Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:49–50
2:49Page 8
وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٤٩
And [recall] when We saved you [i.e., your forefathers] from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ نِعَمِهِ إجْمالًا أرادَ أنْ يُفَصِّلَ لِيَكُونَ أبْلَغَ في التَّذْكِيرِ، وأعْظَمَ في الحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ وهو عَلى الشّافِعِ عَطْفٌ عَلى (نِعْمَتِي) بِتَقْدِيرِ: اذْكُرُوا
صفحة 253
كَيْلا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو (اتَّقُوا)، وقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ ما يَنْفَعُكَ هُنا، وقُرِئَ (أنْجَيْناكُمْ) و(أنْجَيْتُكُمْ) ونُسِبَتِ الأُولى لِلنَّخَعِيِّ، والآلُ قِيلَ: بِمَعْنى الأهْلِ، وإنَّ ألِفَهُ بَدَلٌ عَنْ هاءٍ، وإنَّ تَصْغِيرَهُ أُهَيْلٌ، وبَعْضُهم ذَهَبَ إلى أنَّ ألِفَهُ بَدَلٌ مِن هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وتِلْكَ الهَمْزَةُ بَدَلٌ مِن هاءٍ، وقِيلَ: لَيْسَ بِمَعْنى الأهْلِ، لِأنَّ الأهْلَ القَرابَةُ، والآلُ مِن يَؤُولُ إلَيْكَ في قَرابَةٍ، أوْ رَأْيٍ، أوْ مَذْهَبٍ، فَألِفُهُ بَدَلٌ مِن واوٍ، ولِذَلِكَ قالَ يُونُسُ في تَصْغِيرِهِ: أُوَيْلٌ، ونَقَلَهُ الكِسائِيُّ نَصًّا عَنِ العَرَبِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عُمَرَ غُلامِ ثَعْلَبٍ: إنَّ الأهْلَ القَرابَةُ، كانَ لَها تابِعٌ أوْ لا، والآلُ القَرابَةُ بِتابِعِها، فَهو أخَصُّ مِنَ الأهْلِ، وقَدْ خَصُّوهُ أيْضًا بِالإضافَةِ إلى أُولِي الخَطَرِ فَلا يُضافُ إلى غَيْرِ العُقَلاءِ، وإلى مَن لا خَطَرَ لَهُ مِنهُمْ، فَلا يُقالُ: آلُ الكُوفَةِ ولا آلُ الحِجامِ، وزادَ بَعْضُهُمُ اشْتِراطَ التَّذْكِيرِ فَلا يُقالُ: آلُ فاطِمَةَ، ولَعَلَّ كُلَّ ذَلِكَ أكْثَرِيٌّ، وإلّا فَقَدْ ورَدَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَآلِ أعْوَجَ اسْمِ فَرَسٍ، وآلِ المَدِينَةِ، وآلِ نُعْمٍ، وآلِ الصَّلِيبِ، وآلِكَ، ويُسْتَعْمَلُ غَيْرَ مُضافٍ، كَـهم خَيْرُ آلٍ، ويُجْمَعُ كَأهْلٍ فَيُقالُ آلُونَ، وفِرْعَوْنُ لَقَبٌ لِمَن مَلَكَ العَمالِقَةَ كَكِسْرى لِمَلِكِ الفُرْسِ، وقَيْصَرَ لِمَلِكِ الرُّومِ، وخاقانَ لِمَلِكِ التُّرْكِ، وتُبَّعٍ لِمَلِكِ اليَمَنِ، والنَّجاشِيِّ لِمَلِكِ الحَبَشَةِ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هو اسْمٌ لِكُلِّ مَن مَلَكَ القِبْطَ، ومِصْرَ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقَدِ اشْتُقَّ مِنهُ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُهُ، فَقِيلَ: تَفَرْعَنَ الرَّجُلُ إذا تَجَبَّرَ وعَتا، واسْمُ فِرْعَوْنَ هَذا الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ أبُوهُ مُصْعَبُ بْنُ رَيّانَ حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: قُنْطُوسُ، حَكاهُ مُقاتِلٌ، وذَكَرَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أنَّ أهْلَ الكِتابَيْنِ قالُوا: إنَّ اسْمَهُ قابُوسُ، وكُنْيَتَهُ أبُو مُرَّةَ، وكانَ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ: مِن بَنِي عَمْلِيقٍ أوْ عِمْلاقِ بْنِ لاوِزَ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهم أُمَمٌ تَفَرَّقُوا في البِلادِ، ورُوِيَ أنَّهُ مِن أهْلِ اصْطَخْرَ، ورَدَ إلى مِصْرَ فَصارَ بِها مَلِكًا، وقِيلَ: كانَ عَطّارًا بِأصْفَهانَ، رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ، فَدَخَلَ مِصْرَ، وآلَ أمْرُهُ إلى ما آلَ، وحِكايَةُ البِطِّيخِ شَهِيرَةٌ، وقَدْ نَقَلَها مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ في تَفْسِيرِهِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ غَيْرُ فِرْعَوْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ اسْمُهُ عَلى المَشْهُورِ الرَّيّانَ بْنَ الوَلِيدِ، وقَدْ آمَنَ بِيُوسُفَ، ماتَ في حَياتِهِ، وهو مِن أجْدادِ فِرْعَوْنَ المَذْكُورِ عَلى قَوْلٍ، ويُؤَيِّدُ الغَيْرِيَّةَ أنَّ بَيْنَ دُخُولِ يُوسُفَ ودُخُولِ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ أكْثَرُ مِن أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، والمُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هُنا أهْلُ مِصْرَ، أوْ أهْلُ بَيْتِهِ خاصَّةً، أوْ أتْباعُهُ عَلى دِينِهِ، وبِـأنْجَيْناكُمْ، أنْجَيْنا آباءَكُمْ، وكَذا نَظائِرُهُ، فَلا حُجَّةَ فِيها لِتَناسُخِيٍّ، وهَذا في كَلامِ العَرَبِ شائِعٌ كَقَوْلِ حَسّانَ:
ونَحْنُ قَتَلْناكم بِبَدْرٍ فَأصْبَحَتْ عَساكِرُكم في الهالِكِينَ تَجُولُ
(ويَسُومُونَكُمْ) مِنَ السَّوْمِ، وأصْلُهُ الذَّهابُ لِلطَّلَبِ، ويُسْتَعْمَلُ لِلذَّهابِ وحْدَهُ تارَةً، ومِنهُ السّائِمَةُ، ولِلطَّلَبِ أُخْرى، ومِنهُ السَّوْمُ في البَيْعِ، ويُقالُ: سامَهُ كَلَّفَهُ العَمَلَ الشّاقَّ، والسُّوءُ مَصْدَرُ ساءَ يَسُوءُ، ويُرادُ بِهِ السَّيْءُ، ويُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يَقْبُحُ، كَأعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن سُوءِ الخُلُقِ، (وسُوءُ العَذابِ) أفْظَعُهُ وأشَدُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِهِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، لِيَسُومُونَكم بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أوْ بِدُونِهِ، والجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، وهي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أنْجَيْناكُمْ، أوْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وهو الأقْرَبُ، والمَعْنى: يُوَلُّونَكم أوْ يُكَلِّفُونَكُمُ الأعْمالَ الشّاقَّةَ، والأُمُورَ الفَظِيعَةَ، أوْ يُرْسِلُونَكم إلَيْها، ويَصْرِفُونَكم فِيها، أوْ يَبْغُونَكم سُوءَ العَذابِ المُفَسَّرَ بِما بَعْدَهُ، وقَدْ حُكِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ جَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ خَدَمًا وخَوَلًا، وصَنَّفَهم في الأعْمالِ، فَصِنْفٌ يَبْنُونَ، وصِنْفٌ يَحْرُثُونَ، وصِنْفٌ يَخْدُمُونَ، ومَن لَمْ يَكُنْ مِنهم في عَمَلٍ وضَعَ عَلَيْهِ الجِزْيَةَ يُؤَدِّيها كُلَّ يَوْمٍ، ومَن غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَبْلَ أنْ يُؤَدِّيَها غُلَّتْ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ شَهْرًا، وجَعَلَ النِّساءَ يَغْزِلْنَ الكِتّانَ ويَنْسِجْنَ، ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي سامُوهم إيّاهُ فَقالَ:
صفحة 254
(يُذَبِّحُونَ) إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ تُخَرَّجَ عَلى إبْدالِ الفِعْلِ مِنَ الفِعْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ﴾ وقِيلَ: بِالعَطْفِ، وحُذِفَ حَرْفُهُ لِآيَةِ إبْراهِيمَ، والمُحَقِّقُونَ عَلى الفَرْقِ، وحَمَلُوا (سُوءَ العَذابِ) فِيها عَلى التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ غَيْرِ الذَّبْحِ، وعُطِفَ لِلتَّغايُرِ، واعْتُبِرَ هُناكَ لا هُنا عَلى رَأْيِهِمْ لِسَبْقِ ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ وهو يَقْتَضِي التَّعْدادَ، ولَيْسَ هُنا ما يَقْتَضِيهِ، والأبْناءُ الأطْفالُ الذُّكُورُ، وقِيلَ: إنَّهُمُ الرِّجالُ، هَذا وسُمُّوا أبْناءً بِاعْتِبارِ ما كانُوا قَبْلُ، وفي بَعْضَ الأخْبارِ أنَّهُ قَتَلَ أرْبَعِينَ ألْفَ صَبِيٍّ، وحُكِيَ أنَّهُ كانَ يَقْتُلُ الرِّجالَ الَّذِينَ يَخافُ مِنهُمُ الخُرُوجَ والتَّجَمُّعَ لِإفْسادِ أمْرِهِ، والمَشْهُورُ حَمْلُ الأبْناءِ عَلى الأوَّلِ، وهو المُناسِبُ المُتَبادِرُ، وفي سَبَبِ ذَلِكَ أقْوالٌ وحِكاياتٌ مُخْتَلِفَةٌ، ومُعْظَمُها يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ خافَ مِن ذَهابِ مُلْكِهِ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَفَعَلَ ما فَعَلَ، وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (يَذْبَحُونَ) مُخَفَّفًا، وعَبْدُ اللَّهِ (يُقَتِّلُونَ) مُشَدَّدًا، ﴿ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ أيْ يَسْتَبْقُونَ بَناتِكُمْ، ويَتْرُكُونَهُنَّ حَيّاتٍ وقِيلَ: يُفَتِّشُونَ في حَيائِهِنَّ يَنْظُرُونَ هَلْ بِهِنَّ حَمْلٌ، والحَياءُ الفَرَجُ، لِأنَّهُ يُسْتَحى مِن كَشْفِهِ، والنِّساءُ جَمْعُ المَرْأةِ، وفي البَحْرِ إنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِنِسْوَةٍ عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ، جَمْعُ قِلَّةٍ، وزَعَمَ ابْنُ السِّراجِ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وعَلى القَوْلَيْنِ لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ مِن لَفْظِهِ، وهي في الأصْلِ البالِغاتُ دُونَ الصَّغائِرِ، فَهي عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَجازٌ بِاعْتِبارِ الأوَّلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اسْتِبْقاءَهم كانَ لِأجْلِ أنْ يَصِرْنَ نِساءً لِخِدْمَتِهِمْ، وعَلى الثّانِي فِيهِ تَغْلِيبُ البالِغاتِ عَلى الصَّغائِرِ، وعَلى الثّالِثِ حَقِيقَةٌ، وقَدَّمَ الذَّبْحَ لِأنَّهُ أصْعَبُ الأُمُورِ، وأشَقُّها عِنْدَ النّاسِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ الِاسْتِحْياءُ أعْظَمَ مِنَ القَتْلِ لَدى الغَيُورِ.
﴿وفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى التَّذْبِيحِ والِاسْتِحْياءِ، أوْ إلى الإنْجاءِ، وجَمَعَ الضَّمِيرَ لِلْمُخاطَبِينَ، ويَجُوزُ أنْ يُشارَ (بِذَلِكُمْ) إلى الجُمْلَةِ، وأصْلُ البَلاءِ الِاخْتِبارُ، وإذا نُسِبَ إلَيْهِ تَعالى يُرادُ مِنهُ ما يَجْرِي مَجْراهُ مَعَ العِبادِ عَلى المَشْهُورِ، وهو تارَةً يَكُونُ بِالمَسارِّ لِيَشْكُرُوا، وتارَةً بِالمَضارِّ لِيَصْبِرُوا، وتارَةً بِهِما لِيَرْغَبُوا، ويَرْهَبُوا، فَإنْ حُمِلَتِ الإشارَةُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ فالمُرادُ بِالبَلاءِ المِحْنَةُ، وإنْ عَلى الثّانِي فالمُرادُ بِهِ النِّعْمَةُ، وإنْ عَلى الثّالِثِ فالمُرادُ بِهِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ كالِامْتِحانِ الشّائِعِ بَيْنَهُما، ويُرَجِّحُ الأوَّلَ التَّبادُرُ، والثّانِيَ أنَّهُ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ، والثّالِثَ لُطْفُ جَمْعِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ومَعْنى ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى إمّا بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكُمْ، أوْ بِبَعْثِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وتَوْفِيقِهِ لِتَخْلِيصِكُمْ، أوْ بِهِما جَمِيعًا، (وعَظِيمٌ) صِفَةُ بَلاءٍ، وتَنْكِيرُهُما لِلتَّفْخِيمِ، والعِظَمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخاطَبِ والسّامِعِ لا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، لِأنَّهُ العَظِيمُ الَّذِي لا يَسْتَعْظِمُ شَيْئًا،
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ والتَّأْوِيلِ، وإذْ نَجَّيْناكم مِن قُوى فِرْعَوْنَ النَّفْسِ الأمّارَةِ المَحْجُوبَةِ بِأنانِيَّتِها والنَّظَرِ إلى نَفْسِها المُسْتَعْلِيَةِ عَلى إهْلاكِ الوُجُودِ، (ومِصْرُ) مَدِينَةُ البَدَنِ المُسْتَعْبَدَةُ، وهي وقُواها مِنَ الوَهْمِ، والخَيالِ، والغَضَبِ، والشَّهْوَةِ، القُوى الرُّوحانِيَّةُ الَّتِي هي أبْناءُ صَفْوَةِ اللَّهِ تَعالى يَعْقُوبَ، الرُّوحُ والقُوى الطَّبِيعِيَّةُ البَدَنِيَّةُ مِنَ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والقُوى النَّباتِيَّةِ أُولَئِكَ يُكَلِّفُونَكُمُ المَتاعِبَ الصَّعْبَةَ، والأعْمالَ الشّاقَّةَ مِن جَمْعِ المالِ، والحِرْصِ وتَرْتِيبِ الأقْواتِ والمَلابِسِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَسْتَعْبِدُونَكم بِالتَّفَكُّرِ فِيها، والِاهْتِمامِ بِها، لِتَحْصُلَ لَكم لَذَّةٌ هي في الحَقِيقَةِ عَذابٌ وذِلَّةٌ، لِأنَّها تَمْنَعُكم عَنْ مُشاهَدَةِ الأنْوارِ، والتَّمَتُّعِ بِدارِ القَرارِ، ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ الَّتِي هي القُوى الرُّوحانِيَّةُ مِنَ القُوى النَّظَرِيَّةِ الَّتِي هي العَيْنُ اليُمْنى لِلْقَلْبِ، والعَمَلِيَّةِ الَّتِي هي العَيْنُ اليُسْرى لَهُ، والفَهْمِ الَّذِي هو سَمْعُهُ، والسِّرِّ الَّذِي هو قَلْبُهُ، ويَسْتَحْيُونَ قُواكُمُ الطَّبِيعِيَّةَ لِيَسْتَخْدِمُوها، ويَمْنَعُوها عَنْ أفْعالِها اللّائِقَةِ بِها، وفي ذَلِكَ الإنْجاءِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِن رَبِّكُمُ المُرَقِّي لَكم مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ، ومَشْهَدٍ إلى مَشْهَدٍ حَتّى تَصِلُوا إلَيْهِ، وتَحُطُّوا رِحالَكم بَيْنَ يَدَيْهِ، أوْ في مَجْمُوعِ ذَلِكَ امْتِحانٌ لَكُمْ، وظُهُورُ آثارِ الأسْماءِ
صفحة 255
المُخْتَلِفَةِ عَلَيْكُمْ، فاشْكُرُوا واصْبِرُوا، فالكُلُّ مِنهُ، وكُلُّ ما فَعَلَ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ.
2:50Page 8
وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٠
And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.
﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلُ، والفَرْقُ الفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وتَعْدِيَتُهُ إلى البَحْرِ بِتَضْمِينِ مَعْنى الشَّقِّ، أيْ فَلَقْناهُ، وفَصَلْنا بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ لِأجْلِكُمْ، وبِسَبَبِ إنْجائِكُمْ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الباعِثَةِ بِمَنزِلَةِ اللّامِ، إذا قُلْنا بِتَعْلِيلِ أفْعالِهِ تَعالى، ولِلسَّبَبِيَّةِ الشَّبِيهَةِ بِها في التَّرْتِيبِ عَلى الفِعْلِ، وكَوْنِهِ مَقْصُودًا مِنهُ، إنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: (بِكُمْ) دُونَ لَكُمْ، لِأنَّ العَرَبَ عَلى ما نَقَلَهُ الدّامِغانِيُّ تَقُولُ: غَضِبْتُ لِزَيْدٍ إذا غَضِبْتَ مِن أجْلِهِ، وهو حَيٌّ، وغَضِبْتُ بِزَيْدٍ إذا غَضِبْتَ مِن أجْلِهِ، وهو مَيِّتٌ، فَفِيهِ تَلْوِيحٌ إلى أنَّ الفَرْقَ كانَ مِن أجْلِ أسْلافِ المُخاطَبِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِعانَةِ عَلى مَعْنى بِسُلُوكِكُمْ، ويَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِأنْ يُشَبِّهَ سُلُوكَهم بِالآلَةِ في كَوْنِهِ واسِطَةً في حُصُولِ الفَرْقِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويُسْتَعْمَلُ الباءُ، وقَوْلُ الإمامِ الرّازِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّهم كانُوا يَسْلُكُونَ، ويَتَفَرَّقُ الماءُ عِنْدَ سُلُوكِهِمْ، فَكَأنَّهُ فُرِّقَ بِهِمْ، يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ تَفَرُّقَ الماءِ كانَ سابِقًا عَلى سُلُوكِهِمْ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ القِصَّةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ وما قِيلَ: إنَّ الآلَةَ هي العَصا كَما تُفْهِمُهُ الآيَةُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، والمَفْهُومُ كَوْنُها آلَةَ الضَّرْبِ لا الفَرْقِ، ولَوْ سُلِّمَ يَجُوزُ كَوْنُ المَجْمُوعِ آلَةً عَلى أنَّ آلِيَّةَ السُّلُوكِ عَلى التَّجَوُّزِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الفاعِلِ، ومُلابَسَتُهُ تَعالى مَعَهم حِينَ الفَرْقِ مُلابَسَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وهو كَوْنُهُ ناصِرًا وحافِظًا لَهُمْ، وهي ما أشارَ إلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ حالًا مِنَ البَحْرِ مُقَدَّمًا، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الفَرْقَ مُقَدَّمٌ عَلى مُلابَسَتِهِمُ البَحْرَ، اللَّهُمَّ إلّا عَلى التَّوَسُّعِ، واخْتَلَفُوا في هَذا البَحْرِ، فَقِيلَ: القُلْزُمُ، وكانَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ أرْبَعَةُ فَراسِخَ، وقِيلَ: النِّيلُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الماءَ المالِحَ والعَذْبَ بَحْرًا إذا كَثُرَ، ومِنهُ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ وأصْلُهُ السَّعَةُ، وقِيلَ: الشَّقُّ، ومِنَ الأوَّلِ البَحْرَةُ البَلْدَةُ، ومِنَ الثّانِي البَحِيرَةُ الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُها، وفي كَيْفِيَّةِ الِانْفِلاقِ قَوْلانِ، فالمَشْهُورُ كَوْنُهُ خَطِّيًّا، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ قُوسِيًّا، إذْ فِيهِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ الجانِبِ الَّذِي دَخَلُوا مِنهُ، واحْتِمالُ الرُّجُوعِ في طَرِيقِ الدُّخُولِ يَكادُ يَكُونُ باطِلًا، لِأنَّ الأعْداءَ في أثَرِهِمْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ.
﴿فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ، وتَبِعَكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ في تَقَحُّمِهِ، فَأنْجَيْناكم أيْ مِنَ الغَرَقِ، أوْ مِن إدْراكِ فِرْعَوْنَ وآلِهِ لَكُمْ، أوْ مِمّا تَكْرَهُونَ، وكَنّى سُبْحانَهُ بِآلِ فِرْعَوْنَ عَنْ فِرْعَوْنَ وآلِهِ، كَما يُقالُ: بَنِي هاشِمٍ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ يَعْنِي هَذا الجِنْسَ الشّامِلَ لِآدَمَ أوِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الآلِ لِأنَّهم إذا عُذِّبُوا بِالإغْراقِ كانَ مَبْدَأُ العِنادِ، ورَأْسُ الضَّلالِ أوْلى بِذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ تَعالى غَرَقَ فِرْعَوْنَ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ وحَمْلُ الآلِ عَلى الشَّخْصِ حَيْثُ إنَّهُ ثَبَتَ لُغَةً كَما في الصِّحاحِ: رَكِيكٌ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ، وإنَّما المُناسِبُ لَهُ التَّعْمِيمُ، وناسَبَ نَجاتَهم بِإلْقائِهِمْ في البَحْرِ وخُرُوجِهِمْ مِنهُ سالِمِينَ نَجاةُ نَبِيِّهِمْ مُوسى عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ مِنَ الذَّبْحِ بِإلْقائِهِ وهو طِفْلٌ في البَحْرِ، وخُرُوجِهِ مِنهُ سالِمًا، ولِكُلِّ أُمَّةٍ نَصِيبٌ مِن نَبِيِّها، وناسَبَ هَلاكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِالغَرَقِ هَلاكُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أيْدِيهِمْ بِالذَّبْحِ، لِأنَّ الذَّبْحَ فِيهِ تَعْجِيلُ المَوْتِ بِإنْهارِ الدَّمِ، والغَرَقَ فِيهِ إبْطاءُ المَوْتِ، ولا دَمَ خارِجٌ، وكانَ ما بِهِ الحَياةُ، وهو الماءُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾
صفحة 256
سَبَبًا لِإعْدامِهِمْ مِنَ الوُجُودِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَقْنِيطِهِمْ، وانْعِكاسِ آمالِهِمْ كَما قِيلَ:
إلى الماءِ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِلُقْمَةٍ إلى أيْنَ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِماءِ
ولَمّا كانَ الغَرَقُ مِن أعْسَرِ المَوْتاتِ وأعْظَمِها شِدَّةً، ولِهَذا كانَ الغَرِيقُ المُسْلِمُ شَهِيدًا، جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى نَكالًا لِمَنِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، وقالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، وعَلى قَدْرِ الذَّنْبِ يَكُونُ العِقابُ، ويُناسِبُ دَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ والِاعْتِلاءَ انْحِطاطُ المُدَّعِي، وتَغْيِيبُهُ في قَعْرِ الماءِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ لَمّا افْتَخَرَ فِرْعَوْنُ بِالماءِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى هَلاكَهُ بِالماءِ، ولِلتّابِعِ حَظٌّ وافِرٌ مِنَ المَتْبُوعِ، وكانَ ذَلِكَ الغَرَقُ والإنْجاءُ والإغْراقُ يَوْمَ عاشُوراءَ، والكَلامُ فِيهِ مَشْهُورٌ، ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وفِيها تَجَوُّزٌ، أيْ وآباؤُكم يَنْظُرُونَ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ جَمِيعُ ما مَرَّ، فَإنْ أُرِيدَ الأحْكامُ فالنَّظَرُ بِمَعْنى العِلْمِ، وعَلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وإنَّ نَفْسَ الأفْعالِ مِنَ الغَرَقِ والإنْجاءِ والإغْراقِ فَهو بِمَعْنى المُشاهَدَةِ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، والحالُ عَلى هَذا مِنَ الفاعِلِ، وهو مَعْمُولٌ بِجَمِيعِ الأفْعالِ السّابِقَةِ عَلى التَّنازُعِ، وفائِدَتُهُ تَقْرِيرُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْتُمْ لا تَشُكُّونَ فِيها، وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ المَفْعُولُ خاصًّا، أيْ غَرَقَهُمْ، وإطْباقُ البَحْرِ عَلَيْهِمْ، فالحالُ مُتَعَلِّقٌ بِالقَرِيبِ، وهو أغْرَقْنا، وفائِدَتُهُ تَتْمِيمُ النِّعْمَةِ، فَإنَّ هَلاكَ العَدُوِّ نِعْمَةٌ، ومُشاهَدَتَهُ نِعْمَةٌ أُخْرى، وفي قِصَصِ الكِسائِيِّ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ عَبَرُوا البَحْرَ، وقَفُوا يَنْظُرُونَ إلى البَحْرِ، وجُنُودِ فِرْعَوْنَ، ويَتَأمَّلُونَ كَيْفَ يَفْعَلُونَ، أوِ انْفِلاقِ البَحْرِ، فَيَكُونُ الحالُ مُتَعَلِّقًا بِالأصْلِ في الذِّكْرِ، وهو (فَرَقْنا)، وفائِدَتُهُ إحْضارُ النِّعْمَةِ لِيَتَعَجَّبُوا مِن عِظَمِ شَأْنِها، ويَتَعَرَّفُوا إعْجازَها، أوْ ذَلِكَ الآلُ الغَرِيقُ، فالحالُ مِن مَفْعُولِ (أغْرَقْنا) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والفائِدَةُ تَحْقِيقُ الإغْراقِ وتَثْبِيتُهُ، وقِيلَ: المُرادُ يَنْظُرُ بَعْضُكم بَعْضًا، وأنْتُمْ سائِرُونَ في البَحْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ نُقِلَ أنَّ بَعْضَ قَوْمِ مُوسى قالُوا لَهُ: أيْنَ أصْحابُنا؟ فَقالَ: سِيرُوا فَإنَّهم عَلى طَرِيقٍ مِثْلِ طَرِيقِكُمْ، قالُوا: لا نَرْضى حَتّى نَراهُمْ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى أنْ قُلْ بِعَصاكَ هَكَذا، فَقالَ بِها عَلى الحِيطانِ فَصارَ بِها كَوًى فَتَراءَوْا وسَمِعُوا كَلامَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فالحالُ مُتَعَلِّقٌ (بِفَرَقْنا)، وفائِدَتُهُ تَتْمِيمُ النِّعْمَةِ، فَإنَّ كَوْنَهم مُسْتَأْنِسِينَ يَرى بَعْضُهم حالَ بَعْضٍ نِعْمَةٌ أُخْرى، وبَعْضُ النّاسِ يَجْعَلُ الفِعْلَ عَلى هَذا الوَجْهِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، نَعَمِ البَعِيدُ جُعِلَ النَّظَرُ هُنا مَجازًا عَنِ القُرْبِ، أيْ وأنْتُمْ بِالقُرْبِ مِنهُمْ، أيْ بِحالِ لَوْ نَظَرْتُمْ إلَيْهِمْ لَرَأيْتُمُوهُمْ، كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ مِنِّي بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أيْ قَرِيبٌ مِنِّي بِحَيْثُ أراكَ وأسْمَعُكَ، وكَذا جَعَلَهُ بِمَعْنى الِاعْتِبارِ، أيْ وأنْتُمْ تَعْتَبِرُونَ بِمَصْرَعِهِمْ، وتَتَّعِظُونَ بِمَواقِعِ النِّقْمَةِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ، هَذا وقَدْ حَكَوْا في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَعَنُّتِهِمْ، وهم في البَحْرِ، وفي كَيْفِيَّةِ خُرُوجِ فِرْعَوْنَ بِجُنُودِهِ، وفي مِقْدارِ الطّائِفَتَيْنِ حِكاياتٌ مُطَوَّلَةٌ جِدًّا لَمْ يَدُلَّ القُرْآنُ ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَيْها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِشَأْنِها، والإشارَةُ في الآيَةِ أنَّ البَحْرَ هو الدُّنْيا، وماءَهُ شَهَواتُها ولَذّاتُها، ومُوسى هو القَلْبُ، وقَوْمَهُ صِفاتُ القَلْبِ، وفِرْعَوْنَ هو النَّفْسُ الأمّارَةُ، وقَوْمَهُ صِفاتُ النَّفْسِ وهم أعْداءُ مُوسى وقَوْمِهِ، يَطْلُبُونَهم لِيَقْتُلُوهُمْ، وهم سائِرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، والعَدُوُّ مِن خَلْفِهِمْ، وبَحْرُ الدُّنْيا أمامَهُمْ، ولا بُدَّ لَهم في السَّيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن عُبُورِهِ، ولَوْ يَخُوضُونَهُ بِلا ضَرْبِ عَصا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِيَدِ مُوسى القَلْبِ، فَإنَّ لَهُ يَدًا بَيْضاءَ في هَذا الشَّأْنِ، لَغَرِقُوا كَما غَرِقَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ العَصا في يَدِ فِرْعَوْنَ النَّفْسِ لَمْ يَنْفَلِقْ، فَكَما أنَّ يَدَ مُوسى القَلْبِ شَرْطٌ في الِانْفِلاقِ كَذَلِكَ عَصا الذِّكْرِ شَرْطٌ فِيهِ، فَإذا حَصَلَ الشَّرْطانِ، وضَرَبَ مُوسى بِعَصا الذِّكْرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى يَنْفَلِقُ بِإذْنِ اللَّهِ بَحْرُ الدُّنْيا بِالنَّفْيِ، ويَنْشَبِكُ ماءُ الشَّهَواتِ يَمِينًا وشِمالًا، ويُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى رِيحَ العِنايَةِ وشَمْسَ الهِدايَةِ عَلى قَعْرِ ذَلِكَ البَحْرِ، فَيَصِيرُ يابِسًا مِن ماءِ الشَّهَواتِ، فَيَخْرُجُ مُوسى وقَوْمُهُ بِعِنايَةِ التَّوْحِيدِ
صفحة 257
إلى ساحِلِ النَّجاةِ، ”وإنَّ إلى رَبِّك المُنْتَهى“ ويُقالُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إذا غَرِقُوا وأُدْخِلُوا نارًا: ”ألّا بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ“
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences