Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:167–171

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:167–171

2:167Page 25

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧

Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allāh show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.

﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ أيْ: لَوْ ثَبَتَ لَنا عَوْدَةٌ ورُجُوعٌ إلى الدُّنْيا.

﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المَتْبُوعِينَ، ﴿كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا حَتّى يُطِيعُوا اللَّهَ - تَعالى - فَيَتَبَرَّءُوا مِن مَتْبُوعِيهِمْ في الآخِرَةِ إذا حُشِرُوا جَمِيعًا مِثْلَ تَبَرُّؤِ المَتْبُوعِينَ مِنهُمْ، مُجازاةً لَهم بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ؛ أيْ: كَما جُعِلُوا بِالتَّبَرِّي غائِظِينَ مُتَحَيِّرِينَ عَلى مُتابَعَتِهِمْ نَجْعَلُهم أيْضًا بِالتَّبَرِّي غائِظِينَ مُتَحَيِّرِينَ عَلى ما حَصَلَ لَنا بِتَرْكِ مُتابَعَتِهِمْ، ولِذا لَمْ يَتَبَرَّءُوا مِنهم قَبْلَ تَمَنِّي الرُّجُوعِ؛ لِأنَّهُ يَغِيظُ المَتْبُوعِينَ؛ حَيْثُ تَبَرُّءُوا مِنَ الأتْباعِ أوْ لا، ومِن هُنا يَظْهَرُ وجْهُ القِراءَةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ؛ لِأنَّ تَبَرُّؤَ الأتْباعِ مِنَ المَتْبُوعِينَ بِالآخِرَةِ بِالِانْفِصالِ عَنْهم بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهم عَدَمُ نَفْعِهِمْ، وذَلِكَ لا يَغِيظُ المَتْبُوعِينَ لِاشْتِغالِ كُلٍّ مِنهم بِما يُقاسِيهِ، فَلِذا تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِيَتَبَرَّءُوا مِنهم تَبَرُّؤًا يَغِيظُهم. وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كَما تَبَرَّءُوا﴾ فَلا يَقْتَضِي إلّا وُقُوعَ التَّبَرُّؤِ مِنَ المَتْبُوعِينَ، وهو مَنصُوصٌ في آيَةٍ أُخْرى، ولا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَذْكُورًا فِيما سَبَقَ، وقِيلَ: إنَّ الأتْباعَ بَعْدَ أنْ ( تَبَرَّءُوا ) مِنَ المَتْبُوعِينَ يَوْمَ القِيامَةِ تَمَنَّوُا الكَرَّةَ إلى الدُّنْيا مَعَ مَتْبُوعِيهِمْ لِيَتَبَرَّءُوا مِنهم فِيها ويَخْذِلُوهُمْ، فَيَجْتَمِعُ لَهم ذُلُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَحْتاجُ هَذا التَّوْجِيهُ إلى اعْتِبارِ التَّغْلِيبِ في (لَنا) أيْ: لَنا ولَهُمْ؛ إذِ التَّبَرُّؤُ في الدُّنْيا إنَّما يُتَصَوَّرُ إذا رَجَعَ كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ.

﴿كَذَلِكَ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِما بَعْدَهُ، والمُشارُ إلَيْهِ الإراءُ المَفْهُومُ مِن ﴿إذْ يَرَوْنَ﴾ أيْ: كَإراءِ العَذابِ المُتَلَبِّسِ بِظُهُورِ ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ﴾ والتَّبَرِّيَ، وتَقَطُّعَ الأسْبابِ، وتَمَنِّيَ الرَّجْعَةِ.

﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ المَصْدَرَ المَفْهُومَ مِمّا بَعْدُ، والكافُ مُقْحَمَةٌ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْضًا؛ أيْ ذَلِكَ الإراءُ الفَظِيعُ يُرِيهِمْ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ، وبَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ في الآخِرَةِ وخُلُودِ عَذابِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا، كَأنَّهُ لَمّا بُولِغَ في وعِيدِهِمْ وتَفْظِيعِ عَذابِهِمْ كانَ مَحَلٌّ أنْ يَتَرَدَّدَ السّامِعُ ويَسْألَ هَلْ لَهم سِوى ذَلِكَ مِنَ العَذابِ أمْ تَمَّ؟ فَأُجِيبَ بِما تَرى، و(حَسَرات) أيْ: نَدَماتٍ، وهو مَفْعُولٌ ثالِثٌ لِيَرى إنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةً، وحالٌ مِن (أعْمالِهِمْ) إنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً، ومَعْنى رُؤْيَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ (أعْمالهمْ) السَّيِّئَةَ يَوْمَ القِيامَةِ (حَسَرات) رُؤْيَتُها مَسْطُورَةً في كِتابٍ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةَ إلّا أحْصاها وتَيَقُّنُ الجَزاءِ عَلَيْها، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْدَمُونَ عَلى ما فَرَّطُوا في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى، وعَلّيَهمْ صِفَةُ حَسَرات وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِها عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: تَفْرِيطُهُمْ؛ لِأنَّ ( حَسَرَ ) يَتَعَدّى بِـ ( عَلى ) واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ 167﴾ المُتَبادِرُ في أمْثالِهِ حَصْرُ النَّفْيِ في المُسْنَدِ إلَيْهِ نَحْوَ ﴿وما أنا

صفحة 37

بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى عَدَمِ خُلُودِ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ الدّاخِلِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ في النّارِ، وإذا أُرِيدَ مِنَ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) الكُفّارُ مُطْلَقًا دُونَ المُشْرِكِينَ فَقَطْ كانَ الحَصْرُ حَقِيقِيًّا، ويَكُونُ المَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في الوَعِيدِ بِأنَّهُ لا يُشارِكُهم في الخُلُودِ غَيْرُهُمْ، فَإنَّ الشَّرِكَةَ تُهَوِّنُ العُقُوباتِ، وقِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ أصْلِ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ اللّائِقُ بِمَقامِ الوَعِيدِ لا حَصْرَ النَّفْيِ؛ إذْ لَيْسَ المَقامُ مَقامَ تَرَدُّدٍ ونِزاعٍ في أنَّ الخارِجَ هم أوْ غَيْرُهم عَلى الشَّرِكَةِ أوْ الِانْفِرادِ، وإنْ كانَ صَحِيحًا بِالنَّظَرِ إلى العُصاةِ، إلّا أنَّهُ غُيِّرَ إلى ما تَرى إفادَةً لِلْمُبالِغَةِ في الخُلُودِ والإقْناطِ عَنِ الخَلاصِ، والرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا، وزِيادَةُ ( الباءِ ) وإخْراجُ ذَواتِهِمْ مِن عِدادِ الخارِجِينَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا لَمْ يُعْتَبَرْ في الحَصْرِ حالُ المُخاطَبِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ ما يُقالُ، سِوى أنَّ ظَواهِرَ بَعْضِ الآياتِ تَقْتَضِي عَدَمَ إرادَةِ الحَصْرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ فَلَيْسَ القَوْلُ بِعَدَمِ الحَصْرِ نَصًّا في الِاعْتِزالِ كَما وُهِمَ.

* * *

ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿إنَّ الصَّفا﴾ أيِ: الرُّوحَ الصّافِيَةَ عَنْ دَرَنِ المُخالَفاتِ ﴿والمَرْوَةَ﴾ أيِ: النَّفْسَ القائِمَةَ بِخِدْمَةِ مَوْلاها مِن إعْلامِ دِينِ اللَّهِ ومَناسِكِهِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ، فَمَن بَلَغَ مَقامَ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ، ودَخَلَ بَيْتَ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ بِالفَناءِ عَنِ السِّوى أوْ زارَ الحَضْرَةَ بِتَوْحِيدِ الصِّفاتِ واتَّزَرَ بِأنْوارِ الجَلالِ والجَمالِ، فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ ﴿أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ ويَرْجِعَ إلى مَقامِهِما بِالوُجُودِ المَوْهُوبِ بَعْدَ التَّمْكِينِ المَطْلُوبِ، ومَن تَبَرَّعَ خَيْرًا بِالتَّعْلِيمِ والنَّصِيحَةِ وإرْشادِ المُسْتَرْشِدِينَ، فَإنَّ اللَّهَ يَشْكُرُ عَمَلَهُ ويَعْلَمُ جَزاءَهُ، ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ ما أفَضْنا عَلَيْهِمْ مِن أنْوارِ المَعارِفِ وهُدى الأحْوالِ ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي﴾ كِتابِ عُقُولِهِمُ المُنَوَّرَةِ بِنُورِ المُتابَعَةِ أُولَئِكَ يُبْعِدُهُمُ اللَّهُ - تَعالى - ويَحْجُبُهم عَنْهُ ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ مِنَ المَلَأِ الأعْلى، فَلا يَمُدُّونَهُمْ، ومِنَ المُسْتَعِدِّينَ فَلا يَصْحَبُونَهُمْ، ﴿إلا الَّذِينَ﴾ رَجَعُوا إلى اللَّهِ - تَعالى - وعَلِمُوا أنَّ ما هم فِيهِ ابْتِلاءٌ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ -، وأصْلَحُوا أحْوالَهم بِالرِّياضَةِ، وأظْهَرُوا ما احْتَجِبُ عَنْهم بِصِدْقِ المُعامَلَةِ، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أقْبَلُ تَوْبَتَهم ﴿وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ .

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واحْتَجَبُوا عَنِ الحَقِّ، وبَقُوا عَلى احْتِجابِهِمْ حَتّى زالَ اسْتِعْدادُهم وانْطَفَأ نُورُ فِطْرَتِهِمْ أُولَئِكَ اسْتَحَقَّوُا الطَّرْدَ والبُعْدَ عَنِ الحَقِّ وعالَمِ المَلَكُوتِ، خالِدِينَ في ذَلِكَ ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ لِرُسُوخِ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لَهُ فِيهِمْ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ لِلُزُومِ تِلْكَ الهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ إيّاهُمْ، ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ بِالذّاتِ لا شَيْءَ في الوُجُودِ غَيْرُهُ، فَأنّى يُعْبَدُ سِواهُ، وهو العَدَمُ البَحْتُ، إنَّ في إيجادِ سَمَواتِ الأرْواحِ وأرْضِ النُّفُوسِ واخْتِلافِ النُّورِ والظُّلْمَةِ بَيْنَهُما، وفُلْكِ البَدَنِ الَّتِي تَجْرِي في بَحْرِ الِاسْتِعْدادِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ في كَسْبِ كَمالاتِهِمْ، وتَكْمِيلِ نَشْأتِهِمْ، وما أنْزَلَ اللَّهُ مِن سَماءِ الأرْواحِ مِن ماءِ العِلْمِ، فَأحْيا بِهِ أرْضَ النُّفُوسِ بَعْدَ مَوْتِها بِالجَهْلِ، وبَثَّ فِيها القُوى الحَيَوانِيَّةَ، وفَرَّقَ في أفْلاكِها سَيّاراتِ عالَمِ المَلَكُوتِ، وتَصْرِيفِ رِياحِ النَّفَحاتِ المُحَرِّكَةِ لِأغْصانِ أشْجارِ الشَّوْقِ في رِياضِ القُلُوبِ وسَحابِ التَّجَلِّياتِ المُسَخَّرِ بَيْنَ سَماءِ الرُّوحِ وأرْضِ النَّفْسِ، لِيُمْطِرَ قَطَراتِ الخِطابِ عَلى نِيرانِ الألْبابِ، لِتَسْكُنَ ساعَةً مِنَ الِاحْتِراقِ بِالتِهابِ نارِ الوَجْدِ لَآياتٍ ودَلائِلَ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بِالعَقْلِ المُنَوَّرِ بِالأنْوارِ القُدْسِيَّةِ المُجَرَّدِ عَنْ شَوائِبِ الوَهْمِ، ﴿ومِنَ النّاسِ مَن﴾ يَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ أشْياءَ مَنَعَتْهُ عَنْ خِدْمَةِ سَيِّدِهِ والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ ويَمِيلُونَ إلَيْهِمْ كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ، ويُسَوُّونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ - سُبْحانَهُ -؛ لِأنَّهم لَمْ يَذُوقُوا لَذَّةَ مَحَبَّتِهِ، ولَمْ يَرَوْا نُورَ مُشاهَدَتِهِ وحَقائِقِ وصْلِهِ وقُرْبِهِ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانَ الكامِلَ ﴿أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّهم مُسْتَغْرِقُونَ بِمُشاهَدَتِهِ هائِمُونَ بِلَذِيذِ خِطابِهِ مِن عَهْدِ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ لا يَلْتَفِتُونَ إلى سِواهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَهَيْهاتَ أنْ

صفحة 38

يَزُولَ حُبُّهُمْ، أوْ يَمِيلَ إلى الأغْيارِ لُبُّهُمْ، وهم أحَبُّوهُ بِحُبِّهِ، وصارَتْ قُلُوبُهم عَرْشَ تَجَلِّياتِهِ وقُرْبِهِ.

﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وأشْرَكُوا مَن هو في الحَقِيقَةِ لا شَيْءَ ولا حَيَّ ولا لَيَّ في وقْتِ رُؤْيَتِهِمْ عَذابَ الِاحْتِجابِ عَنْ رَبِّ الأرْبابِ، وأنَّ القُدْرَةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، ولَيْسَ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي ألْهَتْهم عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، لَنَدِمُوا وتَحَسَّرُوا؛ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدُوا وجْهَ اللَّهِ - تَعالى - ولَمْ يَطْلُبُوهُ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَتَبَرَّأُ الأتْباعُ مِنَ المَتْبُوعِينَ وقَدْ رَأوْا عَذابَ الحِرْمانِ وتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا، وتَمَنَّوْا ما لا يُمْكِنُ بِحالٍ وبَقُوا بِحَسْرَةٍ وعَذابٍ، وكَذا يَكُونُ حالُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ الصّافِيَةِ لِلْقُوى النَّفْسانِيَّةِ التّابِعَةِ لَها في تَحْصِيلِ لَذّاتِها، وطُوبى لِلْمُتَحابِّينَ في اللَّهِ - تَعالى عَزَّ شَأْنُهُ - .

2:168Page 25

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ١٦٨

O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا﴾ نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامَ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- وقِيلَ: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ؛ حَيْثُ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لَحْمَ الإبِلِ لَمّا كانَ حَرامًا في دِينِ اليَهُودِ، وقِيلَ: في قَوْمٍ مِن ثَقِيفٍ، وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وخُزاعَةَ، وبَنِي مُدْلِجٍ؛ حَيْثُ حَرَّمُوا التَّمْرَ والأقِطَ عَلى أنْفُسِهِمْ، و(حَلالًا) إمّا مَفْعُولُ (كَلُّوا) أوْ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ؛ أيْ: كُلُوهُ حالَ كَوْنِهِ حَلالًا، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكَّدٍ؛ أيْ: أكْلًا حَلالًا. ومِن عَلى التَّقْدِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِيَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِـ ( كُلُوا ) وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِـ (كلوا) أوْ حالًا مِن (حَلّالًا) وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَنْكِيرِهِ، وأنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً، بَلْ هي مُتَعَيِّنَةٌ كَما في الكَشْفِ عَلى مَذْهَبِ مَن جَعَلَ الأصْلَ في الأشْياءِ الإباحَةَ، وأنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً بِناءً عَلى ما ارْتَضاهُ الرِّضِيُّ مِن أنَّ التَّبْعِيضِيَّةَ في الأصْلِ ابْتِدائِيَّةٌ، إلّا أنَّهُ يَكُونُ هُناكَ شَيْءٌ ظاهِرٌ أوْ مُقَدَّرٌ هو بَعْضُ المَجْرُورِ بِـ ( مِن ) ولا يَلْزَمُ صِحَّةُ إقامَةِ لَفْظِ البَعْضِ مَقامَها، والعَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ مَنَعَ كَوْنَها تَبْعِيضِيَّةً عَلى هَذا التَّقْدِيرِ؛ لِأنَّها في مَوْقِعِ المَفْعُولِ بِهِ حِينَئِذٍ، والفِعْلُ لا يَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ وهو مَبْنِيٌّ، عَلى ما في التَّسْهِيلِ وغَيْرِهِ، أنَّ التَّبْعِيضَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِـ ( مِن ) وعَلامَتُهُ صِحَّةُ إقامَةِ لَفْظِ البَعْضِ مَقامَها، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ فِيما إذا كانَ الأكْلُ لِقِوامِ البِنْيَةِ ولِلنَّدْبِ، كَما إذا كانَ لِمُؤانَسَةِ الضَّيْفِ ولِلْإباحَةِ فِيما عَدا ذَلِكَ، ( ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها ): أنَّهُ – سُبْحانَهُ - لَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ ودَلائِلَهُ وما لِلتّائِبِينَ والعاصِينَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إنْعامِهِ وشُمُولِ رَحْمَتِهِ؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الكُفْرَ لا يُؤَثِّرُ في قَطْعِ الإنْعامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (طَيِّبًا) صِفَةٌ (حَلالًا) ومَعْناهُ كَما قالَ الإمامُ مالِكٌ ما يَجِدُهُ فَمُ الشَّرْعِ لَذِيذًا لا يَعافُهُ ولا يَكْرَهُهُ، أوْ تَراهُ عَيْنُهُ طاهِرًا عَنْ دَنَسٍ الشُّبْهَةِ، وفائِدَةُ وصْفِ الحَلالِ بِهِ تَعْمِيمُ الحُكْمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ لِيَحْصُلَ الرَّدُّ عَلى مَن حَرَّمَ بَعْضَ الحَلالاتِ، فَإنَّ النَّكِرَةَ المَوْصُوفَةَ بِصِفَةٍ عامَّةٍ تَعُمُّ بِخِلافِ غَيْرِ المَوْصُوفَةِ، وقالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: المُرادُ بِهِ ما تَسْتَطِيبُهُ الشَّهْوَةُ المُسْتَقِيمَةُ النّاشِئَةُ مِنَ المِزاجِ الصَّحِيحِ، ورُدَّ بِأنَّ ما لا تَسْتَطِيبُهُ إمّا حَلالٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ فَلا مَنعَ، وإلّا خَرَجَ بِقَيْدِ الحَلالِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالحَلالِ ما نَصَّ الشّارِعُ عَلى حِلِّهِ وبِهَذا ما لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ ولَكِنَّهُ مِمّا يَسْتَلِذُّ ويَشْتَهِيهِ الطَّبْعُ المُسْتَقى ولَمْ يَكُنْ في الشَّرْعِ ما يَدُلُّ عَلى حُرْمَتِهِ كَإسْكارٍ وضَرَرٍ، والأوْلى نَظَرًا لِلْمَقامِ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ لِلِاحْتِرازِ عَمّا تَسْتَطِيبُهُ الشَّهْوَةُ الفاسِدَةُ، بَلْ لِكَوْنِهِ مُعْتَبَرًا في مَفْهُومِهِ؛ إذْ لا يُقالُ الطَّيِّبُ واللَّذِيذُ إلّا عَلى ما تَسْتَلِذُّهُ الشَّهْوَةُ المُسْتَقِيمَةُ، وتَكُونُ فائِدَةُ التَّوْصِيفِ حِينَئِذٍ التَّنْصِيصُ عَلى إباحَةِ ما حَرَّمُوهُ، والقَوْلُ بِأنَّ في الآيَةِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ إشارَةً إلى النَّهْيِ عَنِ الأكْلِ عَلى امْتِلاءِ المَعِدَةِ والشَّهْوَةِ الكاذِبَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَطِيبُ؛ لِأنَّ الطَّعامَ اللَّذِيذَ المَأْكُولَ كَذَلِكَ مِمّا تَسْتَطِيبُهُ الشَّهْوَةُ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ مَأْكُولًا بِالشَّهْوَةِ المُسْتَقِيمَةِ، وبَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بُعْدٌ بَعِيدٌ، كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ

صفحة 39

عَلى أنَّ مَن حَرَّمَ طَعامًا مَثَلًا فَهو لاغٍ ولا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ، وفِيهِ خَفاءٌ لا يَخْفى ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: آثارَهُ - كَما حُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ - أوْ أعْمالَهُ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أوْ خَطاياهُ - كَما نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ - وحاصِلُ المَعْنى: لا تَعْتَقِدُوا بِهِ وتَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَتُحَرِّمُوا الحَلالَ وتُحَلِّلُوا الحَرامَ، وعَنِ الصّادِقِ: ”مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ الحَلِفُ بِالطَّلاقِ والنُّذُورُ في المَعاصِي، وكُلُّ يَمِينٍ بِغَيْرِ اللَّهِ - تَعالى –“ وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ بِتَسْكِينِ الطّاءِ، وهُما لُغَتانِ في جَمْعِ ( خُطْوَةٍ ) وهي ما بَيْنَ قَدَمَيِ الماشِي، وقَرَأ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِضَمَّتَيْنِ وهَمْزَةٍ، وفي تَوْجِيهِها وجْهانِ؛ الأوَّلُ: ما قِيلَ: إنَّ الهَمْزَةَ أصْلِيَّةٌ مِنَ ( الخَطَأِ ) بِمَعْنى ( الخَطِيئَةِ )، والثّانِي: إنَّ الواوَ قُلِبَتْ هَمْزَةً؛ لِأنَّ الواوَ المَضْمُومَةَ تُقْلَبُ لَها، نَحْوَ ( أُجُوهٍ )، وهَذِهِ لَمّا جاوَرَتِ الضَّمَّةَ جُعِلَتْ كَأنَّها عَلَيْها، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، وعَنْ أبِي السِّمالِ، أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحَتَيْنِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ ( خُطْوَةٍ ) وهي المَرَّةُ مِنَ الخَطْوِ.

﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ 168﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، و(مُبِين) مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ وظَهَرَ؛ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ عِنْدَ ذَوِي البَصِيرَةِ، وإنْ كانَ يُظْهِرُ الوَلايَةَ لِمَن يُغْوِيهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ولِيًّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ تَحِيَّتِهِمُ السَّيْفُ، وقِيلَ: ( أبانَ ) بِمَعْنى أظْهَرَ؛ أيْ: مُظْهِرُ العَداوَةَ، والأوَّلُ ألْيَقُ بِمَقامِ التَّعْلِيلِ.

2:169Page 25

إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ١٦٩

He only orders you to evil and immorality and to say about Allāh what you do not know.

﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ عَداوَتِهِ وتَفْصِيلٌ لِفُنُونِ شَرِّهِ وإفْسادِهِ وانْحِصارِ مُعامَلَتِهِ مَعَهم في ذَلِكَ، أوْ عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ بِضَمٍّ، وكُلُّ مَن هَذا شَأْنُهُ فَهو عَدُوٌّ مُبِينٌ، أوْ عِلَّةٌ لِلْأصْلِ بِضَمٍّ، وكُلُّ مَن هَذا شَأْنُهُ لا يُتَّبَعُ فَيَكُونُ الحُكْمُ مُعَلَّلًا بِعِلَّتَيْنِ ( العَداوَةِ ) والأمْرِ بِما ذُكِرَ، ولَيْسَ الأمْرُ عَلى حَقِيقَتِهِ لا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ يُنافِي ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الأمْرِ العُلُوُّ كَما هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وإلّا فَمُجَرَّدُ الِاسْتِعْلاءِ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ لَهُ سُلْطانٌ، وعَلى أنْ يَكُونَ ( عِبادِي ) لِعُمُومِ الكُلِّ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْناءِ، وعَلى أنَّ الخِطابَ في (يَأْمُرُكُمْ) لِجَمِيعِ النّاسِ لا لِلْمُتَّبِعِينَ فَقَطْ، ولا مُنافاةَ أيْضًا، بَلْ لِأنّا نَجِدُ مِن أنْفُسِنا أنَّهُ لا طَلَبَ مِنهُ لِلْفِعْلِ مِنّا، ولَيْسَ إلّا التَّزْيِينَ والبَعْثَ، فَهو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِذَلِكَ، ويَتْبَعُها الرَّمْزُ إلى أنَّ المُخاطَبِينَ بِمَنزِلَةِ المَأْمُورِينَ المُنْقادِينَ لَهُ، وفِيهِ تَسْفِيهُ رَأْيِهِمْ وتَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، ولا يُرَدُّ أنَّهُ إذا كانَ الأمْرُ بِمَعْنى التَّزْيِينِ، فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ: يَأْمُرُ لَكُمْ، وإنْ كانَ بِمَعْنى البَعْثِ، فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ: يَأْمُرُكم عَلى السُّوءِ أوْ لِلسُّوءِ؛ إذِ المَذْكُورُ لَفْظُ الأمْرِ، فَلا بُدَّ مِن رِعايَةِ طَرِيقِ اسْتِعْمالِهِ، و(السُّوءِ) في الأصْلِ مَصْدَرُ ساءَهُ يَسُوءُهُ سُوءًا أوْ مُساءَةً إذا أحْزَنَهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جَمِيعِ المَعاصِي، سَواءٌ كانَتْ قَوْلًا أوْ فِعْلًا أوْ عَقْدًا لِاشْتِراكِ كُلِّها في أنَّها تَسُوءُ صاحِبَها، ﴿والفَحْشاءِ﴾ أقْبَحُ أنْواعِها وأعْظَمُها مُساءَةً، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ (السُّوءَ) ما لا حَدَّ فِيهِ، و(الفَحْشاء) ما فِيهِ حَدٌّ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى، وهو ما أنْكَرَهُ العَقْلُ، وحُكِمَ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وعاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ واسْتَقْبَحَهُ الشَّرْعُ، والعَطْفُ حِينَئِذٍ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الوَصْفَيْنِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الحَقِيقَتَيْنِ، فَإنَّ ذَلِكَ سُوءٌ لِاغْتِمامِ العاقِلِ، وفَحْشاءٌ بِاسْتِقْباحِهِ إيّاهُ، ولَعَلَّ الدّاعِيَ إلى هَذا القَوْلِ، أنَّهُ - سُبْحانَهُ - سَمّى جَمِيعَ المَعاصِيَ والفَواحِشَ سَيِّئَةً في قَوْلِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ و﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ و﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ وسَمّى جَمِيعَ المَعاصِيَ بِالفَواحِشِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: سَلَّمْنا، ولَكِنَّ السَّيِّئَةَ والفاحِشَةَ إذا اجْتَمَعا افْتَرَقا، وإذا افْتَرَقا اجْتَمَعا، فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ 169﴾ عَطْفٌ عَلى سابِقِهِ؛ أيْ: ويَأْمُرُكُمُ الشَّيْطانُ بِأنْ تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِأنَّهُ حَرَّمَ هَذا وأحَلَّ هَذا أوْ بِذَلِكَ، وبِأنَّهُ أمَرَ بِاتِّخاذِ الأنْدادِ ورَضِيَ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإفْسادِ،

صفحة 40

والتَّنْصِيصُ عَلى الأمْرِ بِالتَّقَوُّلِ مَعَ دُخُولِهِ فِيما سَبَقَ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ، ومَفْعُولُ العِلْمِ مَحْذُوفٌ أيْ: ما لا تَعْلَمُونَ، الإذْنُ فِيهِ مِنهُ - تَعالى -، والتَّحْذِيرُ عَنْ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّحْذِيرِ عَنِ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِما يَعْلَمُونَ عَدَمَ الإذْنِ فِيهِ، كَما هو حالُ كَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتِلْزامًا ظاهِرًا، وظاهِرُ الآيَةِ المَنعُ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ رَأْسًا؛ لِأنَّ الظَّنَّ مُقابِلٌ لِلْعِلْمِ لُغَةً وعُرْفًا، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ أنَّ المُجْتَهِدَ يَعْمَلُ بِمُقْتَضى ظَنِّهِ الحاصِلِ عِنْدَهُ مِنَ النُّصُوصِ، فَكَيْفَ يُسَوَّغُ اتِّباعُهُ لِلْمُقَلِّدِ؟! وأُجِيبَ بِأنَّ الحُكْمَ المَظْنُونَ لِلْمُجْتَهِدِ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ الدَّلِيلُ القاطِعُ، وهو الإجْماعُ، وكُلُّ حُكْمٍ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ قَطْعًا عُلِمَ قَطْعًا بِأنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى: وإلّا لَمْ يَجِبِ العَمَلُ بِهِ قَطْعًا، وكُلُّ ما عُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ - تَعالى - فَهو مَعْلُومٌ قَطْعًا، فالحُكْمُ المَظْنُونُ لِلْمُجْتَهِدِ مَعْلُومٌ قَطْعًا، وخُلاصَتُهُ أنَّ الظَّنَّ كافٍ في طَرِيقِ تَحْصِيلِهِ ثُمَّ بِواسِطَةِ الإجْماعِ عَلى وُجُوبِ العَمَلِ صارَ المَظْنُونُ مَعْلُومًا، وانْقَلَبَ الظَّنُّ عِلْمًا، فَتَقْلِيدُ المُجْتَهِدِ لَيْسَ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ في شَيْءٍ، وزَعْمُ ذَلِكَ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ وتَحْقِيقِهِ في الأُصُولِ.

2:170Page 26

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠

And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلنّاسِ والعُدُولُ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وحَقِّهِمْ لَيْسُوا أهْلًا لِلْخِطابِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُصْرَفَ عَنْهم إلى مَن يَعْقِلُهُ، وفِيهِ مِنَ النِّداءِ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ عَلى ضَلالَتِهِمْ ما لَيْسَ إذا خُوطِبُوا بِذَلِكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرُوا بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ لَمّا دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى مَن يَتَّخِذُ أوْ إلى المَفْهُومِ مِن أنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ النُّزُولَ في حَقِّ اليَهُودِ أوِ المُشْرِكِينَ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الضَّمِيرِ بِهِمْ، وقَدْ شاعَ أنَّ عُمُومَ المَرْجِعِ لا يَقْتَضِي عُمُومَ الضَّمِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ عَلى أنَّ نَظْمَ القُرْآنِ الكَرِيمِ يَأْبى هَذا القِيلَ، والمَوْصُولُ إمّا عامٌّ لِسائِرِ الأحْكامِ الحَقَّةِ المُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى -، وإمّا خاصٌّ بِما يَقْتَضِيهِ المَقامُ ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أيْ: وجَدْناهم عَلَيْهِ، والظَّرْفُ إمّا حالٌ مِن آبائِنا، وألْفَيْنا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، وإمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ مُقَدَّمٌ عَلى الأوَّلِ.

﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ 170﴾ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لَوْ كانَ آباؤُهم جَهَلَةً لا يَتَفَكَّرُونَ في أمْرِ الدِّينِ، ولا يَهْتَدُونَ إلى الحَقِّ لاتَّبَعُوهُمْ، والواوُ لِلْحالِ أوْ لِلْعَطْفِ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ إمّا حالٌ عَنْ ضَمِيرِ (قالُوا) أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ مَضْمُونِ تِلْكَ الجُمْلَةِ، وهو التِزامُهم الِاتِّباعَ عَلى تَقْدِيرٍ يُنافِيهِ، وهو كَوْنُهم غَيْرَ عاقِلِينَ ولا مُهْتَدِينَ المُسْتَلْزَمُ لِالتِزامِهِمْ الِاتِّباعَ عَلى أيِّ حالٍ كانُوا مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ، وعِلْمٍ بِكَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ أوْ مُبْطِلِينَ، وهو التَّقْلِيدُ المَذْمُومُ، ويَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ الإنْكارِ التَّعْجِيبُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا عَنْ ضَمِيرِ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ أيْ: أيَتَّبِعُونَهم في حالِ فَرْضِهِمْ غَيْرَ عاقِلِينَ ولا مُهْتَدِينَ، وأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى شَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: يَتَّبِعُونَهم لَوْ لَمْ يَكُونُوا غَيْرَ عاقِلِينَ، ولَوْ كانُوا غَيْرَ عاقِلِينَ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وإلى الثّانِي الجُرْمِيُّ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ لا يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِحَذْفِ الجَزاءِ، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى لِما فِيهِ مِنَ التَّحَرُّزِ عَنْ كَثْرَةِ الحَذْفِ وإبْقاءِ ( لَوْ ) عَلى مَعْناها المَشْهُورِ، والهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى أصْلِها - وهو إيلاءُ المَسْؤُولِ عَنْهُ - وكَوْنُ المَعْنى يَدُورُ عَلى العَطْفِ عَلى المَحْذُوفِ في أمْثالِ ذَلِكَ في سائِرِ اللُّغاتِ غَيْرَ مُسَلَّمٍ، واخْتارَ الرَّضِيُّ أنَّ ( الواوَ ) الدّاخِلَةَ عَلى كَلِمَةِ الشَّرْطِ في مِثْلِ هَذا اعْتِراضِيَّةٌ، وعُنِيَ بِالجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ ما يَتَوَسَّطُ بَيْنَ أجْزاءِ الكَلامِ، أوْ يَجِيءُ آخِرُهُ مُتَعَلِّقًا بِهِ مَعْنًى مُسْتَأْنِفًا لَفْظًا، قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ

صفحة 41

عَلى المَنعِ مِنَ التَّقْلِيدِ لِمَن قَدَرَ عَلى النَّظَرِ، وأمّا اتِّباعُ الغَيْرِ في الدِّينِ بَعْدَ العِلْمِ بِدَلِيلٍ ما إنَّهُ مُحِقٌّ فاتِّباعٌ في الحَقِيقَةِ لِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى - ولَيْسَ مِنَ التَّقْلِيدِ المَذْمُومِ في شَيْءٍ - وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .

2:171Page 26

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ وارِدَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، والجامِعُ أنَّ الأُولى لِبَيانِ حالِ الكُفّارِ، وهَذِهِ تَمْثِيلٌ لَها، وفِيها مُضافٌ مَحْذُوفٌ إمّا مِن جانِبِ المُشَبَّهِ أوِ المُشَبَّهِ بِهِ؛ أيْ: مَثَلُ داعِي الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ،أوْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، كَمَثَلِ بَهائِمِ الَّذِي يَنْعِقُ، ووُضِعَ المَظْهَرُ - وهو المَوْصُولُ - مَوْضِعَ المُضْمَرِ، وهو البَهائِمُ؛ لِيَتْمَكَّنَ مِن إجْراءِ الصِّفَةِ الَّتِي هي وجْهُ الشَّبَهِ عَلَيْهِ، وحاصِلُ المَعْنى عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أنَّ الكَفَرَةَ لِانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ وإخْلادِهِمْ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ لا يُلْقُونَ أذْهانَهم إلى ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولا يَتَأمَّلُونَ فِيما يُقَرَّرُ مَعَهُمْ، فَهم في ذَلِكَ كالبَهائِمِ الَّتِي يُنْعَقُ عَلَيْها وهي لا تَسْمَعُ إلّا جَرَسَ النَّغَمَةِ ودَوِيَّ الصَّوْتِ، وقِيلَ: المُرادُ تَمْثِيلُهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ جاهِلِينَ بِحَقِيقَتِها بِالبَهائِمِ الَّتِي تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَفْهَمُ ما تَحْتَهُ، أوْ تَمْثِيلُهم في دُعائِهِمُ الأصْنامَ بِالنّاعِقِ في نَعْقِهِ، وهَذا يُغْنِي عَنِ الإضْمارِ لَكِنْ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا دُعاءً ونِداءً﴾؛ لِأنَّ الأصْنامَ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، فَلا دَخْلَ لِلِاسْتِثْناءِ في التَّشْبِيهِ إلّا أنْ يُجْعَلَ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ ويَلْتَزِمُ كَوْنَ مَجْمُوعِ ﴿لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الفَهْمِ والِاسْتِجابَةِ، والنَّعِيقُ التَّتابُعُ في التَّصْوِيتِ عَلى البَهائِمِ لِلزَّجْرِ، ويُقالُ: نَعَقَ الغُرابُ نُعاقًا ونَعِيقًا إذا صَوَّتَ مِن غَيْرِ أنْ يَمُدَّ عُنُقَهُ ويُحَرِّكَها، ونَغَقَ بِالغَيْنِ بِمَعْناهُ، فَإذا مَدَّ عُنُقَهُ وحَرَّكَها ثُمَّ صاحَ قِيلَ: نَعَبَ بِالياءِ، والدُّعاءُ والنِّداءُ بِمَعْنًى، وقِيلَ: إنَّ الدُّعاءَ ما يُسْمَعُ، والنِّداءَ قَدْ يُسْمَعُ وقَدْ لا يُسْمَعُ، وقِيلَ: إنَّ الدُّعاءَ لِلْقَرِيبِ والنِّداءَ لِلْبَعِيدِ.

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ رُفِعَ عَلى الذَّمِّ؛ إذْ فِيهِ مَعْنى الوَصْفِ مَعَ مانِعٍ لَفْظِيٍّ مِنَ الوَصْفِ بِهِ ﴿فَهم لا يَعْقِلُونَ 171﴾ أيْ: لا يُدْرِكُونَ شَيْئًا لِفُقْدانِ الحَواسِّ الثَّلاثَةِ، وقَدْ قِيلَ: مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدْ فَقَدَ عِلْمًا، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ العَقْلِ الغَرِيزِيِّ بِاعْتِبارِ انْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ - كَما قِيلَ بِهِ - لِعَدَمِ صِحَّةِ تَرَتُّبِهِ بِالفاءِ عَلى ما قَبْلَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском