Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:108–111
2:108Page 17
أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٠٨
Or do you intend to ask1 your Messenger as Moses was asked before? And whoever exchanges faith for disbelief has certainly strayed from the soundness of the way.
صفحة 355
﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ جُوِّزَ في (أمْ) هَذِهِ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، وأنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً، فَإنْ قُدِّرَ تَعْلَمُونَ، قَبْلَ تُرِيدُونَ بِناءً عَلى دِلالَةِ السِّباقِ، وهو ألَمْ تَعْلَمْ، والسِّياقِ وهو الِاقْتِراحُ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ التَّعَنُّتِ، والعِلْمُ بِخِلافِهِ كانَتْ مُتَّصِلَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ الأمْرَيْنِ مِن عَدَمِ العِلْمِ بِما تَقَدَّمَ، أوِ العِلْمُ مَعَ الِاقْتِراحِ واقِعٌ، والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلْإنْكارِ بِمَعْنى لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُما، وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ، كانَتْ مُنْقَطِعَةً لِلْإضْرابِ عَنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالسّابِقِ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنِ اقْتِراحِهِمْ كاقْتِراحِ اليَهُودِ إنْكارًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ أيْضًا، وقَطَعَ بَعْضُهم بِالقَطْعِ بِناءً عَلى دُخُولِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الخِطابِ أوْ لا، وعَدَمُ دُخُولِهِ فِيهِ هُنا لِأنَّهُ مُقْتَرَحٌ عَلَيْهِ، لا مُقْتَرِحٌ، وذَلِكَ مُخِلٌّ بِالِاتِّصالِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُخِلٍّ بِهِ، لِحُصُولِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَقْصِدِ، وإرادَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الأوَّلِ كانَتْ لِمُجَرَّدِ التَّصْوِيرِ، والِانْتِقالِ لِما قَدَّمْنا أنَّها بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، والمُرادُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَوْصِيَتُهُ المُسْلِمِينَ بِالثِّقَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتُرِكَ الِاقْتِراحُ بَعْدَ رَدِّ طَعْنِ المُشْرِكِينَ أوِ اليَهُودِ في النَّسْخِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَكُونُوا فِيما أُنْزِلَ إلَيْكم مِنَ القُرْآنِ مِثْلَ اليَهُودِ في تَرْكِ الثِّقَةِ بِالآياتِ البَيِّنَةِ واقْتِراحِ غَيْرِها، فَتَضِلُّوا وتَكْفُرُوا بَعْدَ الإيمانِ، وفي هَذِهِ التَّوْصِيَةِ كَمالُ المُبالَغَةِ والبَلاغَةُ، حَتّى كَأنَّهم بِصَدَدِ الإرادَةِ، فَنُهُوا عَنْها فَضْلًا عَنِ السُّؤالِ، يَعْنِي مِن شَأْنِ العاقِلِ أنْ لا يَتَصَدّى لِإرادَةِ ذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: كَما سَألَ أُمَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ اليَهُودُ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَن سَألَ ذَلِكَ يَسْتَحِقُّ أنْ يُصانَ اللِّسانُ عَنْ ذِكْرِهِ، ولا يَقْتَضِي سابِقِيَّةَ وُقُوعِ الِاقْتِراحِ مِنهُمْ، ولا يَتَوَقَّفُ مَضْمُونُ الآيَةِ عَلَيْهِ، إذِ التَّوْصِيَةُ لا تَقْتَضِي سابِقِيَّةَ الوُقُوعِ، كَيْفَ وهو كُفْرٌ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ، ولا يَكادُ يَقَعُ مِنَ المُؤْمِنِ، ومِمّا ذَكَرْنا يَظْهَرُ وجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ﴾ فَإنَّ المَقْصِدَ مِن كُلٍّ مِنهُما تَثْبِيتُهم عَلى الآياتِ، وتَوْصِيَتُهم بِالثِّقَةِ بِها، وأمّا بَيانُهُ بِأنَّهُ لَعَلَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيانَ تَفاصِيلِ الحِكَمِ الدّاعِيَةِ إلى النَّسْخِ، فَلِذا أُرْدِفَتْ آيَةُ النَّسْخِ بِذَلِكَ، فَأُراهُ إلى التَّمَنِّي أقْرَبَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ «أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غَزْوَةِ خَيْبَرَ أنْ يَجْعَلَ لَهم ذاتَ أنْواطٍ، كَما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (سُبْحانَ اللَّهِ ! هَذا كَما قالَ قَوْمُ مُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، والقُذَّةِ بِالقُذَّةِ، إنْ كانَ فِيهِمْ مَن أتى أُمَّهُ يَكُونُ فِيكُمْ، فَلا أدْرِي أتَعْبُدُونَ العِجْلَ أمْ لا؟)،» وهو مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِ يَسْتَدْعِي أنَّ المُخاطَبَ في الآياتِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، والسِّباقُ والسِّياقُ والتَّذْيِيلُ تَشْهَدُ لَهُ، وعَلَيْهِ يَتَرَجَّحُ الِاتِّصالُ لِما نُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ: أنَّ الفِعْلِيَّتَيْنِ إذا اشْتَرَكَتا في الفاعِلِ نَحْوَ: أقُمْتَ أمْ قَعَدْتَ، (فَأمْ) مُتَّصِلَةٌ، وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُخاطَبَ بِها اليَهُودُ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ حِينَ سَألُوا أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وخاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ رَدِّ طَعْنِهِمْ تَهْدِيدًا لَهُمْ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُضارِعُ الآتِي بِمَعْنى الماضِي، إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ إحْضارًا لِلصُّورَةِ الشَّنِيعَةِ، واخْتارَ هَذا الإمامُ الرّازِيُّ، وقالَ: إنَّهُ الأصَحُّ، لِأنَّ هَذِهِ سُورَةٌ مِن أوَّلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ حِكايَةً عَنِ اليَهُودِ ومُحاجَّةً مَعَهُمْ، ولِأنَّهُ جَرى ذِكْرُهُمْ، وما جَرى ذِكْرُ غَيْرِهِمْ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ بِالرَّسُولِ لا يَكادُ يَسْألُ ما يَكُونُ مُتَبَدِّلًا بِهِ الكُفْرَ بِالإيمانِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وكَأنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى نَسِيَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا﴾ وقِيلَ: إنَّ المُخاطَبَ أهْلُ مَكَّةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ ورَهْطٍ مِن قُرَيْشٍ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، اجْعَلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، ووَسِّعْ لَنا أرْضَ مَكَّةَ، وفَجِّرْ لَنا الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا، ونُؤْمِن لَكَ، وحُكِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ غَيْرُ
صفحة 356
ذَلِكَ، ولا مانِعَ كَما في البَحْرِ مِن جَعْلِ الكُلِّ أسْبابًا، وعَلى الخِلافِ في المُخاطَبِينَ يَجِيءُ الكَلامُ في ﴿رَسُولَكُمْ﴾ فَإنْ كانُوا المُؤْمِنِينَ فالإضافَةُ عَلى ما في نَفْسِ الأمْرِ، وما أقَرُّوا بِهِ مِن رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإنْ كانُوا غَيْرَهم فَهي عَلى ما في نَفْسِ الأمْرِ دُونَ الإقْرارِ، (وما) مَصْدَرِيَّةٌ، والمَشْهُورُ أنَّ المَجْرُورَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ سُؤالًا (كَما)، ورَأى سِيبَوَيْهِ أنَّهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ أنْ تَسْألُوهُ، أيِ السُّؤالَ (كَما)، وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ، لِتَسْألُوا، أيْ كالأشْياءِ الَّتِي سَألَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلُ، وهو الأنْسَبُ، لِأنَّ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ إنَّما هو لِفَسادِ المُقْتَرَحاتِ، وكَوْنُها في العاقِبَةِ وبالًا عَلَيْهِمْ، وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ المُشَبَّهَ (أنْ تَسْألُوا) وهو مَصْدَرٌ، فالظّاهِرُ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ كَذَلِكَ، وقُبْحُ السُّؤالِ إنَّما هو لِقُبْحِ المَسْؤُولِ عَنْهُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ السُّؤالُ نَفْسُهُ قَبِيحًا في بَعْضِ الحالاتِ مَعَ أنَّ المَصْدَرِيَّةَ لا تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ رابِطٍ، فَهو أوْلى، (ومِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِسُئِلَ، وجِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو السِّمالِ (سِيلَ) بِسِينٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ والزُّهْرِيُّ بِإشْمامِ الشِّينِ الضَّمَّ وياءٍ، وبَعْضُهم بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وضَمِّ السِّينِ.
﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُكْمٍ كُلِّيٍّ، أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ المَثَلِ، جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنِ الِاقْتِراحِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: أمْ تُرِيدُونَ إلَخْ، مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، فَهي تَذْيِيلٌ لَهُ بِاعْتِبارِ أنَّ المُقْتَرِحِينَ الشّاكِّينَ مِن جُمْلَةِ الضّالِّينَ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ المُتَبَدِّلِينَ، (وسَواءَ) بِمَعْنى وسَطٍ، أوْ مُسْتَوِي، والإضافَةُ مِن بابِ إضافَةِ الوَصْفِ إلى المَوْصُوفِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في بَيانِ قُوَّةِ الِاتِّصافِ، كَأنَّهُ نَفْسُ السَّواءِ عَلى مِنهاجِ حُصُولِ الصُّورَةِ في الصُّورَةِ الحاصِلَةِ، والفاءُ رابِطَةٌ، وما بَعْدَها لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَزاءَ الشَّرْطِ لِأنَّ ضَلالَ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ مُتَقَدِّمٌ عَلى الِاسْتِبْدالِ، والِارْتِدادُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ الجَزاءَ إذا كانَ ماضِيًا مَعَ (قَدْ) كانَ باقِيًا عَلى مُضِيِّهِ، لِأنَّ (قَدْ) لِلتَّحْقِيقِ، وما تَأكَّدَ، ورَسَخَ لا يَنْقَلِبُ، ولا يَتَرَتَّبُ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ، ولِأنَّ كَوْنَ الشَّرْطِ مُضارِعًا، والجَزاءِ ماضِيًا، صُورَةُ ضَعِيفٍ لَمْ يَأْتِ في الكِتابِ العَزِيزِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ بِأنْ يُقالَ: ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فالسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَرَكَهُ، ويَؤُولُ المَعْنى إلى أنَّ ضَلالَ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، وهو الكُفْرُ الصَّرِيحُ في الآياتِ سَبَبٌ لِلتَّبْدِيلِ والِارْتِدادِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّبَدُّلَ المَذْكُورَ بِتَرْكِ الثِّقَةِ بِالآياتِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ لازِمًا لَهُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْهُ، وحاصِلُ الآيَةِ حِينَئِذٍ: ومَن يَتْرُكِ الثِّقَةَ بِالآياتِ البَيِّنَةِ المُنَزَّلَةِ بِحَسَبِ المَصالِحِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ النّاسِخَةُ الَّتِي هي خَيْرٌ مَحْضٌ، وحَقٌّ بَحْتٌ، واقْتَرَحَ غَيْرَها، فَقَدْ عَدَلَ وجارَ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ إلى مَعالِمِ الحَقِّ والهُدى، وتاهَ في تِيهِ الهَوى، وتَرَدّى في مَهاوِي الرَّدى، واخْتارَ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ إيذانًا مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ بِأنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ وارْتِدادٌ، ولَعَلَّ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوْلى كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وقُرِئَ (ومَن يُبْدِلْ) مِن أبْدَلَ، وإدْغامُ الدّالِ في الضّادِ والإظْهارُ قِراءَتانِ مَشْهُورَتانِ.
2:109Page 17
وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٠٩
Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allāh delivers His command. Indeed, Allāh is over all things competent.
﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ وهم طائِفَةٌ مِن أحْبارِ اليَهُودِ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ: ألَمْ تَرَوْا إلى ما أصابَكم ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ لَما هُزِمْتُمْ، فارْجِعُوا إلى دِينِنا، فَهو خَيْرٌ لَكُمْ، رَواهُ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورَوى أنَّ فِنْحاصَ بْنَ عازُوراءَ، وزَيْدَ بْنَ قَيْسٍ ونَفَرًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا ذَلِكَ لِحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ، ذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ، ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ حِكايَةً لِوِدادَتِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (لَوْ) هَذِهِ، فَأغْنى عَنِ الإعادَةِ ﴿مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾ أيْ مُرْتَدِّينَ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ
صفحة 357
المُخاطَبِينَ، يُفِيدُ مُقارَنَةَ الكُفْرِ بِالرَّدِّ فَيُؤْذِنُ بِأنَّ الكُفْرَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الِارْتِدادِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ إلى ما يُرَدُّ إلَيْهِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ لَوْ يَرُدُّونَكم إلى الكُفْرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ (ودَّ)، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ (لِيَرُدُّونَكُمْ) عَلى تَضْمِينِ الرَّدِّ مَعْنى التَّصْيِيرِ، إذْ مِنهم مَن لَمْ يَكْفُرْ حَتّى يُرَدَّ إلَيْهِ، فَيَحْتاجُ إلى التَّغْلِيبِ، كَما في ﴿لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ عَلى أنَّ في ذَلِكَ يَكُونُ الكُفْرُ المَفْرُوضُ بِطَرِيقِ القَسْرِ، وهو أدْخَلُ في الشَّناعَةِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: (مِن بَعْدِ) مَعَ أنَّ الظّاهِرَ (عَنْ) لِأنَّ الرَّدَّ يُسْتَعْمَلُ بِها تَنْصِيصٌ بِحُصُولِ الإيمانِ لَهُمْ، وقِيلَ: أُورِدَ مُتَوَسِّطًا لِإظْهارِ كَمالِ فَظاعَةِ ما أرادُوهُ، وغايَةُ بُعْدِهِ عَنِ الوُقُوعِ إمّا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ الصّادِّ لِلْعاقِلِ عَنْ مُباشَرَتِهِ، وإمّا لِمُمانَعَةِ الإيمانِ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِن بَعْدِ إيمانِكُمُ الرّاسِخِ، وفِيهِ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى، ﴿حَسَدًا﴾ عِلَّةٌ (لِوَدَّ)، لا (لِيَرُدُّونَكُمْ) لِأنَّهُ يَوَدُّونَ ارْتِدادَهم مُطْلَقًا، لا ارْتِدادَهُمُ المُعَلَّلَ بِالحَسَدِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى الحالِ، أيْ حاسِدِينَ، ولَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ جَعْلَ المَصْدَرِ حالًا كَما قالَ أبُو حَيّانَ لا يَنْقاسُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ حَسَدُوكم حَسَدًا، وهو كَما تَرى، ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وقَعَ صِفَةً، إمّا لِلْحَسَدِ أيْ حَسَدًا كائِنًا مِن أصْلِ نُفُوسِهِمْ، فَكَأنَّهُ ذاتِيٌّ لَها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغًا مُتَناهِيًا، وهَذا يُؤَكِّدُ أمْرَ التَّنْوِينِ إذا جُعِلَ لِلتَّكْثِيرِ، أوِ التَّعْظِيمِ، وإمّا لِلْوِدادِ المَفْهُومِ مِن (ودَّ) أيْ وِدادًا كائِنًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، وتَشَهِّيهِمْ لا مِن قِبَلِ التَّدَبُّرِ والمَيْلِ إلى الحَقِّ، وجَعْلُهُ ظَرْفًا لَغْوًا مَعْمُولًا (لِوَدَّ) أوْ حَسَدًا، كَما نُقِلَ عَنْ مَكِّيٍّ، يُبْعِدُهُ أنَّهُما لا يُسْتَعْمَلانِ بِكَلِمَةِ (مِن) كَما قالَهُ ابْنُ الشَّجَرِيِّ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ بِالنُّعُوتِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ، والمُعْجِزاتِ، وهَذا كالدَّلِيلِ عَلى تَخْصِيصِ الكَثِيرِ بِالأحْبارِ، لِأنَّ التَّبَيُّنَ بِذَلِكَ إنَّما كانَ لَهم لا لِلْجُهّالِ، ولَعَلَّ مَن قالَ: إنَّ الوِدادَةَ مِن عَوامِّهِمْ أيْضًا، لِئَلّا يَبْطُلَ دِينُهُمُ الَّذِي ورِثُوهُ، وتَبْطُلَ رِياسَةُ أحْبارِهِمُ الَّذِينَ اعْتَقَدُوهُمْ، واتَّخَذُوهم رُؤَساءَ، فالمُرادُ مِنَ الكَثِيرِ جَمِيعُهم مِن كُفّارِهِمْ ومُنافِقِيهِمْ، ويَكُونُ ذِكْرُهُ لِإخْراجِ مَن آمَنَ مِنهم سِرًّا وعَلانِيَةً يُدَّعى أنَّ التَّبْيُّنَ حَصَلَ لِلْجَمِيعِ أيْضًا إلّا أنَّ أسْبابَهُ مُخْتَلِفَةٌ مُتَفاوِتَةٌ، وهَذا هو الَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ، فَإنَّ مَن شاهَدَ هاتِيكَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةَ، والآياتِ الزّاهِرَةَ يَبْعُدُ مِنهُ كَيْفَما كانَ عَدَمُ تَبَيُّنِ الحَقِّ، ومَعْرِفَةِ مَطالِعِ الصِّدْقِ، إلّا أنَّ الحُظُوظَ النَّفْسانِيَّةَ، والشَّهَواتِ الدَّنِيَّةَ والتَّسْوِيلاتِ الشَّيْطانِيَّةَ حَجَبَتْ مَن حَجَبَتْ عَنِ الإيمانِ، وقَيَّدَتْ مَن قَيَّدَتْ في قَيْدِ الخِذْلانِ، ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ العَفْوُ تَرْكُ عُقُوبَةِ المُذْنِبِ، والصَّفْحُ تَرْكُ التَّثْرِيبِ والتَّأْنِيبِ، وهو أبْلَغُ مِنَ العَفْوِ، إذْ قَدْ يَعْفُو الإنْسانُ، ولا يَصْفَحُ، ولَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِن تَوْلِيَةِ صَفْحَةِ الوَجْهِ إعْراضًا، أوْ مِن تَصَفَّحْتُ الوَرَقَةَ إذا تَجاوَزْتَ عَمّا فِيها، وآثَرَ العَفْوَ عَلى الصَّبْرِ عَلى أذاهم إيذانًا بِتَمْكِينِ المُؤْمِنِينَ تَرْهِيبًا لِلْكافِرِينَ.
﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ هو واحِدُ الأوامِرِ، والمُرادُ بِهِ الأمْرُ بِالقِتالِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ أوِ الأمْرُ بِقَتْلِ قُرَيْظَةَ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وقِيلَ: واحِدُ الأُمُورِ، والمُرادُ بِهِ القِيامَةُ، أوِ المُجازاةُ يَوْمَها، أوْ قُوَّةُ الرِّسالَةِ، وكَثْرَةُ الأُمَّةِ، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الصَّفْحَ بِالإعْراضِ عَنْهُمْ، وتَرْكِ مُخالَطَتِهِمْ، وجَعَلَ غايَةَ العَفْوِ إتْيانَ آيَةِ القِتالِ، وغايَةَ الإعْراضِ إتْيانَ اللَّهِ تَعالى أمْرَهُ، وفَسَّرَهُ بِإسْلامِ مَن أسْلَمَ مِنهم كَما قالَهُ الكَلْبِيُّ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أنْ يُحْمَلَ الأمْرُ عَلى واحِدِ الأوامِرِ، وواحِدِ الأُمُورِ، وهو عِنْدَ المُحَقِّقِينَ جَمْعٌ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وعَنْ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: إنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، واسْتُشْكِلَ
صفحة 358
ذَلِكَ بِأنَّ النَّسْخَ لِكَوْنِهِ بَيانًا لِمُدَّةِ الِانْتِهاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشّارِعِ، ودَفْعًا لِلتَّأْيِيدِ الظّاهِرِيِّ مِنَ الإطْلاقِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الحُكْمُ المَنسُوخُ خالِيًا عَنِ التَّوْقِيتِ والتَّأْيِيدِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ مُؤَقَّتًا كانَ النّاسِخُ بَيانًا لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا أيْضًا، ولَوْ كانَ مُؤَبَّدًا كانَ بَدْءًا لا بَيانًا بِالنِّسْبَةِ إلى الشّارِعِ، والأمْرُ ها هُنا مُؤَقَّتٌ بِالغايَةِ، وكَوْنُها غَيْرَ مَعْلُومَةٍ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ آيَةُ القِتالِ بَيانًا لِإجْمالِهِ، وبِذَلِكَ تَبَيَّنَ ضَعْفُ ما أجابَ بِهِ الإمامُ الرّازِيُّ، وتَبِعَهُ فِيهِ كَثِيرُونَ مِن أنَّ الغايَةَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها الأمْرُ إذا كانَتْ لا تُعْلَمُ إلّا شَرْعًا لَمْ يَخْرُجِ الوارِدُ مِن أنْ يَكُونَ ناسِخًا، ويَحِلَّ مَحَلَّ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ إلى أنْ أنْسَخَهُ لَكُمْ، فَلَيْسَ هَذا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ وأمّا تَأْيِيدُ الطِّيبِيِّ لَهُ بِحُكْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيهِما انْتِهاءَ مُدَّةِ الحُكْمِ بِهِما بِإرْسالِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ وكانَ ظُهُورُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَسْخًا، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ ما في التَّلْوِيحِ مِن أنَّ الواقِعَ فِيهِما البِشارَةُ بِشَرْعِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإيجابِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي تَوْقِيتَ الأحْكامِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مُفَسِّرًا، أوْ مُقَرِّرًا، أوْ مُبَدِّلًا لِلْبَعْضِ دُونَ البَعْضِ، فَمِن أيْنَ يَلْزَمُ التَّوْقِيتُ، بَلْ هي مُطْلَقَةٌ، يُفْهَمُ مِنها التَّأْبِيدُ، فَتَبْدِيلُها يَكُونُ نَسْخًا، وأُجِيبَ عَنِ الِاسْتِشْكالِ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ القائِلِينَ بِالنَّسْخِ أرادُوا بِهِ البَيانَ مَجازًا، أوْ يُقالُ: لِعِلْمِهِمْ فَسَّرُوا الغايَةَ بِإماتَتِهِمْ أوْ بِقِيامِ السّاعَةِ، والتَّأْبِيدُ إنَّما يُنافِي إطْلاقَ الحُكْمِ، إذا كانَ غايَةً لِلْوُجُوبِ، وأمّا إذا كانَ غايَةً لِلْواجِبِ فَلا، ويَجْرِي فِيهِ النَّسْخُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، قالَهُ مَوْلانا السّالِيكُوتِيُّ، إلّا أنَّ الظّاهِرَ لا يُساعِدُهُ، فَتَدَبَّرْ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُؤَكِّدٌ لِما فُهِمَ مِن سابِقِهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِالِانْتِقامِ مِنَ الكُفّارِ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ، والتَّمْكِينِ، ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ ذِكْرًا لِمُوجِبِ قَبُولِ أمْرِهِ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، وتَهْدِيدًا لِمَن يُخالِفُ أمْرَهُ،
2:110Page 17
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٠
And establish prayer and give zakāh, and whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allāh. Indeed Allāh, of what you do, is Seeing.
﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فاعْفُوا﴾ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِالمُخالَفَةِ، والِالتِجاءِ إلَيْهِ تَعالى بِالعِبادَةِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ لِأنَّها تَدْفَعُ عَنْهم ما يَكْرَهُونَ، وقَوْلُ الطَّبَرِيِّ: إنَّهم أُمِرُوا هُنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ لِيُحْبِطَ ما تَقَدَّمَ مِن مَيْلِهِمْ إلى قَوْلِ اليَهُودِ (راعِنا) مُنْحَطٌّ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ.
﴿وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ أيْ أيِّ خَيْرٍ كانَ، وفي ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، والصَّلاةِ، والزَّكاةِ، وتَرْغِيبٌ إلَيْهِ، واللّامُ نَفْعِيَّةٌ، وتَخْصِيصُ الخَيْرِ بِالصَّلاةِ والصَّدَقَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقُرِئَ (تَقْدَمُوا) مِن قَدِمَ مِنَ السَّفَرِ، وأقْدَمَهُ غَيْرُهُ جَعَلَهُ قادِمًا، وهي قَرِيبٌ مِنَ الأُولى، لا مِنَ الإقْدامِ ضِدِّ الإحْجامِ.
﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ تَجِدُوا ثَوابَهُ لَدَيْهِ سُبْحانَهُ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ تَجِدُوهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِهِ، إلّا أنَّهُ بالِغٌ في كَمالِ عِلْمِهِ، فَجَعَلَ ثُبُوتَهُ في عِلْمِهِ بِمَنزِلَةِ ثُبُوتِ نَفْسِهِ عِنْدَهُ، وقَدْ أكَّدَ تِلْكَ المُبالَغَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ حَيْثُ جَعَلَ جَمِيعَ ما يَعْمَلُونَ مُبْصَرًا لَهُ تَعالى، فَعَبَّرَ عَنْ عِلْمِهِ تَعالى بِالبَصَرِ مَعَ أنَّ قَلِيلًا مِمّا يَعْمَلُونَ مِنَ المُبْصَراتِ، وكَأنَّهُ لِهَذا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ البَصِيرَ بِالعالِمِ، وأمّا قَوْلُ العَلّامَةِ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى نَفْيِ الصِّفاتِ، وأنَّهُ لَيْسَ مَعْنى السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّهِ تَعالى إلّا تَعَلُّقُ ذاتِهِ بِالمَعْلُوماتِ، فَفِيهِ أنَّ التَّفْسِيرَ لا يُفِيدُ إلّا أنَّ المُرادَ مِنَ البَصِيرِ ها هُنا العالِمُ، ولا دِلالَةَ عَلى كَوْنِهِ الذّاتَ، أوْ زائِدًا عَلَيْهِ، ولا عَلى أنَّ لَيْسَ مَعْنى السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّهِ تَعالى سِوى التَّعَلُّقِ المَذْكُورِ، وقُرِئَ (يَعْمَلُونَ) بِالياءِ، والضَّمِيرُ
صفحة 359
حِينَئِذٍ كِنايَةٌ عَنْ كَثِيرٍ، أوْ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، فَيَكُونُ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْفُوا﴾ إلَخْ، مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الغايَةِ، والمُناسِبُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِأُولَئِكَ، لِيَكُونَ تَسْلِيَةً وتَوْطِينًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، وإزالَةً لِاسْتِبْطاءِ إتْيانِ الأمْرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ المُؤْمِنِينَ المُخاطَبِينَ بِالخِطاباتِ المُتَقَدِّمَةِ، والكَلامُ وعِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويُسْتَفادُ مِنَ الِالتِفاتِ الواقِعِ مِن صَرْفِ الكَلامِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، وهو النُّكْتَةُ الخاصَّةُ بِهَذا الِالتِفاتِ، ولا يَخْفى أنَّهُ كَلامٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ،
2:111Page 17
وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١١١
And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking. Say, "Produce your proof, if you should be truthful."
﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ عَطْفٌ عَلى (ودَّ) وما بَيْنَهُما أعْنِي ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ إمّا اعْتِراضٌ بِالفاءِ أوْ عَطْفٌ عَلى (ودَّ) أيْضًا، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ فِيما لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ بِما سِوى الواوِ جائِزٌ، والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ لا لِكَثِيرٍ مِنهُمْ، كَما يَتَبادَرُ مِنَ العَطْفِ، والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى جَمِيعًا، وكَأنَّ أصْلَ الكَلامِ: قالَتِ اليَهُودُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، وقالَتِ النَّصارى لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى، فَلَفَّ بَيْنَ هَذَيْنِ المَقُولَيْنِ، وجُعِلا مَقُولًا واحِدًا اخْتِصارًا، وثِقَةً بِفَهْمِ السّامِعِ أنْ لَيْسَ المَقْصِدَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَقُولُ هَذا القَوْلَ المُرَدَّدَ، ولِلْعِلْمِ بِتَضْلِيلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ، بَلِ المَقْصِدُ تَقْسِيمُ القَوْلِ المَذْكُورِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، فَكَلِمَةُ أوْ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ لِلتَّفْصِيلِ، والتَّقْسِيمِ، لا لِلتَّرْدِيدِ، فَلا غُبارَ، وهُودٌ جَمْعُ هائِدٍ كَعُوذٍ جَمْعِ عائِذٍ، وقِيلَ: مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُخَفَّفُ يَهُودَ بِحَذْفِ الياءِ، وهو ضَعِيفٌ، وعَلى القَوْلِ بِالجَمْعِيَّةِ يَكُونُ اسْمَ كانَ مُفْرَدًا عائِدًا عَلى (مَن) بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وجُمِعَ الخَبَرُ بِاعْتِبارِ مَعْناها، وهو كَثِيرٌ في الكَلامِ خِلافًا لِمَن مَنَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: وأيْقَظَ مَن كانَ مِنكم نِيامًا
وقَرَأ أُبَيٌّ (يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا)، فَحُمِلَ الخَبَرُ والِاسْمُ مَعًا عَلى اللَّفْظِ.
﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ الأمانِيُّ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وهي ما يُتَمَنّى كالأُضْحُوكَةِ والأُعْجُوبَةِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وطَلَبِ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُمْ، (وتِلْكَ) إشارَةٌ إلى ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ إلَخْ، وجُمِعَ الخَبَرُ مَعَ أنَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أُمْنِيَّةٌ واحِدَةٌ لِيَدُلَّ عَلى تَرَدُّدِ الأُمْنِيَّةِ في نُفُوسِهِمْ، وتَكَرُّرِها فِيها، وقِيلَ: إشْعارًا بِأنَّها بَلَغَتْ كُلَّ مَبْلَغٍ، لِأنَّ الجَمْعَ يُفِيدُ زِيادَةَ الآحادِ، فَيُسْتَعْمَلُ لِمُطْلَقِ الزِّيادَةِ، وهَذا مِن بَدِيعِ المَجازِ ونَفائِسِ البَيانِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى هَذا كُلِّهِ، بَلِ الجَمْعُ لِأنَّ (تِلْكَ) مُحْتَوِيَةٌ عَلى أمانِ أنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا اليَهُودُ، وأنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا النَّصارى، وحِرْمانِ المُسْلِمِينَ مِنها، وأيْضًا فَقائِلُهُ مُتَعَدِّدٌ، وهو بِاعْتِبارِ كُلِّ قائِلٍ أُمْنِيَّةٌ، وبِاعْتِبارِ الجَمِيعِ أمانٍ كَثِيرَةٌ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَها إشارَةً إلى أنْ لا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ، وأنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا، وأنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ غَيْرُهُمْ، وعَلَيْهِ يَكُونُ أمانِيُّهم تَغْلِيبًا، لِأنَّ الأوَّلَيْنِ مِن قَبِيلِ المُتَمَنَّياتِ حَقِيقَةً، والثّالِثَ دَعْوى باطِلَةٌ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى ما في الآيَةِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ أمْثالُ تِلْكَ الأُمْنِيَّةِ أمانِيُّهُمْ، فَإنْ جَعَلَ الأمانِيَّ بِمَعْنى الأكاذِيبِ، فَإطْلاقُ الأُمْنِيَّةِ عَلى دَعْواهم عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى المُتَمَنَّياتِ فَعَلى الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا بِالمُتَمَنّى في الِاسْتِحالَةِ، ولا يَخْفى ما في الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ، لا سِيَّما أوَّلُهُما، لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ ذُكِرَ فِيها وُدُّهم لِشَيْءٍ، قَدِ انْفَصَلَتْ، وكَمُلَتْ، واسْتَقَلَّتْ في النُّزُولِ، فَيَبْعُدُ جِدًّا أنْ يُشارَ إلَيْها.
﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ عَلى ما ادَّعَيْتُمُوهُ مِنِ اخْتِصاصِكم بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَهو مُتَّصِلٌ مَعْنًى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ﴾ إلَخْ، عَلى أنَّهُ جَوابٌ لَهُ، لا غَيْرُ، (وهاتُوا) بِمَعْنى أحْضِرُوا، والهاءُ أصْلِيَّةٌ لا بَدَلٌ مِن هَمْزَةِ آتُوا، ولا لِلتَّنْبِيهِ، وهي فِعْلُ أمْرٍ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، أوْ صَوْتٌ بِمَنزِلَةِ ها، وفي مَجِيءِ الماضِي والمُضارِعِ والمَصْدَرِ مِن هَذِهِ المادَّةِ خِلافٌ وأثْبَتَ أبُو حَيّانَ هاتى يُهاتِي مُهاتاةً، والبُرْهانُ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ الدَّعْوى، قِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ البَرَهِ
صفحة 360
وهُوَ القَطْعُ، فَتَكُونُ النُّونُ زائِدَةً، وقِيلَ: مِنَ البَرْهَنَةِ، وهو البَيانُ، فَتَكُونُ النُّونُ أصْلِيَّةٌ لِفِقْدانِ فَعْلَنَ، ووُجُودِ فَعْلَلَ، ويُبْنى عَلى هَذا الِاشْتِقاقِ الخِلافُ في بُرْهانٍ إذا سُمِّيَ بِهِ هَلْ يَنْصَرِفُ أوْ لا؟ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ومُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ دَعْواهُمُ السّابِقَةُ لا الإيمانُ، ولا الأمانِيُّ كَما قِيلَ، وأفْهَمَ التَّعْلِيقُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البُرْهانِ لِلصّادِقِ لِيُثْبِتَ دَعْواهُ، وعُلِّلَ بِأنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ غَيْرُ ثابِتٍ عِنْدَ الخَصْمِ، فَلا يُعْتَدُّ بِهِ، ولِذا قِيلَ: مَنِ ادَّعى شَيْئًا بِلا شاهِدٍ لا بُدَّ أنْ تَبْطُلَ دَعْواهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَنعِ التَّقْلِيدِ، فَإنَّ دَلِيلَ المُقَلِّدِ دَلِيلُهُ، كَما لا يَخْفى، وتَفْسِيرُ الصِّدْقِ هُنا بِالصَّلاحِ مِمّا لا يَدْعُو إلَيْهِ سِوى فَسادُ الذِّهْنِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences