Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:99–107
20:99Page 319
كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا ٩٩
Thus, [O Muḥammad], We relate to you from the news of what has preceded. And We have certainly given you from Us a message [i.e., the Qur’ān].
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ الوَعْدِ الجَمِيلِ بِتَنْزِيلِ أمْثالِ ما مَرَّ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّالِفَةِ. والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أوِ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ لِذَلِكَ المَصْدَرِ أيْ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ مِنَ الحَوادِثِ الماضِيَةِ الجارِيَةِ عَلى الأُمَمِ الخالِيَةِ قَصًّا، كائِنًا كَذَلِكَ القَصُّ المارُّ أوْ قَصًّا مِثْلَ ذَلِكَ، والتَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ أيْ كَذَلِكَ لا ناقِصًا عَنْهُ، (ومِن) في ﴿مِن أنْباءِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ أيْ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأً أوْ بَعْضًا كائِنًا مِن أنْباءٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ﴿نَقُصُّ﴾ بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ أيْ نَقُصُّ بَعْضَ أنْباءِ، وتَأْخِيرُهُ عَنْ ﴿عَلَيْكَ﴾ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ﴾ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ.
صفحة 259
وفائِدَةُ هَذا القَصِّ تَوْفِيرُ عِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَكْثِيرُ مُعْجِزاتِهِ وتَسْلِيَتُهُ وتَذْكِرَةُ المُسْتَبْصِرِينَ مِن أُمَّتِهِ ﷺ ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ كِتابًا مُنْطَوِيًا عَلى هَذِهِ الأقاصِيصِ والأخْبارِ حَقِيقًا بِالتَّذَكُّرِ والتَّفَكُّرِ فِيهِ والِاعْتِبارِ، (ومِن) مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْناكَ، وتَنْكِيرُ ذِكْرًا لِلتَّفْخِيمِ، وتَأْخِيرُهُ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما أنَّ مَرْجِعَ الإفادَةِ في الجُمْلَةِ كَوْنُ المُؤْتى مِن لَدُنْهُ تَعالى ذِكْرًا عَظِيمًا وقُرْآنًا كَرِيمًا جامِعًا لِكُلِّ كَمالٍ لا كَوْنُ ذَلِكَ الذِّكْرِ مُؤْتى مِن لَدُنْهُ عَزَّ وجَلَّ مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولٍ بِما بَعْدَهُ مِنَ الصِّفَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿ذِكْرًا﴾ ولَيْسَ بِذاكَ، وتَفْسِيرُ الذِّكْرِ بِالقُرْآنِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَيانًا ومَآلُهُ ما ذُكِرَ، وقالَ أبُو سَهْلٍ: أيْ شَرَفًا وذِكْرًا في النّاسِ، ولا يُلائِمُهُ
20:100Page 319
مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا ١٠٠
Whoever turns away from it - then indeed, he will bear on the Day of Resurrection a burden [i.e., great sin],
قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ إذِ الظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ (عَنْهُ) لِلذِّكْرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، ولا يَحْسُنُ وصْفُ الشَّرَفِ أوِ الذِّكْرِ في النّاسِ بِذَلِكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، (ومَن) إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ أيْ مَن أعْرَضَ عَنِ الذِّكْرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المُسْتَتْبِعِ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ ﴿فَإنَّهُ﴾ أيِ: المُعْرِضَ عَنْهُ ﴿يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ أيْ: عُقُوبَةً ثَقِيلَةً عَلى إعْراضِهِ وسائِرِ ذُنُوبِهِ.
والوِزْرُ في الأصْلِ يُطْلَقُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: الحَمْلِ الثَّقِيلِ والإثْمِ، وإطْلاقُهُ عَلى العُقُوبَةِ نَظَرًا إلى المَعْنى الأوَّلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ حَيْثُ شَبَّهَتِ. الثّانِي عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ مِن حَيْثُ إنَّ العُقُوبَةَ بِالحَمْلِ الثَّقِيلِ. ثُمَّ اسْتُعِيرَ لَها بِقَرِينَةِ ذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ، ونَظَرًا إلى المَعْنى الثّانِي عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ مِن حَيْثُ إنَّ العُقُوبَةَ جَزاءُ الإثْمِ فَهي لازِمَةٌ لَهُ أوْ مُسَبِّبَةٌ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى فِيما بَعْدُ ﴿وساءَ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ تَرْشِيحٌ لَهُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ وتَفْسِيرُ الوِزْرِ بِالإثْمِ وحَمْلُ الكَلامِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ عُقُوبَةَ أوْ جَزاءَ إثْمٍ لَيْسَ بِذاكَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم داوُدُ بْنُ رُفَيْعٍ (يُحَمَّلُ) مُشَدَّدَ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ يُكَلَّفُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَحْمِلُهُ طَوْعًا ويَكُونُ (وِزْرًا) عَلى هَذا مَفْعُولًا ثانِيًا.
20:101Page 319
خَٰلِدِينَ فِيهِۖ وَسَآءَ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ حِمۡلٗا ١٠١
[Abiding] eternally therein,1 and evil it is for them on the Day of Resurrection as a load -
﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ أيْ في الوِزْرِ المُرادِ مِنهُ العُقُوبَةُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِمَصْدَرِ (يَحْمِلُ)
ونَصْبُ (خالِدِينَ) عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَكِنَّ في (يَحْمِلُ) والجَمْعُ بِالنَّظَرِ إلى مَعْنى (مَن) لِما أنَّ الخُلُودَ في النّارِ مِمّا يَتَحَقَّقُ حالَ اجْتِماعِ أهْلِها كَما أنَّ الأفْرادَ فِيما سَبَقَ مِنَ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِالنَّظَرِ إلى لَفْظِها ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾ إنْشاءٌ لِلذَّمِّ عَلى أنَّ ساءَ فِعْلُ ذَمٍّ بِمَعْنى بِئْسَ وهو أحَدُ مَعْنَيَيْهِ المَشْهُورَيْنِ، وفاعِلُهُ عَلى هَذا هُنا مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلى (حِمْلًا) الواقِعِ تَمْيِيزَ الأعْلى وِزْرًا لِأنَّ فاعِلَ بِئْسَ لا يَكُونُ إلّا ضَمِيرًا مُبْهَمًا يُفَسِّرُهُ التَّمْيِيزُ العائِدُ هو إلَيْهِ وإنْ تَأخَّرَ لِأنَّهُ مِن خَصائِصِ هَذا البابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ ساءَ حِمْلُهم حَمْلًا وِزْرُهم، ولامُ (لَهُمْ) لِلْبَيانِ كَما في ( سَقْيًا لَهُ ) و﴿هَيْتَ لَكَ﴾ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَن يُقالُ هَذا؟ فَقِيلَ: هو يُقالُ لَهم وفي شَأْنِهِمْ وإعادَةِ (يَوْمَ القِيامَةِ) لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَهْوِيلِ الأمْرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ساءَ) بِمَعْنى أحْزَنَ وهو المَعْنى الآخَرُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ والتَّقْدِيرُ عَلى ما قِيلَ وأحْزَنَهُمُ الوِزْرُ حالَ كَوْنِهِ حِمْلًا لَهم. وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ أيُّ فائِدَةٍ فِيهِ والوِزْرُ أدَلُّ عَلى الثِّقَلِ مَن قَيَّدَهُ ثُمَّ التَّقْيِيدُ بِلَهم مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ وتَقْدِيمِهِ الَّذِي لا يُطابِقُ المَقامَ وحَذْفَ المَفْعُولِ وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لا يُلائِمُ ما سَبَقَ لَهُ الكَلامُ ولا مُبالَغَةَ في الوَعِيدِ
صفحة 260
بِذَلِكَ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ ثُمَّ قالَ: وكَذَلِكَ ما قالَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ مِن أنَّ المَعْنى وأحْزَنَهم حِمْلُ الوِزْرِ عَلى أنَّ (حِمْلًا) تَمْيِيزٌ واللّامُ في (لَهُمْ) لِلْبَيانِ لِما ذُكِرَ مِن فَواتِ فَخامَةِ المَعْنى، وأنَّ البَيانَ إنْ كانَ لِاخْتِصاصِ الحِمْلِ بِهِمْ فَفِيهِ غَنِيَّةٌ، وإنْ كانَ لِمَحَلِّ الأحْزانِ فَلا كَذَلِكَ طَرِيقُ بَيانِهِ، وإنْ كانَ عَلى أنَّ هَذا الوَعِيدَ لَهم فَلَيْسَ مَوْقِعُهُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ وأنَّ المُناسِبَ حِينَئِذٍ وِزْرًا ساءَ لَهم حِمْلًا عَلى الوَصْفِ لا هَكَذا مُعْتَرِضًا مُؤَكَّدًا انْتَهى. ولا مَجالَ لِتَوْجِيهِ الإتْيانِ بِاللّامِ إلى اعْتِبارِ التَّضْمِينِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ فِعْلٍ مِمّا يُلائِمُ الفِعْلَ المَذْكُورَ مُناسِبًا لَها لِأنَّها ظاهِرَةٌ في الِاخْتِصاصِ النّافِعِ والفِعْلِ في الحَدَثِ الضّارِّ، والقَوْلُ بِازْدِيادِها كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ أوِ الحِمْلُ عَلى التَّهَكُّمِ تَمَحُّلٌ لِتَصْحِيحِ اللَّفْظِ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ ويَبْقى مَعَهُ أمْرِ فَخامَةِ المَعْنى، والحاصِلُ أنَّ ما ذُكِرَ لا يُساعِدُهُ اللَّفْظُ ولا المَعْنى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ساءَ) بِمَعْنى قَبُحَ فَقَدْ ذَكَرَ اسْتِعْمالَهُ بِهَذا المَعْنى وإنْ كانَ في كَوْنِهِ مَعْنًى حَقِيقِيًّا نُظِرَ، و)حِمْلًا) تَمْيِيزًا، و(لَهُمْ) حالًا، و(يَوْمَ القِيامَةِ) مُتَعَلِّقًا بِالظَّرْفِ أيْ قَبُحَ ذَلِكَ الوِزْرُ مِن جِهَةِ كَوْنِهِ حِمْلًا لَهم في يَوْمِ القِيامَةِ وفِيهِ ما فِيهِ.
20:102Page 319
يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا ١٠٢
The Day the Horn will be blown. And We will gather the criminals, that Day, blue-eyed.1
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ الذِّكْرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفُ المُضْمَرِ حُذِفَ لِلْإيذانِ بِضِيقِ العِبارَةِ عَنْ حَصْرِهِ وبَيانِهِ أوْ بَدَلًا مِن ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أوْ بَيانًا لَهُ أوْ ظَرْفًا لِيَتَخافَتُونَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ ( نُنْفِخُ ) بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآمِرِ بِهِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ تَعْظِيمًا لِلنَّفْخِ لِأنَّ ما يَصْدُرُ مِنَ العَظِيمِ عَظِيمٌ أوْ لِلنّافِخِ بِجَعْلِ فِعْلِهِ بِمَنزِلَةِ فِعْلِهِ تَعالى وهو إنَّما يُقالُ لِمَن لَهُ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ وقُرْبُ مَرْتَبَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ الواقِعِ هو فِيهِ.
وقُرِئَ ( يَنْفُخُ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى أنَّ ضَمِيرَهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ لِإسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ لَمْ يَجُرْ ذِكْرُهُ لِشُهْرَتِهِ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عِياضٍ في جَماعَةٍ (فِي الصُّوَرِ) بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ الواوِ جَمْعُ صُورَةٍ كَغُرْفَةٍ وغُرَفٍ، والمُرادُ بِهِ الجِسْمُ المُصَوِّرُ. وأوْرَدَ أنَّ النَّفْخَ يَتَكَرَّرُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ والنَّفْخُ في الصُّورَةِ إحْياءٌ والإحْياءُ غَيْرُ مُتَكَرِّرٍ بَعْدَ المَوْتِ وما في القَبْرِ لَيْسَ بِمُرادٍ مِنَ النَّفْخَةِ الأُولى بِالِاتِّفاقِ.
وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ نَفْخٍ إحْياءٌ، وبَعْضُهم فَسَّرَ الصُّورَ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ بِذَلِكَ أيْضًا، والحَقُّ تَفْسِيرُهُ بِالقَرْنِ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، وذُكِرَ ذَلِكَ صَرِيحًا مَعَ تَعِينِ أنَّ الحَشْرَ لا يَكُونُ إلّا يَوْمَئِذٍ لِلتَّهْوِيلِ، وقَرَأ الحَسَنُ ( يُحْشَرُ ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ و( المُجْرِمُونَ ) بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ، وقُرِئَ أيْضًا ( يَحْشُرُ ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُهُ عَزَّ وجَلَّ أيْ ويَحْشُرُ اللَّهُ تَعالى المُجْرِمِينَ (زُرْقًا) حالَ كَوْنِهِمْ زُرْقَ الأبْدانِ وذَلِكَ غايَةٌ في التَّشْوِيهِ ولا تَزْرُقُ الأبْدانُ إلّا مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ وجُفُوفِ رُطُوبَتِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما زُرْقُ العُيُونِ فَهو وصْفٌ لِلشَّيْءِ بِصِفَةِ جُزْئِهِ كَما يُقالُ غُلامٌ أكْحَلُ وأحْوَلُ والكُحْلُ والحَوَلُ مِن صِفاتِ العَيْنِ، ولَعَلَّهُ مَجازٌ مَشْهُورٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً كَرَجُلٍ أعْمى وإنَّما جُعِلُوا كَذَلِكَ لِأنَّ الزُّرْقَةَ أسْوَأُ ألْوانِ العَيْنِ وأبْغَضُها إلى العَرَبِ فَإنَّ الرُّومَ الَّذِينَ كانُوا أشَدَّ أعْدائِهِمْ عَداوَةً زُرِقَ، ولِذَلِكَ قالُوا في وصْفِ العَدُوِّ أسْوَدُ الكَبِدِ أصْهَبُ السِّبالِ أزْرَقُ العَيْنِ، وقالَ الشّاعِرُ:
وما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكُونَ وفاتُهُ بِكَفَّيْ سَبَنْتى أزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ
وكانُوا يَهْجُونَ بِالزُّرْقَةِ كَما في قَوْلِهِ:
لِقَدٍّ زَرِقَتْ عَيْناكَ يا ابْنَ مُكَعْبَرٍ ∗∗∗ إلّا كَلَّ ضَبِّيٍّ مِنَ اللُّؤْمِ أزْرَقُ
وسُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ ﴿زُرْقًا﴾ عَلى ما رُوِيَ عَنْهُ وعُمْيًا في آيَةٍ أُخْرى فَقالَ: لِيَوْمِ القِيامَةِ حالاتُ
صفحة 261
فَحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها عُمْيًا وحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها زُرْقًا. وعَنِ الفَرّاءِ المُرادُ مِن ﴿زُرْقًا﴾ عُمْيًا لِأنَّ العَيْنَ إذا ذَهَبَ نُورُها ازْرَقَّ ناظِرُها، ووَجْهُ الجَمْعِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وعَنِ الأزْهَرِيِّ المُرادِ عِطاشًا لِأنَّ العَطَشَ الشَّدِيدَ يُغَيِّرُ سَوادَ العَيْنِ فَيَجْعَلُهُ كالأزْرَقِ، وقِيلَ: يَجْعَلُهُ أبْيَضَ، وجاءَ الأزْرَقُ بِمَعْنى الأبْيَضِ ومِنهُ سِنانٌ أزْرَقُ، وقَوْلُهُ: فَلَمّا ورَدْنا الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ ويُلائِمُ تَفْسِيرُهُ بِعِطاشًا قَوْلُهُ تَعالى عَلى ما سَمِعْتُ ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ .
20:103Page 319
يَتَخَٰفَتُونَ بَيۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرٗا ١٠٣
They will murmur among themselves, "You remained not but ten [days in the world]."
﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ يَخْفِضُونَ أصْواتَهم ويُخْفُونَها لِشِدَّةِ هَوْلِ المَطْلَعِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ حِينَئِذٍ أوْ حالٌ أُخْرى مِن ﴿المُجْرِمِينَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ: قائِلِينَ ما لَبِثْتُمْ في القُبُورِ ﴿إلا عَشْرًا﴾ أيْ: عَشْرَ لَيالٍ أوْ عَشَرَةَ أيّامٍ، ولَعَلَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِ الأمْثَلِ.
والمُذَكَّرُ إذا حُذِفَ وأُبْقِيَ عَدَدُهُ قَدْ لا يُؤْتى بِالتّاءِ حَكى الكِسائِيُّ صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ ( «ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ» ) فَإنَّ المُرادَ سِتَّةُ أيّامٍ، وحُسْنُ الحَذْفِ هُنا كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةً، ومُرادُهم مِن هَذا القَوْلِ اسْتِقْصارُ المُدَّةِ وسُرْعَةُ انْقِضائِها والتَّنْدِيمُ عَلى ما كانُوا يَزْعُمُونَ حَيْثُ تَبَيَّنَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن إنْكارِ البَعْثِ وعَدَّهُ مِن قَبِيلِ المُحالاتِ كَأنَّهم قالُوا: قَدْ بُعِثْتُمْ وما لَبِثْتُمْ في القَبْرِ إلّا مُدَّةً يَسِيرَةً وقَدْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّكم لَنْ تَقُومُوا مِنهُ أبَدًا، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهم عَنَوْا لَبْثَهم في الدُّنْيا وقالُوا ذَلِكَ اسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ لَبْثِهِمْ فِيها لِزَوالِها ولِاسْتِطالَتِهِمْ مُدَّةَ الآخِرَةِ أوْ لِتَأسُّفِهِمْ عَلَيْها لَمّا عايَنُوا الشَّدائِدَ وأيْقَنُوا أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوها عَلى إضاعَةِ الأيّامِ في قَضاءِ الأوْطارِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهم في شُغْلٍ شاغِلٍ عَنْ تَذَكُّرِ ذَلِكَ فالأوْفَقُ بِحالِهِمْ ما تَقَدَّمَ، وبِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ اللُّبْثُ في القُبُورِ وفِيهِ بَحْثٌ.
وفِي مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهم عَنَوْا لَبْثَهم بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ يَلْبَثُونَ أرْبَعِينَ سَنَةً مَرْفُوعًا عَنْهُمُ العَذابُ
20:104Page 319
نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذۡ يَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِيقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا يَوۡمٗا ١٠٤
We are most knowing of what they say when the best of them in manner [i.e., wisdom or speech] will say, "You remained not but one day."
﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ أيْ بِالَّذِي يَقُولُونَهُ وهو مُدَّةُ لَبْثِهِمْ ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾ أيْ: أعْدَلُهم رَأْيًا وأرْجَحُهم عَقْلًا (وإذْ) ظَرْفُ يَقُولُونَ ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ واحِدًا وإلَيْهِ يَنْتَهِي العَدَدُ في القِلَّةِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الوَقْتِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ فالمُرادُ إلّا زَمَنًا قَلِيلًا، وظاهِرُ المُقابَلَةِ بِالعَشْرِ يُبْعِدُهُ، ونِسْبَةُ هَذا القَوْلِ إلى ﴿أمْثَلُهُمْ﴾ اسْتِرْجاحٌ مِنهُ تَعالى لَهُ لَكِنْ لا لِكَوْنِهِ أقْرَبَ إلى الصِّدْقِ بَلْ لِكَوْنِهِ أعْظَمَ في التَّنْدِيمِ أوْ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى شِدَّةِ الهَوْلِ وهَذا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ قائِلِهِ أعْلَمَ بِفَظاعَةِ الأمْرِ وشِدَّةِ العَذابِ.
20:105Page 319
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا ١٠٥
And they ask you about the mountains, so say, "My Lord will blow them away with a blast.1
﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ السّائِلُونَ مُنْكِرُو البَعْثِ مِن قُرَيْشٍ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَيْفَ يَفْعَلُ رَبُّكَ بِالجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: جَماعَةٌ مِن ثَقِيفٍ، وقِيلَ: أُناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ يَجْعَلُها سُبْحانَهُ كالرَّمْلِ ثُمَّ يُرْسِلُ عَلَيْها الرِّياحَ فَتُفَرِّقُها، والفاءُ لِلْمُسارَعَةِ إلى إزالَةِ ما في ذِهْنِ السّائِلِ مِن بَقاءِ الجِبالِ بِناءً عَلى ظَنِّ أنَّ ذَلِكَ مِن تَوابِعِ عَدَمِ الحَشْرِ ألا تَرى أنَّ مُنْكِرِي الحَشْرِ يَقُولُونَ بِعَدَمِ تَبَدُّلِ هَذا النِّظامِ المُشاهَدِ في الأرْضِ والسَّماواتِ أوْ لِلْمُسارَعَةِ إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ حِفْظًا مِن أنْ يُتَوَهَّمَ ما يَقْضِي بِفَسادِ الِاعْتِقادِ.
وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ السّائِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والأوَّلَ: عَلى أنَّهُ مِن مُنْكِرِي البَعْثِ، ومِن هُنا قالَ الإمامُ: إنَّ مَقْصُودَ السّائِلِينَ الطَّعْنُ في الحَشْرِ والنَّشْرِ فَلا جَرَمَ أمَرَ ﷺ بِالجَوابِ مَقْرُونًا بِحَرْفِ التَّعْقِيبِ لِأنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ في
صفحة 262
هَذِهِ المَسْألَةِ الأُصُولِيَّةِ غَيْرُ جائِزٍ وأمّا تَأْخِيرُهُ في المَسائِلِ الفُرُوعِيَّةِ فَجائِزٌ ولِذا لَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ في الأمْرِ بِالجَوابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ إمّا عَنْ قِدَمِ الجِبالِ أوْ عَنْ وُجُوبِ بَقائِها وهَذِهِ المَسْألَةُ مِن أُمَّهاتِ مَسائِلِ أُصُولِ الدِّينِ فَلا جَرَمَ أمَرَ ﷺ أنْ يُجِيبَهُ بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّعْقِيبِ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ أجِبْ عَنْ هَذا السُّؤالِ في الحالِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ لِأنَّ القَوْلَ بِقِدَمِها أوْ وُجُوبِ بَقائِها كُفْرٌ، ودَلالَةُ الجَوابِ عَلى نَفْيٍ ذَلِكَ مِن جِهَةِ أنَّ النَّسْفَ مُمْكِنٌ لِأنَّهُ مُمْكِنٌ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الجَبَلِ، والحِسُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا في حَقِّ كُلِّ الجَبَلِ فَلَيْسَ بِقَدِيمٍ ولا واجِبِ الوُجُودِ لِأنَّ القَدِيمَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ والنَّسْفُ انْتَهى.
واعْتُرِضَ بِأنَّ عَدَمَ جَوازِ التَّغَيُّرِ والنَّسْفِ إنَّما يُسَلَّمُ في حَقِّ القَدِيمِ بِالذّاتِ ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ مِنَ السّائِلَيْنِ إلى كَوْنِ الجِبالِ قَدِيمَةً كَذَلِكَ، وأمّا القَدِيمُ بِالزَّمانِ فَلا يُمْتَنَعُ عَلَيْهِ لِذاتِهِ ذَلِكَ بَلْ إذا امْتَنَعَ فَإنَّما يَمْتَنِعُ لِأمْرٍ آخَرَ عَلى أنَّ في كَوْنِ الجِبالِ قَدِيمَةً بِالزَّمانِ عِنْدَ السّائِلَيْنِ وكَذا غَيْرُهم مِنَ الفَلاسِفَةِ نَظَرًا بَلِ الظّاهِرُ أنَّ الفَلاسِفَةَ قائِلُونَ بِحُدُوثِها الزَّمانِيِّ وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا مَبْدَأً مُعَيَّنًا لِحُدُوثِها فَتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ السُّؤالَ والجَوابَ قَدْ ذُكِرا في عِدَّةِ مَواضِعَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى مِنها فُرُوعِيَّةٌ ومِنها أُصُولِيَّةٌ والأُصُولِيَّةُ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحِ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ ولا يَخْفى أنَّ عَدَّ جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُصُولِيَّةِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وعَلى تَقْدِيرِ ظُهُورِ ذَلِكَ في الجَمِيعِ يَرِدُ السُّؤالُ عَنْ سِرِّ اقْتِرانِ الأمْرِ بِالجَوابِ بِالفاءِ في بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ.
وكَوْنُ ما اقْتَرَنَ بِالفاءِ هو الأهَمَّ في حَيِّزِ المَنعِ فَإنَّ الأمْرَ بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ عَنِ الرُّوحِ إنْ كانَ عَنِ القِدَمِ ونَحْوِهِ فَمُهِمٌّ كالأمْرِ بِالجَوابِ فِيما نَحْنُ فِيهِ بَلْ لَعَلَّهُ أهَمُّ مِنهُ لِتَحَقُّقِ القائِلِ بِالقِدَمِ الزَّمانِيِّ لِلرُّوحِ بِناءً عَلى أنَّها النَّفْسُ النّاطِقَةُ كَأفْلاطُونَ وأتْباعِهِ، وقَدْ يُقالُ: لَمّا كانَ الجَوابُ هُنا لِدَفْعِ السُّؤالِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ تَخافُتُ المُجْرِمِينَ المُقْتَضِي لا لِاجْتِماعِهِمْ، والجِبالُ في البَيْنِ مانِعَةٌ عَنْ ذَلِكَ فَمَتى قُلْتُمْ بِصِحَّتِهِ فَبَيِّنُوا لَنا كَيْفَ يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِها؟ فَأُجِيبُ بِأنَّ الجِبالَ تُنْسَفُ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلا يَبْقى مانِعٌ عَنِ الِاجْتِماعِ والتَّخافُتِ، وقَرَنَ الأمْرَ بِالفاءِ لِلْمُسارَعَةِ إلى الذَّبِّ عَنِ الدَّعْوَةِ السّابِقَةِ، والآياتُ الَّتِي لَمْ يُقْرَنِ الأمْرُ فِيها بِالفاءِ لَمْ تُسَقْ هَذا المَساقَ كَما لا يَخْفى عَلى أرْبابِ الأذْواقِ، وقالَ النَّسَفِيُّ وغَيْرُهُ: الفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا سَألُوكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعِ السُّؤالُ عَنْ ذَلِكَ كَما وقَعَ في قِصَّةِ الرُّوحِ وغَيْرِها فَلِذا لَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ ثَمَّةَ وأُتِيَ بِهِ هُنا فَيَسْألُونَكَ مُتَمَحِّضٌ لِلِاسْتِقْبالِ، واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، وما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِن أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ يَفْعَلُ رَبُّكَ بِهَذِهِ الجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَزَلَتْ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ الآيَةَ، يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: الظّاهِرُ أنَّهُ إنَّما قُرِنَ بِها هُنا ولَمْ يُقْرَنْ بِها ثَمَّةَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الجَوابَ مَعْلُومٌ لَهُ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ فَأمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمُبادَرَةِ إلَيْهِ بِخِلافِ ذَلِكَ. انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الجَوابَ عَنْ سُؤالِ الرُّوحِ، وعَنْ سُؤالِ المَحِيضِ ونَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ ﷺ قَبْلُ لَمْ يَتَجاسَرْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن عَوامِّ النّاسِ فَضْلًا عَنْ خَواصِّهِمْ فَما ذَكَرَهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.
صفحة 263
ومِمّا يُضْحِكُ الثَّكْلى أنَّ بَعْضَ المُعاصِرِينَ سَمِعَ السُّؤالَ عَنْ سِرِّ اقْتِرانِ الأمَلِ هُنا بِالفاءِ وعَدَمِ اقْتِرانِهِ بِها في الآياتِ الأُخَرَ فَقالَ: ما أجْهَلَ هَذا السّائِلُ بِما يَجُوزُ وما لا يَجُوزُ مِنَ المَسائِلِ أما سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ أما دَرى أنَّ مَعْناهُ نَهْيُ مَن يُرِيدُ السُّؤالَ عَنْ أنْ يَسْألَ. وأدَلُّ مِن هَذا عَلى جَهْلِ الرَّجُلِ أنَّهُ دُونَ ما قالَ ولَمْ يُبالِ بِما قِيلَ ويُقالُ، ونَقْلِي لِذَلِكَ مِن بابِ التَّحْمِيضِ وتَذْكِيرِ مَن سَلِمَ مِن مَثَلِ هَذا الدّاءِ بِما مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الفَضْلِ الطَّوِيلِ العَرِيضِ،
وأمْرُ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَيَذَرُها﴾ ظاهِرٌ جِدًّا، والضَّمِيرُ إمّا لِلْجِبالِ بِاعْتِبارِ أجْزائِها السّافِلَةِ الباقِيَةِ بَعْدَ النَّسْفِ وهي مَقارُّها ومَراكِزُها أيْ فَنَذَرُ ما انْبَسَطَ مِنها وساوى سَطْحُهُ سُطُوحَ سائِرِ أجْزاءِ الأرْضِ بَعْدَ نَسْفِ ما نَتَأ مِنها ونَشَزَ وإمّا لِلْأرْضِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَرِينَةِ الحالِ لِأنَّها الباقِيَةُ بَعْدَ نَسْفِ الجِبالِ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَذَرُ سُبْحانَهُ الكُلَّ قاعًا ﴿صَفْصَفًا﴾ لِأنَّ الجِبالَ إذا سُوِّيِتْ وجُعِلَ سَطْحُها مُساوِيًا لِسُطُوحِ أجْزاءِ الأرْضِ فَقَدْ جُعِلَ الكُلُّ سَطْحًا واحِدًا، والقاعُ قِيلَ: السَّهْلُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ. ومِنهُ قَوْلُ ضِرارِ بْنِ الخَطّابِ:
لَتَكُونَنَّ بِالبِطاحِ قُرَيْشٌ فُقْعَةَ القاعِ في أكُفِّ الإماءِ
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الأرْضُ المَلْساءُ لا نَباتَ فِيها ولا بِناءَ. وحَكى مَكِّيٌّ أنَّهُ المَكانُ المُنْكَشِفُ، وقِيلَ: المُسْتَوِي الصُّلْبِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ مُسْتَنْقَعُ الماءِ ولَيْسَ بِمُرادٍ. وجَمْعُهُ أقْوُعٌ وأقْواعٌ وقِيعانٌ والصُّفْصُفُ الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ المَلْساءُ كَأنَّ أجْزاءَهُ صَفٌّ واحِدٌ مِن كُلِّ جِهَةٍ، وقِيلَ: الأرْضُ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ جَعَلَ القاعَ والصَّفْصَفَ بِمَعْنًى واحِدٍ وهو المُسْتَوِي الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ وانْتِصابُ قاعًا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَذَرَ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى التَّصْيِيرِ. و(صَفْصَفًا) إمّا حالٌ ثانِيَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي،
20:107Page 319
لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا ١٠٧
You will not see therein a depression or an elevation."
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تَرى فِيها﴾ أيْ في مَقارِّ الجِبالِ أوْ في الأرْضِ عَلى ما فُصِّلَ ﴿عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ كَيْفِيَّةَ ما سَبَقَ مِنَ القاعِ الصَّفْصَفِ أوْ حالٌ أُخْرى أوْ صِفَةٌ لِقاعٍ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ. وعُلِّقَتْ بِالعِوَجِ وهو بِكَسْرِ العَيْنِ ما لا يُدْرَكُ بِفَتْحِها بَلْ بِالبَصِيرَةِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ ما خَفِيَ مِنَ الِاعْوِجاجِ حَتّى احْتاجَ إثْباتُهُ إلى المِساحَةِ الهَنْدَسِيَّةِ المُدْرَكَةِ بِالعَقْلِ، فَأُلْحِقَ بِما هو عَقْلِيٌّ صِرْفٌ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِذَلِكَ وهَذا بِخِلافِ العِوَجِ بِفَتْحِ العَيْنِ فَإنَّهُ ما يُدْرَكُ بِفَتْحِها كَعِوَجِ الحائِطِ والعُودِ وبِهَذا فُرَّقَ بَيْنَهُما في الجَمْهَرَةِ وغَيْرِها.
واخْتارَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الفَصِيحِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، وقالَ أبُو عَمْرٍو: يُقالُ لِعَدَمِ الِاسْتِقامَةِ المَعْنَوِيَّةِ والحِسِّيَّةِ عِوَجٌ بِالكَسْرِ، وأمّا العَوَجُ بِالفَتْحِ فَمَصْدَرُ عَوِجَ، وصَحَّ الواوُ فِيهِ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مِن أعْوَجَ. ولَمّا صَحَّ في الفِعْلِ صَحَّ في المَصْدَرِ أيْضًا، والأمْتُ النُّتُوءُ، والتَّنْكِيرُ فِيها لِلتَّقْلِيلِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِوَجًا مِيلًا ولا أمْتًا أثَرًا مِثْلَ الشِّراكِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ عِوَجًا وادِيًا ولا أمْتًا رابِيَةً. وعَنْ قَتادَةَ عِوَجًا صَدْعًا ولا أمْتًا أكَمَةً، وقِيلَ: الأمْتُ الشُّقُوقُ في الأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو أنْ يَغْلُظَ مَكانٌ ويَدُقَّ مَكانٌ، وقِيلَ: الأمْتُ في الآيَةِ العِوَجُ في السَّماءِ تِجاهَ الهَواءِ والعِوَجُ في الأرْضِ مُخْتَصٌّ بِالعَرْضِ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences