Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:196–199, continued
وذَكَرَ الإمامُ لِهَذِهِ الفَذْلَكَةِ مَعَ الوَصْفِ عَشَرَةَ أوْجُهٍ - لَكِنَّها عَشْرَةٌ غَيْرُ كامِلَةٍ - ولَوْلا مَزِيدُ التَّطْوِيلِ لَذَكَرْتُها بِما لَها وعَلَيْها. ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى التَّمَتُّعِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إذْ لا مُتْعَةَ ولا قُرْآنَ لِحاضِرِي المَسْجِدِ؛ لِأنَّ شَرْعَهُما لِلتَّرَفُّهِ بِإسْقاطِ أحَدِ السَّفْرَتَيْنِ، وهَذا في حَقِّ الآفاقِيِّ لا في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ ومَن في حُكْمِهِمْ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: إنَّها إشارَةٌ إلى الأقْرَبِ، وهو الحُكْمُ المَذْكُورُ - أعْنِي: لُزُومَ الهَدْيِ أوْ بَدَلُهُ عَلى المُتَمَتِّعِ - وإنَّما يَلْزَمُ ذَلِكَ إذا كانَ المُتَمَتِّعُ آفاقِيًّا؛ لِأنَّ الواجِبَ أنْ يُحْرِمَ عَنِ الحَجِّ مِنَ المِيقاتِ، فَلَمّا أحْرَمَ مِنَ المِيقاتِ عَنِ العُمْرَةِ ثُمَّ أحْرَمَ عَنِ الحَجِّ لا مِنَ المِيقاتِ، فَقَدْ حَصَلَ هُناكَ الخَلَلُ، فَجُعِلَ مَجْبُورًا بِالدَّمِ، والمَكِّيُّ لا يَجِبَ إحْرامُهُ مِنَ المِيقاتِ، فَإقْدامُهُ عَلى التَّمَتُّعِ لا يُوقِعُ خَلَلًا في حَجِّهِ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ الهَدْيُ ولا بَدَلُهُ، ويَرُدُّهُ أنَّهُ لَوْ كانَتِ الإشارَةُ لِلْهَدْيِ والصَّوْمِ لَأتى ( بِعَلى ) دُونَ اللّامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ لِأنَّ الهَدْيَ وبَدَلَهُ واجِبٌ عَلى المُتَمَتِّعِ، والواجِبُ يُسْتَعَمْلَ ( بِعَلى ) لا ( بِاللّامِ )، وكَوْنُ اللّامِ واقِعَةً مَوْقِعَ عَلى كَما قِيلَ بِهِ فِي: ”اشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ“ خِلافُ الظّاهِرِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ مَن كانَ مِنَ الحَرَمِ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، ومَن كانَ مَسْكَنُهُ وراءَ المِيقاتِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأهْلُ الحِلِّ عِنْدَ طاوُسٍ، وغَيْرُ أهْلِ مَكَّةَ عِنْدَ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والحاضِرُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ضِدُّ المُسافِرِ، وعَلى الوُجُوهِ الأُخَرِ بِمَعْنى الشّاهِدِ غَيْرِ الغائِبِ، والمُرادُ مِن حُضُورِ الأهْلِ حُضُورُ المُحْرِمِ، وعَبَّرَ بِهِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلى الرَّجُلِ كَما قِيلَ: أنْ يَسْكُنَ حَيْثُ أهْلُهُ ساكِنُونَ، ولِلْمَسْجِدِ الحَرامِ إطْلاقانِ؛ أحَدُهُما نَفْسُ المَسْجِدِ، والثّانِي الحَرَمُ كُلُّهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إنَّما أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الحَرَمِ لا مِنَ المَسْجِدِ، وعَلى إرادَةِ المَعْنى الأخِيرِ في الآيَةِ هُنا أكْثَرُ أئِمَّةِ الدِّينِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كُلِّ ما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ كَما يُسْتَفادُ مِن تَرْكِ المَفْعُولِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الحَجُّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وبِهِ يَتِمُّ الِانْتِظامُ.
﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ 196﴾ لِمَن لَمْ يَتَّقِهِ؛ أيِ: اسْتَحْضِرُوا ذَلِكَ لِتَمْتَنِعُوا عَنِ العِصْيانِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وإضافَةُ شَدِيدٍ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى مَرْفُوعِها.
2:197Page 31
ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٧
Ḥajj is [during] well-known months,1 so whoever has made ḥajj obligatory upon himself therein [by entering the state of iḥrām], there is [to be for him] no sexual relations and no disobedience and no disputing during ḥajj. And whatever good you do - Allāh knows it. And take provisions, but indeed, the best provision is fear of Allāh. And fear Me, O you of understanding.
﴿الحَجُّ أشْهُرٌ﴾ أيْ: وقْتُهُ ذَلِكَ، وبِهِ يَصِحُّ الحَمْلُ، وقِيلَ: ذُو أشْهُرٍ أوْ حَجُّ أشْهَرٍ، وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ، ويُجْعَلُ الحَجُّ الَّذِي هو فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ عَيْنَ الزَّمانِ مُبالَغَةً، ولا يَخْفى أنَّ المَقْصِدَ بَيانُ وقْتِ الحَجِّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ، فالتَّنْصِيصُ عَلَيْهِ أوْلى، ومَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿مَعْلُوماتٌ﴾ مَعْرُوفاتٍ عِنْدَ النّاسِ، وهي شَوّالُ وذُو القِعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ عِنْدَنا، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ وابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ
صفحة 85
- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -، وأُيِّدَ بِأنَّ يَوْمَ النَّحْرِ وقْتٌ لِرُكْنٍ مِن أرْكانِ الحَجِّ - وهو طَوافُ الزِّيارَةِ - وبِأنَّهُ فَسَّرَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وعِنْدَ مالِكٍ الشَّهْرانِ الأوَّلانِ وذُو الحِجَّةِ كُلُّهُ عَمَلًا بِظاهِرِ لَفْظِ الأشْهُرِ، ولِأنَّ أيّامَ النَّحْرِ يُفْعَلُ فِيها بَعْضُ أعْمالِ الحَجِّ مِن طَوافِ الزِّيارَةِ، والحَلْقِ، ورَمْيِ الجِمارِ، والمَرْأةُ إذا حاضَتْ تُؤَخِّرُ الطَّوافَ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ إلى انْقِضاءِ أيّامِهِ بَعْدَ العَشَرَةِ، ولِأنَّهُ يَجُوزُ - كَما قِيلَ - تَأْخِيرُ طَوافِ الزِّيارَةِ إلى آخِرِ الشَّهْرِ - عَلى ما رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ - ولِأنَّ ظَواهِرَ الأخْبارِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والخَطِيبُ وغَيْرُهُما بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – ”عَدَّ الثَّلاثَةَ أشْهُرٍ الحَجَّ“،» وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِثْلَ ذَلِكَ. وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: الشَّهْرانِ الأوَّلانِ وتِسْعُ ذِي الحِجَّةِ بِلَيْلَةِ النَّحْرِ؛ لِأنَّ الحَجَّ يَفُوتُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ، والعِبادَةُ لا تَكُونُ فائِتَةً مَعَ بَقاءِ وقْتِها، قالَهُ الرّازِيُّ، وفِيهِ أنَّ فَوْتَهُ بِفَوْتِ رُكْنِهِ الأعْظَمِ - وهو الوُقُوفُ - لا بِفَوْتِ وقْتِهِ مُطْلَقًا، ومَدارُ الخِلافِ أنَّ المُرادَ بِوَقْتِهِ وقْتُ مَناسِكِهِ وأعْمالِهِ مِن غَيْرِ كَراهَةٍ وما لا يَحْسُنُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ المَناسِكِ مُطْلَقًا - أوْ وقْتَ إحْرامِهِ - والشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَلى الأخِيرِ، والإحْرامُ لا يَصِحُّ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِعَدَمِ إمْكانِ الأداءِ، وإنْ جازَ أداءُ بَعْضِ أعْمالِ الحَجِّ في أيّامِ النَّحْرِ، ومالكٌ عَلى الثّانِي، فَإنَّهُ - عَلى ما قِيلَ - كَرِهَ الِاعْتِمارَ في بَقِيَّةِ ذِي الحِجَّةِ؛ لِما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كانَ يُخَوِّفُ النّاسَ بِالدُّرَّةِ ويَنْهاهم عَنْ ذَلِكَ فِيهِنَّ، وأنَّ ابْنَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ لِرَجُلٍ: إنْ أطْعَتَنِي انْتَظَرْتَ حَتّى إذا هَلَّ المُحْرِمُ خَرَجْتَ إلى ذاتِ عِرْقٍ فَأهْلَلْتَ مِنها بِعُمْرَةٍ.
والإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى الأوَّلِ لِكَوْنِ العاشِرِ وقْتًا لِأداءِ الرَّمْيِ والحَلْقِ وغَيْرِهِما، وغَيْرُها مِن بَقِيَّةِ أيّامِ النَّحْرِ - وإنْ كانَ وقْتًا لِذَلِكَ أيْضًا - إلّا أنَّهُ خَصَّصَ بِالعَشْرِ؛ اقْتِضاءً لِما رُوِيَ في الآثارِ مِن ذِكْرِ العَشْرِ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ المُرادَ الوَقْتُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِيهِ المُكَلَّفُ مِنَ الفَراغِ عَنْ مَناسِكِهِ، بِحَيْثُ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وهو اليَوْمُ العاشِرُ وما سِواهُ مِن بَقِيَّةِ أيّامِ النَّحْرِ، فَلِلتَّيْسِيرِ في أداءِ الطَّوافِ، ولِتَكْمِيلِ الرَّمْيِ، والأشْهُر مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، إلّا أنَّهُ تُجُوِّزَ في بَعْضِ أفْرادِهِ، فَإنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَةُ أفْرادٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، فَجَعَلَ بَعْضَ مَن فَرَدَ فَرْدًا ثُمَّ جُمِعَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ فِيما فَوْقَ الواحِدِ بِعَلاقَةِ الِاجْتِماعِ، ولَيْسَ مِنَ الجَمْعِ حَقِيقَةً بِناءً عَلى المَذْهَبِ المَرْجُوعِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى اثْنَيْنَ فَقَطْ، أوْ ثَلاثَةٍ - لا عَلى اثْنَيْنِ - وبَعْضِ ثالِثٍ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ اثْنانِ والثّالِثُ في حُكْمِ العَدَمِ، في حُكْمِ العَدَمِ، وقِيلَ: المُرادُ ثَلاثَةٌ، ولا تَجُوزُ في بَعْضِ الأفْرادِ؛ لِأنَّ أسْماءَ الظُّرُوفِ تُطْلَقُ عَلى بَعْضِها حَقِيقَةً؛ لِأنَّها عَلى مَعْنى ( في ) فَيُقالُ: رَأيْتُهُ في سَنَةِ كَذا أوْ شَهْرِ كَذا أوْ يَوْمِ كَذا، وأنْتَ قَدْ رَأيْتَهُ في ساعَةٍ مِن ذَلِكَ - ولَعَلَّهُ قَرِيبٌ إلى الحَقِّ - وصِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ في غَيْرِ العُقَلاءِ تَجِيءُ بِالألِفِ والتّاءِ، ﴿فَمَن فَرَضَ﴾ أيْ: ألْزَمَ نَفْسَهُ ﴿فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ بِالإحْرامِ، ويَصِيرُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ؛ لِكَوْنِ الإحْرامِ التِزامُ الكَفِّ عَنِ المَحْظُوراتِ، فَيَصِيرُ شارِعًا فِيهِ بِمُجَرَّدِها كالصَّوْمِ، وعِنْدَنا لا، بَلْ لا بُدَّ مِن مُقارَنَةِ التَّلْبِيَةِ؛ لِأنَّهُ عُقِدَ عَلى الأداءِ، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرٍ كَما في تَحْرِيمَةِ الصَّلاةِ، ولَمّا كانَ بابُ الحَجِّ أوْسَعُ مِن بابِ الصَّلاةِ كَفى ذِكْرٌ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ سِوى التَّلْبِيَةِ - فارِسِيًّا كانَ أوْ عَرَبِيًّا - وفِعْلُ كَذَلِكَ مِن سَوْقِ ( الهَدْيِ ) أوْ تَقْلِيدِهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإحْرامُ بِالحَجِّ إلّا في تِلْكَ الأشْهُرِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعَطاءٌ وغَيْرُهُما؛ إذْ لَوْ جازَ في غَيْرِها - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَنَفِيَّةُ- لَما كانَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فِيهِنَّ ) فائِدَةٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ فائِدَةَ ذِكْرِ فِيهِنَّ كَوْنُها وقْتًا لِأعْمالِهِ مِن غَيْرِ كَراهِيَةٍ، فَلا يُسْتَفادُ مِنهُ عَدَمُ جَوازِ
صفحة 86
الإحْرامِ قَبْلَهُ، فَلَوْ قُدِّمَ الإحْرامُ انْعَقَدَ حَجًّا مَعَ الكَراهَةِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالعُمْرَةِ، ومَدارُ الخِلافِ أنَّهُ رُكْنٌ عِنْدَهُ وشَرْطٌ عِنْدَنا، فَأشْبَهَ الطَّهارَةَ في جَوازِ التَّقْدِيمِ عَلى الوَقْتِ، والكَراهَةُ جاءَتْ لِلشُّبْهَةِ، فَعَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ إلّا في أشْهُرِ الحَجِّ“،» ﴿فَلا رَفَثَ﴾ أيْ: لا جِماعَ، أوْ لا فُحْشَ مِنَ الكَلامِ ﴿ولا فُسُوقَ﴾ ولا خُرُوجَ عَنْ حُدُودِ الشَّرْعِ بِارْتِكابِ المَحْظُوراتِ، وقِيلَ: بِالسِّبابِ والتَّنابُزِ بِالألْقابِ، ﴿ولا جِدالَ﴾ ولا خِصامَ مَعَ الخَدَمِ والرُّفْقَةِ.
﴿فِي الحَجِّ﴾ أيْ: في أيّامِهِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ زِيارَةَ البَيْتِ المُعَظَّمِ والتَّقَرُّبَ بِها إلى اللَّهِ - تَعالى - مِن مُوجِباتِ تَرْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ المُدَنَّسَةِ لِمَن قَصَدَ السَّيْرَ والسُّلُوكَ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، وإيثارُ النَّفْيِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ، والدَّلالَةِ عَلى أنَّها حَقِيقَةٌ بِأنْ لا تَكُونَ، فَإنَّ ما كانَ مُنْكَرًا مُسْتَقْبَحًا في نَفْسِهِ مَنهِيًّا عَنْهُ مُطْلَقًا، فَهو لِلْمُحْرِمِ بِأشْرَفَ العِباداتِ وأشَقِّها أنْكَرُ وأقْبَحُ، كَلُبْسِ الحَرِيرِ في الصَّلاةِ وتَحْسِينِ الصَّوْتِ بِحَيْثُ تَخْرُجُ الحُرُوفُ عَنْ هَيْئاتِها في القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( الأوَّلِينَ ) بِالرَّفْعِ حَمْلًا لَهُما عَلى مَعْنى النَّهْيِ؛ أيْ: لا يَكُونَنَّ رَفَثَ ولا فُسُوقَ والثّالِثُ بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى الإخْبارِ بِانْتِفاءِ الخِلافِ في الحَجِّ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تَقِفُ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ وسائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، وبَعْدَ ما أُمِرَ الكُلُّ بِالوُقُوفِ في عَرَفَةَ ارْتَفَعَ الخِلافُ فَأُخْبِرَ بِهِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ فِيهِنَّ ووَجْهُهُ لا يَخْفى.
﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ بِتَأْوِيلِ الأمْرِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَلا رَفَثَ﴾ أيْ: لا تَرْفُثُوا وافْعَلُوا الخَيْراتِ - وفِيهِ التِفاتٌ - وحَثٌّ عَلى الخَيْرِ عَقِيبَ النَّهْيِ عَنِ الشَّرِّ لِيُسْتَبْدَلَ بِهِ، ولِهَذا خَصَّ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ، مَعَ أنَّهُ - تَعالى - عالِمٌ بِجَمِيعِ ما يَفْعَلُونَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والمُرادُ مِنَ (العِلْمِ) إمّا ظاهِرُهُ، فَيُقَدَّرُ بَعْدَ الفِعْلِ فَيُثِيبُ عَلَيْهِ، وإمّا المُجازاةُ مَجازًا ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ أخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ، ثُمَّ يَقْدَمُونَ فَيَسْألُونَ النّاسَ، فَنَزَلَتْ، فالتَّزَوُّدُ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وهو اتِّخاذُ الطَّعامِ لِلسَّفَرِ، والتقوى بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ - وهو الِاتِّقاءُ مِنَ السُّؤالِ - وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ اتَّخِذُوا التَّقْوى زادَكم لِمَعادِكم فَإنَّها خَيْرُ زادٍ، فَمَفْعُولُ تُزَوِّدُوا مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ خَبَرِ ( إنَّ ) وهو التَّقْوى بِالمَعْنى الشَّرْعِيِّ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُحْمَلَ خَيْر الزّادِ عَلى التَّقْوى فَإنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ والمُسْنَدَ إذا كانا مَعْرِفَتَيْنِ يُجْعَلُ ما هو مَطْلُوبُ الإثْباتِ مُسْنَدًا، والمَطْلُوبُ هُنا إثْباتُ خَيْر الزّادِ لِلتَّقْوى؛ لِكَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى تَزَوُّدِها، إلّا أنَّهُ أخْرَجَ الكَلامَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ المَعْنى إنَّ الشَّيْءَ الَّذِي بَلَغَكم أنَّهُ خَيْرُ الزّادِ وأنْتُمْ تَطْلُبُونَ نَعْتَهُ هو التَّقْوى فَيُفِيدُ اتِّحادَ خَيْر الزّادِ بِها ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: أخْلَصُوا لِيَ التَّقْوى، فَإنَّ مُقْتَضى العَقْلِ الخالِصِ عَنِ الشَّوائِبِ ذَلِكَ، ولَيْسَ فِيهِ عَلى هَذا شائِبَةُ تَكْرارٍ مَعَ سابِقِهِ؛ لِأنَّهُ حَثَّ عَلى الإخْلاصِ بَعْدَ الحَثِّ عَلى التَّقْوى.
2:198Page 31
لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ١٩٨
There is no blame upon you for seeking bounty1 from your Lord [during ḥajj]. But when you depart from ʿArafāt, remember Allāh at al-Mashʿar al-Ḥarām.2 And remember Him, as He has guided you, for indeed, you were before that among those astray.
﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ: حَرَجٌ في ﴿أنْ تَبْتَغُوا﴾ أيْ: تَطْلُبُوا ﴿فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: رِزْقًا مِنهُ - تَعالى - بِالرِّبْحِ بِالتِّجارَةِ في مَواسِمِ الحَجِّ، أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «كانَتْ عُكاظُ ومِجَنَّةُ وذُو المَجازِ أسْواقًا في الجاهِلِيَّةِ، فَتَأْثَّمُوا أنْ يَتَّجِرُوا في المَوْسِمِ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -
صفحة 87
عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ،» واسْتُدِلَّ بِها عَلى إباحَةِ التِّجارَةِ والإجارَةِ وسائِرِ أنْواعِ المَكاسِبِ في الحَجِّ، وإنَّ ذَلِكَ لا يُحْبِطُ أجْرًا ولا يُنْقِصُ ثَوابًا، ووَجْهُ الِارْتِباطِ أنَّهُ - تَعالى - لَمّا نَهى عَنِ الجِدالِ في الحَجِّ كانَ مَظِنَّةً لِلنَّهْيِ عَنِ التِّجارَةِ فِيهِ أيْضًا لِكَوْنِها مُفْضِيَةً في الأغْلَبِ إلى النِّزاعِ في قِلَّةِ القِيمَةِ وكَثْرَتِها، فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حُكْمِها، وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلى المَنعِ عَنْها في الحَجِّ، وحَمَلَ الآيَةَ عَلى ما بَعْدَ الحَجِّ، وقالَ المُرادُ: واتَّقُونِ في كُلِّ أفْعالِ الحَجِّ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ إلَخْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ وزَيَّفَ بِأنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى مَحَلِّ الشُّبْهَةِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى ما لا شُبْهَةَ فِيهِ، ومَحَلُّ الِاشْتِباهِ هو التِّجارَةُ في زَمانِ الحَجِّ، وأمّا بَعْدَ الفَراغِ فَنَفْيُ الجُناحِ مَعْلُومٌ وقِياسُ الحَجِّ عَلى الصَّلاةِ فاسِدٌ، فَإنَّ الصَّلاةَ أعْمالُها مُتَّصِلَةٌ، فَلا يَحِلُّ في أثْنائِها التَّشاغُلُ بِغَيْرِها، وأعْمالُ الحَجِّ مُتَفَرِّقَةٌ تَحْتَمِلُ التِّجارَةَ في أثْنائِها، وأيْضًا الآثارُ لا تُساعِدُ ما قالَهُ، فَقَدْ سَمِعْتَ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي أُمامَةَ التَّيْمِيِّ، قالَ «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ: إنّا قَوْمٌ نُكْرِي في هَذا الوَجْهِ، وإنَّ قَوْمًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ لا حَجَّ لَنا، قالَ: ألَسْتُمْ تُلَبُّونَ؟ ألَسْتُمْ تَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ؟ ألَسْتُمْ ألَسْتُمْ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَ: إنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَمّا سَألْتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَرُدُّ عَلَيْهِ حَتّى نَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ الآيَةَ فَدَعاهُ، فَتَلا عَلَيْهِ حِينَ نَزَلَتْ، وقالَ: ”أنْتُمُ الحُجّاجُ“» وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - يَقْرَأُ فِيما أخْرَجَهُ البُخارِي وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم عَنْهُ ”لَيْسَ عَلَيْكم جَناحَ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم في مَواسِمِ الحَجِّ“، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأيْضًا الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ ظاهِرَةٌ في أنَّ هَذِهِ الإفاضَةَ حَصَلَتْ عَقِيبَ ابْتِغاءِ الفَضْلِ، وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ المُرادَ وُقُوعُ التِّجارَةِ في زَمانِ الحَجِّ، نَعَمْ قالَ بَعْضُهُمْ: إذا كانَ الدّاعِي لِلْخُرُوجِ إلى الحَجِّ هو التِّجارَةُ، أوْ كانَتْ جُزْءَ العِلَّةِ أضَرَّ ذَلِكَ بِالحَجِّ؛ لِأنَّهُ يُنافِي الإخْلاصَ لِلَّهِ - تَعالى – بِهِ ولَيْسَ بِالعَبْدِ وأفَضْتُمْ مِنَ الإفاضَةِ مِن فاضَ الماءُ إذا سالَ مُنْصَبًّا، وأفَضْتُهُ أسَلْتُهُ، والهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، ومَفْعُولُهُ مِمّا التُزِمَ حَذْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وأصْلُهُ ( أفْيَضْتُمْ ) فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ ( الياءِ ) إلى ( الفاءِ ) قَبْلَهُ فَتَحَرَّكَتِ ( الياءُ ) في الأصْلِ، وانْفَتَحَ ما قَبْلَها الآنَ، فَقُلِبَتِ الفاءُ ثُمَّ حُذِفَتْ، والمَعْنى هُنا فَإذا دَفَعْتُمْ أنْفُسَكم بِكَثْرَةٍ مِن عَرَفاتٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، وعَرَفات مَوْضِعٌ بِمِنًى، وهي اسْمٌ في لَفْظِ الجَمْعِ فَلا تُجْمَعُ، قالَ الفَرّاءُ: ولا واحِدَ لَهُ بِصِحَّةٍ، وقَوْلُ النّاسِ: نَزَلْنا عَرَفَةَ شَبِيهٌ بِمُوَلَّدٍ - ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ - واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِخَبَرِ: «”الحَجُّ عَرَفَةُ“،» وأُجِيبَ بِأنَّ عَرَفَةَ فِيهِ اسْمٌ لِلْيَوْمِ التّاسِعِ مِن ذِي الحِجَّةِ، كَما صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ والبَغَوِيُّ والكِرْمانِيُّ، والَّذِي أُنْكِرُهُ اسْتِعْمالَهُ في المَكانِ، فالِاعْتِراضُ ناشِئٌ مِن عَدَمِ فَهْمِ المُرادِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ عَرَفَةَ وعَلَيْهِ صاحِبُ شَمْسِ العُلُومِ، والتَّعَدُّدُ حِينَئِذٍ بِاعْتِبارِ تَسْمِيَةِ كُلِّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ المَكانِ عَرَفَةَ كَقَوْلِهِمْ: جَبَّ مَذاكِيرَهُ، فَلا يَرُدُّ ما قالَهُ العَلّامَةُ، مِن أنَّهُ لَوْ سَلِمَ كَوْنُ عَرَفَةَ عَرَبِيًّا مَحْضًا، فَعَرَفَةُ وعَرَفاتٌ مَدْلُولُهُما واحِدٌ، ولَيْسَ ثَمَّةَ أماكِنُ مُتَعَدِّدَةٌ كُلٌّ مِنها عَرَفَةُ لِتُجْمَعَ عَلى عَرَفاتٍ، وإنَّما نُوِّنَ وكُسِرَ مَعَ أنَّ فِيهِ العَلَمِيَّةَ والتَّأْنِيثَ؛ لِأنَّ تَنْوِينَ جَمْعِ المُؤَنَّثِ في مُقابَلَةِ نُونِ جَمْعِ المُذَكَّرِ، فَإنَّ النُّونَ في جَمْعِ المُذَكَّرِ قائِمٌ مَقامَ التَّنْوِينِ الَّذِي في الواحِدِ في المَعْنى الجامِعِ لِأقْسامِ التَّنْوِينِ، وهو كَوْنُهُ عَلامَةَ تَمامِ الِاسْمِ فَقَطْ، ولَيْسَ في النُّونِ شَيْءٌ مِن مَعانِي الأقْسامِ لِلتَّنْوِينِ، فَكَذا التَّنْوِينُ في جَمْعِ المُؤَنَّثِ عَلامَةٌ لِتَمامِ الِاسْمِ فَقَطْ، ولَيْسَ فِيها أيْضًا شَيْءٌ مِن تِلْكَ المَعانِي سِوى المَقابَلَةِ، ولَيْسَ المَمْنُوعُ مِن غَيْرِ المُنْصَرِفِ هَذا التَّنْوِينَ، بَلْ تَنْوِينَ التَّمْكِينِ؛ لِأنَّهُ الدّالُّ عَلى عَدَمِ مُشابَهَةِ الِاسْمِ بِالفِعْلِ، وأنَّ ذَهابَ الكَسْرَةِ عَلى المَذْهَبِ المَرْضِيِّ تَبَعٌ لِذَهابِ التَّنْوِينِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ لِعَدَمِ الصَّرْفِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ قالَهُ الجُمْهُورَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما نُوِّنَ وكُسِرَ؛ لِأنَّهُ مُنْصَرِفٌ لِعَدَمِ الفَرْعِيَّتَيْنِ المُعْتَبَرَتَيْنِ؛ إذِ التَّأْنِيثُ
صفحة 88
المُعْتَبَرُ مَعَ العَلَمِيَّةِ في مَنعِ الصَّرْفِ، إمّا أنْ يَكُونَ بِالتّاءِ المَذْكُورَةِ، وهي لَيْسَتْ تاءَ تَأْنِيثٍ بَلْ عَلامَةَ الجَمْعِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِتاءٍ مُقَدَّرَةٍ كَما في زَيْنَبَ، واخْتِصاصُ هَذِهِ التّاءِ بِجَمْعِ المُؤَنَّثِ يَأْبى تَقْدِيرَ تاءٍ لِكَوْنِهِ بِمَنزِلَةِ الجَمْعِ بَيْنَ عَلامَتَيْ تَأْنِيثٍ، فَهَذِهِ التّاءُ كَتاءِ بِنْتٍ لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، بَلْ عِوَضٌ عَنِ الواوِ المَحْذُوفَةِ، واخْتُصَّتْ بِالمُؤَنَّثِ، فَمَنَعَتْ تَقْدِيرَ التّاءِ، فَعَلى هَذا لَوْ سُمِّيَ بِمُسْلِماتٍ وبِنْتٍ مُؤَنَّثٌ كانَ مُنْصَرِفًا، وقَوْلُ ابْنِ الحاجِبِ: إنَّ هَذا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا سُمِّيَ بِذَلِكَ مَنعُ صَرْفِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ الِاقْتِضاءُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وكَذا ما قالَهُ عِصامُ الدِّينِ مِن أنَّ التَّأْنِيثَ لِمَنعِ الصَّرْفِ لا يَسْتَدْعِي قُوَّةً، ألا يَرى أنَّ طَلْحَةَ يُعْتَبَرُ تَأْنِيثُهُ لِمَنعِ الصَّرْفِ، ولا يُعْتَبَرُ لِتَأْنِيثِ ضَمِيرٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ بِناءَ الِاسْتِدْلالِ لَيْسَ عَلى اعْتِبارِ القُوَّةِ والضَّعْفِ، بَلْ عَلى عَدَمِ تَحَقُّقِ التَّأْنِيثِ، نَعَمْ يَرُدُّ ما أوْرَدَهُ الرَّضِيُّ مِن أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَأْنِيثٌ لَما التَزَمَ تَأْنِيثَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِ، ويُجابُ بِأنَّ اخْتِصاصَ هَذا الوَزْنِ بِالمُؤَنَّثِ يَكْفِي لِإرْجاعِ الضَّمِيرِ، ولا يَلْزَمُ فِيهِ وُجُودُ التّاءِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا، وإنَّما سُمِّيَ هَذا المَكانُ المَخْصُوصُ بِلَفْظٍ يُنْبِئُ عَنِ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّهُ نَعْتٌ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَعَرَّفَهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أوْ لِأنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَدُورُ بِهِ في المَشاعِرِ، فَلَمّا رَآهُ قالَ: قَدْ عَرَفْتُ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أوْ لِأنَّ آدَمَ وحَوّاءَ اجْتَمَعا فِيهِ فَتَعارَفا، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، أوْ لِأنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِآدَمَ فِيهِ: اعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ واعْرِفْ مَناسِكَكَ، قالَهُ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعُلُوِّهِ وارْتِفاعِهِ، ومِنهُ عُرْفُ الدِّيكِ، واخْتِيرَ الجَمْعُ لِلتَّسْمِيَةِ مُبالَغَةً فِيما ذُكِرَ مِن وُجُوهِها، كَأنَّهُ عَرَفاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وهي مِنَ الأسْماءِ المُرْتَجَلَةِ قَطْعًا عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وعَرَفَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنها وأنْ تَكُونَ مَنقُولَةً مِن جَمْعِ عارِفٍ ولا جَزْمَ بِالنَّقْلِ؛ إذْ لا دَلِيلَ عَلى جَعْلِها جَمْعَ عارِفٍ، والأصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ، ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بِالتَّلْبِيَةِ والتَّهْلِيلِ والدُّعاءِ، وقِيلَ: بِصَلاةِ العِشاءَيْنِ؛ لِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، ولا ذِكْرَ واجِبٌ ﴿عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ إلّا الصَّلاةُ، والمَشْهُورُ أنَّ المَشْعَرَ مُزْدَلِفَةٌ كُلُّها، فَقَدْ أخْرَجَ وكِيعٌ وسُفْيانُ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَشْعَرِ الحَرامِ، فَسَكَتَ حَتّى إذا هَبَطَتْ أيْدِي الرَّواحِلِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَ: هَذا المَشْعَرُ الحَرامُ وأُيِّدَ بِأنَّ الفاءَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذِّكْرَ عِنْدَ المَشْعَرِ يَحْصُلُ عَقِيبَ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ، وما ذاكَ إلّا بِالبَيْتُوتَةِ بِالمُزْدَلِفَةِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّهُ جَبَلٌ يَقِفُ عَلَيْهِ الإمامُ في المُزْدَلِفَةِ ويُسَمّى قُزَحٌ، وخَصَّ اللَّهُ - تَعالى - الذِّكْرَ عِنْدَهُ مَعَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ في جَمِيعِ ( المُزْدَلِفَةِ )؛ لِأنَّها كُلَّها مَوْقِفٌ إلّا وادِي مُحَسِّرٍ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ الصَّحِيحَةُ لِمَزِيدِ فَضْلِهِ وشَرَفِهِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ما بَيْنَ جَبَلَيْ مُزْدَلِفَةَ، فَهو المَشْعَرُ الحَرام ومِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -، وإنَّما سُمِّيَ ( مَشْعَرًا )؛ لِأنَّهُ مَعْلَمُ العِبادَةِ، ووُصِفَ ( بِالحَرامِ ) لِحُرْمَتِهِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ اذكروا أوْ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِن فاعِلِهِ ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ أيْ: كَما عَلَّمَكُمُ المَناسِكَ والتَّشْبِيهُ لِبَيانِ الحالِ وإفادَةِ التَّقْيِيدِ؛ أيِ: اذْكُرُوهُ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِ ولا تَعْدِلُوا عَنْهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مُطْلَقُ الهِدايَةِ ومُفادُ التَّشْبِيهِ التَّسْوِيَةُ في الحُسْنِ والكَمالِ؛ أيِ: اذَكَّرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا كَما هَداكم هِدايَةً حَسَنَةً إلى المَناسِكِ وغَيْرِها.
و( ما ) عَلى المَعْنَيَيْنِ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَمَحَلُّ ﴿كَما هَداكُمْ﴾ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِحَذْفِ المَوْصُوفِ؛ أيْ: ذِكْرًا مُماثِلًا لِهِدايَتِكُمْ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ كافَّةً، فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والمَقْصُودُ مِنَ الكافِ مُجَرَّدُ تَشْبِيهِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالجُمْلَةِ، ولِذا لا تَطْلُبُ عامِلًا تُفْضِي بِمَعْناهُ إلى مَدْخُولِها، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ ( الكافَ ) لِلتَّعْلِيلِ، وأنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ لا غَيْرَ؛ أيِ: ( اذْكُرُوهُ ) وعَظِّمُوهُ لِأجْلِ هِدايَتِهِ السّابِقَةِ مِنهُ - تَعالى – لَكم.
﴿وإنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: وإنَّكم كُنْتُمْ فَخُفِّفَتْ ( إنَّ ) وحُذِفَ الِاسْمُ وأُهْمِلَتْ عَنِ العَمَلِ ولَزِمَ ( اللّامُ ) فِيما بَعْدَها، وقِيلَ: إنَّ ( إنَّ )
صفحة 89
نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى ( إلّا ).
﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ: الهُدى، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿لَمِنَ الضّالِّينَ 198﴾ ولَمْ يُعَلِّقُوهُ بِهِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ ( الِ ) المَوْصُولَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها وفِيهِ تَأمُّلٌ، والمُرادُ مِنَ الضَّلالِ الجَهْلُ بِالإيمانِ ومَراسِمِ الطّاعاتِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: ( اذْكُرُوهُ ) الآنَ؛ إذْ لا يُعْتَبَرُ ذِكْرُكُمُ السّابِقُ المُخالِفُ لِما هَداكم؛ لِأنَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ، وحَمْلُهُ عَلى الحالِ تَوَهُّمٌ بَعِيدٌ عَنِ المَرامِ.
2:199Page 31
ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٩
Then depart from the place from where [all] the people depart and ask forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ أيْ: مِن عَرَفَةَ لا مِنَ المُزْدَلِفَةِ، والخِطابُ عامٌّ، والمَقْصُودُ إبْطالُ ما كانَ عَلَيْهِ الحِمْسُ مِنَ الوُقُوفِ بِجَمْعٍ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ «عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ دِينَها يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وكانُوا يُسَمُّونَ الحِمْسُ، وكانَتْ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ - تَعالى - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ ثُمَّ يَقِفُ بِها ثُمَّ يَفِيضُ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ الآيَةَ،» ومَعْناها ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ أيُّها الحُجّاجُ مِن مَكانٍ أفاضَ جِنْسُ النّاسِ مِنهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهو عَرَفَةُ لا مِن مُزْدَلِفَةَ، وجَعْلُ الضَّمِيرِ عِبارَةً عَنِ الحِمْسِ يَلْزَمُ مِنهُ بَتْرُ النَّظْمِ؛ إذِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ واللّاحِقَةُ كُلُّها عامَّةٌ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ التَّعْرِيضَ كانَتْ في قُوَّةٍ، ثُمَّ لا تُفِيضُوا مِنَ المُزْدَلِفَةِ، وأتى بِـ ( ثُمَّ ) إيذانًا بِالتَّفاوُتِ بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ في الرُّتْبَةِ، بِأنَّ إحْداهُما صَوابٌ والأُخْرى خَطَأٌ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ أنَّ التَّفاوُتَ إنَّما يُعْتَبَرُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ لا بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وما دَخَلَهُ حَرْفُ النَّفْيِ مِنَ المَعْطُوفِ؛ لِأنَّ الحَصْرَ مَمْنُوعٌ، وكَذا لا يَضُرُّ انْفِهامُ التَّفاوُتِ مِن كَوْنِ أحَدِهِما مَأْمُورًا بِهِ، والآخَرِ مَنهِيًّا عَنْهُ كَيْفَما كانَ العَطْفُ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّ كَلِمَةَ ( ثُمَّ ) تُؤْذِنُ بِذَلِكَ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَعَلُّقِ الأمْرِ والنَّهْيِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ( فاذكروا ) ويُعْتَبَرُ التَّفاوُتُ بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ أيْضًا كَما في السّابِقِ بِلا تَفاوُتٍ، وبَعْضُهم جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أفِيضُوا إلى مِنًى، ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ إلَخْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كالقَوْلِ بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ ( لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم، ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ، فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكَرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرام، واستغفروا ) وإذْ أُرِيدَ بِالمُفاضِ مِنهُ المُزْدَلِفَةُ وبِالمُفاضِ إلَيْهِ مِنًى - كَما قالَ الجِبّائِيُّ - بَقِيَتْ كَلِمَةُ ( ثُمَّ ) عَلى ظاهِرِها؛ لِأنَّ الإفاضَةَ إلى مِنًى بَعِيدَةٌ عَنِ الإفاضَةِ مِن ( عَرَفاتٍ )؛ لِأنَّ الحاجَّ إذا أفاضُوا مِنها عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ يَجِيئُونَ إلى المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةَ النَّحْرِ ويَبِيتُونَ بِها، فَإذا طَلَعَ الفَجْرُ وصَلَّوْا بِغَلَسٍ ذَهَبُوا إلى قُزَحٍ فَيَرْقَوْنَ فَوْقَهُ أوْ يَقِفُونَ بِالقُرْبِ مِنهُ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ إلى وادِي مُحَسِّرٍ، ثُمَّ مِنهُ إلى مِنًى، والخِطابُ عَلى هَذا عامٌّ بِلا شُبْهَةَ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ الجِنْسُ كَما هو الظّاهِرُ؛ أيْ: مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ كُلُّهم قَدِيمًا وحَدِيثًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسُمِّيَ ناسًا؛ لِأنَّهُ كانَ إمامًا لِلنّاسِ، وقِيلَ: المُرادُ هو وبَنُوهُ، وقُرِئَ: ( النّاسِ ) بِالكَسْرِ؛ أيِ: النّاسِي، والمُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في حَقِّهِ: ﴿فَنَسِيَ﴾ وكَلِمَةُ ثُمَّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِلْإشارَةِ إلى بَعْدِ ما بَيْنَ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ والمُخالَفَةِ عَنْها، بِناءً عَلى أنَّ مَعْنى ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ عَلَيْها ثُمَّ لا تُخالِفُوا عَنْها لِكَوْنِها شَرْعًا قَدِيمًا، كَذا قِيلَ فَلْيُتَدَبَّرْ.
﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ مِن جاهِلِيَّتِكم في تَغْيِيرِ المَناسِكِ ونَحْوِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ ﴿رَحِيمٌ 199﴾ بِهِمْ مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences