Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:102–103, continued
﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ أيْ ما يُعَلِّمُ المَلَكانِ أحَدًا حَتّى يَنْصَحاهُ ويَقُولا لَهُ: إنَّما نَحْنُ ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَمَن تَعَلَّمَ مِنّا وعَمِلَ بِهِ كَفَرَ، ومَن تَعَلَّمَ وتَوَقّى ثَبَتَ عَلى الإيمانِ، (فَلا تَكْفُرْ) بِاعْتِقادِهِ وجَوازِ العَمَلِ بِهِ، وقِيلَ: فَلا تَتَعَلَّمْ مُعْتَقِدًا إنَّهُ حَقٌّ، حَتّى تَكْفُرَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى رَأْيِ الِاعْتِزالِ مِن أنَّ السِّحْرَ تَمْوِيهٌ، وتَخْيِيلٌ، ومَنِ اعْتَقَدَ حَقِّيَّتَهُ يَكْفُرُ، (ومِن) مَزِيدَةٌ في المَفْعُولِ بِهِ، لِإفادَةِ تَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ، وإفْرادُ الفِتْنَةِ مَعَ تَعَدُّدِ المُخْبَرِ عَنْهُ لِكَوْنِها مَصْدَرًا، والحَمْلُ مُواطَأةً لِلْمُبالَغَةِ، والقَصْرُ لِبَيانِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُما فِيما يَتَعاطَيانِهِ شَأْنٌ سِواها، لِيَنْصَرِفَ النّاسُ عَنْ تَعَلُّمِهِ، (وحَتّى) لِلْغايَةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى إلّا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (يُعَلِّمُونَ)، والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ مَرَّةٌ واحِدَةٌ، والقَوْلُ بِأنَّهُ ثَلاثٌ، أوْ سَبْعٌ، أوْ تِسْعٌ لا ثَبَتَ لَهُ، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ تَلَقِّي ذَلِكَ العِلْمِ مِنهُما، فَقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُما لا يَصِلُ إلَيْهِما أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وإنَّما يَخْتَلِفُ إلَيْهِما شَيْطانانِ في كُلِّ سَنَةٍ اخْتِلافَةً واحِدَةً فَيَتَعَلَّمانِ مِنهُما، وقِيلَ: وهو الظّاهِرُ: إنَّهُما كانَ يُباشِرانِ التَّعْلِيمَ بِأنْفُسِهِما في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، والأقْرَبُ أنَّهُما لَيْسا إذْ ذاكَ عَلى الصُّورَةِ المَلَكِيَّةِ، وأمّا ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: (قَدِمَتْ عَلَيَّ امْرَأةٌ مِن أهْلِ دُومَةِ الجَنْدَلِ تَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ، تَسْألُهُ عَنْ شَيْءٍ دَخَلَتْ فِيهِ مِن أمْرِ السِّحْرِ، ولَمْ تَعْمَلْ بِهِ، قالَتْ: كانَ لِي زَوْجٌ غابَ عَنِّي، فَدَخَلْتُ عَلى عَجُوزٍ، فَشَكَوْتُ إلَيْها، فَقالَتْ: إنْ فَعَلْتِ ما آمُرُكِ أجْعَلُهُ يَأْتِيكِ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ جاءَتْنِي بِكَلْبَيْنِ أسْوَدَيْنِ، فَرَكِبَتْ أحَدَهُما، ورَكِبْتُ الآخَرَ، فَلَمْ يَكُنْ كَشَيْءٍ، حَتّى وقَفْنا بِبابِلَ، فَإذا أنا بَرَجُلَيْنِ مُعَلَّقَيْنِ بِأرْجُلِهِما، فَقالا: ما جاءَ بِكِ؟ فَقُلْتُ: أتَعَلَّمُ السِّحْرَ فَقالا: إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرِي، وارْجِعِي فَأبَيْتُ وقُلْتُ: لا، قالا: فاذْهَبِي إلى ذَلِكَ التَّنُّورِ، فَبُولِي بِهِ، إلى أنْ قالَتْ: فَذَهَبْتُ فَبُلْتُ فِيهِ، فَرَأيْتُ فارِسًا مُقَنَّعًا بِحَدِيدٍ، خَرَجَ مِنِّي حَتّى ذَهَبَ إلى السَّماءِ، وغابَ عَنِّي، حَتّى ما أراهُ، فَجِئْتُهُما، وذَكَرْتُ لَهُما، فَقالا: صَدَقْتِ، ذَلِكَ إيمانُكِ خَرَجَ مِنكِ، اذْهَبِي فَلَنْ تُرِيدِي شَيْئًا إلّا كانَ)، الخَبَرَ بِطُولِهِ، فَهو ونَظائِرُهُ مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ القِصَصِ في هَذا البابِ مِمّا لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ ذَوُو الألْبابِ، والإقْدامُ عَلى تَكْذِيبِ مِثْلِ هَذِهِ الِامْرَأةِ الدُّوجَنْدِيَّةِ أوْلى مِنَ اتِّهامِ العَقْلِ في قَبُولِ هَذِهِ الحِكايَةِ الَّتِي لَمْ يَصِحَّ فِيها شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ رَبِّ البَرِيَّةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويا لَيْتَ كُتُبَ الإسْلامِ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلى هَذِهِ الخُرافاتِ الَّتِي لا يُصَدِّقُها العاقِلُ، ولَوْ كانَتْ أضْغاثَ أحْلامٍ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن جَوَّزَ تَعَلُّمَ السِّحْرِ، ووَجْهُهُ أنَّ فِيها دِلالَةً عَلى وُقُوعِ التَّعْلِيمِ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ عِصْمَتِهِمْ، والتَّعَلُّمُ مُطاوِعٌ لَهُ، بَلْ هُما مُتَّحِدانِ بِالذّاتِ مُخْتَلِفانِ بِالِاعْتِبارِ كالإيجابِ
صفحة 344
والوُجُوبِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا دَلِيلَ فِيها عَلى الجَوازِ مُطْلَقًا، لِأنَّ ذَلِكَ التَّعْلِيمَ كانَ لِلِابْتِلاءِ والتَّمْيِيزِ، كَما قَدَّمْنا، وقَدْ ذَكَرَ القائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ: إنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ إذا فُرِضَ فُشُّوهُ في صُقْعٍ، وأُرِيدَ تَبْيِينُ فَسادِهِ لَهُمْ، لِيَرْجِعُوا إلى الحَقِّ غَيْرُ حَرامٍ كَما لا يَحْرُمُ تَعَلُّمُ الفَلْسَفَةِ لِلْمَنصُوبِ لِلذَّبِّ عَنِ الدِّينِ بِرَدِّ الشُّبَهِ، وإنْ كانَ أغْلَبُ أحْوالِهِ التَّحْرِيمَ، وهَذا يُنافِي إطْلاقَ القَوْلِ بِهِ، ومَن قالَ: إنَّ هارُوتَ ومارُوتَ مِنَ الشَّياطِينِ قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ ما يُعَلِّمانِ السِّحْرَ أحَدًا حَتّى يَنْصَحاهُ ويَقُولا: إنّا مَفْتُونانِ بِاعْتِقادِ جَوازِهِ والعَمَلِ بِهِ، فَلا تَكُنْ مِثْلَنا في ذَلِكَ فَتَكْفُرَ، وحِينَئِذٍ لا اسْتِدْلالَ أصْلًا، وما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ عَلى سَبِيلِ النُّصْحِ في هَذا الوَجْهِ هو الظّاهِرُ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لا النَّصِيحَةِ، وهو الأنْسَبُ بِحالِ الشَّياطِينِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (يُعْلِمانِ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإعْلامِ، وعَلَيْها حَمَلَ بَعْضُهم قِراءَةَ التَّشْدِيدِ، وقَرَأ أُبَيٌّ بِإظْهارِ الفاعِلِ، ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، لِأنَّها في قُوَّةِ المُثْبَتَةِ كَأنَّهُ قالَ: يُعَلِّمانِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ القَوْلِ فَيَتَعَلَّمُونَ، ولَيْسَ عَطْفًا عَلى المَنفِيِّ بِدُونِ هَذا الِاعْتِبارِ، كَما تَوَهَّمَهُ أبُو عَلِيٍّ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ، وعَطَفَهُ بَعْضُهم عَلى (يُعَلِّمانِ) مَحْذُوفًا، وبَعْضُهم عَلى (يَأْتُونَ) كَذَلِكَ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (أحَدٍ) وهو النّاسُ، أوْ لِأحَدٍ، حَمْلًا لَهُ عَلى المَعْنى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ وحَكى المَهْدَوِيُّ جَوازَ العَطْفِ عَلى ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ﴾ فَمَرْجِعُ الضَّمِيرِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، وقِيلَ: في الكَلامِ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ، أيْ فَهم يَتَعَلَّمُونَ، فَتَكُونُ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى ما قَبْلَها مِن عَطْفِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى سِيبَوَيْهِ، ولَيْسَ بِالجَيِّدِ، وضَمِيرُ (مِنهُما) عائِدٌ عَلى المَلَكَيْنِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ عائِدًا إلى السِّحْرِ والكُفْرِ، أوِ الفِتْنَةِ والسِّحْرِ، وعَطَفَ (يَتَعَلَّمُونَ) عَلى (يُعَلِّمُونَ)، وحَمَلَ (ما يُعَلِّمانِ) عَلى النَّفْيِ، (وحَتّى يَقُولا) عَلى التَّأْكِيدِ لَهُ، أيْ لا يُعَلِّمانِ السِّحْرَ لِأحَدٍ بَلْ يَنْهَيانِهِ حَتّى يَقُولا إلَخْ، فَهو كَقَوْلِكَ: ما أمَرْتُهُ بِكَذا حَتّى قُلْتُ لَهُ: إنْ فَعَلْتَ نالَكَ كَذا وكَذا، وجُعِلَ (ما أُنْزِلَ) أيْضًا نَفْيًا مَعْطُوفًا عَلى (ما كَفَرَ)، وهو كَما تَرى، ﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ أيِ الَّذِي، أوْ شَيْئًا يُفَرِّقُونَ بِهِ، وهو السِّحْرُ المُزِيلُ بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ الأُلْفَةَ والمَحَبَّةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، المُوقِعُ لِلْبَغْضاءِ والشَّحْناءِ المُوجِبَتَيْنِ لِلتَّفَرُّقِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: المُرادُ ما يُفَرِّقُ لِكَوْنِهِ كُفْرًا، لِأنَّهُ إذا تَعَلَّمَ كَفَرَ فَبانَتْ زَوْجَتُهُ، أوْ إذا تَعَلَّمَ عَمِلَ فَتَراهُ النّاسُ فَيَعْتَقِدُونَ أنَّهُ حَقٌّ، فَيَكْفُرُونَ، فَتَبِينُ أزْواجُهُمْ، والمَرْءُ الرَّجُلُ، والأفْصَحُ فَتْحُ المِيمِ مُطْلَقًا، وحُكِيَ الضَّمُّ مُطْلَقًا، وحُكِيَ الإتْباعُ لِحَرَكَةِ الإعْرابِ، ومُؤَنَّثُهُ المَرْأةُ وقَدْ جاءَ جَمْعُهُ بِالواوِ والنُّونِ فَقالُوا: المَرْؤُونَ، والزَّوْجُ امْرَأةُ الرَّجُلِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا القَرِيبُ والأخُ المُلائِمُ، ومِنهُ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ و﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ (المَرِ) بِغَيْرِ هَمْزٍ مُخَفَّفًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ (المُرْءِ) بِضَمِّ المِيمِ مَعَ الهَمْزِ، والأشْهَبُ بِالكَسْرِ والهَمْزِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ أيْضًا (المَرِّ) بِالفَتْحِ وإسْقاطِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ، ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ﴾ الضَّمِيرُ لِلسَّحَرَةِ الَّذِينَ عادَ إلَيْهِمْ ضَمِيرُ (فَيَتَعَلَّمُونَ)، وقِيلَ: لِلْيَهُودِ الَّذِينَ عادَ إلَيْهِمْ ضَمِيرُ (واتَّبَعُوا)، وقِيلَ: لِلشَّياطِينِ، وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ (لِما)، (ومِن) زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ النَّفْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما يَضُرُّونَ بِهِ أحَدًا، وقَرَأ الأعْمَشُ (بِضارِّي) مَحْذُوفَ النُّونِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّها حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وإنْ كانَ اسْمُ الفاعِلِ لَيْسَ صِلَةً لِألْ، فَقَدْ نَصَّ ابْنُ مالِكٍ عَلى عَدَمِ الِاشْتِراطِ لِقَوْلِهِ:
ولَسْنا إذا تَأْتُونَ سَلْمى بِمُدَّعِي ∗∗∗ لَكم غَيْرَ أنّا أنْ نُسالَمَ نُسالِمُ
وقَوْلُهم: قَطاقَطا بَيْضُكَ ثِنْتا وبَيْضِي مِائَتا، وقِيلَ: إنَّها حُذِفَتْ لِلْإضافَةِ إلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ لَفْظًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيٍّ، في أحَدِ الوُجُوهِ، وقِيلَ: لِلْإضافَةِ إلى أحَدٍ عَلى جَعْلِ الجارِّ جُزْءًا مِنهُ، والفَصْلُ بِالظَّرْفِ
صفحة 345
مَسْمُوعٌ، كَما في قَوْلِهِ:
هُما أخَوا في الحَرْبِ مَن لا أخالُهُ ∗∗∗ وإنْ خافَ يَوْمًا كَبْوَةً فَدَعاهُما
واخْتارَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ أنَّ جَعْلَ الجارِّ جُزْءًا مِنَ المَجْرُورِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِيهِ، وجُزْءُ الشَّيْءِ لا يُؤَثِّرُ فِيهِ، وأيْضًا الفَصْلُ بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ بِالظَّرْفِ، وإنْ سُمِعَ مِن ضَرائِرِ الشِّعْرِ كَما صَرَّحَ بِهِ أبُو حَيّانَ، ولِظَنٍّ تَعَيَّنَ هَذا مَخْرَجًا، قالَ ابْنُ جِنِّي: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبْعَدُ الشَّواذِّ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الأحْوالِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ (ضارِّينَ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ المُعْتَمِدِ عَلى النَّفْيِ، أوِ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في (بِهِ) أوِ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الوَصْفِ، والمُرادُ مِنَ الإذْنِ هُنا التَّخْلِيَةُ بَيْنَ المَسْحُورِ وضَرَرِ السِّحْرِ، قالَهُ الحَسَنُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ فِيهِ ضَرَرًا مُودَعًا، إذا شاءَ اللَّهُ تَعالى حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، وإذا شاءَ خَلّاهُ، وما أوْدَعَهُ فِيهِ، وهَذا مَذْهَبُ السَّلَفِ في سائِرِ الأسْبابِ والمُسَبَّباتِ، وقِيلَ: الإذْنُ بِمَعْنى الأمْرِ، ويُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ التَّكْوِينِ بِعَلاقَةِ تَرَتُّبِ الوُجُودِ عَلى كُلٍّ مِنهُما في الجُمْلَةِ، والقَرِينَةُ عَدَمُ كَوْنِ القَبائِحِ مَأْمُورًا بِها، فَفِيهِ نَفْيُ كَوْنِ الأسْبابِ مُؤَثِّرَةً بِنَفْسِها، بَلْ بِجَعْلِهِ إيّاها أسْبابًا إمّا عادِيَّةً أوْ حَقِيقِيَّةً، وقِيلَ: إنَّهُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَيْسَ فِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ التَّأْثِيرِ بِالذّاتِ كالوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ.
﴿ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ﴾ لِأنَّهم يَقْصِدُونَ بِهِ العَمَلَ قَصْدًا جازِمًا، وقَصْدُ المَعْصِيَةِ كَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ، أوْ لِأنَّ العِلْمَ يَدْعُو إلى العَمَلِ، ويَجُرُّ إلَيْهِ لا سِيَّما عَمَلُ الشَّرِّ الَّذِي هو هَوى النَّفْسِ، فَصِيغَةُ المُضارِعِ لِلْحالِ عَلى الأوَّلِ، ولِلِاسْتِقْبالِ عَلى الثّانِي، (ولا يَنْفَعُهُمْ) عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ شَرٌّ بَحْتٌ وضَرَرٌ مَحْضٌ، لا كَبَعْضِ المَضارِّ المَشُوبَةِ بِنَفْعٍ وضَرَرٍ، لِأنَّهم لا يَقْصِدُونَ بِهِ التَّخَلُّصَ عَنِ الِاغْتِرارِ بِأكاذِيبِ السَّحَرَةِ، ولا إماطَةَ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ حَتّى يَكُونَ فِيهِ نَفْعٌ في الجُمْلَةِ، وفي الإتْيانِ (بِلا) إشارَةٌ إلى أنَّهُ غَيْرُ نافِعٍ في الدّارَيْنِ، لِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِانْتِظامِ المَعاشِ ولا المَعادِ، وفي الحُكْمِ بِأنَّهُ ضارٌّ غَيْرُ نافِعٍ تَحْذِيرٌ بَلِيغٌ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، عَنْ تَعاطِيهِ، وتَحْرِيضٌ عَلى التَّحَرُّزِ عَنْهُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ (لا يَنْفَعُهُمْ) عَلى إضْمارِ هُوَ، فَيَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وتَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهُمْ﴾ إلَخْ، وقِصَّةُ السِّحْرِ مُسْتَطْرِدَةٌ في البَيْنِ، فالضَّمِيرُ لِأُولَئِكَ اليَهُودِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: لِلْمَلَكَيْنِ لِأنَّهُما كانا يَقُولانِ: فَلا تَكْفُرْ، وأتى بِضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى قَوْلِ مَن يَرى ذَلِكَ، ﴿لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ أيِ اسْتَبْدَلَ ما تَتْلُو الشَّياطِينُ بِكِتابِ اللَّهِ، واللّامُ لِلِابْتِداءِ، وتَدْخُلُ عَلى المُبْتَدَإ، وعَلى المُضارِعِ، ودُخُولُها عَلى الماضِي مَعَ قَدْ كَثِيرٌ، وبِدُونِهِ مُمْتَنِعٌ، وعَلى خَبَرِ المُبْتَدَإ، إذا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ وعَلى مَعْمُولِ الخَبَرِ إذا وقَعَ مَوْقِعَ المُبْتَدَإ، والكُوفِيُّونَ يَجْعَلُونَها في الجَمِيعِ جَوابَ القَسَمِ المُقَدَّرِ، ولَيْسَ في الوُجُودِ عِنْدَهم لامُ ابْتِداءٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الرَّضِيِّ، وقَدْ عُلِّقَتْ هُنا (عَلِمَ) عَنِ العَمَلِ سَواءٌ كانَتْ مُتَعَدِّيَةً لِمَفْعُولٍ، أوْ مَفْعُولَيْنِ، فَمِن مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، واشْتَراهُ صِلَتُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ خَبَرُها، (ومِن) مَزِيدَةٌ في المُبْتَدَإ، (وفِي الآخِرَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، أوْ مِن مَرْجِعِهِ، والخَلاقُ النَّصِيبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ القِوامُ، قالُهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوِ القَدْرُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
فَما لَكَ بَيْتٌ لَدى الشّامِخاتِ ∗∗∗ وما لَكَ في غالِبٍ مِن خَلاقِ
صفحة 346
قالَ الزَّجّاجُ: وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ، ويَكُونُ لِلشَّرِّ عَلى قِلَّةٍ، وذَهَبَ أبُو البَقاءِ تَبَعًا لِلْفَرّاءِ إلى أنَّ اللّامَ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، (ومِن) شَرْطِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، (واشْتَراهُ) خَبَرُها، (وما لَهُ) إلَخْ، جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ هو عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَ قَسَمٌ وشَرْطٌ يُجابُ سابِقُهُما غالِبًا، وفِيهِ ما فِيهِ لِأنَّهُ نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ رَدُّ مَن قالَ بِشَرْطِيَّةِ (مَن) هُنا بِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ شَرْطٍ، ووَجَّهَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الفِعْلَ ماضٍ لَفْظًا، ومَعْنًى، لِأنَّ الِاشْتِراءَ قَدْ وقَعَ، فَجَعْلُهُ شَرْطًا لا يَصِحُّ، لِأنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ إذا كانَ ماضِيًا لَفْظًا فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا مَعْنًى، وقَدْ ذَكَرَ الرَّضِيُّ فِي: لَزَيْدٌ قائِمٌ، أنَّ الأوْلى كَوْنُ اللّامِ فِيهِ لامَ الِابْتِداءِ مُفِيدَةً لِلتَّأْكِيدِ، ولا يُقَدَّرُ القَسَمُ كَما فَعَلَهُ الكُوفِيَّةُ، لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ، والتَّأْكِيدُ المَطْلُوبُ مِنَ القَسَمِ حاصِلٌ مِنَ اللّامِ، والقَوْلُ بِأنَّ اللّامَ تَأْكِيدٌ لِلْأُولى أوْ زائِدَةٌ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ بِناءَ الكَلِمَةِ إذا كانَ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ لا يُكَرَّرُ وحْدَهُ، بَلْ مَعَ عِمادِهِ، إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، عَلى ما ارْتَضاهُ الرَّضِيُّ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ المَعْهُودَ زِيادَةُ اللّامِ الجارَّةِ، وهي مَكْسُورَةٌ في الِاسْمِ الظّاهِرِ.
﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ اللّامُ فِيهِ لامُ ابْتِداءٍ أيْضًا، والمَشْهُورُ إنَّها جَوابُ القَسَمِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى القَسَمِيَّةِ الأُولى، (وما) نَكِرَةٌ مُمَيِّزَةٌ لِلضَّمِيرِ المُبْهَمِ، في بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، (وشَرَوْا)، يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، والظّاهِرُ هو الظّاهِرُ، أيْ واللَّهِ لَبِئْسَ شَيْئًا شَرَوْا بِهِ حُظُوظَ أنْفُسِهِمْ أيْ باعُوها، أوْ شَرَوْها في زَعْمِهِمْ ذَلِكَ الشِّراءَ، وفي البَحْرِ: بِئْسَما باعُوا أنْفُسَهُمُ السِّحْرُ أوِ الكُفْرُ، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ مَذْمُومِيَّةَ الشِّراءِ المَذْكُورِ لامْتَنَعُوا عَنْهُ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ إثْباتِ العِلْمِ لَهم أوَّلًا، ونَفْيِهِ عَنْهم ثانِيًا، إمّا لِأنَّ المُثْبَتَ لَهم هو العَقْلُ الغَرِيزِيُّ، والمَنفِيُّ عَنْهم هو الكَسْبُ الَّذِي هو مِن جُمْلَةِ التَّكْلِيفِ، أوْ لِأنَّ الأوَّلَ هو العِلْمُ بِالجُمْلَةِ، والثّانِيَ هو العِلْمُ بِالتَّفْصِيلِ، فَقَدْ يَعْلَمُ الإنْسانُ مَثَلًا قُبْحَ الشَّيْءِ، ثُمَّ لا يَعْلَمُ أنَّ فِعْلَهُ قَبِيحٌ، فَكَأنَّهم عَلِمُوا أنَّ شِراءَ النَّفْسِ بِالسِّحْرِ مَذْمُومٌ، لَكِنْ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنَّ ما يَفْعَلُونَهُ هو مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَبِيحِ، أوْ لِأنَّهم عَلِمُوا العِقابَ، ولَمْ يَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ، وشِدَّتَهُ، وإمّا لِأنَّ الكَلامَ مُخَرَّجٌ عَلى تَنْزِيلِ العالِمِ بِالشَّيْءِ مَنزِلَةَ الجاهِلِ، ووُجُودِ الشَّيْءِ مَنزِلَةَ عَدَمِهِ، لِعَدَمِ ثَمَرَتِهِ، حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِعِلْمِهِمْ، أوْ عَلى تَنْزِيلِ العالِمِ بِفائِدَةِ الخَبَرِ، ولازِمِها مَنزِلَةَ الجاهِلِ بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ مَعْناهُ لَوْ كانَ لَهم عِلْمٌ بِذَلِكَ الشِّراءِ لامْتَنَعُوا مِنهُ، أيْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ، فَلا يَمْتَنِعُونَ، وهَذا هو الخَبَرُ المُلْقى إلَيْهِمْ، واعْتِراضُ العَلّامَةِ بِأنَّ هَذا الخَبَرَ لَوْ فُرِضَ كَوْنُهُ مُلْقًى إلَيْهِمْ فَلا مَعْنى لِكَوْنِهِمْ عالِمِينَ بِمَضْمُونِهِ، كَيْفَ وقَدْ تَحَقَّقَ في ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾ نَقِيضُهُ، وهو أنَّ لَهم عِلْمًا بِهِ، وبَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي لا مَعْنى لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ الجاهِلِ، بِأنْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ بِأنَّ مَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ، بَلْ إنْ كانَ فَلا بُدَّ أنْ يُنَزَّلُوا مَنزِلَةَ الجاهِلِ بِأنَّ لَهم عِلْمًا بِذَلِكَ، يُجابُ عَنْهُ: أمّا أوَّلًا، فَبِأنَّ الخِطابَ صَرِيحًا لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَعْرِيضًا لَهُمْ، ولِذا أُكِّدَ، وأمّا ثانِيًا فَبِأنَّ المُسْتَفادَ مِن ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾ ثُبُوتُ العِلْمِ لَهم حَقِيقَةً، والمُسْتَفادُ مِنَ الخَبَرِ المُلْقى لَهم نَفْيُ العِلْمِ عَنْهم تَنْزِيلًا، ولا مُنافاةَ بَيْنَهُما، وأمّا ثالِثًا فَبِأنَّ العالِمَ إذا عَمِلَ بِخِلافِ عِلْمِهِ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الجاهِلِ في عَدَمِ تَرَتُّبِ ثَمَرَةِ عِلْمِهِ، ومُقْتَضى هَذا العِلْمِ أنْ يَمْتَنِعَ عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، فَفِيما نَحْنُ فِيهِ كانُوا عالِمِينَ فِيهِ بِأنْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ، وأنَّهم بِمَنزِلَةِ الجاهِلِ في ذَلِكَ الشِّراءِ، ومُقْتَضى هَذا العِلْمِ أنْ يَمْتَنِعُوا عَنْهُ، وإذا لَمْ يَمْتَنِعُوا كانُوا بِمَنزِلَةِ الجاهِلِ في عَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُقْتَضى هَذا العِلْمِ، فَألْقى الخَبَرَ إلَيْهِمْ بِأنْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ، كَذا قِيلَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن شِدَّةِ التَّكَلُّفِ، وأجابَ بَعْضُهم عَمّا يَتَراءى مِنَ التَّنافِي بِأنَّ مَفْعُولَ (يَعْلَمُونَ) ما دَلَّ عَلَيْهِ (لِبِئْسَما شَرَوْا) إلَخْ، أعْنِي مَذْمُومِيَّةَ الشِّراءِ، ومَفْعُولُ (عَلِمُوا) أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهم
صفحة 347
فِي الآخِرَةِ، والعِلْمُ بِأنَّهُ لا نَصِيبَ لَهم في الآخِرَةِ لا يُنافِي نَفْيَ العِلْمِ بِمَذْمُومِيَّةِ الشِّراءِ بِأنْ يَعْتَقِدُوا إباحَتَهُ فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى جَمِيعِ ما سَبَقَ، وفِيهِ أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ الشِّراءِ المَذْكُورِ مُوجِبًا لِلْحِرْمانِ في الآخِرَةِ بِدُونِ العِلْمِ بِكَوْنِهِ مَذْمُومًا غايَةَ المَذْمُومِيَّةِ مِمّا لا يَكادُ يُعْقَلُ عِنْدَ أرْبابِ العُقُولِ، والقَوْلُ بِأنَّ مَفْعُولَ (عَلِمُوا) مَحْذُوفٌ أيْ لَقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ، (ولَمَنِ اشْتَراهُ) مُرْتَبِطٌ بِأوَّلِ القِصَّةِ، وضَمِيرُ (لَبِئْسَما شَرَوْا) (لِمَنِ اشْتَراهُ) رَكِيكٌ جِدًّا، وبِئْسَما يُشْتَرى، ودَفْعَ التَّنافِيَ بِأنَّهُ أثْبَتَ أوَّلًا العِلْمَ بِسُوءِ ما شَرَوْهُ بِالكِتابِ بِحَسَبِ الآخِرَةِ، ثُمَّ ذَمَّ بِالسُّوءِ مُطْلَقًا في الدِّينِ والدُّنْيا، لِأنَّ بِئْسَ لِلذَّمِّ العامِّ، فالمَنفِيُّ العِلْمُ بِالسُّوءِ المُطْلَقِ يَعْنِي لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ضَرَرَهُ في الدِّينِ والدُّنْيا لامْتَنَعُوا، إنَّما غَرَّهم تَوَهُّمُ النَّفْعِ العاجِلِ، أوْ بِأنَّ المُثْبَتَ أوَّلًا العِلْمُ بِأنَّ ما شَرَوْهُ ما لَهم في الآخِرَةِ نَصِيبٌ مِنهُ، لا أنَّهم شَرَوْا أنْفُسَهم بِهِ، وأخْرَجُوها مِن أيْدِيهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَهم في الآخِرَةِ، والعِلْمُ المَنفِيُّ هو هَذا العِلْمُ لا يَخْفى ما فِيهِ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ عُمُومَ الذَّمِّ في بِئْسَ، وإنْ قِيلَ بِهِ لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى إفْرادِ الفاعِلِ في نَفْسِها مِن دُونِ تَعَرُّضٍ لِلْأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ، والتِزامُ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ تَخْصِيصَ النَّصِيبِ بِمِنهُ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً مَقْرُونَةً بِمِن، في سِياقِ النَّفْيِ المُساقِ لِلتَّهْوِيلِ مِمّا لا يَدْعُو إلَيْهِ إلّا ضِيقُ العَطَنِ، والجَوابُ بِإرْجاعِ ضَمِيرِ (عَلِمُوا) لِلنّاسِ، أوِ الشَّياطِينِ، (واشْتَرَوْا) لِلْيَهُودِ ارْتِكابٌ لِلتَّفْكِيكِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ، ولا قَرِينَةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وبَعْدَ كُلِّ حِسابٍ الأوْلى عِنْدِي في الجَوابِ كَوْنُ الكَلامِ مُخَرَّجًا عَلى التَّنْزِيلِ، ولا رَيْبَ في كَثْرَةِ وُجُودِ ذَلِكَ في الكِتابِ الجَلِيلِ، والأجْوِبَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ مِن قَبْلُ مَعَ جَرَيانِ الكَلامِ فِيها عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ لا تَخْلُو في الباطِنِ عَنْ شَيْءٍ فَتَدَبَّرْ.
2:103Page 16
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٣
And if they had believed and feared Allāh, then the reward from Allāh would have been [far] better, if they only knew.
﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾ أيْ بِالرَّسُولِ أوْ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الآياتِ، أوْ بِالتَّوْراةِ، ﴿واتَّقَوْا﴾ أيِ المَعاصِيَ الَّتِي حُكِيَتْ عَنْهم ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ جَوابُ لَوِ الشَّرْطِيَّةِ، وأصْلُهُ لَأُثِيبُوا مَثُوبَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرًا مِمّا شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ، فَحُذِفَ الفِعْلُ، وغُيِّرَ السَّبْكُ إلى ما تَرى، لِيَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ مَعَ مَعُونَةِ المَقامِ إلى الإشارَةِ إلى ثَباتِ المَثُوبَةِ، وثَباتِ نِسْبَةِ الخَيْرِيَّةِ إلَيْها، مَعَ الجَزْمِ بِخَبَرِيَّتِها، لِأنَّ الجُمْلَةَ إذا أفادَتْ ثَباتَ المَثُوبَةِ كانَ الحُكْمُ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيقِ بِالمُشْتَقِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمَثُوبَةٌ دائِمَةٌ خَيْرٌ لِدَوامِها، وثَباتِها، وحُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ إجْلالًا لِلْمُفَضَّلِ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ، ولَمْ يَقُلْ: لَمَثُوبَةُ اللَّهِ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ لِيُشْعِرَ التَّنْكِيرُ بِالتَّقْلِيلِ فَيُفِيدُ أنَّ شَيْئًا قَلِيلًا مِن ثَوابِ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ الدّائِمَةِ خَيْرٌ مِن ثَوابٍ كَثِيرٍ في الدُّنْيا الفانِيَةِ، فَكَيْفَ وثَوابُ اللَّهِ تَعالى كَثِيرٌ دائِمٌ، وفِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ المُناسِبَيْنِ لِلْمَقامِ ما لا يَخْفى، وبِبَيانِ الأصْلِ انْحَلَّ إشْكالانِ لَفْظِيٌّ، وهو أنَّ جَوابَ لَوْ إنَّما يَكُونُ فَعِلِيَّةٌ ماضَوِيَّةٌ، ومَعْنَوِيٌّ وهو أنَّ خَيْرِيَّةَ المَثُوبَةِ ثابِتَةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِإيمانِهِمْ وعَدَمِهِ، ولِهَذَيْنِ الإشْكالَيْنِ قالَ الأخْفَشُ، واخْتارَهُ جَمْعٌ: لِسَلامَتِهِ مِن وُقُوعِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ في الظّاهِرِ جَوابًا لِلَوْ، ولَمْ يُعْهَدْ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ كَما في البَحْرِ أنَّ اللّامَ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ، ولَمَثُوبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، وبَعْضُهُمُ التَزَمَ التَّمَنِّيَ، ولَكِنْ مِن جِهَةِ العِبادِ، لا مِن جِهَتِهِ تَعالى خِلافًا لِمَنِ اعْتَزَلَ دَفْعًا لَهُما، إذْ لا جَوابَ لَها حِينَئِذٍ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا، كَأنَّهُ لَمّا تَمَنّى لَهم ذَلِكَ قِيلَ: ما هَذا التَّحَسُّرُ والتَّمَنِّي؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ هَؤُلاءِ المُبْتَذِلِينَ حَرَّمُوا ما شَيْءٌ قَلِيلٌ مِنهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، وفي ذَلِكَ تَحْرِيضٌ وحَثٌّ عَلى الإيمانِ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ (خَيْرٌ) هُنا لِلتَّفْضِيلِ، لا لِلْأفْضَلِيَّةِ عَلى حَدِّ:
فَخَيْرُكُما لِشَرِّكُما فِداءُ
والمَثُوبَةُ مَفْعَلَةٌ بِضَمِّ العَيْنِ مِنَ الثَّوابِ فَنُقِلَتِ
صفحة 348
الضَّمَّةُ إلى ما قَبْلَها، فَهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وقِيلَ: مَفْعُولَةٌ وأصْلُها مَثْوُوبَةٌ فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الواوِ إلى ما قَبْلَها وحُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَهي مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى مَفْعُولَةٍ كَمَصْدُوقَةٍ كَما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ، ويُقالُ: مَثْوَبَةٌ بِسُكُونِ الثّاءِ وفَتْحِ الواوِ، وكانَ مِن حَقِّها أنْ تُعَلَّ فَيُقالُ: مَثابَةٌ كَمُقامَةٍ، إلّا أنَّهم صَحَّحُوها، كَما صَحَّحُوا في الأعْلامِ مَكُوزَةُ، وبِها قَرَأ قَتادَةُ، وأبُو السَّمّاكِ، والمُرادُ بِها الجَزاءُ والأجْرُ وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المُحْسِنَ يَثُوبُ إلَيْهِ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِها الرَّجْعَةُ إلَيْهِ تَعالى بَعِيدٌ، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ السّابِقِ، أيْ إنَّ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ، وكَلِمَةُ (لَوْ) إمّا لِلشَّرْطِ، والجَزاءُ مَحْذُوفٌ، أيْ آمَنُوا، وإمّا لِلتَّمَنِّي، ولا حَذْفَ، ونَفْيُ العِلْمِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ بِنَفْيِ ثَمَرَتِهِ الَّذِي هو العَمَلُ، أوْ لِتَرْكِ التَّدَبُّرِ، هَذا
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: واتَّبَعُوا أيِ اليَهُودُ، وهي القُوى الرُّوحانِيَّةُ ما تَتْلُو الشَّياطِينُ وهم مِنَ الإنْسِ المُتَمَرِّدُونَ الأشْرارُ، ومِنَ الجِنِّ الأوْهامُ والتَّخَيُّلاتُ المَحْجُوبَةُ عَنْ نُورِ الرُّوحِ المُتَمَرِّدَةِ عَنْ طاعَةِ القَلْبِ العاصِيَةِ لِأمْرِ العَقْلِ والشَّرْعِ، والنُّفُوسُ الأرْضِيَّةُ المُظْلِمَةُ القَوِيَّةُ عَلى عَهْدِ مُلْكِ سُلَيْمانَ الرُّوحُ الَّذِي هو خَلِيفَةُ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ، وما كَفَرَ سُلَيْمانُ بِمُلاحَظَةِ السِّوى واتِّباعِ الهَوى وإسْنادِ التَّأْثِيرِ إلى الأغْيارِ، ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا وسَتَرُوا مُؤْثَرِيَّةَ اللَّهِ تَعالى وظُهُورَهُ الَّذِي مَحا ظُلْمَةَ العَدَمِ
﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ والشُّبَهَ الصّادَّةَ عَنِ السَّيْرِ والسُّلُوكِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ وهُما العَقْلُ النَّظَرِيُّ والعَقْلُ العَمَلِيُّ النّازِلانِ مِن سَماءِ القُدْسِ إلى أرْضِ الطَّبِيعَةِ المَنكُوسانِ في بِئْرِها لِتَوَجُّهِهِما إلَيْها بِاسْتِجْذابِ النَّفْسِ إيّاهُما بِبابِلَ الصَّدْرِ المُعَذَّبانِ بِضِيقِ المَكانِ بَيْنَ أبْخِرَةِ حُبِّ الجاهِ ومَوادِّ الغَضَبِ وأدْخِنَةِ نِيرانِ الشَّهَواتِ المُبْتَلَيانِ بِأنْواعِ المُتَخَيَّلاتِ والمَوْهُوماتِ الباطِلَةِ مِنَ الحِيَلِ والشَّعْوَذَةِ والطَّلْسَماتِ، والنَّيْرِنْجاتِ، ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا﴾ لَهُ إنَّما نَحْنُ امْتِحانٌ وابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ وذَلِكَ لِقُوَّةِ النُّورِيَّةِ وبَقِيَّةِ المَلَكُوتِيَّةِ فِيهِما، فَإنَّ العَقْلَ دائِمًا يُنَبِّهُ صاحِبَهُ إذا صَحا عَنْ سَكْرَتِهِ، وهَبَّ مِن نَوْمَتِهِ عَنِ الكُفْرِ والِاحْتِجابِ، ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ﴾ القَلْبِ والنَّفْسِ، أوْ بَيْنَ الرُّوحِ والنَّفْسِ، بِتَكْدِيرِ القَلْبِ، ﴿ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ﴾ بِزِيادَةِ الِاحْتِجابِ وغَلَبَةِ هَوى النَّفْسِ، ولا يَنْفَعُهم كَسائِرِ العُلُومِ في رَفْعِ الحِجابِ، وتَخْلِيَةِ النَّفْسِ وتَزْكِيَتِها، ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ﴾ في مَقامِ الفَناءِ والرُّجُوعِ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ مِن نَصِيبٍ لِإقْبالِهِ عَلى العالَمِ السُّفْلِيِّ، وبُعْدِهِ عَنِ العالَمِ العُلْوِيِّ بِتَكَدُّرِ جَوْهَرِ قَلْبِهِ، وانْهِماكِهِ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ، ولَوْ أنَّهم آمَنُوا بِرُؤْيَةِ الأفْعالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى واتَّقَوُا الشِّرْكَ بِإثْباتِ ما سِواهُ لَأُثِيبُوا بِمَثُوبَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى دائِمَةٍ، ولَرَجَعُوا إلَيْهِ، وذَلِكَ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا مِن ذَوِي العِلْمِ والعِرْفانِ والبَصِيرَةِ والإيقانِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences