Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:82, continued
وقالَ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِعُلُومِهِ في أثْناءِ المَكْتُوبِ السّادِسِ والثَّلاثِينَ مِنَ الجِلْدِ الأوَّلِ أيْضًا: لِلشَّرِيعَةِ ثَلاثَةُ أجْزاءٍ عِلْمٌ وعَمَلٌ وإخْلاصٌ، فَما لَمْ تَتَحَقَّقْ هَذِهِ الأجْزاءُ لَمْ تَتَحَقَّقِ الشَّرِيعَةُ، وإذا تَحَقَّقَتِ الشَّرِيعَةُ حَصَلَ رِضا الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو فَوْقَ جَمِيعِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ، فالشَّرِيعَةُ مُتَكَفِّلَةٌ بِجَمِيعِ السَّعاداتِ ولَمْ يَبْقَ مَطْلَبٌ وراءَ الشَّرِيعَةِ فالطَّرِيقَةُ والحَقِيقَةُ اللَّتانِ امْتازَ بِهِما الصُّوفِيَّةُ كِلْتاهُما خادِمَتانِ لِلشَّرِيعَةِ في تَكْمِيلِ الجُزْءِ الثّالِثِ الَّذِي هو الإخْلاصُ، فالمَقْصُودُ مِنهُما تَكْمِيلُ الشَّرِيعَةِ لا أمْرٌ آخَرُ وراءَ ذَلِكَ.. إلى آخِرِ ما قالَ، وقالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في أثْناءِ المَكْتُوبِ التّاسِعِ والعِشْرِينَ مِنَ الجِلْدِ المَذْكُورِ بَعْدَ تَحْقِيقٍ كَثِيرٍ: فَتَقَرَّرَ أنَّ طَرِيقَ الوُصُولِ إلى دَرَجاتِ القُرْبِ الإلَهِيِّ جَلَّ شَأْنُهُ سَواءٌ كانَ قُرْبَ النُّبُوَّةِ أوْ قُرْبَ الوِلايَةِ مُنْحَصِرٌ في طَرِيقِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي دَعا إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصارَ مَأْمُورًا بِها في آيَةِ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ وآيَةِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهَ﴾ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا وكُلُّ طَرِيقٍ سِوى هَذا الطَّرِيقِ ضَلالٌ ومُنْحَرَفٌ عَنِ المَطْلُوبِ الحَقِيقِيِّ، وكُلُّ طَرِيقَةٍ رَدَّتْها الشَّرِيعَةُ فَهي زَنْدَقَةٌ، وشاهِدُ ذَلِكَ آيَةُ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ وآيَةُ ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ﴾ وآيَةُ ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ وحَدِيثُ ( «خَطَّ لَنا النَّبِيُّ ﷺ» ) الخَبَرَ. وحَدِيثُ ( «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ» )
وأحادِيثُ أُخَرُ إلى آخِرِ ما قالَ عَلَيْهِ رَحْمَةُ المَلِكِ المُتَعالِ، وقالَ قُدِّسَ سِرُّهُ في مَعارِفِ الصُّوفِيَّةِ: اعْلَمْ أنَّ مَعارِفَ الصُّوفِيَّةِ وعُلُومَهم في نِهايَةِ سِيَرِهِمْ وسُلُوكِهِمْ إنَّما هي عُلُومُ الشَّرِيعَةِ لا أنَّها عُلُومٌ أُخَرُ غَيْرُ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ، نَعَمْ يَظْهَرُ في أثْناءِ الطَّرِيقِ عُلُومٌ ومَعارِفُ كَثِيرَةٌ ولَكِنْ لا بُدَّ مِنَ العُبُورِ عَنْها، فَفي نِهايَةِ النِّهاياتِ عُلُومُهم عُلُومُ العُلَماءِ وهي عُلُومُ الشَّرِيعَةِ، والفَرْقُ
صفحة 19
بَيْنَهم وبَيْنَ العُلَماءِ أنَّ تِلْكَ العُلُومَ بِالنِّسْبَةِ إلى العُلَماءِ نَظَرِيَّةٌ واسْتِدْلالِيَّةٌ وبِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ تَصِيرُ كَشْفِيَّةٌ وضَرُورِيَّةٌ.
وقالَ أيْضًا: اعْلَمْ أنَّ الشَّرِيعَةَ والحَقِيقَةَ مُتَّحِدانِ في الحَقِيقَةِ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما إلّا بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ وبِالِاسْتِدْلالِ والكَشْفِ بِالغَيْبِ والشَّهادَةِ، وبِالتَّعَمُّلِ وعَدَمِ التَّعَمُّلِ، ولِلشَّرِيعَةِ مِن ذَلِكَ الأوَّلُ ولِلْحَقِيقَةِ الثّانِي، وعَلامَةُ الوُصُولِ إلى حَقِيقَةِ حَقِّ اليَقِينِ مُطابَقَةُ عُلُومِهِ ومَعارِفِهِ لِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ ومَعارِفِها وما دامَتِ المُخالَفَةُ مَوْجُودَةٌ ولَوْ أدْنى شَعْرَةٍ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ الوُصُولِ، وما وقَعَ في عِبارَةِ بَعْضِ المَشايِخِ مِن أنَّ الشَّرِيعَةَ قِشْرٌ والحَقِيقَةَ لُبٌّ فَهو وإنْ كانَ مُشْعِرًا بِعَدَمِ اسْتِقامَةِ قائِلِهِ ولَكِنْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ أنَّ المُجْمَلَ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْصَّلِ حُكْمُهُ حُكْمُ القِشْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللُّبِّ، وأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكَشْفِ كَذَلِكَ، والأكابِرُ المُسْتَقِيمَةُ أحْوالُهم لا يُجَوِّزُونَ الإتْيانَ بِمِثْلِ هَذِهِ العِباراتِ المُوهَمَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن عِباراتِهِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي لا تَكادُ تُحْصى.
وقالَ سَيِّدِي القُطْبُ الرَّبّانِيُّ الشَّيْخُ عَبْدُ القادِرِ الكِيلانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: جَمِيعُ الأوْلِياءِ لا يَسْتَمِدُّونَ إلّا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ ولا يَعْمَلُونَ إلّا بِظاهِرِهِما، وقالَ سَيِّدُ الطّائِفَةِ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: الطُّرُقُ كُلُّها مَسْدُودَةٌ إلّا عَلى مَنِ اقْتَفى أثَرَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ أيْضًا: مَن لَمْ يَحْفَظِ القُرْآنَ ولَمْ يَكْتُبِ الحَدِيثَ لا يُقْتَدى بِهِ في هَذا العِلْمِ لِأنَّ عِلْمَنا مُقَيَّدٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، وقالَ السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ: التَّصَوُّفُ اسْمٌ لِثَلاثَةِ مَعانٍ وهو لا يُطْفِئُ نُورُ مَعْرِفَتِهِ نُورَ ورَعِهِ ولا يَتَكَلَّمُ بِسِرٍّ باطِنٍ في عِلْمٍ يَنْقُضُهُ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكِتابِ ولا تَحْمِلُهُ الكَراماتُ عَلى هَتْكِ مَحارِمِ اللَّهِ، وقالَ أيْضًا قُدِّسَ سِرُّهُ: مَنِ ادَّعى باطِنَ عِلْمٍ يَنْقُضُهُ ظاهِرُ حُكْمٍ فَهو غالِطٌ.
وقالَ أبُو الحُسَيْنِ النُّورِيُّ: مَن رَأيْتَهُ يَدَّعِي مَعَ اللَّهِ تَعالى حالَةَ تَخَرُّجِهِ عَنْ جَدِّ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ فَلا تَقْرَبْهُ، ومَن رَأيْتَهُ يَدَّعِي حالَةً لا يَشْهَدُ لَها حِفْظٌ ظاهِرٌ فاتَّهَمَهُ عَلى دِينِهِ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخَرّازُ: كُلُّ فَيْضٍ باطِنٍ يُخالِفُهُ ظاهِرٌ فَهو باطِلٌ.
وقالَ أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ الدَّيْنُورِيُّ: لِسانُ الظّاهِرِ لا يُغَيِّرُ حُكْمَ الباطِنِ، وفي التُّحْفَةِ لِابْنِ حَجَرٍ قالَ الغَزالِيُّ: مَن زَعَمَ أنَّ لَهُ مَعَ اللَّهِ تَعالى حالًا أسْقَطَ عَنْهُ نَحْوَ الصَّلاةِ أوْ تَحْرِيمِ شُرْبِ الخَمْرِ وجَبَ قَتَلُهُ وإنْ كانَ في الحُكْمِ بِخُلُودِهِ في النّارِ نَظَرٌ، وقَتْلُ مِثْلِهِ أفْضَلُ مِن قَتْلِ مِائَةِ كافِرٍ لِأنَّ ضَرَرَهُ أكْثَرُ انْتَهى، ولا نَظَرَ في خُلُودِهِ لِأنَّهُ مُرْتَدٍ لِاسْتِحْلالِهِ ما عُلِمَتْ حُرْمَتُهُ أوْ نَفْيُهُ وُجُوبَ ما عُلِمَ وُجُوبُهُ ضَرُورَةً فِيهِما، ومِن ثَمَّ جَزَمَ في الأنْوارِ بِخُلُودِهِ انْتَهى.
وقالَ في الأحْياءِ: مَن قالَ إنَّ الباطِنَ يُخالِفُ الظّاهِرَ فَهو إلى الكُفْرِ أقْرَبُ مِنهُ إلى الإيمانِ.. إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وفِي رِسالَةِ القُشَيْرِيِّ طَرَفٌ مِنهُ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ كَلامَ العارِفِينَ المُحَقِّقِينَ وإنْ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا مُخالَفَةَ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ والحَقِيقَةِ في الحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ في الحَقِيقَةِ كُشُوفًا وعُلُومًا غَيْبِيَّةً، ولِذا تَراهم يَقُولُونَ: عِلْمُ الحَقِيقَةِ هو العِلْمُ اللَّدُنِّيُّ، وعِلْمُ المُكاشَفَةِ، وعِلْمُ المَوْهِبَةِ، وعِلْمُ الأسْرارِ، والعِلْمُ المَكْنُونُ وعِلْمُ الوِراثَةِ إلّا أنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى المُخالَفَةِ فَإنَّ الكُشُوفَ والعُلُومَ الغَيْبِيَّةَ ثَمَرَةُ الإخْلاصِ الَّذِي هو الجُزْءُ الثّالِثُ مِن أجْزاءِ الشَّرِيعَةِ فَهي بِالحَقِيقَةِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى الشَّرِيعَةِ ونَتِيجَةٌ لَها، ومَعَ هَذا لا تُغَيِّرُ تِلْكَ الكُشُوفُ والعُلُومُ الغَيْبِيَّةُ حُكْمًا شَرْعِيًّا ولا تُقَيِّدُ مُطْلَقًا ولا تُطْلِقُ مُقَيَّدًا خِلافًا لِما تَوَهَّمَهُ ساجِقْلِيٌّ زادَهُ حَيْثُ قالَ في شَرْحِ عِبارَةِ الأحْياءِ السّابِقَةِ آنِفًا: يُرِيدُ الغَزالِيُّ مِنَ الباطِنِ ما يَنْكَشِفُ لِعُلَماءِ الباطِنِ مِن حِلِّ بَعْضِ الأشْياءِ لَهم مَعَ أنَّ الشّارِعَ حَرَّمَهُ عَلى عِبادِهِ مُطْلَقًا فَيَجِبُ أنْ يُقالَ: إنَّما انْكَشَفَ حِلُّهُ لَهم لِما انْكَشَفَ لَهم مِن سَبَبٍ خَفِيٍّ يُحَلِّلُهُ لَهُمْ، وتَحْرِيمُ الشّارِعِ تَعالى ذَلِكَ عَلى عِبادِهِ مُقَيَّدٌ بِانْتِقاءِ انْكِشافِ السَّبَبِ المُحَلَّلِ لَهم فَمَنِ انْكَشَفَ لَهُ ذَلِكَ السَّبَبُ حَلَّ لَهُ ومَن لا فَلا لَكِنَّ الشّارِعَ سُبْحانَهُ حَرَّمَهُ عَلى عِبادِهِ عَلى الإطْلاقِ وتَرَكَ ذَلِكَ القَيْدَ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهِ إذْ مَن يَنْكَشِفُ
صفحة 20
لَهُ قَلِيلٌ جِدًّا مِثالُهُ انْكِشافُ مَحَلِّ خَرْقِ السَّفِينَةِ وقَتْلِ الغُلامِ لِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَلَّ لَهُ بِذَلِكَ الِانْكِشافِ الخَرْقُ والقَتْلُ وحِلُّهُما لَهُ مُخالِفٌ لِإطْلاقِ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمَّتَهُ عَنِ الضَّرَرِ وعَنْ قَتْلِ الصَّبِيِّ، لَكِنَّهُما مُقَيَّدانِ فالأوَّلُ مُقَيَّدٌ بِما إذا لَمْ يُعْلَمْ هُناكَ غاصِبٌ مَثَلًا، والثّانِي بِما إذا لَمْ يُعْلَمْ أنَّ الصَّبِيَّ سَيَصِيرُ ضالًّا مُضِلًّا، لَكِنَّ الشّارِعَ تَرَكَ القَيْدَيْنِ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهِما واعْتِمادًا عَلى فَهْمِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ إيّاهُما إلى آخِرِ ما قالَ، فَإنَّ النُّصُوصَ السّابِقَةَ تُنادِي بِخِلافِهِ كَما سَمِعَتْ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الغُيُوبَ والمُكاشَفاتِ بَلْ سائِرَ ما يَحْصُلُ لِلصُّوفِيَّةِ مِنَ التَّجَلِّياتِ لَيْسَتْ مِنَ المَقاصِدِ بِالذّاتِ ولا يَقِفُ عِنْدَها الكامِلُ ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ الرَّبّانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في المَكْتُوبِ السّادِسِ والثَّلاثِينَ المُتَقَدِّمِ نُقِلَ بَعْضُهُ أنَّها تُرَبّى بِها أطْفالُ الطَّرِيقِ وأنَّهُ يَنْبَغِي مُجاوَزَتُها والوُصُولُ إلى مَقامِ الرِّضا الَّذِي هو نِهايَةُ مَقاماتِ السُّلُوكِ والجَذْبَةِ وهو عَزِيزٌ لا يَصِلُ إلَيْهِ إلّا واحِدٌ مِن أُلُوفٍ، ثُمَّ قالَ: إنَّ الَّذِينَ هم قَلِيلُو النَّظَرِ يَعُدُّونَ الأحْوالَ والمَواجِيدَ مِنَ المَقاماتِ والمُشاهَداتِ والتَّجَلِّياتِ مِنَ المَطالِبِ، فَلا جَرَمَ بَقُوا في قَيْدِ الوَهْمِ والخَيالِ وصارُوا مَحْرُومِينَ مِن كَمالاتِ الشَّرِيعَةِ ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ انْتَهى، ويَعْلَمُ مِنهُ أنَّ الكامِلِينَ في الشَّرِيعَةِ يُعَبِّرُونَ عَلى ذَلِكَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ ولا يُعِدُّونَهُ مَقْصِدًا وجُلُّ مَقْصِدِهِمْ تَحْصِيلُ مَقامِ الرِّضا، وعَلى هَذا يَخْرُجُ بَيْتُ المَثْنَوِيِّ حَيْثُ يَقُولُ:
زانٍ طَرَفَ كَهْ عِشْقٌ مِنِ افزود دُرْد أبُو حَنِيفَة شافِعِيٌّ دَرْسِي نَكْرَدِ
وقَدْ يُحْجَبُ الكامِلُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ويَلْحَقُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ بِعَوامِّ النّاسِ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أكْمَلُ مِنَ الخَضِرِ وأعْلَمِيَّةُ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعِلْمِ الحَقِيقَةِ كانَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ الحاضِرَةِ فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَبَّرَ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَقِفْ عِنْدَهُ لِأنَّهُ في مَقامِ التَّشْرِيعِ، ولَعَلَّ طَلَبَهُ التَّعْلِيمَ كانَ بِالأمْرِ ابْتِلاءً لَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ الفَلْتَةِ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الكامِلَ كُلَّما كانَ صُعُودُهُ أعْلا كانَ هُبُوطُهُ أنْزَلَ وكُلَّما كانَ هُبُوطُهُ أنْزَلَ كانَ في الإرْشادِ أكْمَلَ في الإفاضَةِ أتَمَّ لِمَزِيدِ المُناسَبَةِ حِينَئِذٍ بَيْنَ المُرْشِدِ والمُسْتَرْشِدِ، ولِهَذا قالُوا فِيما يُحْكى: إنَّ الحَسَنَ البَصْرِيَّ وقَفَ عَلى شَطِّ نَهْرٍ يَنْتَظِرُ سَفِينَةً فَجاءَ حَبِيبٌ العَجَمِيُّ فَقالَ لَهُ: ما تَنْتَظِرُ؟ فَقالَ: سَفِينَةً فَقالَ: أيُّ حاجَةٍ إلى السَّفِينَةِ أما لَكَ يَقِينٌ؟ فَقالَ الحَسَنُ: أما لَكَ عِلْمٌ؟ ثُمَّ عَبَرَ حَبِيبٌ عَلى الماءِ بِلا سَفِينَةٍ ووَقَّفَ الحَسَنُ أنَّ الفَضْلَ لِلْحَسَنِ فَإنَّهُ كانَ جامِعًا بَيْنَ عِلْمِ اليَقِينِ وعَيْنِ اليَقِينِ وعَرَفَ الأشْياءَ كَما هي وفي نَفْسِ الأمْرِ جُعِلَتِ القُدْرَةُ مَسْتُورَةً خَلْفَ الحِكْمَةِ والحِكْمَةُ في الأسْبابِ، وحَبِيبٌ صاحِبُ سُكْرٍ لَمْ يَرَ الأسْبابَ فَعُومِلَ بِرَفْعِها، ومِن هُنا يَظْهَرُ سِرُّ قِلَّةِ الخَوارِقِ في الصَّحابَةِ مَعَ قَوْلِ الإمامِ الرَّبّانِيِّ: إنَّ نِهايَةَ أُوَيْسٍ سَيِّدِ التّابِعِينَ بِدايَةُ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ يَوْمَ أسْلَمَ، فَما الظَّنُّ بِغَيْرِ أُوَيْسٍ مَعَ غَيْرِ وحْشِيٍّ، وأنا أقُولُ: إنَّ الكامِلَ وإنْ كانَ مَن عَلِمْتَ إلّا أنَّ فَوْقَهُ الأكْمَلُ وهو مَن لَمْ يَزَلْ صاعِدًا في نُزُولِهِ ونازِلًا في صُعُودِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ولَوْلا ذَلِكَ ما أُمِدَّ العالَمُ العُلْوِيُّ والسُّفْلِيُّ، وهَذا مَرْجِعُ الحَقِيقَةِ والشَّرِيعَةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ كَما أشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى عَلى أنْ جَعَلَنا مِن أُمَّتِهِ وذُرِّيَّتِهِ، ولا يُعَكِّرُ عَلى ما ذَكَرْنا ما قالَهُ الإمامُ الغَزالِيُّ في الأحْياءِ وهو أنَّ عِلْمَ الآخِرَةِ قِسْمانِ عِلْمُ مُكاشَفَةٍ وعِلْمُ مُعامَلَةٍ، أمّا عِلْمُ المُكاشَفَةِ فَهو عِلْمُ الباطِنِ وهو غايَةُ العُلُومِ وهو عِلْمُ الصِّدِّيقِينَ والمُقَرَّبِينَ، وهو عِبارَةٌ عَنْ نُورٍ يَظْهَرُ في القَلْبِ عِنْدَ تَطْهِيرِهِ وتَزْكِيَتِهِ مِنَ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ ويَنْكَشِفُ بِذَلِكَ ما كانَ يُسْمَعُ مِن قَبْلِ أسْمائِها ويُتَوَهَّمُ لَها مَعانٍ مُجْمَلَةٌ غَيْرُ مُتَّضِحَةٍ، فَتَتَّضِحُ
صفحة 21
إذْ ذاكَ حَتّى تَحْصُلَ المَعْرِفَةُ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ التّامّاتِ وبِأفْعالِهِ وبِحِكْمَتِهِ في خَلْقِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. انْتَهى.
لِأنَّ المُرادَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِلْمِ الباطِنِ الَّذِي هو عِلْمُ الحَقِيقَةِ وهَذا البَعْضُ لا يُمْكِنُ أنْ يَخْلُوَ مِنهُ نَبِيٌّ كَيْفَ ورُتْبَةُ الصِّدِّيقِينَ دُونَ رُتْبَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما قَرَّرُوهُ في آيَةِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ ومِمّا ذَكَرْنا مِن عَدَمِ المُخالَفَةِ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ والحَقِيقَةِ يُعْلَمُ ما في كَلامِ البَلْقِينِيِّ في دَفْعِ ما اسْتَشْكَلَهُ مِن قَوْلِ الخَضِرِ لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ( إنِّي عَلى عِلْمٍ ) الحَدِيثَ السّابِقَ حَيْثُ زَعَمَ أنَّهُ يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى امْتِناعِ تَعْلِيمِ العِلْمَيْنِ مَعًا مَعَ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، وأجابَ بِأنَّ عِلْمَ الكُشُوفِ والحَقائِقِ يُنافِي عِلْمَ الظّاهِرِ فَلا يَنْبَغِي لِلْعالِمِ الحاكِمِ بِالظّاهِرِ أنْ يَعْلَمَ الحَقائِقَ لِلتَّنافِي، وكَذا لا يَنْبَغِي لِلْعالِمِ بِالحَقِيقَةِ أنْ يَعْلَمَ العِلْمَ الظّاهِرَ الَّذِي لَيْسَ مُكَلَّفًا بِهِ، ويُنافِي ما عِنْدَهُ عَنِ الحَقِيقَةِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ أخْطَأ فِيما قالَ وبِالحَقِّ تُعْرَفُ الرِّجالُ وكَأنَّهُ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهِ فَأرْدَفَهُ بِجَوابٍ آخَرَ هو خِلافُ الظّاهِرِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ والِاسْتِشْكالُ مِن ضَعْفِ النَّظَرِ، ثُمَّ إنَّ قِصَّةَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا تَصْلُحُ حُجَّةً لِمَن يَزْعُمُ المُخالَفَةَ بَيْنَ العِلْمَيْنِ فَإنَّ أعْظَمَ ما يَشْكُلُ فِيها قَتْلُ الغُلامِ لِكَوْنِهِ طُبِعَ كافِرًا وخُشِيَ مِن بَقائِهِ حَيًّا ارْتِدادُ أبَوَيْهِ وذَلِكَ أيْضًا شَرِيعَةٌ لَكِنَّها مَخْصُوصَةٌ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كَما قالَ العَلّامَةُ السُّبْكِيُّ: أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ يَعْمَلَ بِالباطِنِ وخِلافِ الظّاهِرِ المُوافِقِ لِلْحِكْمَةِ، فَلا إشْكالَ فِيهِ وإنْ عُلِمَ مِن شَرِيعَتِنا أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ كائِنًا مَن كانَ قَتْلُ صَغِيرٍ لا سِيَّما بَيْنَ أبَوَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ وكَيْفَ يَجُوزُ قَتْلُهُ بِسَبَبٍ لَمْ يَحْصُلْ والمَوْلُودُ لا يُوصَفُ بِكُفْرٍ حَقِيقِيٍّ ولا إيمانٍ حَقِيقِيٍّ، واتِّفاقُ الشَّرائِعِ في الأحْكامِ مِمّا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الأنامِ فَضْلًا عَنِ العُلَماءِ الأعْلامِ وهَذا ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِنُبُوَّتِهِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِوِلايَتِهِ فَيُقالُ: إنَّ عَمَلَ الوَلِيِّ بِالإلْهامِ كانَ إذْ ذاكَ شَرْعًا أوْ كَما قِيلَ إنَّهُ أمَرَ بِذَلِكَ عَلى يَدِ نَبِيٍّ غَيْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا إقامَةُ الجِدارِ بِلا أجْرٍ فَلا إشْكالَ فِيها لِأنَّها إحْسانٌ، وغايَةُ ما يُتَخَيَّلُ أنَّهُ لِلْمُسِيءِ فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ ولا ضَيْرَ فَإنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، وأمّا خَرْقُ السَّفِينَةِ لِتَسْلَمَ مِن غَصْبِ الظّالِمِ فَقَدْ قالُوا: إنَّهُ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ حَتّى قالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ: إنَّهُ إذا كانَ تَحْتَ يَدِ الإنْسانِ مالُ يَتِيمٍ أوْ سَفِيهٍ أوْ مَجْنُونٍ وخافَ عَلَيْهِ أنْ يَأْخُذَهُ ظالِمٌ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْيِيبُهُ لِأجْلِ حِفْظِهِ، وكانَ القَوْلُ قَوْلَ مَن عَيَّبَ مالَ اليَتِيمِ ونَحْوِهِ إذْ نازَعَهُ اليَتِيمُ ونَحْوُهُ بَعْدَ الرُّشْدِ ونَحْوِهِ في أنَّهُ فَعَلَهُ لِحِفْظِهِ عَلى الأوْجُهِ كَما قالَهُ القاضِي زَكَرِيّا في شَرْحِ الرَّوْضِ قُبَيْلَ بابِ الوَدِيعَةِ.
ونَظِيرُ ذَلِكَ ما لَوْ كانَ تَحْتَ يَدِهِ مالُ يَتِيمٍ مَثَلًا وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْذُلْ مِنهُ شَيْئًا لِقاضٍ سُوءٍ لانْتَزَعَهُ مِنهُ وسَلَّمَهُ لِبَعْضِ الخَوَنَةِ وأدّى ذَلِكَ إلى ذَهابِهِ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا ويَتَحَرّى في أقَلِّ ما يُمْكِنُ إرْضاؤُهُ بِهِ، ويَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ أيْضًا، وقالَ بَعْضُهم: قُصارى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ القِصَّةُ ثُبُوتُ العِلْمِ الباطِنِ وهو مُسَلَّمٌ لَكِنَّ إطْلاقَ الباطِنِ عَلَيْهِ إضافِيٌّ كَما تَقَدَّمَ، وكانَ في قَوْلِهِ ﷺ ( «إنَّ مِنَ العِلْمِ كَهَيْئَةِ المَكْنُونِ لا يَعْرِفُهُ إلّا العُلَماءُ بِاللَّهِ تَعالى فَإذا قالُوهُ لا يُنْكِرُهُ إلّا أهْلُ الغِرَّةِ بِاللَّهِ تَعالى» ).
إشارَةً إلى ذَلِكَ، والمُرادُ بِأهْلِ الغِرَّةِ عُلَماءُ الظّاهِرِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْتُوا ذَلِكَ، وبَعْضُ مُثَبِّتِيهِ يَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ: حَفِظْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعاءَيْنِ مِنَ العِلْمِ فَأمّا أحَدُهُما فَبَثَثْتُهُ وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ لَقُطِعَ مِنِّي هَذا البُلْعُومُ، واسْتُدِلَّ بِهِ أيْضًا عَلى المُخالَفَةِ بَيْنَ العِلْمَيْنِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ بِالآخَرِ الَّذِي لَوْ بَثَّهُ لَقُتِلَ عِلْمُ الفِتَنِ وما وقَعَ مِن بَنِي أُمَيَّةَ وذَمِّ النَّبِيِّ ﷺ لِأُناسٍ مُعَيَّنِينَ مِنهم ولا شَكَّ أنَّ بَثَّ ذَلِكَ في تِلْكَ الأعْصارِ يَجُرُّ إلى القَتْلِ، وعَلى تَسْلِيمِ أنَّهُ أرادَ بِهِ العِلْمَ الباطِنَ المُسَمّى بِعِلْمِ الحَقِيقَةِ لا نُسَلِّمُ أنَّ قَطْعَ البُلْعُومِ مِنهُ عَلى بَثِّهِ لِمُخالَفَتِهِ لِلْعِلْمِ الظّاهِرِ في نَفْسِ الأمْرِ بَلْ لِتَوَهُّمِ
صفحة 22
مَن بِيَدِهِ الحَلُّ والعَقْدُ والأمْرُ والنَّهْيُ مِن أُمَراءِ ذَلِكَ الزَّمانِ المُخالَفَةَ فافْهَمْ، واسْتَدَلَّ العُلَماءُ بِما في القِصَّةِ حَسْبَما ذَكَرَهُ شُرّاحُ الحَدِيثِ وغَيْرُهم عَلى اسْتِحْبابِ الرِّحْلَةِ لِلْعِلْمِ وفَضْلِ طَلَبِهِ واسْتِحْبابِ اسْتِعْمالِ الأدَبِ مَعَ العالَمِ واحْتِرامِ المَشايِخِ وتَرْكِ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِمْ وتَأْوِيلِ ما لا يُفْهَمُ ظاهِرُهُ مِن أفْعالِهِمْ وحَرَكاتِهِمْ وأقْوالِهِمْ والوَفاءِ بِعُهُودِهِمْ والِاعْتِذارِ عِنْدَ مُخالَفَتِهِمْ، وعَلى جَوازِ اتِّخاذِ الخادِمِ في السَّفَرِ وحَمْلِ الزّادِ فِيهِ، وأنَّهُ لا يُنافِي التَّوَكُّلَ ونِسْبَةَ النِّسْيانِ ونَحْوَهُ مِنَ الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ إلى الشَّيْطانِ مَجازًا وتَأدُّبًا عَنْ نِسْبَتِها إلى اللَّهِ تَعالى واعْتِذارِ العالِمِ إلى مَن يُرِيدُ الأخْذَ عَنْهُ في عَدَمِ تَعْلِيمِهِ مِمّا لا يَحْتَمِلُهُ طَبْعُهُ، وتَقْدِيمِ المَشِيئَةِ في الأمْرِ واشْتِراطِ المَتْبُوعِ عَلى التّابِعِ، وعَلى أنَّ النِّسْيانَ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِهِ وأنَّ لِلثَّلاثِ اعْتِبارًا في التَّكْرارِ ونَحْوِهِ عَلى جَوازِ رُكُوبِ السَّفِينَةِ وفِيهِ الحُكْمُ بِالظّاهِرِ حَتّى يَتَبَيَّنَ خِلافُهُ لِإنْكارِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى جَوازِ أنْ يَطْلُبَ الإنْسانُ الطَّعامَ عِنْدَ احْتِياجِهِ إلَيْهِ، وعَلى أنَّ صُنْعَ الجَمِيلِ لا يُتْرَكُ ولَوْ مَعَ اللِّئامِ وجَوازُ أخْذِ الأجْرِ عَلى الأعْمالِ وأنَّ المِسْكِينَ لا يَخْرُجُ عَنِ المَسْكَنَةِ بِمِلْكِ آلَةٍ يَكْتَسِبُ بِها أوْ بِشَيْءٍ لا يَكْفِيهِ وأنَّ الغَصْبَ حَرامٌ وأنَّهُ يَجُوزُ دَفْنُ المالِ في الأرْضِ وفِيهِ إثْباتُ كَراماتِ الأوْلِياءِ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: الخَضِرُ ولِيٌّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَظْهَرُ لِلْمُتَتَبِّعِ أوْ لِلْمُتَأمِّلِ، وبِالجُمْلَةِ قَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ القِصَّةُ فَوائِدَ كَثِيرَةً ومَطالِبَ عالِيَةً خَطِيرَةً فَأمْعَنَ النَّظَرَ في ذاكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ.
* * *
( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ الإشارَةِ ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى خَواصَّ أضافَهم سُبْحانَهُ إلَيْهِ وقَطَعَهم عَنْ غَيْرِهِ، وأخَصُّ خَواصِّهِ عَزَّ وجَلَّ مَن أضافَهُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ وهو اسْمُ الذّاتِ الجامِعُ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ أوْ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ الرّاجِعِ إلَيْهِ تَعالى، ولَيْسَ ذاكَ إلّا حَبِيبَهُ الأكْرَمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ وهي مَرْتَبَةُ القُرْبِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهو العِلْمُ الخاصُّ الَّذِي لا يُعْلَمُ إلّا مِن جِهَتِهِ تَعالى، وقالَ ذُو النُّونِ: العِلْمُ اللَّدُنِّيُّ هو الَّذِي يَحْكُمُ عَلى الخَلْقِ بِمَواقِعِ التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ.
وقالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: هو الِاطِّلاعُ عَلى الأسْرارِ مِن غَيْرِ ظَنٍّ فِيهِ ولا خِلافٍ واقِعٍ لَكِنَّهُ مُكاشَفاتُ الأنْوارِ عَنْ مَكْنُونِ المُغَيَّباتِ ويَحْصُلُ لِلْعَبْدِ إذا حَفِظَ جَوارِحَهُ عَنْ جَمِيعِ المُخالَفاتِ وأفْنى حَرَكاتَهُ عَنْ كُلِّ الإراداتِ وكانَ شَبَحًا بَيْنَ يَدَيِ الحَقِّ بِلا تَمَنِّي ولا مُرادٍ، وقِيلَ: هو عِلْمٌ يُعَرِّفُ بِهِ الحَقُّ سُبْحانَهُ أوْلِياءَهُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ. وقالَ بَعْضُهم: هو عِلْمٌ غَيْبِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِعالَمِ الأفْعالِ، وأخَصُّ مِنهُ الوُقُوفُ عَلى بَعْضِ سِرِّ القَدَرِ قَبْلَ وُقُوعِ واقِعَتِهِ وأخَصُّ مِن ذَلِكَ عِلْمُ الأسْماءِ والنُّعُوتِ الخاصَّةِ، وأخَصُّ مِنهُ عِلْمُ الذّاتِ.
وذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّ مِنَ العُلُومِ ما لا يُعْلِمُهُ إلّا النَّبِيُّ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﷺ في حَدِيثِ المِعْراجِ كَما ذَكَرَهُ القَسْطَلانِيُّ في مَواهِبِهِ وغَيْرُهُ ( «وسَألَنِي رَبِّي فَلَمْ أسْتَطِعْ أنْ أُجِيبَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَها فَأوْرَثَنِي عِلْمَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وعَلَّمَنِي عُلُومًا شَتّى، ثُمَّ أخَذَ عَلَيَّ كِتْمانَهُ إذْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى حَمْلِهِ أحَدٌ غَيْرِي، وعِلْمٌ خَيَّرَنِي فِيهِ وعَلَّمَنِي القُرْآنَ فَكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُذَكِّرُنِي بِهِ، وعِلْمٌ أمَرَنِي بِتَبْلِيغِهِ إلى العامِّ والخاصِّ مِن أُمَّتِي» ) . انْتَهى، ولِلَّهِ تَعالى عِلْمٌ اسْتَأْثَرَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ قالَهُ عَنِ ابْتِلاءٍ إلَهِيٍّ كَما قَدَّمْنا، وقالَ فارِسٌ كَما في أسْرارِ القُرْآنِ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْلَمَ مِنَ الخَضِرِ فِيما أخَذَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، والخَضِرُ كانَ أعْلَمَ مِن مُوسى فِيما وقَعَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ أيْضًا: إنَّ مُوسى كانَ باقِيًا بِالحَقِّ والخَضِرُ كانَ فانِيًا بِالحَقِّ ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾
صفحة 23
قِيلَ: عَلِمَ الخَضِرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ تَعالى في زَمانِهِ وأنَّهُ ذُو حِدَّةٍ عَظِيمَةٍ فَفَزِعَ مِن صُحْبَتِهِ لِئَلّا يَقَعَ مِنهُ مَعَهُ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ.
وقالَ بَعْضُهم: آيَسَهُ مِن نَفْسِهِ لِئَلّا يَشْغَلَهُ صُحْبَتُهُ عَنْ صُحْبَةِ الحَقِّ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ قالَ بَعْضُهم: لَوْ قالَ كَما قالَ الذَّبِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ لِوَفْقٍ لِلصَّبْرِ كَما وُفِّقَ الذَّبِيحُ، والفَرْقُ أنَّ كَلامَ الذَّبِيحِ أظْهَرُ في الِالتِجاءِ وكَسْرِ النَّفْسِ حَيْثُ عَلَّقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وِجْدانَهُ واحِدًا مِن جَماعَةِ مُتَّصِفِينَ بِالصَّبْرِ ولا كَذَلِكَ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ سَلَكا طَرِيقَ السُّؤالِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بَذْلَ النَّفْسِ في الطَّرِيقَةِ وهو لا يُنافِي التَّوَكُّلَ وكَذا الكَسْبُ ﴿قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ دَفْعَ ما أحْوَجَهُما إلى السُّؤالِ مِن أُولَئِكَ اللِّئامِ وفِيهِ نَظَرٌ إلى الأسْبابِ وهو مِن أحْوالِ الكامِلِينَ كَما مَرَّ في حِكايَةِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وحَبِيبٍ، فَفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ أكْمَلُ مِنَ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ قالَ ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ أيْ: حَسْبَما أرَدْتُ، وقالَ النَّصْرابادِيُّ: لَمّا عَلِمَ الخَضِرُ بُلُوغَ مُوسى إلى مُنْتَهى التَّأْدِيبِ وقُصُورِ عَلَمِهِ عَنْ عِلْمِهِ قالَ ذَلِكَ لِئَلّا يَسْألَهُ مُوسى بَعْدُ عَنْ عِلْمٍ أوْ حالٍ فَيُفْتَضِحُ.
وقِيلَ: خافَ أنْ يَسْألَهُ عَنْ أسْرارِ العُلُومِ الرَّبّانِيَّةِ الصِّفاتِيَّةِ الذّاتِيَّةِ فَيَعْجِزُ عَنْ جَوابِهِ فَقالَ ما قالَ ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ قِيلَ: كانَ حَسَنَ الوَجْهِ جِدًّا وكانَ مَحْبُوبًا في الغايَةِ لِوالِدَيْهِ فَخَشِيَ فِتْنَتَهُما بِهِ، والآيَةُ مِنَ المُشْكِلِ ظاهِرًا لِأنَّهُ إنْ كانَ قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِما الكَفْرَ فَلا يَنْفَعُهُما قَتْلُ الوَلَدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدَّرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَلا يَضُرُّهُما بَقاؤُهُ، وأُجِيبُ بِأنَّ المُقَدَّرَ بَقاؤُهُما عَلى الإيمانِ إنْ قُتِلَ وقَتْلُهُ لِيَبْقَيا عَلى ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّ المُقَدَّرَ قَدْ يُغَيَّرُ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ سِوى التَّغَيُّرِ في تَعَلُّقِ صِفَتِهِ تَعالى لا في الصِّفَةِ نَفْسِها لِيَلْزَمَ التَّغَيُّرُ فِيهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ .
واسْتَشْكَلَ أيْضًا بِأنَّ المَحْذُورَ يَزُولُ بِتَوْفِيقِهِ لِلْإيمانِ فَما الحاجَةُ إلى القَتْلِ، وأُجِيبُ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعِدٍّ لِذَلِكَ فَهو مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ وكَأنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى فِيما قالَ نَوْعَ مُناقَشَةٍ فَتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: بَلْ فَعَلْتُهُ بِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يَسْألُ سُبْحانَهُ عَمّا أمَرَ وفَعَلَ، ولَعَلَّ قَوْلَهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما قالَ حِينَ نَقَرَ العُصْفُورَ في البَحْرِ سَدٌّ لِبابِ المُناقَشَةِ فِيما أمَرَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ، ولَعَلَّ عِلْمَ مِثْلَ هَذِهِ المَسائِلِ مِنَ العِلْمِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلا بِما شاءَ﴾ وأوَّلَ بَعْضُهم مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ بِمَجْمَعِ وِلايَةِ الشَّيْخِ ووِلايَةِ المُرِيدِ، والصَّخْرَةَ بِالنَّفْسِ، والحُوتَ بِالقَلْبِ المُمَلَّحِ بِمِلْحِ حُبِّ الدُّنْيا وزِينَتِها، والسَّفِينَةَ بِالشَّرِيعَةِ، وخَرْقَها بِهَدْمِ النّامُوسِ في الظّاهِرِ مَعَ الصَّلاحِ في الباطِنِ، وإغْراقَ أهْلِها بِإيقاعِهِمْ في بِحارِ الضَّلالِ، والغُلامَ بِالنَّفْسِ الأمّارَةِ، وقَتْلَهُ بِذَبْحِهِ بِسَيْفِ الرِّياضَةِ، والقَرْيَةَ بِالجَسَدِ، وأهْلَها بِالقُوى الإنْسانِيَّةِ مِنَ الحَواسِّ، واسْتِطْعامَهم بِطَلَبِ أفاعِيلِها الَّتِي تَخْتَصُّ بِها، وإباءَ الضِّيافَةِ بِمَنعِها إعْطاءَ خَواصِّها كَما يَنْبَغِي لِكَلالِها وضَعْفِها، والجِدارَ بِالتَّعَلُّقِ الحائِلِ بَيْنَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ وعالَمِ المُجَرَّداتِ وإرادَةِ الِانْقِضاضِ بِمُشارَفَةِ قَطْعِ العَلائِقِ وإقامَتِهِ بِتَقْوِيَةِ البَدَنِ والرِّفْقِ بِالقُوى والحَواسِّ، ومَشِيئَةَ اتِّخاذِ الأجْرِ بِمَشِيئَةِ الصَّبْرِ عَلى شِدَّةِ الرِّياضَةِ لِنَيْلِ الكُشُوفِ وإفاضَةِ الأنْوارِ، والمَساكِينَ بِالعَوامِّ، والبَحْرَ الَّذِي يَعْمَلُونَ فِيهِ بِبَحْرِ الدُّنْيا، والمُلْكَ بِالشَّيْطانِ، والسُّفُنَ الَّتِي يَغْصِبُها العِباداتِ الخالِيَةَ عَنِ الِانْكِسارِ والذُّلِّ والخُشُوعِ، والأبَوَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ بِالقَلْبِ، والرُّوحِ، والبَدَلَ الخَيْرُ بِالنَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ والمُلْهَمَةِ، والكَنْزَ
صفحة 24
بِالكِمالاتِ النَّظَرِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ، والأبُ الصّالِحُ بِالعَقْلِ المُفارِقِ الَّذِي كِمالاتُهُ بِالفِعْلِ، وبُلُوغَ الأشَدِّ بِوُصُولِهِما بِتَرْبِيَةِ الشَّيْخِ وإرْشادِهِ إلى المَرْتَبَةِ الكامِلَةِ، وهَذا ما اخْتارَهُ النَّيْسابُورِيُّ، واخْتارَ غَيْرُهُ تَأْوِيلًا آخَرَ هو أدْهى مِنهُ، هَذا واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences