Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:121–127
20:121Page 320
فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١
And they [i.e., Adam and his wife] ate of it, and their private parts became apparent to them, and they began to fasten over themselves from the leaves of Paradise. And Adam disobeyed his Lord and erred.
﴿فَأكَلا﴾ أيْ هو وزَوْجَتُهُ ﴿مِنها﴾ أيْ: مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي سَمّاها اللَّعِينُ شَجَرَةَ الخُلْدِ ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: عَرِيا عَنِ النُّورِ الَّذِي كانَ اللَّهُ تَعالى ألْبَسَهُما حَتّى بَدَتْ فُرُوجُهُما، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ كانَ لِباسُهُما الظُّفُرُ فَلَمّا أصابا الخَطِيئَةَ نُزِعَ عَنْهُما وتُرِكَتْ هَذِهِ البَقايا في أطْرافِ الأصابِعِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لِلْأكْلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرى ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.
﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ بِما ذُكِرَ مِن أكْلِ الشَّجَرَةِ ﴿فَغَوى﴾ ضَلَّ عَنْ مَطْلُوبِهِ الَّذِي هو الخُلُودُ أوْ عَنِ المَطْلُوبِ مِنهُ وهو تَرْكُ الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ أوْ عَنِ الرُّشْدِ حَيْثُ اغْتَرَّ بِقَوْلِ العَدُوِّ، وقِيلَ: غَوى أيْ فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ. ومِنهُ يُقالُ: الغِواءُ لِسُوءِ الرِّضاعِ. وقُرِئَ ( فَغَوِيَ ) بِفَتْحِ الغَيْنِ وكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الياءِ أيْ فَبَشِمَ مِن كَثْرَةِ الأكْلِ مِن غَوِيَ الفَصِيلُ إذا اتَّخَمَ مِنَ اللَّبَنِ وبِهِ فُسِّرَتِ القِراءَةُ الأُخْرى، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَقالَ وهَذا وإنْ صَحَّ عَلى لُغَةِ مَن يَقْلِبُ الياءَ المَكْسُورَ ما قَبْلَها ألِفًا فَيَقُولُ في فَنِيَ وبَقِيَ فَنا وبَقا بِالألِفِ وهم بَنُو طَيِّءٍ تَفْسِيرٌ خَبِيثٌ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما وقَعَ مِنَ الكَبائِرِ وهو المَفْهُومُ مِن كَلامِ الإمامِ فَإنْ كانَ صُدُورُهُ بَعْدَ البَعْثَةِ تَعَمُّدًا مِن غَيْرِ نِسْيانٍ ولا تَأْوِيلٍ أشْكَلَ عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ والأئِمَّةُ المُتْقِنُونَ مِن وُجُوبِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ البَعْثَةِ عَنْ صُدُورٍ مِثْلِ ذَلِكَ مِنهم عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ، ولا يَكادُ يَقُولُ بِذَلِكَ إلّا الأزارِقَةُ مِنَ الخَوارِجِ فَإنَّهم عَلَيْهِمْ ما يَسْتَحِقُّونَ جَوَّزُوا الكُفْرَ عَلَيْهِمْ وحاشاهم فَما دُونَهُ أوْلى بِالتَّجْوِيزِ، وإنْ كانَ صُدُورُهُ قَبْلَ البَعْثَةِ كَما قالَ بِهِ جَمْعٌ وقالَ الإمامُ: إنَّهُ مَذْهَبُنا فَإنْ كانَ تَعَمُّدًا أشْكَلَ عَلى قَوْلِ أكْثَرِ المُعْتَزِلَةِ والشِّيعَةِ بِعِصْمَتِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْ صُدُورِ مِثْلِ ذَلِكَ تَعَمُّدًا قَبْلَ البَعْثَةِ أيْضًا.
نَعَمْ لا إشْكالَ فِيهِ عَلى ما قالَهُ القاضِي أبُو بَكْرٍ مِن أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا ولا سَمْعًا أنْ يَصْدُرَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ مَعْصِيَةٌ مُطْلَقًا بَلْ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا إرْسالُ مَن أسْلَمَ بَعْدَ كُفْرِهِ، ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ أكْثَرُ الأصْحابِ وكَثِيرٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ وإنْ كانَ سَهْوًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ بِناءً عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ فِيهِ أشْكَلَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الشِّيعَةِ مِن مَنعِ صُدُورِ الكَبِيرَةِ سَهْوًا قَبْلَ البَعْثَةِ أيْضًا، ولا إشْكالَ فِيهِ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ القاضِي أبِي بَكْرٍ، وإنْ كانَ بَعْدَ البَعْثَةِ سَهْوًا أشْكَلَ أيْضًا عِنْدَ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، فَقَدْ قالَ عَضُدُ المِلَّةِ في المَواقِفِ إنَّ الأكْثَرِينَ جَوَّزُوا صُدُورَ الكَبِيرَةِ يَعْنِي ما عَدا الكُفْرَ والكَذِبَ فِيما دَلَّتِ المُعْجِزَةُ عَلى صِدْقِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيهِ سَهْوًا وعَلى سَبِيلِ الخَطَأِ مِنهم، وقالَ العَلّامَةُ الشَّرِيفُ المُخْتارُ خِلافَهُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّ ما وقَعَ صَغِيرَةٌ والأمْرُ عَلَيْهِ هَيِّنٌ فَإنَّ الصَّغائِرَ الغَيْرَ المُشْعِرَةِ بِالخِسَّةِ يَجُوزُ عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ الثّانِي في شَرْحِ العَقائِدِ صُدُورُها مِنهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَمْدًا بَعْدَ البِعْثَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ خِلافًا لِلْجُبّائِيِّ وأتْباعِهِ ويَجُوزُ صُدُورُها سَهْوًا بِالِاتِّفاقِ لَكِنِ المُحَقِّقُونَ اشْتَرَطُوا أنْ يُنَبَّهُوا عَلى ذَلِكَ فَيَنْتَهُوا عَنْهُ.
نَعَمْ ذُكِرَ في شَرْحِ المَقاصِدِ عِصْمَتُهم عَنْ صُدُورِ ذَلِكَ عَمْدًا. والأحْوَطُ نَظَرًا إلى مَقامِ آدَمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنْ يُقالَ: إنَّ صُدُورَ ما ذُكِرَ مِنهُ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وكانَ سَهْوًا أوْ عَنْ تَأْوِيلٍ إلّا أنَّهُ عَظُمَ الأمْرُ عَلَيْهِ وعَظُمَ لَدَيْهِ
صفحة 275
نَظَرًا إلى عُلُوِّ شَأْنِهِ ومَزِيدِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وإحْسانِهِ وقَدْ شاعَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى اسْتِعْظامِ ذَلِكَ مِنهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ المَغْرِبِيِّ قالَ: تَفَكَّرَ إبْراهِيمُ في شَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَقالَ: يا رَبِّ خَلَقْتَهُ بِيَدِكَ ونَفَخْتَ فِيهِ مِن رُوحِكَ وأسْجَدْتَ لَهُ مَلائِكَتِكَ ثُمَّ بِذَنْبٍ واحِدٍ مَلَأْتَ أفْواهَ النّاسِ مِن ذِكْرِ مَعْصِيَتِهِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يا إبْراهِيمُ أما عَلِمْتَ أنَّ مُخالَفَةَ الحَبِيبِ عَلى الحَبِيبِ شَدِيدَةٌ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في اسْتِعْظامِ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ المَلامُ زَجْرًا بَلِيغًا لِأوْلادِهِ عَنْ أمْثالِهِ، وعَلى العِلّاتِ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ العِصْيانُ اليَوْمَ وأنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ تالِيًا لِما تَضَمَّنَ ذَلِكَ أوْ راوِيًا لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأمّا أنْ يَكُونَ مُبْتَدِئًا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ فَلا، وقَدْ صَرَّحَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ بِعَدَمِ جَوازِ نِسْبَةِ العِصْيانِ لِلْآباءِ الأدْنِينَ إلَيْنا المُماثِلِينَ لَنا فَكَيْفَ يَجُوزُ نِسْبَتُهُ لِلْأنْبِياءِ الأقْدامِ والنَّبِيُّ المُقَدَّمُ الأكْرَمُ، وارْتَضى ذَلِكَ القُرْطُبِيُّ وادَّعى أنَّ ابْتِداءَ الأخْبارِ بِشَيْءٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى المُتَشابِهَةِ كاليَدِ والإصْبَعِ والنُّزُولِ أوْلى بِالمَنعِ وعَدَمِ الجَوازِ، ثُمَّ إنَّ ما وقَعَ كانَ في الحَقِيقَةِ بِمَحْضِ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ، وإلّا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ والحَسَنِ أنَّ عَقْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلُ عَقْلِ جَمِيعِ ولَدِهِ وعَداوَةُ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في غايَةِ الظُّهُورِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ عَقْلٌ ولا يُغْنِي شَيْءٌ في جَنْبِ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ
20:122Page 320
ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ ١٢٢
Then his Lord chose him and turned to him in forgiveness and guided [him].
﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ أيِ اصْطَفاهُ سُبْحانَهُ وقَرَّبَهُ إلَيْهِ بِالحَمْلِ عَلى التَّوْبَةِ والتَّوْفِيقِ لَها مِنِ اجْتَبى الشَّيْءَ جَباهُ لِنَفْسِهِ أيْ جَمَعَهُ كَقَوْلِكَ: اجْتَمَعْتُهُ أوْ مِن جَبى إلى كَذا فاجْتَبَيْتُهُ مِثْلَ جَلَيْتُ عَلى العَرُوسِ فاجْتَلَيْتُها، وأصْلُ مَعْنى الكَلِمَةِ الجَمْعُ فالمُجْتَبى كَأنَّهُ في الأصْلِ مِن جَمَعْتُ فِيهِ المَحاسِنَ حَتّى اخْتارَهُ غَيْرُهُ وقَرَّبَهُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: رَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وقَبِلَ تَوْبَتَهُ حِينَ تابَ وذَلِكَ حِينَ قالَ هو وزَوْجَتُهُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾، ﴿وهَدى﴾ أيْ إلى الثَّباتِ عَلى التَّوْبَةِ والتَّمَسُّكِ بِما يُرْضِي المَوْلى سُبْحانَهُ وتَعالى، وقِيلَ إلى كَيْفِيَّةِ التَّوْبَةِ بِتَعْلِيمِ الكَلِماتِ، والواوُ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُ ذَلِكَ قَبْلَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إلى النُّبُوَّةِ والقِيامُ بِما تَقْتَضِيهِ. وقَدَّمَ أبُو حَيّانَ هَذا عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي ذَكَرَها، والنَّيْسابُورِيُّ فَسَّرَ الِاجْتِباءَ بِالِاخْتِيارِ لِلرِّسالَةِ وجَعَلَ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى أنَّ ما جَرى كانَ قَبْلَ البَعْثَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِنِسْبَةِ العِصْيانِ والغَوايَةِ إلى حَوّاءَ بِأنْ يُسْنِدَهُما إلى ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْها، وعَنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أسْنَدَ الأكْلَ وما بَعْدَهُ إلى ذَلِكَ إعْراضًا عَنْ مَزِيدِ النَّعْيِ عَلى الحَرَمِ وأنَّ الأهَمَّ نَظَرًا إلى مَساقِ القِصَّةِ التَّصْرِيحُ بِما أُسْنِدَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ رِعايَةَ الفَواصِلِ وحَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ جَلَّ وعَلا بِعِصْيانِها لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَوْفِيقِها لِلتَّوْبَةِ وقَبُولِها مِنها، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ تَعالى اكْتَفى بِذِكْرِ شَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أنَّ حَوّاءَ تَبَعٌ لَهُ في الحُكْمِ ولِذا طُوِيَ ذِكْرُ النِّساءِ في أكْثَرِ مَواقِعِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
20:123Page 320
قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ ١٢٣
[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise] - all, [your descendants] being enemies to one another. And if there should come to you guidance from Me - then whoever follows My guidance will neither go astray [in the world] nor suffer [in the Hereafter].
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّهُ تَعالى عامَلَهُ بِما عامَلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا أمَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟
فَقِيلَ: قالَ لَهُ ولِزَوْجَتِهِ ﴿اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ أيِ انْزِلا مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ مُجْتَمَعَيْنِ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِإبْلِيسٍ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فَإنَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ بَعْدَ ما قِيلَ لَهُ (اخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ) لِلْوَسْوَسَةِ، وخِطابُهُما
صفحة 276
عَلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ لِما أنَّهُما أصْلُ الذُّرِّيَّةِ ومَنشَأُ الأوْلادِ فالتَّعادِي في الحَقِيقَةِ بَيْنَ أوْلادِهِما. وهَذا عَلى عَكْسِ مُخاطَبَةِ اليَهُودِ ونِسْبَةِ ما فَعَلَ آباؤُهم إلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُتَعادِينَ في أمْرِ المَعاشِ وشَهَواتِ الأنْفُسِ. وعَلى الثّانِي ظاهِرٌ لِظُهُورِ العَداوَةِ بَيْنَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وكَذا بَيْنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّةِ اللَّعِينِ. ومِن هُنا قِيلَ: الضَّمِيرُ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ وإبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لِآدَمَ وإبْلِيسَ والحَيَّةِ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ إلَخْ أيْ نَبِيٌّ أرْسَلَهُ إلَيْكم وكِتابٌ أنْزَلَهُ عَلَيْكم ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِتَشْرِيفِهِ والمُبالَغَةِ في إيجابِ اتِّباعِهِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ﴾ في الدُّنْيا ﴿ولا يَشْقى﴾ في الآخِرَةِ»، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الهُدى بِالقُرْآنِ لِما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: أجارَ اللَّهُ تَعالى تابِعَ القُرْآنِ مِن أنْ يَضِلَّ في الدُّنْيا أوْ يَشْقى في الآخِرَةِ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ، وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْهُ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَفْظِ ( «مَنِ اتَّبَعَ كِتابَ اللَّهِ هَداهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الضَّلالَةِ في الدُّنْيا ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ» )،
20:124Page 320
وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤
And whoever turns away from My remembrance - indeed, he will have a depressed [i.e., difficult] life, and We will gather [i.e., raise] him on the Day of Resurrection blind."
ورَجَحَ عَلى العُمُومِ بِقِيامِ القَرِينَةِ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ بِناءً عَلى تَفْسِيرِ الذِّكْرِ بِالقُرْآنِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾ والمُخْتارُ العُمُومُ أنْ يَقُولَ: الذِّكْرُ يَقَعُ عَلى القُرْآنِ وعَلى سائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وكَذا الآياتُ تَكُونُ بِمَعْنى الأدِلَّةِ مُطْلَقًا، وقَدْ فُسِّرَ الذِّكْرُ أيْضًا هُنا بِالهُدى لِأنَّهُ سَبَبُ ذِكْرِهِ تَعالى وعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، فَأُطْلِقُ المُسَبَّبُ وأُرِيدَ سَبَبُهُ لِوُقُوعِهِ في المُقابَلَةِ، وما في الخَبَرِ مِن بابِ التَّنْصِيصِ عَلى حُكْمِ أشْرَفِ الأفْرادِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالعُمُومِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ.
ثُمَّ إنَّ تَقْيِيدَ ﴿لا يَضِلُّ﴾ بِقَوْلِنا في الدُّنْيا ﴿ولا يَشْقى﴾ بِقَوْلِنا في الآخِرَةِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ.
وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ العَكْسَ أيْ فَلا يَضِلُّ طَرِيقَ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ ولا يَتْعَبُ في أمْرِ المَعِيشَةِ في الدُّنْيا، وجَعَلَ الأوَّلَ في مُقابَلَةِ ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ والثّانِيَ في مُقابَلَةِ ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ثُمَّ قالَ: وتَقْدِيمُ حالِ الآخِرَةِ عَلى حالِ الدُّنْيا في المُهْتَدِينَ لِأنَّ مَطْمَحَ نَظَرِهِمْ أمْرُ آخِرَتِهِمْ بِخِلافِ خِلافِهِمْ فَإنَّ نَظَرَهم مَقْصُورٌ عَلى دُنْياهم، ولا يَخْفى أنَّ الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ الآثارُ هو الأوَّلُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ المُتَبادَرُ، نَعَمْ ما ذُكِرَ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ وإنْ قِيلَ: فِيهِ تَكَلُّفٌ، وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ الأمْرَيْنِ في الآخِرَةِ وكَوْنَهُما في الدُّنْيا، وذُكِرَ أنَّ المُرادَ عَلى الأخِيرِ لا يَضِلُّ في الدِّينِ ولا يَشْقى بِسَبَبِ الدَّيْنِ لا مُطْلَقًا فَإنْ لَحِقَ المُنْعِمُ بِالهُدى شَقاءً في الدُّنْيا فَبِسَبَبٍ آخَرَ وذَلِكَ لا يَضُرُّ ا هـ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما سَمِعْتَ، والمُرادُ مِنَ الإعْراضِ عَنِ الذِّكْرِ عَدَمُ الِاتِّباعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن لَمْ يَتَّبِعْ ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أيْ: ضَيِّقَةً شَدِيدَةً وهو مَصْدَرُ ضَنَكَ وكَذا ضَناكَةٍ ولِذا يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ، وقَدْ وُصِفَ بِهِ هُنا المُؤَنَّثُ بِاعْتِبارِ الأصْلِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( ضَنْكى ) بِألِفِ التَّأْنِيثِ كَسَكْرى وبِالإمالَةِ. وهَذا التَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِالوَصْفِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِالشَّدِيدِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
صفحة 277
والخَيْلُ قَدْ لَحِقَتْ بِنا في مَأْزِقٍ ضَنْكٍ نَواحِيهِ شَدِيدِ المَقْدَمِ
والمُتَبادَرُ أنَّ تِلْكَ المَعِيشَةَ لَهُ في الدُّنْيا. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ وابْنِ جُبَيْرٍ، ووَجْهُ ضِيقِ مَعِيشَةِ الكافِرِ المُعَرَّضِ في الدُّنْيا أنَّهُ شَدِيدُ الحِرْصِ عَلى الدُّنْيا مُتَهالِكٌ عَلى ازْدِيادِها خائِفٌ مِنِ انْتِقاصِها غالِبٌ عَلَيْهِ الشُّحُّ بِها حَيْثُ لا غَرَضَ لَهُ سِواها بِخِلافِ المُؤْمِنِ الطّالِبِ لِلْآخِرَةِ، وقِيلَ: الضَّنْكُ مَجازٌ عَمّا لا خَيْرَ فِيهِ، ووَصْفُ مَعِيشَةِ الكافِرِ بِذَلِكَ لِأنَّها وبالٌ عَلَيْهِ وزِيادَةٌ في عَذابِهِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ، وهو مَأْخُوذٌ مِمّا أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَقُولُ كُلُّ مالِ أعْطَيْتُهُ عَبْدًا مِن عِبادِي قَلَّ أوْ كَثُرَ لا يَتَّقِينِي فِيهِ فَلا خَيْرَ فِيهِ وهو الضَّنْكُ في المَعِيشَةِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن كَوْنِها ضَنْكًا أنَّها سَبَبٌ لِلضَّنْكِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَكُونُ وصْفُها بِالضَّنْكِ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّها نَفْسُ الضَّنْكِ كَما يُقالُ في السُّلْطانِ: المَوْتُ بَيْنَ شَفَتَيْهِ يُرِيدُونَ بِالمَوْتِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِلْمَوْتِ كالأمْرِ بِالقَتْلِ ونَحْوِهِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ومالِكِ بْنِ دِينارٍ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ تِلْكَ المَعِيشَةَ لَهُ في القَبْرِ بِأنْ يُعَذَّبَ فِيهِ. وقَدْ رَوى ذَلِكَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي صالِحٍ والرَّبِيعِ والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ وفي البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأُسُودِ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ المَخْزُومِيِّ، والمُرادُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أضْلاعُهُ. ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا أيْضًا.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذِكْرِ المَوْتِ. والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ( قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المُؤْمِنُ في قَبْرِهِ في رَوْضَةٍ خَضْراءَ ويُرَحَّبُ لَهُ قَبْرُهُ سَبْعِينَ ذِراعًا، ويُضِيءُ حَتّى يَكُونَ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ هَلْ تَدْرُونَ فِيمَ أُنْزِلَتْ ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، يُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا، هَلْ تَدْرُونَ ما التِّنِّينُ؟ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ حَيَّةً، لِكُلِّ حَيَّةٍ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ يَخْدِشُونَهُ ويَلْسَعُونَهُ ويَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ومُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ عَذابِ القَبْرِ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: ( «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ عَذابُ القَبْرِ» ) ولَفْظُ عَبْدِ الرَّزّاقِ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ، ولَفْظُ ابْنِ أبِي حاتِمٍ: ضَمَّةُ القَبْرِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ ومَن قالَ: الدُّنْيا ما قَبْلَ القِيامَةِ الكُبْرى قالَ: ما يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ واقِعٌ في الدُّنْيا كالَّذِي يَكُونُ قَبْلَ المَوْتِ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّها تَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ في جَهَنَّمَ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ في النّارِ شَوْكٌ وزَقُّومٌ وغِسْلِينٌ وضَرِيعٌ ولَيْسَ في القَبْرِ ولا في الدُّنْيا مَعِيشَةٌ وما المَعِيشَةُ والحَياةُ إلّا في الآخِرَةِ، ولَعَلَّ الأخْبارَ السّابِقَةَ لَمْ تَبْلُغْ هَذا القائِلَ أوْ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّها إذا صَحَّتْ فَلا مَساغَ لِلْعُدُولِ عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ تَصِحَّ كانَ الأوْلى القَوْلَ بِأنَّها في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ لِظاهِرِ ذَكَرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَحْشُرُهُ﴾ إلَخْ بَعْدَ الإخْبارِ بِأنَّ ﴿لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبانُ بْنُ تَغْلِبَ ( ونَحْشُرْهُ ) بِإسْكانِ الرّاءِ وخَرَجَ عَلى أنَّهُ تَخْفِيفٌ أوْ جَزْمٌ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ ﴿فَإنَّ لَهُ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي تَكُنْ لَهُ مَعِيشَةٌ ضَنْكٌ ونَحْشُرُهُ إلَخْ. ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبانَ أنَّهُ قَرَأ ( ونَحْشُرُهْ ) بِسُكُونِ الهاءِ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. وفي البَحْرِ: الأحْسَنُ تَخْرِيجُ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ بَنِي كِلابٍ وعَقِيلٍ فَإنَّهم يُسَكِّنُونَ مِثْلَ هَذِهِ الهاءِ، وقَدْ قُرِئَ (لِرَبِّهْ لَكَنُودٌ) بِإسْكانِ الهاءِ وقَرَأتْ
صفحة 278
فِرْقَةٌ ( ويَحْشُرُهُ ) بِالياءِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ فاقِدُ البَصَرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾
20:125Page 320
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا ١٢٥
He will say, "My Lord, why have you raised me blind while I was [once] seeing?"
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ أيْ في الدُّنْيا كَما هو الظّاهِرُ، ولَعَلَّ هَذا بِاعْتِبارِ أكْثَرِ أفْرادِ مَن أعْرَضَ لِأنَّ مِن أفْرادِهِ مَن كانَ أكْمَهَ في الدُّنْيا. والظّاهِرُ أنَّ هَذا سُؤالٌ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ الحَشْرَ أعْمى لِأنَّهُ جَهِلَ أوْ ظَنَّ أنْ لا ذَنْبَ لَهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ.
20:126Page 321
قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ ١٢٦
[Allāh] will say, "Thus did Our signs come to you, and you forgot [i.e., disregarded] them; and thus will you this Day be forgotten."
﴿قالَ﴾ اللَّهُ تَعالى في جَوابِهِ ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا﴾ الكافُ مُقْحَمَةٌ كَما فِي: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ وذَلِكَ إشارَةُ إلى مَصْدَرِ أتَتْكَ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإتْيانِ البَدِيعِ أتَتْكَ الآياتُ الواضِحَةُ النَّيِّرَةُ. وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ لا إقْحامَ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى حَشْرِهِ أعْمى أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ فَعَلْتَ أنْتَ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أتَتْكَ﴾ إلَخْ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يا رَبِّ ما فَعَلْتُ أنا؟ فَقِيلَ: أتَتْكَ آياتُنا ﴿فَنَسِيتَها﴾ أيْ: تَرَكْتَها تَرْكَ المَنسِيِّ الَّذِي لا يُذْكَرُ أصْلًا، والمُرادُ فَعَمِيتَ عَنْها إلّا أنَّهُ وضَعَ المُسَبَّبَ مَوْضِعَ السَّبَبِ لِأنَّ مَن عَمِيَ عَنْ شَيْءٍ نَسِيَهُ وتَرَكَهُ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ﴾ إلى النِّسْيانِ المَفْهُومِ مِن نَسِيتَها والكافُ عَلى ظاهِرِها أيْ مِثْلَ ذَلِكَ النِّسْيانِ الَّذِي كُنْتَ فَعَلْتَهُ في الدُّنْيا ﴿اليَوْمَ تُنْسى﴾ أيْ تُتْرَكُ في العَمى جَزاءً وِفاقًا، وقِيلَ: الكافُ بِمَعْنى اللّامِ الأجَلِيَّةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ أيْ ولِأجْلِ ذَلِكَ النِّسْيانِ الصّادِرِ مِنكَ تُنْسى. وهَذا التَّرْكُ يَبْقى إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ يُزالُ العَمى عَنْهُ فَيَرى أهْوالَ القِيامَةِ ويُشاهِدُ النّارَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ الآيَةَ ويَكُونُ ذَلِكَ لَهُ عَذابًا فَوْقَ العَذابِ وكَذا البَكَمُ والصَّمَمُ يُزِيلُهُما اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ .
وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الكافِرَ يُحْشَرُ أوَّلًا بَصِيرًا ثُمَّ يَعْمى فَيَكُونُ الإخْبارُ بِأنَّهُ قَدْ كانَ بَصِيرًا إخْبارًا عَمّا كانَ عَلَيْهِ في أوَّلِ حَشْرِهِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ العَمى يَزُولُ أيْضًا، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ لا يَرى شَيْئًا إلّا النّارَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ أيْضًا في بَعْضِ أجْزاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ وإلّا فَكَيْفَ يَقْرَأُ كِتابَهُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ وأبِي صالِحٍ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ المَعْنى نَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى عَنِ الحُجَّةِ أيْ لا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها. وهو مُرادُ مَن قالَ: أعْمى القَلْبِ والبَصِيرَةِ، واخْتارَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ وقالَ كُلَّما ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ العَمى فَذَمَّهُ فَإنَّما يُرادُ بِهِ عَمى القَلْبِ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ وعَلى هَذا فالمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ وقَدْ كُنْتُ عالِمًا بِحُجَّتِي بَصِيرًا بِها أُحاجُّ عَنْ نَفْسِي في الدُّنْيا. ومِنهُ يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ في رَدِّ مَن حَمَلَ العَمى عَلى عَمى البَصِيرَةِ مِن أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحُسَّ الكافِرُ بِهِ لِأنَّهُ كانَ في الدُّنْيا أعْمى البَصِيرَةِ وماتَ وهو كَذَلِكَ. وحاصِلُ الجَوابِ عَلَيْهِ أنِّي حَشَرْتُكَ أعْمى القَلْبِ لا تَهْتَدِي إلى ما يُنْجِيكَ مِنَ الحُجَّةِ لِأنَّكَ تَرَكْتَ في الدُّنْيا آياتِي وحُجَجِي وكَما تَرَكْتَ ذَلِكَ تَتْرُكُ عَلى هَذا العَمى أبَدًا، وقِيلَ: المُرادُ بِأعْمى مُتَحَيِّرًا لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ مِنَ الحِيَلِ في دَفْعِ العَذابِ كالأعْمى الَّذِي يَتَحَيَّرُ في دَفْعِ ما لا يَراهُ. ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ كَما يُتَوَهَّمُ عَلى عَدِّ نِسْيانِ القُرْآنِ أوْ آيَةٍ مِنهُ كَبِيرَةٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ الرّافِعِيُّ ويُشْعِرُ كَلامُ الإمامِ النَّوَوِيِّ في الرَّوْضَةِ بِاخْتِيارِهِ لِأنَّ المُرادَ بِنِسْيانِ الآياتِ بَعْدَ القَوْلِ بِشُمُولِها آياتِ القُرْآنِ تَرْكُها وعَدَمُ الإيمانِ بِها. ومَن عَدَّ نِسْيانَ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ كَبِيرَةً أرادَ
صفحة 279
بِالنِّسْيانِ مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ، نَعَمْ تَجَوَّزَ أبُو شامَةَ شَيْخُ النَّوَوِيِّ فَحَمَلَ النِّسْيانَ في الأحادِيثِ الوارِدَةِ في ذَمِّ نِسْيانِ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ عَلى تَرْكِ العَمَلِ بِهِ. وتَحْقِيقُ هَذِهِ المَسْألَةِ وأنَّ كَوْنَ النِّسْيانِ بِالمَعْنى الأوَّلِ كَبِيرَةٌ عِنْدَ مَن قالَ بِهِ مَشْرُوطٌ كَما قالَ الجَلالُ البُلْقِينِيُّ والزَّرْكَشِيُّ وغَيْرُهُما بِما إذا كانَ عَنْ تَكاسُلٍ وتَهاوُنٍ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ وكَذا تَحْقِيقُ حالِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلْفٌ ( أعْمِي ) بِالإمالَةِ في المَوْضِعَيْنِ لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الياءِ. وأمالَ أبُو عَمْرٍو في الأوَّلِ فَقَطْ لِكَوْنِهِ جَدِيرًا بِالتَّغْيِيرِ لِكَوْنِهِ رَأْسَ الآيَةِ ومَحَلَّ الوَقْفِ.
20:127Page 321
وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ ١٢٧
And thus do We recompense he who transgressed and did not believe in the signs of his Lord. And the punishment of the Hereafter is more severe and more enduring.1
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ المُوافِقِ لِلْجِنايَةِ ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ بِالِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ ﴿ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ بَلْ كَذَّبَها وأعْرَضَ عَنْها، والمُرادُ تَشْبِيهُ الجَزاءِ العامِّ بِالجَزاءِ الخاصِّ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوْ عَذابُ النّارِ ﴿أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الأُولى ﴿وأبْقى﴾ أيْ: أكْثَرُ بَقاءً مِنهُ أوْ أشَدُّ وأبْقى مِن ذَلِكَ ومِن عَذابِ القَبْرِ أوْ مِنهُما ومِنَ الحَشْرِ عَلى العَمى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences