Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:252–254

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:252–254

2:252Page 41

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٥٢

These are the verses of Allāh which We recite to you, [O Muḥammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن حَدِيثِ الأُلُوفِ ومَوْتِهِمْ، وإحْيائِهِمْ، وتَمْلِيكِ طالُوتَ، وإظْهارِهِ بِالآيَةِ، وإهْلاكِ الجَبابِرَةِ عَلى يَدِ صَبِيٍّ، وما فِيهِ مِنَ البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، وفِيهِ بُعْدٌ، والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أيْ: بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ إمّا حالٌ مِنَ الآياتِ، والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ، وإمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ﴿بِالحَقِّ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( نَتْلُوها ) أيْ: مُتَلَبِّسَةً بِاليَقِينِ الَّذِي لا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ مِن أهْلِ الكُتّابِ وأرْبابِ التَّوارِيخِ، لِما يَجِدُونَها مُوافَقَةً لِما عِنْدَهُمْ، أوْ لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتابَ فِيهِ، أوْ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: نَتْلُوها عَلَيْكَ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ والصَّوابِ، وهو مَعَنا أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ وهو مَعَكَ

صفحة 175

﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ حَيْثُ تُخْبِرُ بِتِلْكَ الآياتِ، وقَصَصِ القُرُونِ الماضِيَةِ، وأخْبارِها عَلى ما هي عَلَيْهِ، مِن غَيْرِ مُطالِعَةِ كِتابٍ، ولا اجْتِماعٍ بِأحَدٍ يُخْبِرُ بِذَلِكَ، ووَجْهُ مُناسَبَةِ هَذِهِ القِصَّةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِتالِ في سَبِيلِهِ وكانَ قَدْ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ قِصَّةَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ حَذَرَ المَوْتِ إمّا بِالطّاعُونِ أوِ القِتالِ عَلى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ والتَّثْبِيتِ لِلْمُؤْمِنِينَ والإعْلامِ أنَّهُ لا يُنْجِي حَذَرٌ مِن قَدَرٍ؛ أرْدَفَ ذَلِكَ بِأنَّ القِتالَ كانَ مَطْلُوبًا مَشْرُوعًا في الأُمَمِ السّابِقَةِ، فَلَيْسَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي خُصِصْتُمْ بِها؛ لِأنَّ ما وقَعَ فِيهِ الِاشْتِراكُ كانَتِ النَّفْسُ أمْيَلَ لِقَبُولِهِ مِنَ التَّكْلِيفِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الِانْفِرادُ.

* * *

هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في هَذِهِ الآياتِ ( ﴿ألَمْ تَرَ إلى﴾ ) مَلَإ القُوى ( ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ) البَدَنِ ( ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ ) القَلْبِ ( ﴿إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ﴾ ) عُقُولِهِمُ: ( ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ) وطَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ بِواسِطَةِ أمْرِهِ وإرْشادِهِ ( ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا﴾ ) أيْ: إنِّي أتَوَقَّعُ مِنكم عَدَمَ المُقاتَلَةِ؛ لِانْغِماسِكم في أوْحالِ الطَّبِيعَةِ ( ﴿قالُوا: وما لَنا ألا نُقاتِلَ﴾ ) في طَرِيقِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى ( ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا﴾ ) مِن دِيارِ اسْتِعْداداتِنا الأصْلِيَّةِ الَّتِي لَمْ نَزَلْ بِالحَنِينِ إلَيْها، واغْتَرَبْنا عَنْ أبْناءِ كَمالاتِنا اللّاتِي لَمْ نَبْرَحْ عَنْ مَزِيدِ البُكاءِ عَلَيْها ( ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ ) لِعَدُوِّهِمُ الَّذِي تَسَبَّبَ لَهُمُ الِاغْتِرابَ، وأحَلَّ بِهِمُ العَجَبَ العُجابَ؛ ( ﴿تَوَلَّوْا﴾ )، وأعْرَضُوا عَنْ مُقاتَلَتِهِ، وانْتَظَمُوا في سِلْكِ شِيعَتِهِ، ( ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ ) وهُمُ القُوى المُسْتَعِدَّةُ ( ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ) الَّذِينَ نَقَصُوا حُظُوظَهم ( ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ: إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ﴾ ) الرُّوحَ الإنْسانِيَّ ( ﴿مَلِكًا﴾ ) مُتَوَّجًا بِتاجِ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، جالِسًا عَلى كِسْرى التَّدْبِيراتِ الصَّمَدانِيَّةِ؛ ( ﴿قالُوا﴾ ) لِاحْتِجابِهِمْ بِحِجابِ الأنانِيَّةِ، وغَفْلَتِهِمْ عَنِ العُلُومِ الحَقّانِيَّةِ: كَيْفَ يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا مَعَ انْحِطاطِ مَرْتَبَتِهِ بِتَنزُّلِهِ إلى عالَمِ الكَثافَةِ مِن عالَمِهِ الأصْلِيِّ، ولَيْسَ فِيهِ مُشابَهَةٌ لَنا، ( ﴿ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ )؛ لِاشْتِراكِنا في عالَمِنا، ومُشابِهَةِ بَعْضِنا بَعْضًا، وشَبِيهُ الشَّيْءِ مَيّالٌ إلَيْهِ، قَرِيبُ اتِّباعِهِ لَهُ

ولِكُلِّ شَيْءٍ آفَةٌ مِن جِنْسِهِ

( ﴿ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً﴾ ) مِن مالِ التَّصَرُّفِ، إذْ لا يُتَصَرَّفُ إلّا بِالواسِطَةِ؟ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اخْتارَهُ عَلَيْكُمْ؛ لِبَساطَتِهِ وتَرَكُّبِكُمْ، وزادَهُ سَعَةً في العِلْمِ الإلَهِيِّ، وقُوَّةً في الذّاتِ النُّورانِيِّ، ( ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ ) فَيُدَبِّرُهُ بِإذْنِهِ ( ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ ) لِسَعَةِ الإطْلاقِ، ( ﴿عَلِيمٌ﴾ ) بِالحِكَمِ الَّتِي تَقْتَضِي الظُّهُورَ، والتَّجَلِّيَ بِمَظاهِرِ الأسْماءِ ( ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ ) عَلَيْكم وخِلافَتِهِ مِن قِبَلِ الرَّبِّ فِيكم ( ﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ ) تابُوتُ الصَّدْرِ، ( ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ ) أيْ: طُمَأْنِينَةٌ ( ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ ) وهي الطُّمَأْنِينَةُ بِالإيمانِ، والأُنْسِ بِاللَّهِ تَعالى ( ﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى﴾ ) القَلْبُ ( ﴿وآلُ هارُونَ﴾ ) السِّرُّ، وهي مِنَ التَّوْحِيدِ، وعَصا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، الَّتِي تَلْقَفُ عَظِيمَ سِحْرِ صِفاتِ النَّفْسِ، وطِسْتِ تَجَلِّي الأنْوارِ، الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ قُلُوبُ الأنْبِياءِ، وشَيْءٍ مِن تَوْراةِ الإلْهاماتِ، تَحْمِلُهُ مَلائِكَةُ الِاسْتِعْداداتِ لَدى طالُوتَ الرُّوحِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُسَلَّمُ لَهُ الخِلافَةُ، ويَنْقادُ لَهُ جَمِيعُ أسْباطِ صِفاتِ الإنْسانِ، ( فَلِما فَصَلَ طالُوتُ وجُنُودُهُ ) مِن وزِيرِ العَقْلِ، ومُشِيرِ القَلْبِ، ومُدَبِّرِ الأفْهامِ، ونِظامِ الحَواسِّ؛ ( ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ ) الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ، المُتْرَعِ بِمِياهِ الشَّهَواتِ، ( ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ )، وكَرَعَ مُفْرِطًا في الرَّيِّ؛ فَلَيْسَ مِن أشْياعِي الَّذِينَ هم مِن عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، وأهْلِ مُكاشَفاتِ الصِّفاتِ، ( ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ ) ويَذُقْهُ؛ فَإنَّهُ مِن سُكّانِ حَظائِرِ القُدْسِ، وحُضّارِ جِلْوَةِ عَرائِسِ مِنَصَّةِ الأُنْسِ، ( ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ )، وقَنِعَ مِن ذَلِكَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، ولِاحْتِياجٍ مِن غَيْرِ حِرْصٍ وانْهِماكٍ ( ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ ) وكَرَعُوا وانْهَمَكُوا فِيهِ ( ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ ) وهُمُ المُتَنَزِّهُونَ عَنِ الأقْذارِ الطَّبِيعِيَّةِ، المُتَقَدِّسُونَ عَنْ مَلابِسِها، المُتَجَرِّدُونَ عَنْ غَواشِيها، وقَلِيلٌ ما هُمْ، فَلَمّا جاوَزَ طالُوتُ الرُّوحُ نَهَرَ الطَّبِيعَةِ وعَبَرَهُ ( ﴿هُوَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) مِنَ القَلْبِ والعَقْلِ والمُلْكِ وغَيْرِهِمْ مِنَ اتِّباعِ الرُّوحِ مَعَهُ؛ قالَ بَعْضُهم وهُمُ الضُّعَفاءُ الَّذِينَ

صفحة 176

لَمْ يَصِلُوا إلى مَقامِ التَّمْكِينَ: ( ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ﴾ ) بِمُحارَبَةِ جالُوتَ النَّفْسِ وأعْوانِهِ؛ لِعَراقَتِهِمْ بِالخُدَعِ والدَّسائِسِ، ( ﴿قالَ الَّذِينَ﴾ ) يَتَيَقَّنُونَ ( ﴿أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ ) بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ: ( ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً﴾ ) وقَهَرَتْها، حَتّى أذْهَبَتْ كَثْرَتَها ( ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ) وتَيْسِيرِهِ، ( ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ) بِالتَّجَلِّي الخاصِّ لَهُمْ، ( فَلَمّا بَرَزُوا ) لِحَرْبِ جالُوتَ وجُنُودِهِ؛ تَبَرَّءُوا مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وقالُوا: ( ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ ) واسْتِقامَةً، ( ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ ) في مَيادِينِ الجِهادِ، حَتّى لا نَرْجِعَ القَهْقَرى مِن بَعْدُ، ( ﴿وانْصُرْنا عَلى﴾ ) أعْدائِنا الَّذِينَ سَتَرُوا الحَقَّ، وهُمُ النَّفْسُ الأمّارَةُ وصِفاتُها، ( ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ ) وكَسَرُوهم ( ﴿بِإذْنِ اللَّهِ، وقَتَلَ داوُدُ﴾ ) القَلْبُ ( ﴿جالُوتَ﴾ ) النَّفْسَ، ووَصَلُوا كُلُّهم إلى مَقامِ التَّمْكِينِ، فَلا يَخْشَوْنَ الرَّجْعَةَ والرِّدَّةَ، وكانَ قَدْ رَماهُ بِحَجَرِ التَّسْلِيمِ، في مِقْلاعِ الرِّضا، بِيَدِ تَرْكِ الِالتِفاتِ إلى السِّوى، فَأصابَ ذَلِكَ دِماغَ هَواهُ، فَخَرَّ صَرِيعًا، فَأتى اللَّهُ تَعالى داوُدَ مُلْكَ الخِلافَةِ، وحِكْمَةَ الإلْهاماتِ، ( ﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ ) مِن صَنْعَةِ لَبُوسِ الحُرُوبِ، ومَنطِقِ طُيُورِ الوارِداتِ، وتَسْبِيحِ جِبالِ الأبْدانِ، ( ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ﴾ ) كَأرْبابِ الطَّلَبِ ( ﴿بِبَعْضٍ﴾ ) كالمَشايِخِ الواصِلِينَ؛ لَفَسَدَتْ أرْضُ اسْتِعْداداتِهِمُ المَخْلُوقَةُ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، عِنْدَ اسْتِيلاءِ جالُوتَ النَّفْسِ، ( ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ )، ومَن فَضْلِهِ: تَحْرِيكُ سِلْسِلَةِ طَلَبِ الطّالِبِينَ، وإلْهامِ أسْرارِهِمْ إرادَةَ المَشايِخِ الكامِلِينَ، وتَوْفِيقِهِمْ لِلتَّمَسُّكِ بِذَيْلِ تَرْبِيَتِهِمْ، والتَّشَبُّثِ بِأهْدابِ سِيرَتِهِمْ، فَسُبْحانَهُ مِن جَوادٍ لا يَبْخَلُ، ومُتَفَضِّلٍ عَلى مَن سَألَ ومَن لَمْ يَسْألْ.

2:253Page 42

۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣

Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allāh spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit [i.e., Gabriel]. If Allāh had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allāh had willed, they would not have fought each other, but Allāh does what He intends.

صفحة 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُشْعِرٌ بِالتَّرَقِّي كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ وأفْضَلِهِمْ فَضْلًا، والإشارَةُ لِجَماعَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ مِنهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ كَما قِيلَ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ، واللّامُ لِلِاسْتِغْراقِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجَماعَةِ المَعْلُومَةِ لَهُ ﷺ أوِ المَذْكُورَةِ قَصَصُها في السُّورَةِ، واللّامُ لِلْعَهْدِ، واخْتِيارُ جَمْعِ التَّكْسِيرِ لِقُرْبِ جَمْعِ التَّصْحِيحِ ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ بِأنْ خَصَصْنا بَعْضَهم بِمَنقَبَةٍ لَيْسَتْ تِلْكَ المَنقَبَةُ لِلْبَعْضِ الآخَرِ، وقِيلَ: المُرادُ التَّفْضِيلُ بِالشَّرائِعِ فَمِنهم مَن شَرَعَ ومِنهم مَن لَمْ يَشْرَعْ، وقِيلَ: هو تَفْضِيلٌ بِالدَّرَجاتِ الأُخْرَوِيَّةِ ولا يَخْفى ما في كُلٍّ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ فَإنَّهُ تَفْصِيلٌ لِلتَّفْضِيلِ المَذْكُورِ إجْمالًا، والجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن ﴿فَضَّلْنا﴾ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فالتَّعْرِيفُ عَهْدِيٌّ، أوْ كُلُّ مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ رِضًا بِلا واسِطَةٍ، وهم آدَمُ كَما ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، ومُوسى وهو الشَّهِيرُ بِذَلِكَ، ونَبِيُّنا ﷺ وهو المَخْصُوصُ بِمَقامِ قابٍ والفائِزُ بِعَرائِسِ خِطابِ ما تَعَرَّضَ بِالتَّعْرِيضِ لَها الخِطابُ، وقُرِئَ ( كَلَّمَ اللَّهَ ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ (كالَمَ اللَّهُ) مِنَ المُكالَمَةِ، قِيلَ وفي إيرادِ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ تَرْبِيَةٌ لِلْمَهابَةِ ورَمْزٌ إلى ما بَيْنَ التَّكَلُّمِ والرَّفْعِ وبَيْنَ ما سَبَقَ مِن مُطْلَقِ التَّفْضِيلِ وما لَحِقَ مِن إيتاءِ البَيِّناتِ والتَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ مِنَ التَّفاوُتِ.

﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ أيْ ومِنهم مَن رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ بِمَراتِبَ مُتَباعِدَةٍ ومِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِتَرْبِيَةِ ما بَيْنَهم مِنَ اِخْتِلافِ الحالِ في دَرَجاتِ الشَّرَفِ، والمُرادُ بِبَعْضِهِمْ هُنا النَّبِيُّ ﷺ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإخْبارُ بِكَوْنِهِ ﷺ مِنهم فَإنَّهُ قَدْ خُصَّ بِمَزايا تَقِفُ دُونَها الأمانِيُّ حَسْرى. وامْتازَ بِخَواصَّ عِلْمِيَّةٍ وعَمَلِيَّةٍ لا يَسْتَطِيعُ لِسانُ الدَّهْرِ لَها حَصْرًا. ورَقِيَ أعْلامَ فَضْلٍ رُفِعَتْ لَهُ عَلى كَواهِلِهِ الأعْلامُ وطَأْطَأتْ لَهُ رُؤُوسُ شُرُفاتِ الشَّرَفِ فَقَبِلَتْ مِنهُ الأقْدامَ، فَهو المَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ والمَنعُوتُ بِالخُلُقِ العَظِيمِ بَيْنَ المُرْسَلِينَ والمُنَزَّلُ عَلَيْهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ والمُؤَيَّدُ دِينُهُ المُؤَبَّدُ بِالمُعْجِزاتِ المُسْتَمِرَّةِ الباهِرَةِ والفائِزُ بِالمَقامِ المَحْمُودِ والشَّفاعَةِ العُظْمى في الآخِرَةِ، والإبْهامُ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ ولِلْإشْعارِ بِأنَّهُ العَلَمُ الفَرْدُ الغَنِيُّ عَنِ التَّعْيِينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ إبْراهِيمُ حَيْثُ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِمَقامِ الخُلَّةِ الَّتِي هي أعَلى المَراتِبِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: إدْرِيسُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾، وقِيلَ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وفِيهِ كَما في «اَلْكَشْفِ» أنَّهُ لا يُلائِمُ ذَوْقَ المَقامِ الَّذِي فِيهِ الكَلامُ البَتَّةَ، وكَذا الكَلامُ عِنْدِي في سابِقِهِ إذِ الرِّفْعَةُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ والمَقامُ يَقْتَضِي المَجازَ كَما لا يَخْفى،

صفحة 3

و(دَرَجاتٍ) قِيلَ: حالٌ مِن (بَعْضِهِمْ) عَلى مَعْنى ذا دَرَجاتٍ، وقِيلَ: اِنْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّ الدَّرَجَةَ بِمَعْنى الرِّفْعَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ورَفَعْنا بَعْضَهم رَفَعاتٍ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ عَلى، أوْ إلى، أوْ في دَرَجاتٍ، فَلَمّا حَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ وُصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِرَفْعِ عَلى أنَّهُ ضِمْنَ مَعْنى بَلَغَ، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلُ اِشْتِمالٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ أيِ الآياتِ الباهِراتِ والمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ كَإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى والإخْبارِ بِما يَأْكُلُونَ ويَدَّخِرُونَ، أوِ الإنْجِيلَ، أوْ كُلَّ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ، وفي ذِكْرِ ذَلِكَ في مَقامِ التَّفْضِيلِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ السَّبَبُ فِيهِ، وهَذا يَقْتَضِي أفْضَلِيَّةَ نَبِيِّنا ﷺ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ إذْ لَهُ مِن قِداحِ ذَلِكَ المُعَلّى والرَّقِيبُ.

﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وإفْرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذُكِرَ لِرَدِّ ما بَيْنَ أهْلِ الكِتابَيْنِ في شَأْنِهِ مِنَ التَّفْرِيطِ والإفْراطِ، والآيَةُ ناطِقَةٌ بِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُتَفاوِتَةٌ الأقْدارُ فَيَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ولَكِنْ بِقاطِعٍ لِأنَّ الظَّنَّ في الِاعْتِقادِيّاتِ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا.

﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ جاءُوا مِن بَعْدِ كُلِّ رَسُولٍ كَما يَقْتَضِيهِ المَعْنى لا جَمِيعِ الرُّسُلِ كَما هو ظاهِرُ اللَّفْظِ مِنَ الأُمَمِ المُخْتَلِفَةِ، أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَدَمَ اِقْتِتالِهِمْ ما اِقْتَتَلُوا بِأنْ جَعَلَهم مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ واتِّباعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِهِ فَمَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِكَوْنِهِ مَضْمُونَ الجَزاءِ عَلى القاعِدَةِ المَعْرُوفَةِ، ومَن قَدَّرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ هُدى النّاسِ جَمِيعًا ما اِقْتَتَلَ الخ، وعَدَلَ عَمّا تَقْتَضِيهِ القاعِدَةُ ظَنًّا بِأنَّ هَذا العَدَمَ لا يَحْتاجُ إلى مَشِيئَةٍ وإرادَةٍ بَلْ يَكْفِي فِيهِ عَدَمُ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِالوُجُودِ، لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ﴾ مِن جِهَةِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وهُمُ الرُّسُلُ، والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ اِقْتَتَلَ وقِيلَ: بَدَلٌ مِن نَظِيرِهِ مِمّا قَبْلَهُ ﴿البَيِّناتِ﴾ أيِ المُعْجِزاتُ الباهِرَةُ والآياتُ الظّاهِرَةُ الدّالَّةُ عَلى حَقِّيَّةِ الحَقِّ المُوجِبَةُ لِلِاتِّباعِ الزّاجِرَةُ عَنِ الإعْراضِ المُؤَدِّي إلى الِاقْتِتالِ.

﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ اِسْتِدْراكُ مَنِ الشَّرْطِيَّةِ أُشِيرُ بِهِ إلى قِياسٍ اِسْتِثْنائِيٍّ مُؤَلَّفٍ مِن وضْعٍ نَقِيضٍ مُقَدَّمُها مُنْتِجٌ لِنَقِيضِ تالِيها إلّا أنَّهُ قَدْ وُضِعَ فِيهِ الِاخْتِلافُ مَوْضِعَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الِاقْتِتالَ ناشِئٌ مِن قِبَلِهِمْ وسُوءِ اِخْتِيارِهِمْ لا مِن جِهَتِهِ تَعالى اِبْتِداءً كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ عَدَمَ اِقْتِتالِهِمْ لِأنَّهُمُ اِخْتَلَفُوا اِخْتِلافًا فاحِشًا.

﴿فَمِنهم مَن آمَنَ﴾ أيْ بِما جاءَتْ بِهِ أُولَئِكَ الرُّسُلُ وثَبَتَ عَلى إيمانِهِ وعَمِلَ بِمُوجِبِهِ، وهَذا بَيانٌ لِلِاخْتِلافِ فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ ﴿ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ بِذَلِكَ كُفْرًا لا اِرْعِواءَ لَهُ عَنْهُ فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ عَدَمَ مَشِيئَتِهِ لِعَدَمِ اِقْتِتالِهِمْ فاقْتَتَلُوا بِمُوجِبِ ما اِقْتَضَتْهُ أحْوالُهم.

﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ عَدَمَ اِقْتِتالِهِمْ بَعْدَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ أيْضًا مِنَ الِاخْتِلافِ المُسْتَتْبِعِ لِلْقِتالِ عادَةً ﴿ما اقْتَتَلُوا﴾ وما رَفَعُوا رَأْسَ التَّطاوُلِ والتَّعادِي لِما أنَّ الكُلَّ بِيَدِ قَهْرِهِ، فالتَّكْرِيرُ لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ كَما ظُنَّ بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اِخْتِلافَهم ذَلِكَ لَيْسَ مُوجِبًا لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِعَدَمِ اِقْتِتالِهِمْ كَما يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن وضْعِهِ في الِاسْتِدْراكِ مَوْضِعَهُ بَلْ هو سُبْحانَهُ مُخْتارٌ في ذَلِكَ حَتّى لَوْ شاءَ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمَ اِقْتِتالِهِمْ ما اِقْتَتَلُوا كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ [ 253 ] حَسْبَما يُرِيدُ مِن غَيْرِ أنْ يُوجِبَهُ عَلَيْهِ مُوجِبٌ أوْ يَمْنَعَهُ عَنْهُ مانِعٌ كَذا قَرَّرَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ قُدِّسَ سِرُّهُ وهو مِنَ الحَسَنِ بِمَكانٍ، إلّا أنَّهُ قَدِ اِعْتَرَضَهُ العَلّامَةُ عَبْدُ الباقِي البُغْدادِيُّ في «تَفْسِيرِهِ» بِنَحْوِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في نَظِيرِ هَذا القِياسِ، وذَكَرَ أنَّهُ خِلافُ اِسْتِعْمالِ (لَوْ) عِنْدَ أرْبابِ العَرَبِيَّةِ وأرْبابِ الِاسْتِدْلالِ

صفحة 4

ولَعَلَّ الجَوابَ عَنْ هَذا هو الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ مَعَ أدْنى تَغْيِيرٍ فَلا تَغْفُلْ، وما ذَكَرَهُ مِن تَوْجِيهِ التَّكْرِيرِ مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ فِيما أعْلَمُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، إلّا أنَّ وراءَهُ سِرًّا خَصَّ مِنهُ كَما ذَكَرَهُ صاحِبُ «اَلِانْتِصافِ» وهو أنَّ العَرَبَ مَتّى بَنَتْ أوَّلَ كَلامِها عَلى مَقْصِدٍ ثُمَّ اِعْتَرَضَها مَقْصِدٌ آخَرُ وأرادَتِ الرُّجُوعَ إلى الأوَّلِ قَصَدَتْ ذِكْرَهُ إمّا بِتِلْكَ العِبارَةِ أوْ بِقَرِيبٍ مِنها، وذَلِكَ عِنْدَهم مَهِيعٌ مِنَ الفَصاحَةِ مَسْلُوكٌ وطَرِيقٌ مُعْتَدٌّ، وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى مَواضِعُ مِن ذَلِكَ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا النَّمَطِ فَإنَّهُ لِما صَدَرَ الكَلامُ بِأنَّ اِقْتِتالَهم كانَ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ ثُمَّ لَمّا طالَ الكَلامُ وأُرِيدَ بَيانُ أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى كَما نَفَذَتْ في هَذا الأمْرِ الخاصِّ وهو اِقْتِتالُ هَؤُلاءِ فَهي نافِذَةٌ في كُلِّ فِعْلٍ واقِعٍ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ طَرَأ ذِكْرُ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِالِاقْتِتالِ لِتُلُوِّهِ عُمُومَ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ لِيَتَناسَبَ الكَلامُ ويُقْرَنَ كُلٌّ بِشَكْلِهِ، وهَذا سِرٌّ يَنْشَرِحُ لِبَيانِهِ الصَّدْرُ ويَرْتاحُ (بِهِ) السِّرُّ، ولَعَلَّهُ أحْسَنُ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ الأوَّلَ بِلا واسِطَةٍ والثّانِي بِواسِطَةِ المُؤْمِنِينَ أوْ بِالعَكْسِ، هَذا وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحَوادِثَ تابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى خَيْرًا كانَتْ أوْ شَرًّا إيمانًا أوْ كُفْرًا.

2:254Page 42

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٥٤

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange [i.e., ransom] and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ قِيلَ: أرادَ بِهِ الفَرْضَ كالزَّكاةِ دُونَ النَّفْلِ لِأنَّ الأمْرَ حَقِيقَةٌ في الوُجُوبِ ولِاقْتِرانِ الوَعِيدِ بِهِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: يَدْخُلُ فِيهِ الفَرْضُ والنَّفْلُ وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ واخْتارَهُ البَلْخِيُّ، وجَعَلَ الأمْرَ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ ولَيْسَ فِيما بَعْدُ سِوى الإخْبارِ بِأهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وشَدائِدِها تَرْغِيبًا في الإنْفاقِ ولَيْسَ فِيهِ وعِيدٌ عَلى تَرْكِهِ لِيَتَعَيَّنَ الوُجُوبُ، وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ بِهِ الإنْفاقُ في الجِهادِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَذْكُورٌ بَعْدَ الأمْرِ بِالجِهادِ مَعْنًى، وبِذَلِكَ تَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها ولا يَخْفى أنَّ هَذا الدَّلِيلَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُسْمَعَ لِأنَّ الِارْتِباطَ عَلى تَقْدِيرِ العُمُومِ حاصِلٌ أيْضًا بِدُخُولِ الإنْفاقِ المَذْكُورِ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وكَذا عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الفَرْضِ لِأنَّ الإنْفاقَ في الجِهادِ قَدْ يَكُونُ فَرْضًا إذا تَوَقَّفَ الفَرْضُ عَلَيْهِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها والتَّعَرُّضُ لِوُصُولِهِ مِنهُ تَعالى لِلْحَثِّ عَلى الإنْفاقِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ.

﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ﴾ أيْ لا مَوَدَّةٌ ولا صَداقَةٌ ﴿ولا شَفاعَةٌ﴾ أيْ لِأحَدٍ إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ الرَّحْمَنُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى وأرادَ بِذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ مِن وصْفِهِ بِما ذَكَرَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ فِيهِ عَلى تَحْصِيلِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنَّ مَن في ذِمَّتِهِ حَقٌّ مَثَلًا إمّا أنْ يَأْخُذَ بِالبَيْعِ ما يُؤَدِّيهِ بِهِ وإمّا أنْ يُعِينَهُ أصْدِقاؤُهُ وإمّا أنْ يَلْتَجِئَ إلى مَن يَشْفَعُ لَهُ في حَطِّهِ والكُلٌّ مُنْتَفٍ ولا مُسْتَعانَ إلّا بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ أُخْتُها ولا ضَيْرَ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما إذِ الأُولى: تَبْعِيضِيَّةٌ وهَذِهِ لِابْتِداءِ الغايَةِ وإنَّما رُفِعَتْ هَذِهِ المَنفِيّاتُ الثَّلاثَةُ مَعَ أنَّ المَقامَ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ والمُناسِبُ لَهُ الفَتْحُ لِأنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ هَلْ بِيعٌ فِيهِ أوْ خُلَّةٌ أوْ شَفاعَةٌ والبَيْعُ وأخَواهُ فِيهِ مَرْفُوعَةٌ فَناسَبَ رَفْعَها في الجَوابِ مَعَ حُصُولِ العُمُومِ في الجُمْلَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِمَثابَةِ العُمُومِ الحاصِلِ عَلى تَقْدِيرِ الفَتْحِ، وقَدْ فَتَحَها اِبْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ عَلى الأصْلِ في ذِكْرِ ما هو نَصٌّ في العُمُومِ كَذا قالُوا، ولَعَلَّ الأوْجُهَ القَوْلُ بِأنَّ الرَّفْعَ لِضَعْفِ العُمُومِ في غالِبِها وهو الخُلَّةُ والشَّفاعَةُ لِلِاسْتِثْناءِ الواقِعِ في بَعْضِ الآياتِ، والمَغْلُوبُ مُنْقادٌ لِحُكْمِ الغالِبِ، وأمّا ما قالُوهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ ما بَعْدَ (يَوْمٍ) جُمْلَةٌ وقَعَتْ بَعْدَ نَكِرَةٍ فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مَقْطُوعَةٍ ولا يُقَدَّرُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ إذا لَمْ يَكُنْ قَطْعُ سُؤالٍ قَطْعًا، واعْتِبارُ كَوْنِ

صفحة 5

النَّكِرَةِ مَوْصُوفَةً بِما يُفْهِمُهُ التَّنْوِينُ مِنَ التَّعْظِيمِ فَتُقَدَّرُ الجُمْلَةُ صِفَةً مَقْطُوعَةً تَحْقِيقًا لِذَلِكَ وتَقْرِيرًا لَهُ فَيَصِحُّ تَقْدِيرُ السُّؤالِ حِينَئِذٍ مِمّا لا يَكادُ يَقْبَلُهُ الذِّهْنُ السَّلِيمُ.

﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [ 254 ] أيِ المُسْتَحِقُّونَ لِإطْلاقِ هَذا الوَصْفِ عَلَيْهِمْ لِتَناهِي ظُلْمِهِمْ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ فالمُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ مُوفُونَ والكافِرُونَ الخ، والمُرادُ بِهِمْ تارِكُو الإنْفاقِ رَأْسًا، وعَبَّرَ عَنِ التّارِكِ بِالكافِرِ تَغْلِيظًا حَيْثُ شَبَّهَ فِعْلَهُ وهو تَرْكُ الإنْفاقِ بِالكُفْرِ، أوْ جَعَلَ مُشارَفَةً عَلَيْهِ، أوْ عَبَّرَ بِالمَلْزُومِ عَنِ اللّازِمِ فَهو إمّا اِسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ مَجازُ مُشارَفَةٍ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوْ كِنايَةٌ ومِثْلُ ذَلِكَ وضْعُ ﴿مَن كَفَرَ﴾ مَوْضِعَ مَن لَمْ يَحُجَّ آخِرَ آيَةِ الحَجِّ، وبَعْضُهم لَمْ يَتَجَوَّزْ بِالكُفْرِ، وقالَ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً، وفائِدَةُ الإخْبارِ حِينَئِذٍ الإشارَةُ إلى أنَّ نَفْيَ تِلْكَ الأشْياءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وأنَّ ذَلِكَ لا يُعَدُّ مِنّا ظُلْمًا لَهم لِأنَّهم هُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمُ المُتَسَبِّبُونَ لِذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском