Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:136–139

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:136–139

2:136Page 21

قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٦

Say, [O believers], "We have believed in Allāh and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants [al-Asbāṭ]1 and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."

﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لا لِلْكافِرِينَ، كَما قِيلَ، لِما فِيهِ مِنَ الكَلَفِ والتَّكَلُّفِ، وبَيانٌ لِاتِّباعِ المَأْمُورِ بِهِ، فَهو بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ لِأنَّ الِاتِّباعَ يَشْمَلُ الِاعْتِقادَ والعَمَلَ، وهَذا بَيانُ الِاعْتِقادِ، أوْ بَدَلُ الِاشْتِمالِ لِما فِيهِ مِنَ التَّفْصِيلِ الَّذِي لَيْسَ في الأوَّلِ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهم سَألُوا كَيْفَ الِاتِّباعُ؟ فَأُجِيبُوا بِذَلِكَ، وأُمِرَ أوَّلًا بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وثانِيًا بِصِيغَةِ الجَمْعِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَكْفِي في الجَوابِ قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ مِن جانِبِ كُلِّ المُؤْمِنِينَ بِخِلافِ الِاتِّباعِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِن قَوْلِ كُلِّ واحِدٍ، لِأنَّهُ شَرْطُ الإيمانِ، أوْ شَطْرُهُ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ البَيانِ، والتَّأْكِيدِ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ، ولِذا تُرِكَ العَطْفُ، لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وقُدِّمَ الإيمانُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّهُ أوَّلُ الواجِباتِ، ولِأنَّهُ بِتَقَدُّمِ مَعْرِفَتِهِ تَصِحُّ مَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ والشَّرْعِيّاتِ.

﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ أيِ القُرْآنُ، وهو وإنْ كانَ في التَّرْتِيبِ النُّزُولِيِّ مُؤَخَّرًا عَنْ غَيْرِهِ، لَكِنَّهُ في التَّرْتِيبِ الإيمانِيِّ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ سَبَبُ الإيمانِ بِغَيْرِهِ، لِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَهُ، ولِذا قَدَّمَهُ.

﴿وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ يَعْنِي الصُّحُفَ، وهي وإنْ نَزَلَتْ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَكِنْ لَمّا كانَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مُتَعَبَّدِينَ بِتَفاصِيلِها داخِلِينَ تَحْتَ أحْكامِها صَحَّ نِسْبَةُ

صفحة 395

نُزُولِها إلَيْهِمْ أيْضًا، كَما صَحَّحَ تَعَبُّدَنا بِتَفاصِيلِ القُرْآنِ ودُخُولَنا تَحْتَ أحْكامِهِ نِسْبَةُ نُزُولِهِ إلَيْنا، والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ كَأحْمالٍ وحِمْلٍ، وهم أوْلادُ إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هم في أوْلادِ إسْحاقَ كالقَبائِلِ في أوْلادِ إسْماعِيلَ، مَأْخُوذٌ مِنَ السِّبْطِ وهو شَجَرَةٌ كَثِيرَةُ الأغْصانِ، فَكَأنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَتِهِمْ، وقِيلَ: مِنَ السُّبُوطَةِ، وهي الِاسْتِرْسالُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَقْلُوبُ البَسْطِ، وقِيلَ: لِلْحَسَنَيْنِ سِبْطا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِانْتِشارِ ذُرِّيَّتِهِمْ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ ابْنِ بِنْتٍ: سِبْطٌ، وكَذا قِيلَ لَهُ: حَفِيدٌ أيْضًا، واخْتَلَفَ النّاسُ في الأسْباطِ أوْلادِ يَعْقُوبَ، هَلْ كانُوا كُلُّهم أنْبِياءَ، أمْ لا؟ والَّذِي صَحَّ عِنْدِي الثّانِي، وهو المَرْوِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، وألَّفَ فِيهِ، لِأنَّ ما وقَعَ مِنهم مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُنافِي النُّبُوَّةَ قَطْعًا، وكَوْنُهُ قَبْلَ البُلُوغِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، لِأنَّ فِيهِ أفْعالًا لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا البالِغُونَ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لا يُجْدِي نَفْعًا عَلى ما هو القَوْلُ الصَّحِيحُ في شَأْنِ الأنْبِياءِ، وكَمْ كَبِيرَةً تَضَمَّنَ ذَلِكَ الفِعْلُ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِمْ، والآيَةُ قَدْ عَلِمْتَ ما ذَكَرْنا فِيها، فاحْفَظْ ذَلِكَ هُدِيتَ.

﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ أيِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، ولِكَوْنِ أهْلِ الكِتابِ زادُوا ونَقَصُوا وحَرَّفُوا فِيهِما، وادَّعَوْا أنَّهُما أُنْزِلا كَذَلِكَ، والمُؤْمِنُونَ يُنْكِرُونَهُ، اهْتَمَّ بِشَأْنِهِما، فَأفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ، وبَيَّنَ طَرِيقَ الإيمانِ بِهِما، ولَمْ يُدْرِجْهُما في المَوْصُولِ السّابِقِ، ولِأنَّ أمْرَهُما أيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى وعِيسى أنَّهُما مُنَزَّلانِ عَلَيْهِما حَقِيقَةً لا بِاعْتِبارِ التَّعَبُّدِ فَقَطْ، كَما في المُنَزَّلِ عَلى إسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، ولَمْ يُعِدِ المَوْصُولَ لِذَلِكَ في عِيسى لِعَدَمِ مُخالَفَةِ شَرِيعَتِهِ لِشَرِيعَةِ مُوسى، إلّا في النَّزْرِ، ولِذَلِكَ الِاهْتِمامِ عَبَّرَ بِالإيتاءِ دُونَ الإنْزالِ لِأنَّهُ أبْلَغُ لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ مِنهُ، ولِما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الإعْطاءِ الَّذِي فِيهِ شِبْهُ التَّمْلِيكِ والتَّفْوِيضِ، ولِهَذا يُقالُ: أنْزَلْتُ الدَّلْوَ في البِئْرِ، ولا تَقُولُ: آتَيْتُها إيّاها، ولَكَ أنْ تَقُولَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ هُنا ما هو أعَمُّ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ بِأيْدِي هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ الجَلِيلَيْنِ، حَسْبَما فُصِّلَ في التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، وإيثارُ الإيتاءِ لَهُ التَّعْمِيمُ، وتَخْصِيصُ النَّبِيَّيْنِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى.

﴿وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ وهي الكُتُبُ الَّتِي خَصَّتْ مَن خَصَّتْهُ مِنهُمْ، أوْ ما يَشْمَلُ ذَلِكَ، والمُعْجِزاتُ، وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، كَيْلا يَخْرُجَ مِنَ الإيمانِ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ، ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ (بِأُوتِيَ) قَبْلَهُ، والضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّينَ خاصَّةً، وقِيلَ: لِمُوسى وعِيسى أيْضًا، ويَكُونُ ”ما أُوتِيَ“ تَكْرِيرًا لِلْأُولى، والجارُّ مُتَعَلِّقًا بِها، وهو عَلى التَّقْدِيرَيْنِ ظَرْفُ لَغْوٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ (ما) مُبْتَدَأً والجارُّ خَبَرَهُ، بَعِيدٌ، ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ أيْ كَما فَرَّقَ أهْلُ الكِتابِ فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، بَلْ نُؤْمِنُ بِهِمْ جَمِيعًا، وإنَّما اعْتَبَرَ عَدَمَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ، مَعَ أنَّ الكَلامَ فِيما أُوتُوهُ لِاسْتِلْزامِ ذَلِكَ عَدَمَ التَّفْرِيقِ فِيهِ بَيْنَ ما أُتُوهُ، (وأحَدٌ) أصْلُهُ وحَدٌ بِمَعْنى واحِدٍ وحَيْثُ وقَعَ في سِياقِ النَّفْيِ عَمَّ واسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والكَثِيرُ، وصَحَّ إرادَةُ كُلٍّ مِنهُما، وقَدْ أُرِيدَ بِهِ هُنا الجَماعَةُ، ولِهَذا ساغَ أنْ يُضافَ إلَيْهِ (بَيْنَ)، ويُفِيدُ عُمُومَ الجَماعاتِ، كَذا قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وهو مُخالِفٌ لِما هو المَشْهُورُ عِنْدَ أرْبابِ العَرَبِيَّةِ مِن أنَّ المَوْضُوعَ في النَّفْيِ العامِّ أوِ المُسْتَعْمَلِ مَعَ كُلٍّ في الإثْباتِ هَمْزَتُهُ أصْلِيَّةٌ بِخِلافِ ما اسْتُعْمِلَ في الإثْباتِ بِدُونِ كُلٍّ، فَإنَّ هَمْزَتَهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، ومِن هُنا قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ: إنَّ (أحَدٍ) في مَعْنى الجَماعَةِ بِحَسَبِ الوَضْعِ لِأنَّهُ اسْمٌ لِمَن يَصْلُحُ أنْ يُخاطَبَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ، والمُؤَنَّثُ، والمُفْرَدُ، والمُثَنّى، والمَجْمُوعُ، ويُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالُهُ مَعَ

صفحة 396

كَلِمَةِ كُلٍّ، أوْ مَعَ النَّفْيِ نَصَّ عَلى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذا غَيْرُ الأحَدِ الَّذِي هو أوَّلُ العَدَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ولَيْسَ كَوْنُهُ في مَعْنى الجَماعَةِ مِن جِهَةِ كَوْنِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ عَلى ما سَبَقَ، إلى كَثِيرٍ مِنَ الأوْهامِ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ إلّا بِتَقْدِيرِ عَطْفِ أيْ رَسُولٍ ورَسُولٍ، ولَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ، لَيْسَ في مَعْنى كامْرَأةٍ مِنهُنَّ انْتَهى، وأنْتَ بَعْدَ التَّأمُّلِ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ لا يَرُدُّ عَلى ذَلِكَ البَعْضِ، وإنَّما تَرُدُّ عَلَيْهِ المُخالَفَةُ في الأصالَةِ وعَدَمِها فَقَطْ، ولَعَلَّ الأمْرَ فِيها سَهْلٌ، عَلى أنَّ دَعْوى عَدَمِ تِلْكِ الِاسْتِقامَةِ إلّا بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، فَقَدْ ذُكِرَ في الِانْتِصافِ أنَّ النَّكِرَةَ الواقِعَةَ في سِياقِ النَّفْيِ تُفِيدُ العُمُومَ لَفْظًا عُمُومًا شُمُولِيًّا حَتّى يُنْزَلَ المُفْرَدُ فِيها مَنزِلَةَ الجَمْعِ في تَناوُلِهِ الآحادَ مُطابِقَةً، لا كَما ظَنَّهُ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ مِن أنَّ مَدْلُولَها بِطَرِيقِ المُطابَقَةِ في النَّفْيِ كَمَدْلُولِها في الإثْباتِ، وجُعِلَ هَذا التَّعَدُّدُ والعُمُومُ وضْعًا هو المُسَوِّغُ لِدُخُولِ بَيْنَ عَلَيْها هُنا، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ (أحَدٍ) في الآيَةِ بِمَعْنى واحِدٍ، وعُمُومُهُ بَدَلِيٌّ، وصِحَّةُ دُخُولِ (بَيْنَ) عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ مَعْطُوفِ قَدْ، حُذِفَ لِظُهُورِهِ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم وغَيْرِهِ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنهُمْ، وبَيْنَ مَن عَداهُ كائِنًا مَن كانَ، ما لَيْسَ في أنْ يُقالَ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (آمَنّا)، ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ خاضِعُونَ لِلَّهِ تَعالى بِالطّاعَةِ مُذْعِنُونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُنْقادُونَ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، ومَن جَعَلَ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَقَدْ أبْعَدَ، والجُمْلَةُ حالٌ أُخْرى، أوْ عَطْفٌ عَلى آمَنّا.

2:137Page 21

فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧

So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allāh will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.

﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا﴾ إلَخْ، أوْ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ إلَخْ، وإنْ لِمُجَرَّدِ الفَرْضِ، والكَلامُ مِن بابِ الِاسْتِدْراجِ وإرْخاءِ العِنانِ مَعَ الخَصْمِ حَيْثُ يُرادُ تَبْكِيتُهُ، وهو مِمّا تَتَراكَضُ فِيهِ خُيُولُ المُناظِرِينَ، فَلا بَأْسَ بِحَمْلِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، يَعْنِي: نَحْنُ لا نَقُولُ: إنَّنا عَلى الحَقِّ وأنْتُمْ عَلى الباطِلِ، ولَكِنْ إنْ حَصَّلْتُمْ شَيْئًا مُساوِيًا لِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ أوِ التَّدَيُّنُ بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَيْتُمْ، ومَقْصُودُنا هِدايَتُكم كَيْفَما كانَتْ، والخَصْمُ إذا نَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ في هَذا الكَلامِ، وتَفَكَّرَ فِيهِ عَلِمَ أنَّ الحَقَّ ما عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ لا غَيْرُ، إذْ لا مِثْلَ لِما آمَنُوا بِهِ، وهو ذاتُهُ تَعالى، وكُتُبُهُ المُنَزَّلَةُ عَلى أنْبِيائِهِ، ولا دِينَ كَدِينِهِمْ، (فَآمَنُوا) مُتَعَدِّيَةٌ بِالباءِ، ومِثْلٌ عَلى ظاهِرِها، وقِيلَ: آمَنُوا جارٍ مَجْرى اللّازِمِ، والباءُ إمّا لِلِاسْتِعانَةِ والآلَةِ، والمَعْنى: إنْ دَخَلُوا في الإيمانِ بِواسِطَةِ شَهادَةٍ مِثْلِ شَهادَتِكم قَوْلًا واعْتِقادًا فَقَدِ اهْتَدَوْا، أوْ فَإنْ تَحَرَّوُا الإيمانَ بِطَرِيقٍ يَهْدِي إلى الحَقِّ مِثْلِ طَرِيقِكُمْ، فَإنَّ وحْدَةَ المَقْصِدِ لا تَأْبى تَعَدُّدَ الطُّرُقِ، كَما قِيلَ: الطُّرُقُ إلى اللَّهِ تَعالى بِعَدَدِ أنْفاسِ الخَلائِقِ، والمَقامُ مَقامُ تَعْيِينِ الدِّينِ الحَقِّ لا مَقامُ تَعْيِينِ شَخْصِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ لِيَأْتِيَ هَذا التَّوْجِيهُ، وإمّا زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرُ (بِهِ) لِلَّهِ، أوْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلَخْ، بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، أوْ لِلْقُرْآنِ، أوْ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: فَإنْ آمَنُوا بِما ذُكِرَ مِثْلَ إيمانِكم بِهِ، وإمّا لِلْمُلابَسَةِ أيْ فَآمَنُوا مُتَلَبِّسِينَ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ، أوْ فَإنْ آمَنُوا إيمانًا مُتَلَبِّسًا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ إيمانًا مُتَلَبِّسًا بِهِ، مِنَ الإذْعانِ والإخْلاصِ، وعَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: المَثَلُ مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ أيْ عَلَيْهِ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ، (بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ)، وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ (بِما آمَنتُمْ بِهِ)، وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: اقْرَءُوا ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلَّهِ تَعالى مِثْلٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى التَّفْسِيرِ لا عَلى أنَّهُ أنْكَرَ القِراءَةَ

صفحة 397

المُتَواتِرَةَ، وخَفِيَ عَلَيْهِ مَعْناها، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: يُمْكِنُ الِاسْتِغْناءُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: فَإنْ آمَنَ اليَهُودُ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ كَمُؤْمِنِيهِمْ قَبْلَ التَّحْرِيفِ فَإنَّهم آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنَ المُؤْمِنُونَ، فَإنَّ فِيما أُوتِيَ بِهِ النَّبِيُّونَ في زَمَنِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَبْلَهُ، إلّا أنَّ هَذا التَّوْجِيهَ يَقْتَضِي إبْقاءَ صِيغَةِ الماضِي عَلى مَعْناها كَما في قَوْلِهِمْ: إنْ أكْرَمَتْنِي فَقَدْ أكْرَمْتُكَ، فَتَأمَّلِ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ لا يَتَصَوَّرُ فِيهِ التَّعَدُّدَ، وإبْقاءُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، والِاسْتِغْناءُ عَنْ جَمِيعِ ما ذُكِرَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ ذَلِكَ التَّعَدُّدِ المُحالِ، فَماذا عَسى يَنْفَعُ هَذا سِوى تَكْثِيرِ القِيلِ والقالِ، وتَوْسِيعِ دائِرَةِ النِّزاعِ، والجِدالِ، فَتَدَبَّرْ.

﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ المَأْمُورِ بِهِ، أوْ عَنْ قَوْلِكم في جَوابِ قَوْلِهِمْ

﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ أيْ مُخالَفَةٍ لِلَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ مُنازَعَةٍ ومُحارَبَةٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوْ عَداوَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ، واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِ الشِّقاقِ فَقِيلَ: مِنَ الشِّقِّ، أيِ الجانِبِ، وقِيلَ: مِنَ الشُّقَّةِ، وقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: شَقَّ العَصا إذا أظْهَرَ العَداوَةَ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ إمّا عَلى أنَّ المُرادَ مُشاقَّتُهُمُ الحادِثَةُ بَعْدَ تَوَلِّيهِمْ عَنِ الإيمانِ، وأُوثِرَتِ الِاسْمِيَّةُ لِلدِّلالَةِ عَلى ثَباتِهِمْ، واسْتِقْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ، وإمّا بِتَأْوِيلِ فاعْلَمُوا.

﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَفْرِيحٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِوَعْدِ النَّصْرِ والغَلَبَةِ، وضَمانِ التَّأْيِيدِ والإعْزازِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لِلسِّينِ الدّالَّةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ البَتَّةَ، أوْ لِلتَّذْيِيلِ الآتِي حَيْثُ إنَّ السِّينَ في المَشْهُورِ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِنَ التَّنْفِيسِ عَقِبَ ذِكْرِ ما يُؤَدِّي إلى الجِدالِ والقِتالِ، والمُرادُ: سَيَكْفِيكَ كَيْدَهُمْ، وشِقاقَهم لِأنَّ الكِفايَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ، بَلْ بِالأفْعالِ، وتَلْوِينُ الخِطابِ بِتَجْرِيدِهِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أنْجَزَ وعْدَهُ الكَرِيمَ بِما هو كِفايَةٌ لِلْكُلِّ مِن قَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وسَبْيِهِمْ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ لِما أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الأصْلُ والعُمْدَةُ في ذَلِكَ، وهو سِلْكُ حَبّاتِ أفْئِدَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَطْمَحُ نَظَرِ كَيْدِ الكافِرِينَ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ القِيامَ بِأُمُورِ الحُرُوبِ، وتَحَمُّلَ المَشاقِّ، ومُقاساةَ الشَّدائِدِ في مُناهَضَةِ الأعْداءِ مِن وظائِفِ الرُّؤَساءِ، فَنِعْمَتُهُ تَعالى في الكِفايَةِ، والنُّصْرَةِ في حَقِّهِ أتَمُّ وأكْمَلُ، ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الوَعْدِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ، أيْ هو السَّمِيعُ لِما تَدْعُو بِهِ، العَلِيمُ بِما في نِيَّتِكَ مِن إظْهارِ دِينِهِ، فَيَسْتَجِيبُ لَكَ، ويُوصِلُكَ إلى مُرادِكَ، أوْ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ بِمَعْنى يَسْمَعُ ما يُبْدُونَ، ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ، وهو مُعاقِبُهم عَلَيْهِ، وفِيهِ أيْضًا تَأْكِيدُ الوَعْدِ السّابِقِ، فَإنَّ وعِيدَ الكَفَرَةِ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ،

2:138Page 21

صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ ١٣٨

[And say, "Ours is] the religion of Allāh. And who is better than Allāh in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."

﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ الصِّبْغَةُ بِالكَسْرِ فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ عَبَّرَ بِها عَنِ التَّطْهِيرِ بِالإيمانِ، بِما ذَكَرَ، عَلى الوَجْهِ الَّذِي فَصَّلَ، لِأنَّهُ ظَهَرَ أثَرُهُ عَلَيْهِمْ ظُهُورَ الصَّبْغِ عَلى المَصْبُوغِ، وتَداخَلَ في قُلُوبِهِمْ تَداخُلَهُ فِيهِ، وصارَ حِلْيَةً لَهُمْ، فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ، والقَرِينَةُ الإضافَةُ، والجامِعُ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: لِلْمُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ فَإنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم بِماءٍ أصْفَرَ يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ، يَزْعُمُونَ أنَّهُ الماءُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّهُ تَطْهِيرٌ لِلْمَوْلُودِ كالخِتانِ لِغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: هو ماءٌ يُقَدَّسُ بِما يُتْلى مِنَ الإنْجِيلِ، ثُمَّ تُغْسَلُ بِهِ الحامِلاتُ، ويَرُدُّ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ الكَلامَ عامٌّ لِلْيَهُودِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالنَّصارى، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُعْتَبَرَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ كائِنٌ فِيما بَيْنَهم في الجُمْلَةِ، ونَصْبُها عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: (آمَنّا)، وهي مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ لِأنْفُسِها، فَلا يُنافِي كَوْنَها لِلنَّوْعِ، والعامِلُ فِيها صَبَغَنا، كَأنَّهُ قِيلَ: صَبَغَنا اللَّهُ صِبْغَتَهُ، وقُدِّرَ المَصْدَرُ مُضافًا إلى الفاعِلِ لِتَحَقُّقِ

صفحة 398

شَرْطِ وُجُوبِ حَذْفِ عامِلِهِ مِن كَوْنِهِ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، إذْ لَوْ قُدِّرَ مُنْكَرًا لَكانَ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ أحَدِ جُزْئَيْهِ، أعْنِي الفِعْلَ فَقَطْ، نَحْوَ ضَرَبْتُ ضَرْبًا، وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلِ الإغْراءِ، أيِ الزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ، لا عَلَيْكُمْ، وإلّا لَوَجَبَ ذِكْرُهُ، كَما قِيلَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الواحِدِيُّ، ولا يَجِبُ حِينَئِذٍ إضْمارُ العامِلِ، لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ في الإغْراءِ بِصُورَتَيِ التَّكْرارِ أوِ العَطْفِ كالعَهْدِ العَهْدِ، وكالأهْلِ والوَلَدِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ والكِسائِيُّ وغَيْرُهم إلى أنَّها بَدَلٌ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (صِبْغَةَ) تَمْيِيزٌ مَنقُولٌ مِنَ المُبْتَدَإ، نَحْوُ: زَيْدٌ أحْسَنُ مِن عَمْرٍو وجْهًا، والتَّقْدِيرُ: ومَن صِبْغَتُهُ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما يُقَدَّرُ: وجْهُ زَيْدٍ أحْسَنُ مِن وجْهِ عَمْرٍو، والتَّفْضِيلُ جارٍ بَيْنَ الصِّبْغَتَيْنِ لا بَيْنَ فاعِلَيْهِما، أيْ لا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ تَعالى، عَلى مَعْنى أنَّهُ أحْسَنُ مِن كُلِّ صِبْغَةٍ، وحَيْثُ كانَ مَدارُ التَّفْضِيلِ عَلى تَعْمِيمِ الحُسْنِ لِلْحَقِيقِيِّ والفَرْضِيَّ المَبْنِيِّ عَلى زَعْمِ الكَفَرَةِ، لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ في صِبْغَةِ غَيْرِهِ تَعالى حُسْنٌ في الجُمْلَةِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما في صِبْغَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ التَّبَجُّحِ، والِابْتِهاجِ، أوْ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلْإغْراءِ، ﴿ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ أيْ مُوَحِّدُونَ أوْ مُطِيعُونَ مُتَّبِعُونَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أوْ خاضِعُونَ مُسْتَكِنُّونَ في اتِّباعِ تِلْكَ المِلَّةِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِإفادَةِ اخْتِصاصِ العِبادَةِ لَهُ تَعالى، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ قَصْرِ ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ عَلَيْهِمْ، وعَدَمِ تَجاوُزِهِ إلى أهْلِ الكِتابِ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا لَهم بِالشِّرْكِ، أوْ عَدَمِ الِانْقِيادِ لَهُ تَعالى بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (آمَنّا)، وذَلِكَ يَقْتَضِي دُخُولَ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ في مَفْعُولِ: قُولُوا، لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالأجْنَبِيِّ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِالدَّوامِ، ولِمَن نَصَبَ (صِبْغَةَ) عَلى الإغْراءِ أوِ البَدَلِ أنْ يُضْمِرَ (قُولُوا) قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْطُوفًا عَلى الزَمُوا، عَلى تَقْدِيرِ الإغْراءِ، وإضْمارُ القَوْلِ سائِغٌ شائِعٌ، والقَرِينَةُ السِّياقُ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَقُولُ المُؤْمِنِينَ، وأنْ يُضْمِرَ اتَّبِعُوا في ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ لا نَتَّبِعُ، ويَكُونُ ﴿قُولُوا آمَنّا﴾ بَدَلًا مِنَ (اتَّبِعُوا) بَدَلَ البَعْضِ، لِأنَّ الإيمانَ داخِلٌ في اتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلا يَلْزَمُ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ولا بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِالأجْنَبِيِّ، وما قِيلَ: إنَّهُ يَلْزَمُ الفَصْلُ بِبَدَلِ الفِعْلِ بَيْنَ المَفْعُولِ والمُبْدَلِ مِنهُ، فَفِيهِ أنَّ (قُولُوا) لَيْسَ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ فَقَطْ، بَلِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ، فَلا مَحْذُورَ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالًا مِن لَفْظَةِ اللَّهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ أيْ صِبْغَتُهُ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ، أوِ الإرْشادِ، أوْ حِفْظِ الفِطْرَةِ أحْسَنُ الأصْباغِ حالَ إخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى،

2:139Page 21

قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ ١٣٩

Say, [O Muḥammad], "Do you argue with us about Allāh while He is our Lord and your Lord? For us are our deeds, and for you are your deeds. And we are sincere [in deed and intention] to Him."

﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾ تَجْرِيدُ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وقَرَأ زَيْدٌ والحَسَنُ وغَيْرُهُما بِإدْغامِ النُّونِ، أيْ تُجادِلُونا، ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيْ في دِينِهِ، وتَدَّعُونَ أنَّ دِينَهُ الحَقَّ اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ، وتَبْنُونَ دُخُولَ الجَنَّةِ والِاهْتِداءَ عَلَيْهِما، وقِيلَ: المُرادُ في شَأْنِ اللَّهِ تَعالى واصْطِفائِهِ نَبِيًّا مِنَ العَرَبِ دُونَكم بِناءً عَلى أنَّ الخِطابَ لِأهْلِ الكِتابِ، وسَوْقُ النَّظْمِ يَقْتَضِي أنْ تُفَسَّرَ المُحاجَّةُ بِما يَخْتَصُّ بِهِمْ، والمُحاجَّةُ في الدِّينِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والقَرِينَةُ عَلى التَّقْيِيدِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ قَبْلُ: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ وبَعْدُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ حَيْثُ إنَّهُ تَعْرِيضٌ بِكِتْمانِ أهْلِ الكِتابِ شَهادَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: الأنْبِياءُ كُلُّهم مِنّا، فَلَوْ كُنْتُ نَبِيًّا لَكُنْتَ مِنّا، فَنَزَلَتْ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ المُحاجَّةَ في الدِّينِ عَلى ما ذَكَرْنا مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ، عَلى أنَّ ظاهِرَ السَّوْقِ يَقْتَضِي ذَمَّهم بِما صارَ دَيْدَنًا لَهُمْ، وشَنْشَنَةً فِيهِمْ، حَتّى عُرِفُوا فِيهِ، ومُشْرِكُو العَرَبِ، وإنْ حاجُّوا في الدِّينِ

صفحة 399

أيْضًا، لَكِنَّهم لَمْ يَصِلُوا فِيهِ إلى رُتْبَةِ أهْلِ الكِتابِ، لِما أنَّهم أُمِّيُّونَ عارُونَ عَنْ سائِرِ العُلُومِ، جاهِلُونَ بِوَظائِفِ البَحْثِ بِالكُلِّيَّةِ نَظَرًا إلى أُولَئِكَ القائِمِينَ عَلى ساقِ الجِدالِ، وإنَّ القَرِينَتَيْنِ السّابِقَةَ واللّاحِقَةَ عَلى التَّقْيِيدِ في غايَةِ الخَفاءِ، وأنَّ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ لَيْسَ مَذْكُورًا في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ ولا التَّفاسِيرِ المُعْتَبَرَةِ كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ وكَفى بِهِ حُجَّةً في هَذا الشَّأْنِ.

﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْ: أتُجادِلُونَنا والحالُ أنَّهُ لا وجْهَ لِلْمُجادَلَةِ أصْلًا، لِأنَّهُ تَعالى مالِكُ أمْرِنا وأمْرِكُمْ، ﴿ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ لَنا جَزاءُ أعْمالِنا الحَسَنَةِ المُوافِقَةِ لِأمْرِهِ، ولَكم جَزاءُ أعْمالِكُمُ السَّيِّئَةِ المُخالِفَةِ لِحُكْمِهِ، ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ في تِلْكَ الأعْمالِ لا نَبْتَغِي بِها إلّا وجْهَهُ، فَأنّى لَكُمُ المُحاجَّةُ ودَعْوى حَقِّيَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والقَطْعُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ بِسَبَبِهِ، ودَعْوَةِ النّاسِ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كَجُمْلَتَيْ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ اعْتِراضٌ، وتَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ الَّذِي عَقَّبَ بِهِ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعالى، لا عَطْفٌ، وتَحْرِيرُهُ أنَّ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مُناسِبٌ (لِآمَنّا) أيْ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وبِما أنْزَلَ عَلى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، ونَسْتَسْلِمُ لَهُ، ونَنْقادُ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ مُلائِمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ لِأنَّها بِمَعْنى دِينِ اللَّهِ، فالمَصْدَرُ كالفَذْلَكَةِ لِما سَبَقَ، وهَذِهِ الآيَةُ مُوافِقَةٌ لِما قَبْلَها، ولَعَلَّ الذَّوْقَ السَّلِيمَ لا يَأْباهُ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ مَعْنى ﴿وهُوَ رَبُّنا﴾ إلَخْ، أنَّهُ لا اخْتِصاصَ لَهُ تَعالى بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، فَيُصِيبُ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُكْرِمَنا بِأعْمالِنا، كَما أكْرَمَكم بِأعْمالِكُمْ، كَأنَّهُ ألْزَمَهم عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ يَفْتَحُونَهُ إفْحامًا، وتَبْكِيتًا، فَإنَّ كَرامَةَ النُّبُوَّةِ إمّا تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فالكُلُّ فِيهِ سَواءٌ، وإمّا إفاضَةُ حَقٍّ عَلى المُسْتَحِقِّينَ لَها بِالمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ، والتَّحَلِّي بِالإخْلاصِ، فَكَما أنَّ لَكم أعْمالًا، رُبَّما يَعْتَبِرُها اللَّهُ تَعالى في إعْطائِها، فَلَنا أيْضًا أعْمالٌ ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ بِها لا أنْتُمْ، فَمَعَ بِنائِهِ عَلى ما عَلِمْتَ رَكاكَتَهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِسِباقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ، بَلْ غَيْرُ صَحِيحٍ في نَفْسِهِ، كَما أفْتى بِهِ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، لِما أنَّ المُرادَ بِالأعْمالِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والسَّيِّئَةِ، ولا رَيْبَ أنَّ أمْرَ الصَّلاحِ والسُّوءِ يَدُورُ عَلى مُوافَقَةِ الدِّينِ المَبْنِيِّ عَلى البَعْثَةِ ومُخالَفَتِهِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اعْتِبارُ تِلْكَ الأعْمالِ في اسْتِحْقاقِ النُّبُوَّةِ واسْتِعْدادِها المُتَقَدِّمِ عَلى البَعْثَةِ بِمَراتِبِ هَذا! وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في الإخْلاصِ، فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «(سَألْتُ جِبْرِيلَ عَنِ الإخْلاصِ ما هُوَ؟ فَقالَ: سَألْتُ رَبَّ العِزَّةِ عَنْهُ فَقالَ: سِرٌّ مِن أسْرارِي، اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَن أحْبَبْتُهُ مِن عِبادِي)،» وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الإخْلاصُ أنْ لا تُشْرِكَ في دِينِهِ ولا تُراءِ أحَدًا في عَمَلِهِ، وقالَ الفُضَيْلُ: تَرْكُ العَمَلِ مِن أجْلِ النّاسِ رِياءٌ، والعَمَلُ مِن أجْلِ النّاسِ شِرْكٌ، والإخْلاصُ أنْ يُعافِيَكَ اللَّهُ تَعالى مِنهُما، وقالَ حُذَيْفَةُ المَرْعَشِيُّ: أنْ تَسْتَوِيَ أفْعالُ العَبْدِ في الباطِنِ والظّاهِرِ، وقالَ أبُو يَعْقُوبَ: المَكْفُوفُ أنْ يَكْتُمَ العَبْدُ حَسَناتِهِ كَما يَكْتُمُ سَيِّئاتِهِ، وقالَ سَهْلٌ: هو الإفْلاسُ، ومَعْناهُ احْتِقارُ العَمَلِ، وهو مَعْنى قَوْلِ رُوَيْمٍ: ارْتِفاعُ عَمَلِكَ عَنِ الرُّؤْيَةِ، قِيلَ: ومُقابِلُ الإخْلاصِ الرِّياءُ، وذَكَرَ سُلَيْمانُ الدّارانِيُّ ثَلاثَ عَلاماتٍ لَهُ: الكَسَلُ عِنْدَ العِبادَةِ في الوَحْدَةِ، والنَّشاطُ في الكَثْرَةِ، وحُبُّ الثَّناءِ عَلى العَمَلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском