيدَ ومَذاكِيرَ، وكانَسِيبَوَيْهِ يَقُولُ: واحِدُهُ شُدُّهُ وهو حَسَنٌ في المَعْنى لِأنَّهُ يُقالُ بَلَغَ الغُلامُ شِدَّتَهُ ولَكِنْ لا يُجْمَعُ فَعْلَةٌ عَلى أفْعَلَ، وأمّا أنْعُمٌ فَإنَّما هو جَمْعُ نَعَمٍ مِن قَوْلِهِمْ: يَوْمُ بُؤْسٍ ويَوْمُ نَعَمْ، وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: واحِدُهُ شَدٌّ مِثْلُ كَلْبٍ وأكْلُبٍ أوْ شِدٌّ مِثْلُ ذِئْبٍ وأذْؤُبٍ فَإنَّما هو قِياسٌ كَما يَقُولُونَ في واحِدِ الأبابِيلِ أبُّولُ قِياسًا عَلى عُجُولٍ ولَيْسَ هو شَيْءٌ يُسْمَعُ مِنَ العَرَبِ.

﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ مِن تَحْتِ الجِدارِ ولَوْلا أنِّي أقَمْتُهُ لانْقَضَّ وخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ قَبْلَ اقْتِدارِهِما عَلى حِفْظِهِ والِانْتِفاعِ بِهِ وذَكَرُوا أنَّ اليَتِيمَيْنِ كانا غَيْرَ عالِمَيْنِ بِالكَنْزِ ولَهُما وصِيٌّ يَعْلَمُ بِهِ لَكِنَّهُ كانَ غائِبًا والجِدارُ قَدْ شارَفَ فَلَوْ سَقَطَ لَضاعَ، فَلِذا أقامَهُ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ لِأرادَ وأُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ الضَّمِيرِ، ولَيْسَ مَفْعُولًا لَهُ لِيَسْتَخْرِجا لِاخْتِلافِ الفاعِلِ، وبَعْضُهم أجازَ ذَلِكَ لِعَدَمِ اشْتِراطِهِ الِاتِّحادَ أوْ جَعْلِ المَصْدَرِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وأجازَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى الحالِ وهو مِن ضَمِيرِ (يَسْتَخْرِجا) بِتَأْوِيلِ مَرْحُومِينَ، والزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأرادَ فَإنَّ إرادَةَ ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إذا كانَ أرادَ رَبُّكَ بِمَعْنى رَحِمَ كانَتِ الرَّحْمَةُ مِنَ الرَّبِّ لا مَحالَةَ فَأيُّ فائِدَةٍ في ذِكْرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن رَبِّكَ﴾ وكَذا إذا كانَ مَفْعُولًا لَهُ وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ فَعَلْتُ ما فَعَلْتُ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَهو حِينَئِذٍ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ إرادَةِ أوْ رَجاءِ رَحْمَةِ رَبِّكَ أوْ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والرَّحْمَةُ بِمَعْنى الوَحْيِ أيْ بِرَحْمَةِ رَبِّكَ ووَحْيِهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنْ رَأْيِي واجْتِهادِي تَأْكِيدًا لِذَلِكَ (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِنَ العَواقِبِ المَنظُومَةِ في سِلْكِ البَيانِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِ في الفَخامَةِ ﴿تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ﴾ أيْ تَسْتَطِعْ وهو مُضارِعُ اسْطاعَ بِهَمْزِ الوَصْلِ وأصْلُهُ اسْتَطاعَ عَلى وزْنِ اسْتَفْعَلَ ثُمَّ حَذَفَ تاءَ الِافْتِعالِ تَخْفِيفًا وبَقِيَتِ الطّاءُ الَّتِي هي أصْلٌ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ السِّينَ عِوَضُ قَلْبِ الواوِ ألِفًا والأصْلُ أطاعَ ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى أنَّ المَحْذُوفَ هي الطّاءُ الَّتِي هي فاءُ الفِعْلِ ثُمَّ دَعْوى أنَّهم أبْدَلُوا مِن تاءِ الِافْتِعالِ طاءً لِوُقُوعِها بَعْدَ السِّينِ، ويُقالُ تَسْتَتِيعُ بِإبْدالِ الطّاءِ تاءً وتَسْتِيعُ بِحَذْفِ تاءِ الِافْتِعالِ فاللُّغاتُ أرْبَعٌ كَما قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، وما ألْطَفَ حَذْفَ أحَدِ المُتَقارِبَيْنِ وبَقاءِ الآخَرِ في آخِرِ هَذا الكَلامِ الَّذِي وقَعَ عِنْدَهُ ذَهابُ الخَضِرِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّما خَصَّ هَذا بِالتَّخْفِيفِ لِأنَّهُ لَمّا تَكَرَّرَ في القِصَّةِ ناسَبَ تَخْفِيفَ الأخِيرِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ مُكَرَّرٌ أيْضًا وذاكَ أخَفُّ مِنهُ فَلِمَ لَمْ يُؤْتَ بِهِ ؟ وفِيهِ أنَّ الفَرْقَ ظاهِرٌ بَيْنَ هَذا وذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّما خُصَّ بِالتَّخْفِيفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ خَفَّ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما لَقِيَهُ بِبَيانِ سَبَبِهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُبْعِدُهُ أنَّهُ في الحِكايَةِ لا المَحْكِيِّ وأنْتَ تَعْلَمُ هَذا وكَذا ما ذَكَرْناهُ زَهْرَةٌ لا تَتَحَمَّلُ الفَرْكَ والتَّأْوِيلَ بِالمَعْنى السّابِقِ الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ المُرادُ أيْ ذَلِكَ مَآلُ وعاقِبَةُ الَّذِي لَمْ تَسْتَطِعْ ﴿عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي رَأيْتُ فَيَكُونُ إنْجازًا لِلتَّنْبِئَةِ المَوْعُودَةِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى البَيانِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ بِمَعْناهُ المَشْهُورِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَهو فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ، وفي جَعْلِ

صفحة 15

الصِّلَةِ غَيْرَ ما مَرَّ تَكْرِيرٌ لِلتَّنْكِيرِ وتَشْدِيدٌ لِلْعِتابِ، قِيلَ: ولَعَلَّ إسْنادَ الإرادَةِ أوَّلًا إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ أنَّهُ الفاعِلُ المُباشِرُ لِلتَّعْيِيبِ، وثانِيًا إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ لِأنَّ إهْلاكَ الغُلامِ بِمُباشَرَتِهِ وفِعْلِهِ وتَبْدِيلِ غَيْرِهِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ وهو بِمَحْضِ فِعْلِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ فَضَمِيرُ- نا- مُشْتَرِكٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وثالِثًا إلى اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ لِأنَّهُ لا مَدْخَلَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في بُلُوغِ الغُلامَيْنِ. واعْتُرِضَ تَوْجِيهُ ضَمِيرِ الجَمْعِ بِأنَّ اجْتِماعَ المَخْلُوقِ مَعَ اللَّهِ تَعالى في ضَمِيرٍ واحِدٍ لا سِيَّما ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ فِيهِ مِن تَرْكِ الأدَبِ ما فِيهِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما جاءَ مِن «أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ كانَ يَخْطُبُ في مَجْلِسِهِ ﷺ إذا ورَدَتْ وُفُودُ العَرَبِ فاتَّفَقَ إنْ قَدِمَ وفْدُ تَمِيمٍ فَقامَ خَطِيبُهم وذَكَرَ مَفاخِرَهم ومَآثِرَهم فَلَمّا أتَمَّ خُطْبَتَهُ قامَ ثابِتٌ وخَطَبَ خُطْبَةً قالَ فِيها: مَن يُطِعِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولَهُ ﷺ فَقَدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ غَوى، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: بِئْسَ خَطِيبَ القَوْمِ أنْتَ» .، وصَرَّحَ الخَطّابِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَرِهَ مِنهُ ما فِيهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ قَدْ وقَعَ نَحْوُ ذَلِكَ في الآياتِ والأحادِيثِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ ضَمِيرَ ﴿يُصَلُّونَ عَلى﴾ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى وإلى المَلائِكَةِ.

وقَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ الإيمانِ: ( «أنْ يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما» )

ولَعَلَّ ما كَرِهَهُ ﷺ مِن ثابِتٍ أنَّهُ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: يَعْصِهِما لا التَّسْوِيَةِ في الضَّمِيرِ، وظاهِرُ هَذا أنَّهُ لا كَراهَةَ مُطْلَقًا في هَذِهِ التَّسْوِيَةِ وهو أحَدُ الأقْوالِ في المَسْألَةِ. وثانِيها ما ذَهَبَ إلَيْهِ الخَطّابِيُّ أنَّها تُكْرَهُ تَنْزِيهًا، وثالِثُها ما يُفْهِمُهُ كَلامُ الغَزالِيِّ أنَّها تُكْرَهُ تَحْرِيمًا، وعَلى القَوْلِ بِالكَراهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ اسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّها غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ فَقَدْ تُكْرَهُ في مَقامٍ دُونَ مَقامٍ. وبُنِيَ الجَوابُ عَمّا نَحْنُ فِيهِ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: لَمّا كانَ المَقامُ الَّذِي قامَ فِيهِ ثابِتٌ مَقامَ خَطابَةٍ وإطْنابٍ وهو بِحَضْرَةِ قَوْمٍ مُشْرِكِينَ والإسْلامِ غَضٌّ طَرِيٌّ كَرِهَ ﷺ التَّسْوِيَةَ مِنهُ فِيهِ، وأمّا مِثْلُ هَذا المَقامِ الَّذِي القائِلُ فِيهِ والمُخاطَبُ مَن عَرَفَتْ وقُصِدَ فِيهِ نُكْتَةٌ وهو عَدَمُ اسْتِقْلالِهِ فَلا كَراهَةَ لِلتَّسْوِيَةِ فِيهِ. وخَصَّ بَعْضَ الكَراهَةِ بِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وحِينَئِذٍ يَقْوى الجَوابُ عَمّا ذَكَرَ لِأنَّهُ إذا جازَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَهو في كَلامِ اللَّهِ تَعالى وما حَكاهُ سُبْحانَهُ بِالطَّرِيقِ الأُولى.

وخُلاصَةُ ما قَرَّرَ في المَسْألَةِ أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لا كَراهَةَ في ذَلِكَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في شُرُوحِ البُخارِيِّ، وأمّا في حَقِّ البَشَرِ فَلَعَلَّ المُخْتارَ أنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا في مَقامٍ دُونَ مَقامٍ، هَذا وأنا لا أقُولُ بِاشْتِراكِ هَذا الضَّمِيرِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا لِأنَّ فِيهِ تَرْكَ الأدَبِ بَلْ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ كَضَمِيرِ (خَشِينا) والظّاهِرُ في ذاكَ عَدَمُ الِاشْتِراكِ لِأنَّهُ مُحْوِجٌ لِارْتِكابِ المَجازِ عَلى أنَّ النُّكْتَةَ الَّتِي ذَكَرُوها في اخْتِيارِ التَّشْرِيكِ في ضَمِيرِ أرَدْنا لا تَظْهَرُ في اخْتِيارِهِ في ضَمِيرِ ﴿فَخَشِينا﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَتَضَمَّنِ الكَلامُ الأوَّلُ فِعْلَيْنَ عَلى نَحْوِ ما تَضَمَّنَهُما الكَلامُ الثّانِي فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ في وجْهِ تَغايُرِ الأُسْلُوبِ: إنَّ الأوَّلَ شَرٌّ فَلا يَلِيقُ إسْنادُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ هو الفاعِلَ جَلَّ وعَلا، والثّالِثُ خَيْرٌ فَأفْرَدَ إسْنادَهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي مُمْتَزِجٌ خَيْرُهُ وهو تَبْدِيلُهُ بِخَيْرٍ مِنهُ وشَرِّهِ وهو القَتْلُ، فَأُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى وإلى نَفْسِهِ نَظَرًا لَهُما. وفِيهِ أنَّ هَذا الإسْنادَ في (فَخَشِينا) أيْضًا وأيْنَ امْتِزاجُ الخَيْرِ والشَّرِّ فِيهِ، وجَعْلُ النُّكْتَةِ في التَّعْبِيرِ يُنافِيهِ مُجَرَّدُ المُوافِقَةِ لِتالِيهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّهُ أسْنَدَ الإرادَةَ في الأوَّلِينَ إلى نَفْسِهِ لَكِنَّهُ تَفَنَّنَ في التَّعْبِيرِ فَعَبَّرَ عَنْها بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ بَعْدَ ما عَبَّرَ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ الواحِدِ لِأنَّ مَرْتَبَةَ الِانْضِمامِ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ مَرْتَبَةِ الِانْفِرادِ مَعَ أنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِنَ العُظَماءِ في عُلُومِ الحِكْمَةِ فَلَمْ يُقْدِمْ عَلى هَذا القَتْلِ إلّا لِحِكْمَةٍ عالِيَةٍ بِخِلافِ التَّعْيِيبِ، وأُسْنِدَ فِعْلُ الإبْدالِ إلى اللَّهِ

صفحة 16

تَعالى إشارَةً إلى اسْتِقْلالِهِ سُبْحانَهُ بِالفِعْلِ وأنَّ الحاصِلَ لِلْعَبْدِ مُجَرَّدُ مُقارِنَةِ إرادَةِ الفِعْلِ دُونَ تَأْثِيرٍ فِيهِ كَما هو المَذْهَبُ الحَقُّ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإبْدالَ نَفْسَهُ مِمّا لَيْسَ لِإرادَةِ العَبْدِ مُقارَنَةٌ لَهُ أصْلًا وإنَّما لَها مُقارَنَةٌ لِلْقَتْلِ المَوْقُوفِ هو عَلَيْهِ عَلى أنَّ في هَذا التَّوْجِيهِ بَعْدُ ما فِيهِ. وفي الِانْتِصافِ لَعَلَّ إسْنادَ الأوَّلِ إلى نَفْسِهِ خاصَّةٌ مِن بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ المُرادَ ثَمَّ عَيْبٌ فَتَأدَّبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ نَسَبَ الإعابَةَ إلى نَفْسِهِ، وأمّا إسْنادُ الثّانِي إلى- نا- فالظّاهِرُ أنَّهُ مِن بابِ قَوْلِ خَواصِّ المَلِكِ أمَرْنا بِكَذا ودَبَّرْنا كَذا وإنَّما يَعْنُونَ أمْرَ المَلِكِ العَظِيمِ. ودَبَّرَ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ في الثّالِثِ: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: اخْتِلافُ الأُسْلُوبِ لِاخْتِلافِ حالِ العارِفِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ في ابْتِداءِ أمْرِهِ يَرى نَفْسَهُ مُؤَثِّرَةً فَلِذا أسْنَدَ الإرادَةَ أوَّلًا إلى نَفْسِهِ ثُمَّ يَتَنَبَّهُ إلى أنَّهُ لا يَسْتَقِلُّ بِالفِعْلِ بِدُونِ اللَّهِ تَعالى، فَلِذا أُسْنِدَ إلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ ثُمَّ يَرى أنَّهُ لا دَخْلَ لَهُ وأنَّ المُؤَثِّرَ والمُرِيدَ إنَّما هو اللَّهُ تَعالى فَلِذا أسْنَدَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَقَطْ وهَذا مَقامُ الفَناءِ ومَقامٌ كانَ اللَّهُ ولا شَيْءَ مَعَهُ وهو الآنُ كَما كانَ، وتُعَقِّبُ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ مَرَّتْ عَلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ واتَّصَفَ بِكُلٍّ مِنها أثْناءَ المُحاوَرَةِ فَهو باطِلٌ وكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يَكُونَ إذْ ذاكَ مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِالمَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ فَضْلًا عَنِ المَرْتَبَةِ الأُولى وهو الَّذِي قَدْ أُوتِيَ مِن قِبَلِ العِلْمِ اللَّدُنْيِّ. وإنْ أُرِيدَ أنَّهُ عَبَّرَ تَعْبِيرَ مَنِ اتَّصَفَ بِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن تِلْكَ المَراتِبِ وإنْ كانَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ في أعْلاها فَإنْ كانَ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أجَلُّ مِن أنْ يُعَلِّمَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ، وإنْ كانَ تَعْلِيمًا لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَيْسَ المَقامُ ذَلِكَ المَقامَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ غَيْرٌ يُسْمَعُ مِنهُ هَذا الكَلامُ وإنْ أُرِيدَ أنَّهُ عَبَّرَ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِأُسْلُوبٍ مَخْصُوصٍ مِن هاتِيكَ الأسالِيبِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ عَبَّرَ في كُلِّ مَوْضِعٍ بِأُسْلُوبٍ فَتَعَدَّدَتِ الأسالِيبُ في حِكايَتِهِ تَعالى القِصَّةَ لَنا تَعْلِيمًا وإشارَةً إلى هاتِيكَ المَراتِبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَلامُ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يَنْقُلَ عَنْ أحَدٍ كَلامًا لَمْ يَقُلْهُ أوْ لَمْ يَقُلْ ما بِمَعْناهُ فالقَوْلُ بِذَلِكَ نَوْعُ افْتِراءٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ. والَّذِي يَخْطُرُ بِبالِ العَبْدِ الفَقِيرِ أنَّهُ رُوعِيَ في الجَوابِ حالُ الِاعْتِراضِ وما تَضَمَّنَهُ وأشارَ إلَيْهِ فَلَمّا كانَ الِاعْتِراضُ الأوَّلُ بِناءً عَلى أنَّ لامَ (لِتُغْرِقَ) لِلتَّعْلِيلِ مُتَضَمِّنًا إسْنادَ إرادَةِ الإغْراقِ إلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ الإنْكارُ فِيهِ دُونَ الإنْكارِ فِيما يَلِيهِ بِناءً عَلى ما اخْتارَهُ المُحَقِّقُونَ مِن أنَّ (نُكْرًا) أبْلَغُ مِن (إمْرًا) ناسَبَ أنْ يَشْرَحَ بِإسْنادِ إرادَةِ التَّعْيِيبِ إلى نَفْسِهِ المُشِيرِ إلى نَفْيِ إرادَةِ الإغْراقِ عَنْها الَّتِي يُشِيرُ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْها. وأنْ لا يَأْتِيَ بِما يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ أوْ ضَمِّ أحَدٍ مَعَهُ في الإرادَةِ لِعَدَمِ تَعْظِيمِ أمْرِ الإنْكارِ المُحْوِجِ لِأنْ يُقابَلَ بِما يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ إرادَةِ خِلافِ ما حَسِبَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْكَرَهُ.

ولَمّا كانَ الِاعْتِراضُ الثّانِي في غايَةِ المُبالَغَةِ والإنْكارِ هُناكَ في نِهايَةِ الإنْكارِ ناسَبَ أنْ يُشِيرَ إلى أنَّ ما اعْتُرِضَ عَلَيْهِ وبُولِغَ في إنْكارِهِ قَدْ أُرِيدَ بِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ ولَوْ لَمْ يَقَعْ لَمْ يُؤْمَن مِن وُقُوعِ خَطْبٍ جَسِيمٍ؛ فَلِذا أسْنَدَ الخَشْيَةَ والإرادَةَ إلى ضَمِيرِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ أوِ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ فَإنَّ في إسْنادِ الإرادَةِ إلى ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِها وفي تَعْظِيمِهِ تَعْظِيمَ أمْرِ المُرادِ وكَذا في إسْنادِ الخَشْيَةِ إلى ذَلِكَ تَعْظِيمُ أمْرِها، وفي تَعْظِيمِهِ تَعْظِيمُ أمْرِ المَخْشِيِّ. ورُبَّما يُقالُ بِناءً عَلى إرادَةِ الضَّمِّ مِنّا: إنَّ في ذَلِكَ الإسْنادِ إشارَةً إلى أنَّ ما يُخْشى وما يُرادُ قَدْ بَلَغَ في العِظَمِ إلى أنْ يُشارِكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الخَشْيَةِ مِنهُ، وفي إرادَتِهِ الخَضِرَ لا أنْ يَسْتَقِلَّ بِإنْكارِ

صفحة 17

ما هو مِن مَبادِئِ ذَلِكَ المُرادِ وبِهِ يَنْقَطِعُ عَنِ الأصْلَيْنِ عِرْقُ الفَسادِ، ولَمّا كانَ الِاعْتِراضُ الثّالِثُ هَيِّنًا جِدًّا حَيْثُ كانَ بِلَفْظٍ لا تَصَلُّبَ فِيهِ ولا إزْعاجَ في ظاهِرِهِ وخافِيهِ، ومَعَ هَذا لَمْ يَكُنْ عَلى نَفْسِ الفِعْلِ بَلْ عَلى عَدَمِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ لِيُسْتَعانَ بِها عَلى إقامَةِ جِدارِ البَدَنِ وإزالَةِ ما أصابَهُ مِنَ الوَهَنِ فَناسَبَ أنْ يَلِينَ في جَوابِهِ المُقامِ ولا يَنْسُبَ لِنَفْسِهِ اسْتِقْلالًا أوْ مُشارِكَةً شَيْئًا ما مِنَ الأفْعالِ فَلِذا أسْنَدَ الإرادَةَ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتّى أضافَهُ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ تَكْرِيرَ النَّكِيرِ والعِتابِ لِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ ما كانَ أوَّلًا مِن ذَلِكَ الجَنابِ، هَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ أسْرارِ الكِتابِ وهو سُبْحانَهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ القائِلُونَ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ظاهِرٌ في ذَلِكَ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ هُناكَ نَبِيٌّ أمَرَهُ بِذَلِكَ عَنْ وحْيٍ كَما زَعَمَهُ القائِلُونَ بِوِلايَتِهِ احْتِمالٌ بَعِيدٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في وصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ عَلى هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ بَلْ قَدْ يُقالُ: أيُّ فائِدَةٍ في هَذا العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ إذا احْتاجَ في إظْهارِ العَجائِبِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى تَوْسِيطِ نَبِيٍّ مِثْلِهِ، وقالَ بَعْضُهم: كانَ ذَلِكَ عَنْ إلْهامٍ ويَلْزَمُهُ القَوْلُ بِأنَّ الإلْهامَ كانَ حُجَّةً في بَعْضِ الشَّرائِعِ وأنَّ الخَضِرَ مِنَ المُكَلَّفِينَ بِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ وإلّا فالظّاهِرُ أنَّ حُجِّيَّتَهُ لَيْسَتْ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا هو لَيْسَ بِحُجَّةٍ في شَرِيعَتِنا عَلى الصَّحِيحِ، ومَن شَذَّ وقالَ بِحُجِّيَّتِهِ اشْتَرَطَ لِذَلِكَ أنْ لا يُعارِضَهُ نَصٌّ شَرْعِيٌّ فَلَوْ أطْلَعَ اللَّهُ تَعالى بِالإلْهامِ بَعْضَ عِبادِهِ عَلى نَحْوِ ما أطْلَعَ عَلَيْهِ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حالِ الغُلامِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَتْلُهُ، وما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كَنْتَ الخَضِرَ تَعْرِفُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فاقْتُلْهم إنَّما قَصَدَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ كَما قالَ السُّبْكِيُّ المَحاجَّةَ والإحالَةَ عَلى ما لَمْ يُمْكِنْ قَطْعًا لِطَمَعِهِ في الِاحْتِجاجِ بِقِصَّةِ الخَضِرِ ولَيْسَ مَقْصُودُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ إنْ حَصَلَ ذَلِكَ يَجُوزُ القَتْلُ فَما قالَهُ اليافِعِيُّ في رَوْضِهِ مِن أنَّهُ لَوْ أذِنَ اللَّهُ تَعالى لِبَعْضِ عِبادِهِ أنْ يَلْبَسَ ثَوْبَ حَرِيرٍ مَثَلًا وعَلِمَ الإذْنُ يَقِينًا فَلَبِسَهُ لَمْ يَكُنْ مُنْتَهِكًا لِلشَّرْعِ وحُصُولُ اليَقِينِ لَهُ مِن حَيْثُ حُصُولُهُ لِلْخَضِرِ بِقَتْلِهِ لِلْغُلامِ إذْ هو ولِيٌّ لا نَبِيٌّ عَلى الصَّحِيحِ انْتَهى عَثْرَةً يَكادُ أنْ لا يُقالَ لِصاحِبِها لَعًا لِأنَّ مَظِنَّةَ حُصُولِ اليَقِينِ اليَوْمَ الإلْهامُ وهو لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الأئِمَّةِ ومَن شَذَّ اشْتَرَطَ ما اشْتَرَطَ، وحُصُولُهُ بِخَبَرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذا نَزَلَ مُتَعَذِّرٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنا ﷺ ومِن شَرِيعَتِهِ تَحْرِيمُ لُبْسِ الحَرِيرِ عَلى الرِّجالِ إلّا لِلتَّداوِي وما ذَكَرَهُ مِن نَفْيِ نُبُوَّةِ الخَضِرِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّ الإلْهامَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ الإمامُ الشَّعَرانِيُّ وقالَ: قَدْ زَلَّ في هَذا البابِ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَضَلُّوا وأضَلُّوا، ولَنا في ذَلِكَ مُؤَلَّفٌ سَمَّيْتُهُ ”حَدَّ الحُسامِ في عُنُقِ مَن أطْلَقَ إيجابَ العَمَلِ بِالإلْهامِ“ وهو مُجَلَّدٌ لَطِيفٌ انْتَهى، وقالَ أيْضًا في كِتابِهِ المُسَمّى بِالجَواهِرِ والدُّرَرِ: قَدْ رَأيْتُ مِن كَلامِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ ما نَصُّهُ: اعْلَمْ أنّا لا نَعْنِي بِمَلَكِ الإلْهامِ حَيْثُ أطْلَقْناهُ إلّا الدَّقائِقَ المُمْتَدَّةَ مِنَ الأرْواحِ المَلَكِيَّةِ لا نَفْسِ المَلائِكَةِ فَإنَّ المَلَكَ لا يَنْزِلُ بِوَحْيٍ عَلى غَيْرِ قَلْبِ نَبِيٍّ أصْلًا ولا يَأْمُرُ بِأمْرٍ إلَهِيٍّ جُمْلَةً واحِدَةً فَإنَّ الشَّرِيعَةَ قَدِ اسْتَقَرَّتْ وتَبَيَّنَ الفَرْضُ والواجِبُ وغَيْرُهُما فانْقَطَعَ الأمْرُ الإلَهِيُّ بِانْقِطاعِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وما بَقِيَ أحَدٌ يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى بِأمْرٍ يَكُونُ شَرْعًا مُسْتَقِلًّا يُتَعَبَّدُ بِهِ أبَدًا؛ لِأنَّهُ إنْ أمَرَهُ بِفَرْضٍ كانَ الشّارِعُ قَدْ أمَرَ بِهِ وإنْ أمَرَهُ بِمُباحٍ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُباحُ المَأْمُورُ بِهِ صارَ واجِبًا أوْ مَندُوبًا في حَقِّهِ فَهَذا عَيْنُ نَسْخِ الشَّرْعِ الَّذِي هو عَلَيْهِ حَيْثُ صَيَّرَ المُباحَ الشَّرْعِيَّ واجِبًا أوْ مَندُوبًا وإنْ أبْقاهُ مُباحًا كَما كانَ

صفحة 18

فَأيُّ فائِدَةٍ لِلْأمْرِ الَّذِي جاءَ بِهِ مَلَكُ الإلْهامِ لِهَذا المُدَّعِي فَإنْ قالَ: لَمْ يَجِئْنِي مَلَكُ الإلْهامِ بِذَلِكَ وإنَّما أمَرَنِي اللَّهُ تَعالى بِلا واسِطَةٍ قُلْنا: لا يُصَدَّقُ في مِثْلِ ذَلِكَ وهو تَلْبِيسٌ مِنَ النَّفْسِ، فَإنِ ادَّعى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كَلَّمَهُ كَما كَلَّمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلا قائِلَ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَوْ كَلَّمَهُ ما كانَ يُلْقِي إلَيْهِ في كَلامِهِ إلّا عُلُومًا وأخْبارًا لا أحْكامًا وشَرْعًا ولا يَأْمُرُهُ أصْلًا انْتَهى.

وقَدْ صَرَّحَ الإمامُ الرَّبّانِيُّ مُجَدِّدُ الألْفِ الثّانِي قُدِّسَ سِرُّهُ العَزِيزُ في المَكْتُوباتِ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ بِأنَّ الإلْهامَ لا يُحِلُّ حَرامًا ولا يُحَرِّمُ حَلالًا ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لا مُخالَفَةَ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ والحَقِيقَةِ والظّاهِرِ والباطِنِ وكَلامُهُ قُدِّسَ سِرُّهُ في المَكْتُوباتِ طافِحٌ بِذَلِكَ، فَفي المَكْتُوبِ الثّالِثِ والأرْبَعِينَ مِنَ الجِلْدِ الأوَّلِ: إنَّ قَوْمًا مالُوا إلى الإلْحادِ والزَّنْدَقَةِ يَتَخَيَّلُونَ أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ وراءَ الشَّرِيعَةِ حاشا وكَلّا ثُمَّ حاشا وكَلّا نَعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن هَذا الِاعْتِقادِ السُّوءِ فَكُلٌّ مِنَ الطَّرِيقَةِ والشَّرِيعَةِ عَيْنُ الآخَرِ لا مُخالَفَةَ بَيْنَهُما بِقَدْرِ رَأْسِ الشُّعَيْرَةِ وكُلُّ ما خالَفَ الشَّرِيعَةَ مَرْدُودٌ، وكُلُّ حَقِيقَةٍ رَدَّتْها الشَّرِيعَةُ فَهي زَنْدَقَةٌ، وقالَ في أثْناءِ المَكْتُوبِ الحادِي والأرْبَعِينَ مِنَ الجِلْدِ الأوَّلِ أيْضًا في مَبْحَثِ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ والحَقِيقَةِ: مَثَلًا عَدَمُ نُطْقِ اللِّسانِ بِالكَذِبِ شَرِيعَةٌ ونَفْيُ خاطِرِ الكَذِبِ عَنِ القَلْبِ إنْ كانَ بِالتَّكَلُّفِ والتَّعَمُّلِ فَهو طَرِيقَةٌ وإنْ تَيَسَّرَ بِلا تَكَلُّفٍ فَهو حَقِيقَةٌ فَفي الجُمْلَةِ الباطِنُ الَّذِي هو الطَّرِيقَةُ والحَقِيقَةُ مُكَمِّلُ الظّاهِرِ الَّذِي هو الشَّرِيعَةُ فالسّالِكُونَ سَبِيلَ الطَّرِيقَةِ والحَقِيقَةِ إنْ ظَهَرَ مِنهم في أثْناءِ الطَّرِيقِ أُمُورٌ ظاهِرُها مُخالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ ومُنافٍ لَها فَهو مِن سُكْرِ الوَقْتِ وغَلَبَةِ الحالِ فَإذا تَجاوَزُوا ذَلِكَ المَقامَ ورَجَعُوا إلى الصَّحْوِ ارْتَفَعَتْ تِلْكَ المُنافاةُ بِالكُلِّيَّةِ وصارَتْ تِلْكَ العُلُومُ المُضادَّةُ بِتَمامِها هَباءً مَنثُورًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском