Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:51–55

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:51–55

2:51Page 8

وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٥١

And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him [i.e., his departure], while you were wrongdoers.

﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ لَمّا جاوَزَ بَنُو إسْرائِيلَ البَحْرَ سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْتِيَهم بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَوَعَدَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُعْطِيَهُ التَّوْراةَ، وقَبِلَ مُوسى ذَلِكَ، وضَرَبَ لَهُ مِيقاتًا ذا القِعْدَةِ وعَشَرَ ذِي الحِجَّةِ، أوْ ذا الحِجَّةِ وعَشَرَ المُحَرَّمِ، فالمُفاعَلَةُ عَلى بابِها، وهي مِن طَرَفِ فِعْلٍ، ومِن آخَرَ قَبُولُهُ، مِثْلُ: عالَجْتُ المَرِيضَ، وإنْكارُ جَوازِ ذَلِكَ لا يُسْمَعُ مَعَ وُرُودِهِ في كَلامِ العَرَبِ، وتَصْرِيحِ الأئِمَّةِ بِهِ، وارْتِضائِهِمْ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿واعَدْنا﴾ مِن بابِ المُوافاةِ، ولَيْسَ مِنَ الوَعْدِ في شَيْءٍ، وإنَّما هو مِن قَوْلِكَ: مَوْعِدُكَ يَوْمَ كَذا، ومَوْضِعَ كَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى وعَدْنا، وبِهِ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، أوْ يُقَدَّرُ المُلاقاةُ، أوْ يُقالُ بِالتَّفْكِيكِ إلى فِعْلَيْنِ، فَيُقَدَّرُ الوَحْيُ في أحَدِهِما، والمَجِيءُ في الآخَرِ، ولا مَحْذُورَ في شَيْءٍ كَما حَقَّقَهُ الدّامِغانِيُّ، وقَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: المُواعَدَةُ لا تَكُونُ إلّا مِنَ البَشَرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقَوْلُ أبِي حاتِمٍ: أكْثَرُ ما تَكُونُ مِنَ المَخْلُوقِينَ المُتَكافِئِينَ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لا يَضُرُّنا، وأرْبَعِينَ مَفْعُولٌ بِهِ مَحْذُوفُ المُضافِ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، أيْ إعْطاءَ أرْبَعِينَ، أيْ عِنْدَ انْقِضائِها، أوْ في العَشْرِ الأخِيرِ مِنها، أوْ في كُلِّها، أوْ في أوَّلِها عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ، أوْ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ صِفَةً لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ لِواعَدْنا، أيْ واعَدْنا مُوسى أمْرًا كائِنًا في أرْبَعِينَ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، أيْ واعَدْنا مُوسى مُواعَدَةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةٍ.

ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الأوْلى أنْ لا يُقَدَّرَ مَفْعُولٌ، لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ مَن وُعِدَ لا ما وُعِدَ، ويَنْصَبُّ الأرْبَعِينَ عَلى الإجْراءِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ تَوَسُّعًا، وفِيهِ مُبالَغَةٌ بِجَعْلِ مِيقاتِ الوَعْدِ مَوْعُودًا، وجَعْلِ الأرْبَعِينَ ظَرْفًا لِواعَدْنا، عَلى حَدِّ: جاءَ زَيْدٌ يَوْمَ الخَمِيسِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، ( ومُوسى ) اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ويُقالُ: هو مُرَكَّبٌ مِن (مُو) وهو الماءُ، (وشى) وهو الشَّجَرُ، وغُيِّرَ إلى (سى) بِالمُهْلَمَةِ، وكَأنَّ مَن سَمّاهُ بِهِ أرادَ ماءَ البَحْرِ، والتّابُوتَ الَّذِي قُذِفَ فِيهِ، وخاضَ بَعْضُهم في وزْنِهِ، فَعَنْ سِيبَوَيْهِ: إنَّ وزْنَهُ مُفْعَلٌ، وقِيلَ: إنَّهُ فُعْلى، وهو مُشْتَقٌّ مِن ماسَ يَمِيسُ، فَأُبْدِلَتِ الياءُ واوًا لِضَمِّ ما قَبْلَها، كَما قالُوا: طُوبى، وهي مِن ذَواتِ الياءِ، لِأنَّها مِن طابَ يَطِيبُ، ويُبْعِدُهُ أنَّ الإجْماعَ عَلى صَرْفِهِ نَكِرَةٌ، ولَوْ كانَ فُعْلى لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ ألِفَ التَّأْنِيثِ وحْدَها تَمْنَعُ الصَّرْفَ في المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ عَلى أنَّ زِيادَةَ المِيمِ أوَّلًا أكْثَرُ مِن زِيادَةِ الألِفِ آخِرًا، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ بِاللَّيالِي دُونَ الأيّامِ لِأنَّ افْتِتاحَ المِيقاتِ كانَ مِنَ اللَّيْلِ، واللَّيالِي غُرَرُ شُهُورِ العَرَبِ، لِأنَّها وُضِعَتْ عَلى سَيْرِ القَمَرِ، والهِلالُ إنَّما يُهِلُّ بِاللَّيْلِ، أوْ لِأنَّ الظُّلْمَةَ أقْدَمُ مِنَ الضَّوْءِ بِدَلِيلِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ أوْ إشارَةً إلى مُواصَلَةِ الصَّوْمِ لَيْلًا ونَهارًا، ولَوْ كانَ التَّفْسِيرُ بِاليَوْمِ أمْكَنَ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّهُ كانَ يُفْطِرُ بِاللَّيْلِ، فَلَمّا نَصَّ عَلى اللَّيالِي فُهِمَ مِن قُوَّةِ الكَلامِ أنَّهُ واصَلَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً بِأيّامِها، والقَوْلُ بِأنَّ ذِكْرَ اللَّيْلَةِ كانَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ وعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِقِيامِ اللَّيْلِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ المَرْوِيَّ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ كانَ الصِّيامَ، لا القِيامَ، وقَدْ يُقالُ مِن طَرِيقِ الإشارَةِ: إنَّ ذِكْرَ اللَّيْلَةِ لِلرَّمْزِ إلى أنَّ هَذِهِ المُواعَدَةَ كانَتْ بَعْدَ تَمامِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى، ومُجاوَزَةِ بَحْرِ العَوائِقِ والعَلائِقِ، وهُناكَ يَكُونُ السَّيْرُ في اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا تُدْرَكُ حَقِيقَتُهُ، ولا تُعْلَمُ هُوِيَّتُهُ، ولا يُرى في بَيْداءِ جَبَرُوتِهِ إلّا الدَّهْشَةُ والحَيْرَةُ، وهَذا السَّيْرُ مُتَفاوِتٌ بِاعْتِبارِ الأشْخاصِ والأزْمانِ، ولِي مَعَ اللَّهِ تَعالى وقْتٌ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ الِاتِّخاذُ يَجِيءُ بِمَعْنى ابْتِداءِ صَنْعَةٍ، فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ نَحْوَ: اتَّخَذْتُ سَيْفًا، أيْ صَنَعْتَهُ، وبِمَعْنى اتِّخاذِ وصْفٍ، فَيَجْرِي مَجْرى الجَعْلِ ويَتَعَدّى

صفحة 258

لِاِثْنَيْنِ نَحْوَ: اتَّخَذْتُ زَيْدًا صَدِيقًا، والأمْرانِ مُحْتَمَلانِ في الآيَةِ، والمَفْعُولُ الثّانِي عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِشَناعَتِهِ، أيِ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ الَّذِي صَنَعَهُ السّامِرِيُّ إلَهًا، والذَّمُّ فِيهِ ظاهِرٌ، لِأنَّهم كُلَّهم عَبَدُوهُ إلّا هارُونَ مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، أوْ إلّا هارُونَ والسَّبْعِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ لا حاجَةَ إلى المَفْعُولِ الثّانِي، ويُؤَيِّدُهُ عَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ في مَوْضِعٍ مِن آياتِ هَذِهِ القِصَّةِ، والذَّمُّ حِينَئِذٍ لِما تَرَتَّبَ عَلى الِاتِّخاذِ مِنَ العِبادَةِ أوْ عَلى نَفْسِ الِاتِّخاذِ لِذَلِكَ، والعَرَبُ تَذُمُّ أوْ تَمْدَحُ القَبِيلَةَ بِما صَدَرَ عَنْ بَعْضِها، والعِجْلُ: ولَدُ البَقَرَةِ الصَّغِيرُ، وجَعَلَهُ الصُّوفِيَّةُ إشارَةً إلى عِجْلِ النَّفْسِ النّاقِصَةِ وشَهَواتِها، وكَوْنُ ما اتَّخَذُوهُ عِجْلًا ظاهِرٌ في أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا، فَيَكُونُ عِجْلًا حَقِيقَةً، ويَكُونُ نِسْبَةُ الخُوارِ إلَيْهِ فِيما يَأْتِي حَقِيقَةً أيْضًا، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ، وقِيلَ: أرادَ سُبْحانَهُ بِالعِجْلِ ما يُشْبِهُهُ في الصُّورَةِ والشَّكْلِ، ونِسْبَةُ الخُوارِ إلَيْهِ مَجازٌ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ عَلى ذَلِكَ.

ومِنَ الغَرِيبِ إنَّ هَذا إنَّما سُمِّيَ عِجْلًا لِأنَّهم عَجَّلُوا بِهِ قَبْلَ قُدُومِ مُوسى، فاتَّخَذُوهُ إلَهًا، أوْ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ، حَيْثُ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنَ المِيقاتِ حَرَقَهُ ونَسَفَهُ في اليَمِّ نَسْفًا، والضَّمِيرُ في بَعْدِهِ راجِعٌ إلى مُوسى، أيْ بَعْدَ ما رَأيْتُمْ مِنهُ مِنَ التَّوْحِيدِ، والتَّنْزِيهِ، والحَمْلِ عَلَيْهِ والكَفِّ عَمّا يُنافِيهِ، وذِكْرُ الظَّرْفِ لِلْإيذانِ بِمَزِيدِ شَناعَةِ فِعْلِهِمْ، ولا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُوسى مُتَّخِذًا إلَهًا كَما وُهِمَ، لِأنَّ مَفْهُومَ الكَلامِ أنْ يَكُونَ الِاتِّخاذُ بَعْدَ مُوسى، ومِن أيْنَ يُفْهَمُ اتِّخاذُ مُوسى سِيَّما في هَذا المَقامِ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ، وأقْرَبُ ما يُحْذَفُ مَصْدَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿واعَدْنا﴾، أيْ مِن بَعْدِ مُواعَدَتِهِ، وقِيلَ: المَحْذُوفُ الذَّهابُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالمُواعَدَةِ، لِأنَّها تَقْتَضِيهِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ، ومُتَعَلِّقُ الظُّلْمِ الإشْراكُ، ووَضْعُ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقِيلَ: الكَفُّ عَنِ الِاعْتِراضِ عَلى ما فَعَلَ السّامِرِيُّ، وعَدَمُ الإنْكارِ عَلَيْهِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالحالِ الإشْعارُ بِكَوْنِ الِاتِّخاذِ ظُلْمًا بِزَعْمِهِمْ أيْضًا، لَوْ راجَعُوا عُقُولَهم بِأدْنى تَأمُّلٍ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ غَيْرُ حالٍ، بَلْ مُجَرَّدُ إخْبارٍ أنَّ سَجِيَّتَهُمُ الظُّلْمُ، وإنَّما راجَ فِعْلُ السّامِرِيِّ عِنْدَهم لِغايَةِ حُمْقِهِمْ، وتَسَلُّطِ الشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ سائِرُ أفْعالِهِمْ، واتِّخاذُ السّامِرِيِّ لَهُمُ العِجْلَ دُونَ سائِرِ الحَيَواناتِ قِيلَ: لِأنَّهم مَرُّوا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم عَلى صُوَرِ البَقَرِ، فَقالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ فَهَجَسَ في نَفْسِ السّامِرِيِّ أنَّ فِتْنَتَهم مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فاتَّخَذَ لَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ هو مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، وكانَ مُنافِقًا فاتَّخَذَ عِجْلًا مِن جِنْسِ ما يَعْبُدُهُ.

2:52Page 8

ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٢

Then We forgave you after that so perhaps you would be grateful.

﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ثُمَّ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ فِعْلِهِمُ القَبِيحِ ولُطْفِهِ تَعالى في شَأْنِهِمْ، فَلا يَكُونُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ تَكْرارًا، وعَفا بِمَعْنى دَرَسَ يَتَعَدّى ولا يَتَعَدّى، كَعَفَتِ الدّارُ وعَفاها الرِّيحُ، والمُرادُ بِالعَفْوِ هُنا مَحْوُ الجَرِيمَةِ بِالتَّوْبَةِ، وذَلِكَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ (ذَلِكُمْ)، والإشارَةُ لِلِاتِّخاذِ كَما هو الظّاهِرُ، وإيثارُها لِكَمالِ العِنايَةِ بِتَمْيِيزِهِ، كَأنَّهُ يَجْعَلُ ظُلْمَهم مُشاهِدًا لَهُمْ، وصِيغَةُ البَعِيدِ مَعَ قُرْبِهِ لِتَعْظِيمِهِ لِيَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى جَلالَةِ قَدْرِ العَفْوِ، والمُرادُ بِالتَّرَجِّي ما عَلِمْتَ، والمَشْهُورُ هُنا كَوْنُهُ مَجازًا عَنْ طَلَبِ الشُّكْرِ عَلى العَفْوِ، ومَن قَدَّرَ الإرادَةَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ أرادَ مُطْلَقَ الطَّلَبِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِزالِ إذْ لا نِزاعَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَطْلُبُ مِنَ العِبادِ ما لا يَقَعُ، والشُّكْرُ عِنْدَ الجُنَيْدِ هو العَجْزُ عَنِ الشُّكْرِ، وعِنْدَ الشِّبْلِيِّ: التَّواضُعُ تَحْتَ رُؤْيَةِ المِنَّةِ، وقالَ ذُو النُّونِ: الشُّكْرُ لِمَن فَوْقَكَ بِالطّاعَةِ، ولِنَظِيرِكَ بِالمُكافَآتِ، ولِمَن دُونَكَ بِالإحْسانِ.

2:53Page 8

وَإِذۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ٥٣

And [recall] when We gave Moses the Scripture and criterion1 that perhaps you would be guided.

﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ الكِتابُ التَّوْراةُ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ

صفحة 259

وفِي الفُرْقانِ أقْوالٌ، الأوَّلُ: إنَّهُ هو التَّوْراةُ أيْضًا، والعَطْفُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ الصِّفاتِ، لِلْإشارَةِ إلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها، فَإنَّ التَّوْراةَ لَها صِفَتانِ يُقالانِ بِالتَّشْكِيكِ، كَوْنُها كِتابًا جامِعًا لِما لَمْ يَجْمَعْهُ مُنَزَّلٌ سِوى القُرْآنِ، وكَوْنُها فُرْقانًا، أيْ حُجَّةً تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا﴾ الثّانِي: أنَّهُ الشَّرْعُ الفارِقُ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، فالعَطْفُ مِثْلُهُ في تَنَزُّلِ المَلائِكَةِ والرُّوحِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، الثّالِثُ: أنَّهُ المُعْجِزاتُ الفارِقَةُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِنَ العَصا، واليَدِ، وغَيْرِهِما، قالَهُ مُجاهِدٌ، الرّابِعُ: أنَّهُ النَّصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ العَدُوِّ، والوَلِيِّ، وكانَ آيَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهُ قِيلَ لِيَوْمِ بَدْرٍ: يَوْمُ الفُرْقانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ، ومَعْنى إتْيانِهِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نُزُولُ ذِكْرِهِ لَهُ حَتّى آمَنَ بِهِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وهو بَعِيدٌ وأبْعَدُ مِنهُ ما حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ، وقُطْرُبٍ أنَّهُ القُرْآنُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مَفْعُولٍ، أيْ ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ، وناسَبَ ذِكْرُ الِاهْتِداءِ إثْرَ ذِكْرِ إتْيانِ مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ، لِأنَّهُما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما ذَلِكَ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.

2:54Page 8

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٥٤

And [recall] when Moses said to his people, "O my people, indeed you have wronged yourselves by your taking of the calf [for worship]. So repent to your Creator and kill yourselves [i.e., the guilty among you]. That is best for [all of] you in the sight of your Creator." Then He accepted your repentance; indeed, He is the Accepting of Repentance, the Merciful.

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ نِعْمَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ في حَقِّ المَقْتُولِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ نالُوا دَرَجَةَ الشُّهَداءِ كَما أنَّ العَفْوَ نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ في حَقِّ الباقِينَ، وإنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ آتَيْنا﴾ إلَخْ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَعْدادُ النِّعَمِ، فَلَوِ اتَّصَلا لَصارا نِعْمَةً واحِدَةً، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها مُنْقَطِعَةٌ عَمّا تَقَدَّمَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، واللّامُ في (لِقَوْمِهِ) لِلتَّبْلِيغِ، وفائِدَةُ ذِكْرِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ خِطابَ مُوسى لِقَوْمِهِ كانَ مُشافَهَةً، لا بِتَوَسُّطِ مَن يَتَلَقّى مِنهُ، كالخِطاباتِ المَذْكُورَةِ سابِقًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، والقَوْمُ اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وإنَّما واحِدُهُ امْرُؤٌ، وقِياسُهُ أنْ لا يُجْمَعَ، وشَذَّ جَمْعُهُ عَلى أقاوِيمَ، والمَشْهُورُ اخْتِصاصُهُ بِالرِّجالِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ولا نِساءٌ مِن نِساءٌ﴾ وقالَ زُهَيْرٌ:

فَما أدْرِي وسَوْفَ أخالُ أدْرِي أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ

وقِيلَ: لا اخْتِصاصَ لَهُ بِهِمْ، بَلْ يُطْلَقُ عَلى النِّساءِ أيْضًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ والأوَّلُ أصْوَبُ، وانْدِراجُ النِّساءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِتْباعِ والتَّغْلِيبِ والمَجازِ، خَيْرٌ مِنَ الِاشْتِراكِ، وسُمِّيَ الرِّجالُ قَوْمًا لِأنَّهم يَقُومُونَ بِما لا يَقُومُ بِهِ النِّساءُ، وفي إقْبالِ مُوسى عَلَيْهِمْ بِالنِّداءِ، ونِداؤُهُ لَهم (بِياقَوْمِ) إيذانٌ بِالتَّحَنُّنِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ مِنهُمْ، وهم مِنهُ، وهَزَّ لَهم لِقَبُولِهِمُ الأمْرَ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ تَقْرِيعِهِمْ بِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، والباءُ في ﴿بِاتِّخاذِكُمُ﴾ سَبَبِيَّةٌ، وفي الِاتِّخاذِ هُنا الِاحْتِمالانِ السّابِقانِ هُناكَ، ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ﴾ الفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، لِأنَّ الظُّلْمَ سَبَبٌ لِلتَّوْبَةِ، وقَدْ عَطَفَتْ ما بَعْدَها عَلى ﴿إنَّكم ظَلَمْتُمْ﴾ والتَّوافُقُ في الخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ إنَّما يُشْتَرَطُ في العَطْفِ بِالواوِ، وتُشْعِرُ عِباراتُ بَعْضِ النّاسِ أنَّها لِلسَّبَبِيَّةِ دُونَ العَطْفِ، والتَّحْقِيقُ أنَّها لَهُما مَعًا، والبارِئُ هو الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ بَرْيًا مِنَ التَّفاوُتِ وعَدَمِ تَناسُبِ الأعْضاءِ وتَلائُمِ الأجْزاءِ بِأنْ تَكُونَ إحْدى اليَدَيْنِ في غايَةِ الصِّغَرِ، والرِّقَّةِ، والأُخْرى بِخِلافِهِ، ومُتَمَيِّزًا بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، بِالخَواصِّ والأشْكالِ والحُسْنِ والقُبْحِ، فَهو أخَصُّ مِنَ الخالِقِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِخُلُوصِ الشَّيْءِ وانْفِصالِهِ عَنْ غَيْرِهِ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّفَصِّي كَبُرْءِ المَرِيضِ، أوِ الإنْشاءِ، كَبَرَأ اللَّهُ تَعالى آدَمَ، أيْ خَلَقَهُ ابْتِداءً مُتَمَيِّزًا عَنْ لَوَثِ الطِّينِ، وفي ذِكْرِهِ في هَذا المَقامِ تَقْرِيعٌ بِما كانَ مِنهم مِن تَرْكِ عِبادَةِ العالِمِ الحَكِيمِ الَّذِي بَرَأهم بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ حَتّى عَرَّضُوا أنْفُسَهم لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى، ونُزُولِ أمْرِهِ بِأنْ يَفُكَّ ما رَكَّبَهُ مِن خَلْقِهِمْ

صفحة 260

ويَنْثُرَ ما نَظَمَ مِن صُوَرِهِمْ وأشْكالِهِمْ، حِينَ لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ في ذَلِكَ وغَمَطُوها بِعِبادَةِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنها، وهو مَثَلٌ في الغَباوَةِ والبَلادَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (بارِئِكُمْ) بِالِاخْتِلاسِ، ورُوِيَ عَنْهُ السُّكُونُ أيْضًا، وهو مِن إجْراءِ المُتَّصِلِ مِن كَلِمَتَيْنِ مَجْرى المُنْفَصِلِ مِن كَلِمَةٍ، ولِلنّاسِ في تَخْرِيجِهِ وُجُوهٌ لا تَخْلُو عَنْ شُذُوذٍ.

﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، والمُتَبادِرُ مِنَ القَتْلِ القَتْلُ المَعْرُوفُ مِن إزْهاقِ الرُّوحِ، وعَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والفِعْلُ مَعْطُوفٌ عَلى سابِقِهِ، فَإنْ كانَتْ تَوْبَتُهم هو القَتْلَ، إمّا في حَقِّهِمْ خاصَّةً، أوْ تَوْبَةَ المُرْتَدِّ مُطْلَقًا في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُوبُوا﴾ اعْزِمُوا عَلى التَّوْبَةِ لِيَصِحَّ العَطْفُ، وإنْ كانَتْ هي النَّدَمَ، والقَتْلُ مِن مُتَمِّماتِها كالخُرُوجِ عَنِ المَظالِمِ في شَرِيعَتِنا، فَهو عَلى مَعْناهُ، ولا إشْكالَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّوْبَةَ جُعِلَتْ لِهَؤُلاءِ عَيْنَ القَتْلِ ولا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ (تُوبُوا) بِاعْزِمُوا، بَلْ تُجْعَلُ الفاءُ لِلتَّفْسِيرِ، كَما تُجْعَلُ الواوُ لَهُ، وقَدْ قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ وظاهِرُ الأمْرِ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يُباشِرَ كُلٌّ قَتْلَ نَفْسِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَمَعْنى ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ حِينَئِذٍ لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ والمُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ أمَرَ مَن لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ أنْ يَقْتُلَ مَن عَبَدَهُ، والمَعْنى عَلَيْهِ: اسْتَسْلِمُوا أنْفُسُكم لِلْقَتْلِ، وسَمّى الِاسْتِسْلامَ لِلْقَتْلِ قَتْلًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، والقاتِلُ إمّا غَيْرُ مُعَيَّنٍ، أوِ الَّذِينَ اعْتَزَلُوا مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي كَيْفِيَّةِ القَتْلِ أخْبارٌ لا نُطِيلُ بِذِكْرِها، وجُمْلَةُ القَتْلى سَبْعُونَ ألْفًا، وبِتَمامِها نَزَلَتِ التَّوْبَةُ، وسَقَطَتِ الشِّفارُ مِن أيْدِيهِمْ، وأنْكَرَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وقالَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ عَقْلًا، إذِ الأمْرُ لِمَصْلَحَةِ المُكَلَّفِ، ولَيْسَ بَعْدَ القَتْلِ حالُ تَكْلِيفٍ لِيَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، ولَمْ يَدْرِ هَذا القاضِي بِأنَّ لِنُفُوسِنا خالِقًا بِأمْرِهِ نَسْتَبْقِيها، وبِأمْرِهِ نُفْنِيها، وأنَّ لَها بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ الَّتِي هي لَعِبٌ ولَهْوٌ حَياةً سَرْمَدِيَّةً، وبَهْجَةً أبَدِيَّةً، وأنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ، وأنَّ قَتْلَها بِأمْرِهِ يُوصِلُها إلى حَياةٍ خَيْرٍ مِنها، ومَن عَلِمَ أنَّ الإنْسانَ في هَذِهِ الدُّنْيا كَمُجاهِدٍ أُقِيمَ في ثَغْرٍ يَحْرُسُهُ، ووالٍ في بَلَدٍ يَسُوسُهُ، وأنَّهُ مَهْما اسْتَرَدَّ فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَأْمُرَهُ المَلِكُ بِخُرُوجِهِ بِنَفْسِهِ، أوْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِإخْراجِهِ، وهَذا واضِحٌ لِمَن تَصَوَّرَ حالَتَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وعَرَفَ قَدْرَ الحَياتَيْنِ، والمِيتَتَيْنِ فِيهِما، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ اسْتَبْعَدَ وُقُوعَهُ فَقالَ: مَعْنى ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ ذَلِّلُوا ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:

إنَّ الَّتِي عاطَيْتَنِي فَرَدَدْتُها ∗∗∗ قُتِلَتْ قُتِلَتْ فَهاتِها لَمْ تُقْتَلِ

ولَوْلا أنَّ الرِّواياتِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ لَقُلْتُ بِهِ تَفْسِيرًا، ونُقِلَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قَرَأ (فَأقِيلُوا أنْفُسَكُمْ)، والمَعْنى أنَّ أنْفُسَكم قَدْ تَوَرَّطَتْ في عَذابِ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الفِعْلِ العَظِيمِ الَّذِي تَعاطَيْتُمُوهُ، وقَدْ هَلَكَتْ، فَأقِيلُوها بِالتَّوْبَةِ، والتِزامِ الطّاعَةِ، وأزِيلُوا آثارَ تِلْكَ المَعاصِي بِإظْهارِ الطّاعاتِ.

﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّحْرِيضِ عَلى التَّوْبَةِ أوْ مُعَلِّلَةٌ، والإشارَةُ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِمّا تَقَدَّمَ، وخَيْرٌ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ حُذِفَتْ هَمْزَتَهُ، ونَطَقُوا بِها في الشِّعْرِ قالَ الرّاجِزُ:

بِلالٌ خَيْرُ النّاسِ وابْنُ الأخْيَرِ

وقَدْ تَأْتِي، ولا تَفْضِيلَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم مِنَ العِصْيانِ والإصْرارِ عَلى الذَّنْبِ، أوْ خَيْرٌ مِن ثَمَرَةِ العِصْيانِ، وهو الهَلاكُ الدّائِمُ، والكَلامُ عَلى حَدِّ العَسَلِ أحْلى مِنَ الخَلِّ، أوْ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ كائِنٌ لَكم.

صفحة 261

والعِنْدِيَّةُ هُنا مَجازٌ، وكُرِّرَ البارِئُ بِلَفْظِ الظّاهِرِ اعْتِناءً بِالحَثِّ عَلى التَّسْلِيمِ لَهُ في كُلِّ حالٍ، وتَلَقِّي ما يَرِدُ مِن قِبَلِهِ بِالقَبُولِ والِامْتِثالِ، فَإنَّهُ كَما رَأى الإنْشاءَ راجِحًا فَأنْشَأ، رَأى الإعْدامَ راجِحًا فَأمَرَ بِهِ، وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ.

﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ قَدْ، إنْ كانَ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُمْ، تَقْدِيرُهُ إنْ فَعَلْتُمْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ، فَقَدْ تابَ عَلَيْكُمْ، ومَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، إنْ كانَ خِطابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، كَأنَّهُ قالَ: فَفَعَلْتُمْ ما أُمِرْتُمْ فَتابَ عَلَيْكم بارِئُكُمْ، وفِيهِ التِفاتٌ لِتَقَدُّمِ التَّعْبِيرِ عَنْهم في كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِلَفْظِ القَوْمِ، وهو مِن قَبِيلِ الغَيْبَةِ، أوْ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ في (فَتابَ) حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: فَتُبْنا، ورُجِّحَ العَطْفُ لِسَلامَتِهِ مِن حَذْفِ الأداةِ، والشَّرْطِ، وإبْقاءِ الجَوابِ، وفي ثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ مَقالٌ، وظاهِرُ الآيَةِ كَوْنُها إخْبارًا عَنِ المَأْمُورِينَ بِالقَتْلِ المُمْتَثِلِينَ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى القَتْلَ لِمَن قَتَلَ شَهادَةً، وتابَ عَنِ الباقِينَ، وعَفا عَنْهُمْ، فَمَعْنى (عَلَيْكُمْ) عِنْدَهُ عَلى باقِيكُمْ، ﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: فَتُوبُوا، فَإنَّ التَّوْبَةَ بِالقَتْلِ لَمّا كانَتْ شاقَّةً عَلى النَّفْسِ هَوَّنَها سُبْحانَهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي يُوَفِّقُ إلَيْها، ويُسَهِّلُها، ويُبالِغُ في الإنْعامِ عَلى مَن أتى بِها، أوْ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ وتُفَسَّرُ التَّوْبَةُ مِنهُ تَعالى حِينَئِذٍ بِالقَبُولِ لِتَوْبَةِ المُذْنِبِينَ، والتَّأْكِيدُ لِسَبْقٍ المُلَوِّحِ، أوْ لِلِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ إنْ كانَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ فالضَّمِيرُ المَرْفُوعُ مُبْتَدَأٌ، وهو الأنْسَبُ لِدِلالَتِهِ عَلى كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وإنْ كانَ راجِعًا إلى البارِئِ سُبْحانَهُ، فالضَّمِيرُ المَرْفُوعُ إمّا فَصْلٌ أوْ مُبْتَدَأٌ، هَذا وحَظُّ العارِفِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أنْ يَعْرِفَ أنَّ هَواهُ بِمَنزِلَةِ عِجْلِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلا يَتَّخِذَهُ إلَهًا، ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ خَلَقَ نَفْسَهُ في أصْلِ الفِطْرَةِ مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ فَيْضِ اللَّهِ تَعالى، والدِّينِ القَوِيمِ، ومُتَهَيِّئَةً لِسُلُوكِ المَنهَجِ المُسْتَقِيمِ، والتَّرَقِّي إلى جَنابِ القُدْسِ، وحَضْرَةِ الأُنْسِ، وهَذا هو الكِتابُ الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى القَلْبُ، والفُرْقانُ الَّذِي يُهْتَدى بِنُورِهِ في لَيالِي السُّلُوكِ إلى حَضْرَةِ الرَّبِّ، فَمَتى أخْلَدَتِ النَّفْسُ إلى الأرْضِ، واتَّبَعَتْ هَواها، وآثَرَتْ شَهَواتِها عَلى مَوْلاها أُمِرَتْ بِقَتْلِها بِكَسْرِ شَهَواتِها، وقَلْعِ مُشْتَهَياتِها، لِيَصِحَّ لَها البَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ، والصَّحْوُ بَعْدَ المَحْوِ، ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ الحَقِيقِيَّةُ سِوى مَحْوِ البَشَرِيَّةِ بِإثْباتِ الأُلُوهِيَّةِ، وهَذا هو الجِهادُ الأكْبَرُ، والمَوْتُ الأحْمَرُ.

لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ

وهَذا صَعْبٌ لا يَتَيَسَّرُ إلّا لِخَواصِّ الحَقِّ، ورِجالِ الصِّدْقِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِمُوتُوا، قَبْلَ أنْ تَمُوتُوا، وقِيلَ: أوَّلُ قَدَمٍ في العُبُودِيَّةِ إتْلافُ النَّفْسِ وقَتْلُها بِتَرْكِ الشَّهَواتِ، وقَطْعِها عَنِ المَلاذِّ، فَكَيْفَ الوُصُولُ إلى شَيْءٍ مِن مَنازِلِ الصِّدِّيقِينَ، ومَعارِجِ المُقَرَّبِينَ، هَيْهاتَ هَيْهاتَ، ذاكَ بِمَعْزِلٍ عَنّا، ومَناطُ الثُّرَيّا مِنّا.

تَعالَوْا نُقِمْ مَأْتَمًا لِلْهُمُومِ ∗∗∗ فَإنَّ الحَزِينَ يُواسِي الحَزِينا

2:55Page 8

وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٥

And [recall] when you said, "O Moses, we will never believe you until we see Allāh outright"; so the thunderbolt took you while you were looking on.

﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ القائِلُ هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِي اخْتارَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِمِيقاتِ التَّوْراةِ، قِيلَ: قالُوهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ، وقَتْلِ عَبَدَةِ العِجْلِ، وتَحْرِيقِ عِجْلِهِمْ، ويُفْهَمُ مِن بَعْضِ الآثارِ أنَّ القائِلَ أهْلُ المِيقاتِ الثّانِيِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلِاعْتِذارِ عَنْ عَبَدَةِ العِجْلِ، وكانُوا سَبْعِينَ أيْضًا، وقِيلَ: القائِلُ عَشَرَةُ آلافٍ مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِسائِرِ بَنِي إسْرائِيلَ، إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الأعْرافِ ما يَنْفَعُكَ هُنا، واللّامُ مِن (لَكَ) إمّا لامُ الأجَلِ، أوْ لِلتَّعْدِيَةِ بِتَضْمِينِ مَعْنى الإقْرارِ عَلى أنَّ مُوسى مُقِرٌّ لَهُ

صفحة 262

والمُقَرُّ بِهِ مَحْذُوفٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ التَّوْراةَ، أوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّمَهُ فَأمَرَهُ ونَهاهُ، وقَدْ كانَ هَؤُلاءِ مُؤْمِنِينَ مِن قَبْلُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّهم نَفَوْا هَذا الإيمانَ المُعَيَّنَ والإقْرارَ الخاصَّ، وقِيلَ: أرادُوا نَفْيَ الكَمالِ أيْ لا يَكْمُلُ إيمانُنا لَكَ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ المُؤْمِنِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)،» والقَوْلُ إنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أصْلًا لَمْ نَرَهُ لِأحَدٍ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ

﴿حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ حَتّى هُنا حَرْفُ غايَةٍ، والجَهْرَةُ في الأصْلِ مَصْدَرُ جَهَرْتُ بِالقِراءَةِ، إذا رَفَعْتَ صَوْتَكَ بِها، واسْتُعِيرَتْ لِلْمُعايَنَةِ بِجامِعِ الظُّهُورِ التّامِّ، وقالَ الرّاغِبُ: الجَهْرُ يُقالُ لِظُهُورِ الشَّيْءِ بِإفْراطِ حاسَّةِ البَصَرِ، أوْ حاسَّةِ السَّمْعِ، أمّا البَصَرُ فَنَحْوُ: رَأيْتُهُ جِهارًا، وأمّا السَّمْعُ فَنَحْوُ: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ وانْتِصابُها عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُزِيلٌ لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مَنامًا، أوْ عِلْمًا بِالقَلْبِ، وقِيلَ: عَلى أنَّها حالٌ عَلى تَقْدِيرِ: ذَوِي جَهْرَةٍ، أوْ مُجاهِرِينَ، فَعَلى الأوَّلِ الجَهْرَةُ مِن صِفاتِ الرُّؤْيَةِ، وعَلى الثّانِي مِن صِفاتِ الرّائِينَ، وثَمَّ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنْ تَكُونَ راجِعَةً لِمَعْنى القَوْلِ، أوِ القائِلِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: وإذْ قُلْتُمْ كَذا (قَوْلًا) جَهْرَةً أوْ جاهِرِينَ بِذَلِكَ القَوْلِ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ، ولا مُبالِينَ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ وغَيْرُهُ (جَهَرَةً) بِفَتْحِ الهاءِ، وهي إمّا مَصْدَرٌ كالغَلَبَةِ، ومَعْناها مَعْنى المَسْكَنَةِ، وإعْرابُها إعْرابُها، أوْ جَمْعُ جاهِرٍ كَفاسِقٍ، وفَسَقَةٍ، وانْتِصابُها عَلى الحالِ.

﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ أيِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْكُمْ، وأحاطَتْ بِكُمْ، وأصْلُ الأخْذِ القَبْضُ بِاليَدِ، والصّاعِقَةُ هُنا نارٌ مِنَ السَّماءِ أحْرَقَتْهُمْ، أوْ جُنْدٌ سَماوِيٌّ سَمِعُوا حِسَّهُمْ، فَماتُوا، أوْ صَيْحَةٌ سَماوِيَّةٌ خَرُّوا لَها صَعِقِينَ، مَيِّتِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، واخْتُلِفَ في مُوسى هَلْ أصابَهُ ما أصابَهُمْ؟ والصَّحِيحُ لا، وأنَّهُ صُعِقَ، ولَمْ يَمُتْ لَظاهِرٌ، ثُمَّ أفاقَ في حَقِّهِ، وثُمَّ بَعَثْناكم إلَخْ، في حَقِّهِمْ، وقَرَأ عُمَرُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (الصَّعْقَةُ)، ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ومُتَعَلِّقُ النَّظَرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الصّاعِقَةِ، أوْ أثَرِها الباقِي في أجْسامِهِمْ بَعْدَ البَعْثِ، أوْ إحْياءِ كُلٍّ مِنهم كَما وقَعَ في قِصَّةِ العُزَيْرِ، قالُوا: أحْيا عُضْوًا بَعْدَ عُضْوٍ، والمَعْنى: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها تَأْخُذُكُمْ، أوْ: وأنْتُمْ يُقابِلُ بَعْضُكم بَعْضًا، قالَ في البَحْرِ: ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ المَعْنى: وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ إجابَةَ السُّؤالِ في حُصُولِ الرُّؤْيَةِ لَكم كانَ وجْهًا مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرْتُ الرَّجُلَ أيِ انْتَظَرْتُهُ، كَما قالَ:

فَإنَّكُما إنْ تَنْظُرانِي ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعُنِي لَدى أُمِّ جُنْدُبِ

لَكِنَّ هَذا الوَجْهَ غَيْرُ مَنقُولٍ، فَلا أجْسُرُ عَلى القَوْلِ بِهِ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском