Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:93–98
19:93Page 311
إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا ٩٣
There is no one in the heavens and earth but that he comes to the Most Merciful as a servant.
وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما مِنهم أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ ﴿إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ أيْ: إلّا وهو مَمْلُوكٌ لَهُ تَعالى يَأْوِي إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِالعُبُودِيَّةِ والِانْقِيادِ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فالإتْيانُ مَعْنَوِيٌّ، وقِيلَ: هو حِسِّيٌّ، والمُرادُ إلّا آتى مَحَلَّ حُكْمِهِ وهو أرْضُ المَحْشَرِ مُنْقادًا لا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ ولَيْسَ بِذاكَ كَما لا يَخْفى، (ومَن) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي (وكُلُّ) تَدْخُلُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ يُرادُ مِنهُ الجِنْسُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ وقَوْلِهِ: وكُلُّ الَّذِي حَمَّلَتْنِي أتَحَمَّلُ وقِيلَ: مَوْصُوفَةٌ لِأنَّها وقَعَتْ بَعْدَ (كُلُّ) نَكِرَةً وُقُوعَها بَعْدَ رُبِّ في قَوْلِهِ:
رُبَّ مَن أنْضَجْتُ غَيْظًا صَدْرَهُ قَدْ تَمَنّى لِي مَوْتًا لَمْ يُطِعْ
ورَجَّحَ في البَحْرِ الأوَّلِ بِأنَّ مَجِيئَها مَوْصُوفَةً بِالنِّسْبَةِ إلى مَجِيئِها مَوْصُولَةً قَلِيلٌ: وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ الزُّبَيْرِ وأبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَعْقُوبُ ( آتٍ ) بِالتَّنْوِينِ ( الرَّحْمَنَ ) بِالنَّصْبِ عَلى الأصْلِ.
ونُصِبَ ( عَبْدًا ) في القِراءَتَيْنِ عَلى الحالِ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الوالِدَ لا يَمْلِكُ ولَدَهُ وأنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ إذا مَلَكَهُ.
19:94Page 311
لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا ٩٤
He has enumerated them and counted them a [full] counting.
﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾ حَصَرَهم وأحاطَ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْرُجُ أحَدٌ مِنهم مِن حِيطَةِ عِلْمِهِ وقَبْضَةِ قُدْرَتِهِ جَلَّ جَلالُهُ.
﴿وعَدَّهم عَدًّا﴾ أيْ: عَدَّ أشْخاصَهم وأنْفاسَهم وأفْعالَهم فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ تَعالى بِمِقْدارٍ.
19:95Page 311
وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا ٩٥
And all of them are coming to Him on the Day of Resurrection alone.
﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ أيْ مُنْفَرِدًا مِنَ الأتْباعِ والأنْصارِ مُنْقَطِعًا إلَيْهِ تَعالى غايَةَ الِانْقِطاعِ مُحْتاجًا إلى إعانَتِهِ ورَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَكَيْفَ يُجانِسُهُ ويُناسِبُهُ لِيَتَّخِذَهُ ولَدًا ولِيُشْرِكَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقِيلَ: أيْ كُلُّ واحِدٍ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ آتِيهِ عَزَّ وجَلَّ مُنْفَرِدًا عَنِ الآخَرِ فَيَنْفَرِدُ العابِدُونَ عَنِ الآلِهَةِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها أنْصارٌ أوْ شُفَعاءُ والمَعْبُودُونَ عَنِ الأتْباعِ الَّذِينَ عَبَدُوهم وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ النَّفْعِ ويَنْتَفِي بِذَلِكَ المُجانِسَةُ لِمَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ تَبارَكَ وتَعالى، وفي (آتِيهِ) مِنَ الدَّلالَةِ عَلى إتْيانِهِمْ كَذَلِكَ البَتَّةَ ما لَيْسَ في يَأْتِيهِ فَلِذا اخْتِيرَ عَلَيْهِ وهو خَبَرُ (كُلُّهُمْ) وكُلُّ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ مَلْفُوظٍ بِها نَحْوَ كُلِّهِمْ أوْ كُلِّ النّاسِ فالمَنقُولُ أنَّهُ يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ مُفْرَدًا مُراعاةً لِلَفْظِهِ فَيُقالُ كُلُّكم ذاهِبٌ، ويَجُوزُ عَوْدُهُ عَلَيْهِ جَمْعًا مُراعاةً لِمَعْناهُ فَيُقالُ: كُلُّكم ذاهِبُونَ.
وحَكى إبْراهِيمُ بْنُ أصْبَغَ في كِتابِ رُؤُوسِ المَسائِلِ الِاتِّفاقَ عَلى جَوازِ الأمْرَيْنِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ السُّهَيْلِيُّ: إنَّ كُلًّا إذا ابْتُدِئَ بِهِ وكانَ مُضافًا لَفْظًا أيْ إلى مَعْرِفَةٍ لَمْ يَحْسُنْ إلّا إفْرادُ الخَبَرِ حَمْلًا عَلى المَعْنى لِأنَّ مَعْنى كُلِّكم
صفحة 143
ذاهِبٌ مَثَلًا كُلُّ واحِدٍ مِنكم ذاهِبٌ ولَيْسَ ذَلِكَ مُراعاةً لِلَّفْظِ وإلّا لَجازَ القَوْمُ ذاهِبٌ لِأنَّ (كُلًّا) مِن كُلٍّ والقَوْمُ اسْمُ جَمْعٌ مُفْرَدِ اللَّفْظِ ا هـ وفي البَحْرِ يَحْتاجُ في إثْباتِ كُلِّكم ذاهِبُونَ بِالجَمْعِ إلى نَقْلٍ عَنِ العَرَبِ. والزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ اسْتَعْمَلَ الجَمْعَ وحُسْنَ الظَّنِّ فِيهِ أنَّهُ وجَدَ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ، وإذا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ المَعْرِفَةُ فالمَسْمُوعُ مِنَ العَرَبِ الوَجْهانِ ولا كَلامَ في ذَلِكَ.
19:96Page 312
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا ٩٦
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - the Most Merciful will appoint for them affection.1
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أيْ: مَوَدَّةً في القُلُوبِ لِإيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ، والمَشْهُورُ أنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ في الدُّنْيا.
فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ( «إذا أحَبَّ اللَّهُ تَعالى عَبْدًا نادى جِبْرِيلَ إنِّي قَدْ أحْبَبْتُ فُلانًا فَأحِبَّهُ فَيُنادِي في السَّماءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ المُحِبَّةُ في الأرْضِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ» )
والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِما أنَّ المَوْعُودَ مِن آثارِها، والسِّينُ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وكانُوا مَمْقُوتِينَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الكَفَرَةِ فَوَعَدَهم سُبْحانَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ نَجُزُّهُ حِينَ كَثُرَ الإسْلامُ وقَوِيَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وذُكِرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ إلى الحَبَشَةِ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعَدَ سُبْحانَهُ أنْ يَجْعَلَ لَهم مَحَبَّةً في قَلْبِ النَّجاشِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّهُ لَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ وجَدَ في نَفْسِهِ عَلى فِراقِ أصْحابِهِ بِمَكَّةَ مِنهم شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وعُقْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ البَراءِ قالَ: ( «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: قُلِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا واجْعَلْ لِي في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ (وُدًّا) فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ»، وكانَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: لا تَجِدُ مُؤْمِنًا إلّا وهو يُحِبُّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأهْلَ بَيْتِهِ.
ورَوى الإمامِيَّةُ خَبَرَ نُزُولِها في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والباقِرِ، وأيَّدُوا ذَلِكَ بِما صَحَّ عِنْدَهم «أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ المُؤْمِنِ بِسَيْفِي هَذا عَلى أنْ يُبْغِضَنِي ما أبْغَضَنِي ولَوْ صَبَبْتُ الدُّنْيا بِجُمْلَتِها عَلى المُنافِقِ عَلى أنْ يُحِبَّنِي ما أحَبَّنِي، وذَلِكَ أنَّهُ قَضى فانْقَضى عَلى لِسانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ ( لا يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ ولا يُحِبُّكَ مُنافِقٌ» )
والمُرادُ المَحَبَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي لا غُلُوَّ فِيهِ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّصارى حُبَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، فَقَدْ أنْشَدَ الإمامُ اللُّغَوِيُّ رَضِيُّ الدِّينِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ الأنْصارِيُّ الشّاطِبِيُّ لِابْنِ إسْحاقَ النَّصْرانِيِّ الرَّسْعَنِيِّ:
عُدَيٌّ وتَيْمُ لا أُحاوِلُ ذِكْرَهم بِسُوءٍ ولَكِنِّي مُحِبٌّ) لِهاشِمِ
وما تَعْتَرِينِي في عَلِيٍّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ إذا ذَكَرُوا في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمِ
يَقُولُونَ ما بالُ النَّصارى تُحِبُّهم ∗∗∗ وأهْلُ النُّهى مِن أعْرَبٍ وأعاجِمِ
فَقُلْتُ لَهم إنِّي لَأحْسَبُ حُبُّهم ∗∗∗ سَرى في قُلُوبِ الخَلْقِ حَتّى البَهائِمُ
وأنْتِ تُعْلَمُ أنَّهُ إذا صَحَّ الحَدِيثُ ثَبَتَ كَذِبُهُ، وأظُنُّ أنَّ نِسْبَةَ هَذِهِ الأبْياتِ لِلنَّصْرانِيِّ لا أصْلَ لَها وهي مِن أبْياتِ الشِّيعَةِ بَيَّتَ الكَذِبَ، وكَمْ لَهم مِثْلُ هَذِهِ المَكائِدِ كَما بَيَّنَ في التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ عَلى هَذا مَدِينَةٌ أيْضًا. ثُمَّ العِبْرَةُ عَلى سائِرِ الرِّواياتِ في سَبَبِ النُّزُولِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وذَهَبَ الجُبّائِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ فَقِيلَ في الجَنَّةِ إذْ يَكُونُونَ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ، وقِيلَ:
صفحة 144
حِينَ تُعْرَضُ حَسَناتُهم عَلى رُؤُسِ الأشْهادِ وأمْرُ السِّينِ عَلى ذَلِكَ ظاهِرٌ. ولَعَلَّ أفْرادَ هَذا الوَعْدِ مِن بَيْنِ ما سَيُوَلُّونَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ لِما أنَّ الكَفَرَةَ سَيَقَعُ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ تَباغُضٍ وتَضادٍّ وتَقاطُعٍ وتَلاعُنَ، وذُكِرَ في وجْهِ الرَّبْطِ أنَّهُ لَمّا فُصِّلَتْ قَبائِحُ أحْوالِ الكَفَرَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَحاسِنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ يُقالُ فِيهِ بِناءً عَلى أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ: إنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمّا أخْبَرَ بِإتْيانِ كُلٍّ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا آنَسَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ جَلَّ وعَلا يَجْعَلُ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ وُدًّا، وفَسَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَحَبَّتِهِ تَعالى إيّاهم وأرادَ مِنها إكْرامَهُ تَعالى إيّاهم ومَغْفِرَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذُنُوبَهم، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الوَعْدُ بِجَعْلِ الوُدِّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولا أراهُ بَعِيدًا عَنِ الصَّوابِ. ولا يَأْبى هَذا ولا ما قَبْلَهُ التَّعَرُّضَ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِجَوازِ أنْ يُدْعى العُمُومُ فَقَدْ جاءَ يا رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمَهُما.
وقَرَأ أبُو الحارِثِ الحَنَفِيُّ ( ودًّا ) بِفَتْحِ الواوِ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ ( وِدًّا ) بِكَسْرِها وكُلُّ ذَلِكَ لُغَةٌ فِيهِ وكَذا في الوِدادِ
19:97Page 312
فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا ٩٧
So, [O Muḥammad], We have only made it [i.e., the Qur’ān] easy in your tongue [i.e., the Arabic language] that you may give good tidings thereby to the righteous and warn thereby a hostile people.
﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ﴾ أيِ: القُرْآنَ بِأنْ أنْزَلْناهُ (بِلِسانِكَ) أيْ بِلُغَتِكَ وهو في ذَلِكَ مَجازٌ مَشْهُورٌ والباءُ بِمَعْنى عَلى أوْ عَلى أصْلِهِ وهو الإلْصاقُ لِتَضْمِينِ ( يَسَّرْنا ) مَعْنى أنْزَلْنا أيْ يَسَّرْناهُ مُنْزِلِينَ لَهُ بِلُغَتِكَ، والفاءُ لِتَعْلِيلِ أمْرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إيحاءِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بَلِّغْ هَذا المَنزِلَ وأبْشِرْ بِهِ وأنْذِرْ فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ العَرَبِيِّ المُبِينِ ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ المُتَّصِفِينَ بِالتَّقْوى لِامْتِثالِ ما فِيهِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ أوِ الصّائِرِينَ إلَيْها عَلى أنَّهُ مِن مَجازِ الأوَّلِ ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ لَجاجًا وعِنادًا، واللُّدُّ جَمْعُ الألَدِّ وهو كَما قالَ الرّاغِبُ: الخَصْمُ الشَّدِيدُ التَّأبِّي، وأصْلُهُ الشَّدِيدُ اللَّدِيدُ أيْ صَفْحَةُ العُنُقِ وذَلِكَ إذْ لَمْ يُمْكِنْ صَرْفُهُ عَمّا يُرِيدُهُ.
وعَنْ قَتادَةَ اللُّدُّ ذَوُو الجَدَلِ بِالباطِلِ الآخِذُونَ في كُلِّ لَدِيدٍ أيْ جانِبٍ بِالمِراءِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ اللُّدِّ بِالظُّلْمَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِالفُجّارِ، وعَنِ الحَسَنِ تَفْسِيرُهُ بِالصُّمِّ، وعَنْ أبِي صالِحِ تَفْسِيرُهُ بِالعِوَجِ وكُلُّ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ والمُرادُ بِهِمْ أهْلُ مَكَّةَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ
19:98Page 312
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا ٩٨
And how many have We destroyed before them of generations? Do you perceive of them anyone or hear from them a sound?
﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ وعَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ضِمْنِ وعِيدِ هَؤُلاءِ القَوْمِ بِالإهْلاكِ وحَثٍّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الإنْذارِ أيْ قَرْنًا كَثِيرًا أهْلَكْنا قَبْلَ هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والِاسْتِفْهامُ في مَعْنى النَّفْيِ أيْ ما تَشْعُرُ بِأحَدٍ مِنهم.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ ( تَحُسُّ ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الحاءِ ﴿أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ أيْ صَوْتًا خَفِيًّا وأصْلُ التَّرْكِيبِ هو الخَفاءُ ومِنهُ رَكْزُ الرُّمْحِ إذا غِيبَ طَرْفُهُ في الأرْضِ والرِّكازُ لِلْمالِ المَدْفُونِ، وخَصَّ بَعْضُهم الرَّكْزَ بِالصَّوْتِ الخَفِيِّ دُونَ نُطْقٍ بِحُرُوفٍ ولا فَمٍ، والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ، وخَصَّ الصَّوْتَ الخَفِيَّ لِأنَّهُ الأصْلُ الأكْثَرُ ولِأنَّ الأثَرَ الخَفِيَّ إذا زالَ فَزَوالُ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
والمَعْنى أهْلَكْناهم بِالكُلِّيَّةِ واسْتَأْصَلْناهم بِحَيْثُ لا تَرى مِنهم أحَدًا ولا تَسْمَعُ مِنهم صَوْتًا خَفِيًّا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: المَعْنى أهْلَكْناهم بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لا تَرى مِنهم أحَدًا ولا تَسْمَعُ مَن يُخْبِرُ عَنْهم ويُذَكِّرُهم بِصَوْتٍ خَفِيٍّ، والحاصِلُ أهْلَكْناهم فَلا عَيْنَ ولا خَبَرَ، والخِطابُ إمّا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ.
صفحة 145
وقَرَأ حَنْظَلَةُ ( تُسْمَعُ ) مُضارِعُ أُسْمِعْتُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * *
( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ أمْرٌ لِلْحَبِيبِ أنْ يَذْكُرَ الخَلِيلَ وما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ مِن أحْكامِ الخُلَّةِ لِيَسْتَشِيرَ المُسْتَعِدِّينَ إلى التَّحَلِّي بِما أمْكَنَ لَهم مِنها. والصِّدِّيقُ عَلى ما قالَ ابْنُ عَطاءٍ القائِمُ مَعَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ عَلى حَدِّ الصِّدْقِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ لا يُعارِضُهُ في صِدْقِهِ مُعارِضٌ بِحالٍ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخَزّازُ: الصِّدِّيقُ الآخِذُ بِأتَمِّ الحُظُوظِ مِن كُلِّ مَقامٍ سَنِيٍّ حَتّى يَقْرُبَ مِن دَرَجاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُهم: مَن تَواتَرَتْ أنْوارُ المُشاهَدَةِ واليَقِينِ عَلَيْهِ وأحاطَتْ بِهِ أنْوارُ العِصْمَةِ.
وقالَ القاضِي: هو الَّذِي صَعِدَتْ نَفْسُهُ تارَةً بِمَراقِي النَّظَرِ في الحُجَجِ والآياتِ وأُخْرى بِمَعارِجِ التَّصْفِيَةِ والرِّياضَةِ إلى أوْجِ العِرْفانِ حَتّى اطَّلَعَ عَلى الأشْياءِ وأخْبَرَ عَنْها عَلى ما هي عَلَيْهِ، ومَقامُ الصِّدِّيقِيَّةِ قِيلَ: تَحْتَ مَقامِ النُّبُوَّةِ لَيْسَ بَيْنَهُما مَقامٌ.
وعَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ إثْباتُ مَقامٍ بَيْنَهُما وذَكَرَ أنَّهُ حَصَلَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
( والمَشْهُورُ بِهَذا الوَصْفِ بَيْنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ولَيْسَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِيهِ أبِي لَيْلى عَنْ أبِي لَيْلى الأنْصارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ( «الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ، حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس الَّذِي قالَ: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾، وحِزْقِيلُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي قالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ وهو أفْضَلُهم» .
﴿إذْ قالَ لأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ إلَخْ فِيهِ مِن لُطْفِ الدَّعْوَةِ إلى اتِّباعِ الحَقِّ والإرْشادِ إلَيْهِ ما لا يَخْفى. وهَذا مَطْلُوبٌ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ مَعَ الأقارِبِ ونَحْوِهِمْ قالَ ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ هَذا سَلامُ الإعْراضِ عَنِ الأغْيارِ وتَلَطُّفِ الأبْرارِ مَعَ الجُهّالِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ طاهِرٍ: إنَّهُ لَمّا بَدا مِن آزَرَ في خِطابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لا يَبْدُو إلّا مِن جاهِلٍ جَعَلَ جَوابَهُ السَّلامَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾، ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أُهاجِرُ عَنْكم بِدِينِي، ويُفْهَمُ مِنهُ اسْتِحْبابُ هَجْرِ الأشْرارِ.
وعَنْ أبِي تُرابٍ النَّخْشَبِيِّ: صُحْبَةُ الأشْرارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالأخْيارِ، وقَدْ تَضافَرَتِ الأدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ والتَّجْرِبَةُ عَلى أنَّ مُصاحَبَتَهم تُورِثُ القَسْوَةَ وتُثَبِّطُ عَنِ الخَيْرِ ﴿وأدْعُو رَبِّي عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ أدَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ ما فِيهِ، ومَقامُ الخُلَّةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإنَّ مَن لا أدَبَ لَهُ لا يَصْلُحُ أنْ يُتَّخَذَ خَلِيلًا ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ كَأنَّ ذَلِكَ كانَ عِوَضًا عَمَّنِ اعْتَزَلَ مِن أبِيهِ وقَوْمِهِ لِئَلّا يَضِيقَ صَدْرُهُ كَما قِيلَ: ولَمّا اعْتَزَلَ نَبِيُّنا ﷺ الكَوْنَ أجْمَعَ ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى عُوِّضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ قالَ لَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهَ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ .
(واذْكُرْ) أيُّها الحَبِيبُ ﴿فِي الكِتابِ مُوسى﴾ الكَلِيمَ ﴿إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ لِلَّهِ تَعالى في سائِرِ شُؤُونِهِ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: المُخْلَصُ عَلى الحَقِيقَةِ مَن يَكُونُ مِثْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَتَأدَّبَ بِهِ فَلَمْ يُسامِحْهُ في شَيْءٍ ظَهَرَ لَهُ مِنهُ ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ قالُوا: النِّداءُ بِدايَةٌ والنَّجْوى نِهايَةٌ، النِّداءُ مَقامُ الشَّوْقِ والنَّجْوى مَقامُ كَشْفِ السِّرِّ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ قِيلَ: عَلِمَ اللَّهُ تَعالى ثِقَلَ الأسْرارِ عَلى
صفحة 146
مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فاخْتارَ لَهُ أخاهُ هارُونَ مُسْتَوْدَعًا لَها فَهارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَوْدَعُ سِرِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ بِالصَّبْرِ عَلى بَذْلِ نَفْسِهِ أوْ بِما وُعِدَ بِهِ اسْتِعْدادُهُ مِن كَمالِ التَّقْوى لِرَبِّهِ جَلَّ وعَلا والتَّحَلِّي بِما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأخْلاقِ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ وهو نَوْعٌ مِنَ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: السَّماءُ الرّابِعَةُ والتَّفَضُّلُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِن كَشْفِ بَعْضِ أسْرارِ المَلَكُوتِ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِما لا يُحِيطُ نِطاقَ الحَصْرِ بِهِ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا﴾ مِمّا كَشَفَ لَهم مِن آياتِهِ تَعالى، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ القُرْآنَ أعْظَمُ مُجَلِّي لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ (وبُكِيًّا) مِن مَزِيدِ فَرَحِهِمْ بِما وجَدُوهُ أوْ مِن خَوْفِ عَدَمِ اسْتِمْرارِ ما حَصَلَ لَهم مِنَ التَّجَلِّي:
ونَبْكِي إنْ نَأوْا شَوْقًا إلَيْهِمْ ونَبْكِي إنْ دَنَوْا خَوْفَ الفِراقِ
﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قِيلَ: الرِّزْقُ هاهُنا مُشاهَدَةُ الحَقِّ سُبْحانَهُ ورُؤْيَتُهُ عَزَّ وجَلَّ وهَذا لِعُمُومِ أهْلِ الجَنَّةِ وأمّا المَحْبُوبُونَ والمُشْتاقُونَ فَلا تَنْقَطِعُ عَنْهُمُ المُشاهِدَةُ لَمْحَةً ولَوْ حُجِبُوا لَماتُوا مِن ألَمِ الحِجابِ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ مَثَلًا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ويُطْلَبُ مِنهُ شَيْءٌ، وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هَلْ يَسْتَحِقُّ أحَدٌ أنْ يُسَمّى باسِمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى عَلى الحَقِيقَةِ ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ وذَلِكَ لِتَظْهَرَ عَظَمَةُ قَهْرِهِ جَلَّ جَلالُهُ وآثارُ سَطْوَتِهِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ جَزاءَ تَقْواهم ﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ جَزاءَ ظُلْمِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ كَمْ أجْرَتْ مِن عُيُونِ العُيُونِ العُيُونِ.
فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَبْكِي ويَقُولُ: قَدْ عَلِمْتُ أنِّي وارِدُ النّارَ ولا أدْرِي كَيْفَ الصَّدْرُ بَعْدَ الوُرُودِ، وعَنِ الحَسَنِ كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا التَقَوْا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: هَلْ أتاكَ أنَّكَ وارِدٌ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيَقُولُ: هَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ؟ فَيَقُولُ لا فَيَقُولُ: فَفِيمَ الضَّحِكُ إذَنْ؟ ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ لِما افْتَخَرُوا بِحُظُوظِ الدُّنْيا الَّتِي لا يَفْتَخِرُ بِها إلّا ذَوُو الهِمَمِ الدَّنِيَّةِ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَيْسَ بِإكْرامٍ والإشارَةُ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو شَرٌّ لِصاحِبِهِ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ رُكْبانًا عَلى نَجائِبِ النُّورِ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: بَلَغَنِي عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رُكْبانًا عَلى مُتُونِ المَعْرِفَةِ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ فَقِيرًا ذَلِيلًا مُنْقادًا مَسْلُوبَ الأنانِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ في القُلُوبِ المَفْطُورَةِ عَلى حُبِّ اللَّهِ تَعالى
وذَلِكَ أثَرُ مَحَبَّتِهِ سُبْحانَهُ لَهم، وفي الحَدِيثِ ( «لا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ» )
إلَخْ، ولا يُشْكِلُ عَلى هَذا أنّا نَرى كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مَمْقُوتِينَ لِأنَّ الَّذِينَ يَمْقُتُونَهم قَدْ فُطِرَتْ قُلُوبُهم عَلى الشَّرِّ وإنْ لَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ بُغْضَ الصّالِحِينَ عَلامَةُ خُبْثِ الباطِنِ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقِيلَ: مَعْنى ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ سَيَجْعَلُ لَهم لَذَّةً وحَلاوَةً في الطّاعَةِ، والأخْبارُ تُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ولَهُ الحَمْدُ عَلى إتْمامِ تَفْسِيرِ سُورَةِ مَرْيَمَ ونَسْألُهُ جَلَّ شَأْنُهُ التَّوْفِيقَ لِإتْمامِ تَفْسِيرِ سائِرِ سُوَرِ كِتابِهِ المُعَظَّمِ بِحُرْمَةِ نَبِيِّهِ ﷺ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences