Al-AlusiTaha · 20:128–131

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:128–131

20:128Page 321

أَفَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ١٢٨

Then, has it not become clear to them how many generations We destroyed before them as they walk among their dwellings? Indeed in that are signs for those of intelligence.

﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي﴾ الآيَةَ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ. واسْتِعْمالُ الهِدايَةِ بِاللّامِ إمّا لِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا حاجَةَ إلى المَفْعُولِ أوْ لِأنَّها بِمَعْنى التَّبْيِينِ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ. وأيًّا ما كانَ فالفاعِلُ ضَمِيرُهُ تَعالى وضَمِيرُ (لَهُمْ) لِلْمُشْرِكِينَ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والمَعْنى أغْفَلُوا فَلَمْ يَفْعَلِ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الهِدايَةَ أوْ فَلَمْ يُبَيِّنْ عَزَّ وجَلَّ لَهُمُ العِبَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ إمّا بَيانٌ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتِلْكَ الهِدايَةِ أوْ كالتَّفْسِيرِ لِلْمَفْعُولِ المَحْذُوفِ، وقِيلَ: فاعِلُ (يَهْدِ) ضَمِيرُهُ ﷺ، وقِيلَ: ضَمِيرُ الإهْلاكِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، وقِيلَ: الفاعِلُ مَحْذُوفٌ أيِ النَّظَرُ والِاعْتِبارُ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى المِبْرَدِ، وفِيهِ حَذْفُ الفاعِلِ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفاعِلُ جُمْلَةُ ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ إلَخْ ووُقُوعُ الجُمْلَةِ فاعِلًا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِ لَكِنْ رُجِّحَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّ التَّعْلِيلَ فِيما بَعْدُ يَقْتَضِيهِ. ورُجِّحَ كَوْنُ الفاعِلِ ضَمِيرَهُ تَعالى شَأْنُهُ بِأنَّهُ قَدْ قَرَأ فِرْقَّةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّلَمِيُّ ( أفَلَمْ نَهْدِ ) بِالنُّونِ واخْتارَ بَعْضُهم عَلَيْهِ كَوْنَ الفِعْلِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ وجُمْلَةُ ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ بَيانًا لِتِلْكَ الهِدايَةِ، وبَعْضٌ آخَرُ كَوْنُهُ مُتَعَدِّيًا والمَفْعُولُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ أيْ: أفَلَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ تَعالى لَهم مَضْمُونَ هَذا الكَلامِ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولِ والفِعْلُ مُعَلَّقٌ عَنْها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ (كَمْ) هُنا خَبَرِيَّةٌ وهي لا تُعَلِّقُ عَنِ العَمَلِ وإنَّما الَّتِي تُعَلِّقُ عَنْهُ كَمِ الِاسْتِفْهامِيَّةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا كانَ مَدارُ التَّعْلِيقِ الصَّدارَةَ كَما هو الظّاهِرُ فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ هِشامٍ بِأنَّ لِكُلٍّ مِن كَمِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وكَمِ الخَبَرِيَّةِ ما ذُكِرَ، ورَدَ في المُغْنِي قَوْلُ ابْنِ عُصْفُورٍ: أنَّ (كَمْ) في الآيَةِ فاعِلُ يَهْدِ بِأنَّ لَها الصَّدْرَ ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ إنَّ ذَلِكَ جاءَ عَلى لُغَةٍ رَدِيئَةٍ حَكاها الأخْفَشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ يَقُولُ: مَلَكْتَ كَمْ عَبِيدٍ فَيُخْرِجُها عَنِ الصَّدْرِيَّةِ خَطَأٌ عَظِيمٌ إذْ خَرَّجَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ انْتَهى. وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ قائِلٌ بِأنَّ كَمْ هُنا خَبَرِيَّةٌ ولَها الصَّدْرُ. نَعَمْ نَقَلَ الحُوفِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ رَدَّ القائِلَ بِالفاعِلِيَّةِ بِأنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ لا يَعْمَلُ ما قَبْلَها فِيها والظّاهِرُ خَبَرِيَّتُها وهي مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لَأهْلَكْنا و﴿مِنَ القُرُونِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمُمَيِّزِها أيْ كَمْ قَرْنٍ كائِنٌ مِنَ القُرُونِ ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ حالٌ

صفحة 280

مِنَ (القُرُونِ) أوْ مِن مَفْعُولِ (أهْلَكْنا) أيْ أهْلَكْناهم وهم في حالِ أمْنٍ وتَقَلُّبٍ في دِيارِهِمْ. واخْتارَ في البَحْرِ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لَهُمْ) مُؤَكِّدًا لِلْإنْكارِ، والعامِلُ فِيهِ (يَهْدِ) أيْ أفَلَمْ يَهْدِ لِلْمُشْرِكِينَ حالَ كَوْنِهِمْ ماشِينَ في مَساكِنِ مَن أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ السّالِفَةِ مِن أصْحابِ الحِجْرِ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ مُشاهِدِينَ لِآثارِ هَلاكِهِمْ إذا سافَرُوا إلى الشّامِ وغَيْرِهِ، وتَوَهَّمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْقُرُونِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ (يُمَشُّونَ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ يُمَكَّنُونَ في المَشْيِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ وتَقْرِيرٌ لِلْهِدايَةِ مَعَ عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ. و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ إلَخْ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ وعُلُوِّ شَأْنِهِ في بابِهِ.

﴿لآياتٍ﴾ كَثِيرَةً عَظِيمَةً ظاهِراتِ الدَّلالَةِ عَلى الحَقِّ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ في تَجْرِيدِيَّةً كَما قِيلَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، ﴿لأُولِي النُّهى﴾ أيْ لِذَوِي العُقُولِ النِّهايَةِ عَنِ القَبائِحِ الَّتِي مِن أقْبَحِها ما يَتَعاطاهُ هَؤُلاءِ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى والتَّعامِي عَنْها وغَيْرُ ذَلِكَ مِن فُنُونِ المَعاصِي.

20:129Page 321

وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامٗا وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى ١٢٩

And if not for a word1 that preceded from your Lord, it [i.e., punishment] would have been an obligation [due immediately],2 and [if not for] a specified term [decreed].

﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ حِكْمَةِ عَدَمِ وُقُوعِ ما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الآيَةَ مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ القُرُونَ المُهْلَكَةَ والكَلِمَةُ السّابِقَةُ هي العِدَةُ بِتَأْخِيرِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إمّا إكْرامًا لِلنَّبِيِّ ﷺ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ أوْ لِأنَّ مِن نَسْلِهِمْ مَن يُؤْمِنُ أوْ لِحِكْمَةٍ أُخْرى اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِها أيْ لَوْلا الكَلِمَةُ السّابِقَةُ والعِدَةُ بِتَأْخِيرِ العَذابِ ﴿لَكانَ﴾ أيْ: عِقابُ جِناياتِهِمْ ﴿لِزامًا﴾ أيْ لازِمًا لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ بِحَيْثُ لا يَتَأخَّرُ عَنْ جِناياتِهِمْ ساعَةَ لُزُومِ ما نَزَلِ بِأضْرابِهِمْ مِنَ القُرُونِ السّالِفَةِ، واللِّزامُ إمّا مَصْدَرٌ لازِمٌ كالخِصامِ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ أوِ اسْمُ آلَةٍ كَحِزامٍ ورِكابٍ والوَصْفُ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا كَلِزازِ خَصْمٍ بِمَعْنى مُلِحٍّ عَلى خَصْمِهِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ جَمْعَ لازِمٍ كَقِيامٍ جَمْعِ قائِمٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كَلِمَةٌ﴾ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ أيْ لَوْلا العِدَةُ بِتَأْخِيرِ عَذابِهِمْ والأجَلُ المُسَمّى لِأعْمارِهِمْ لَما تَأخَّرَ عَذابُهم أصْلًا، وفَصْلُهُ عَمّا عُطِفَ عَلَيْهِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ جَوابٍ لَوْلا، والإشْعارُ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما بِنَفْيِ لُزُومِ العَذابِ ومُراعاةِ فَواصِلِ الآيِ الكَرِيمَةِ، وقِيلَ: أيْ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لِعَذابِهِمْ وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَتَّحِدُ حِينَئِذٍ بِالكَلِمَةِ السّابِقَةِ فَلا يَصْحُّ إدْراجُ اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهم بِالنَّفْيِ في عِدادِ نُكَتِ الفَصْلِ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَأْخِيرِ العَذابِ عَنِ الدُّنْيا أنْ يَكُونَ لَهُ وقْتٌ لا يَتَأخَّرُ عَنْهُ ولا يَتَخَلَّفُ فَلا مانِعَ مِنَ الِاسْتِقْلالِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الأجَلَ المُسَمّى هي الكَلِمَةُ الَّتِي سَبَقَتْ، وقِيلَ: الأجَلُ المُسَمّى لِلْعَذابِ هو يَوْمُ بَدْرٍ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُنافِي كَوْنَ الكَلِمَةِ هي العِدَةُ بِتَأْخِيرِ عَذابِ هَذِهِ الأُمَّةِ. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ العَذابِ هو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ ولَمْ يَقَعْ يَوْمَ بَدْرٍ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ العَطْفِ عَلى المُسْتَكِنِّ في كانَ العائِدِ إلى الأخْذِ العاجِلِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ تَنْزِيلًا لِلْفَصْلِ بِالخَبَرِ مَنزِلَةَ التَّأْكِيدِ أيْ لَكانَ الأخْذُ العاجِلُ والأجَلُ المُسَمّى لازِمَيْنِ لَهم كَدَأْبِ عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ، ولَمْ يَنْفَرِدِ الأجَلُ المُسَمّى دُونَ الأخْذِ العاجِلِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يَتَسَنّى إذا كانَ ﴿لِزامًا﴾ اسْمَ آلَةٍ لِلُزُومِ التَّثْنِيَةِ حِينَئِذٍ

20:130Page 321

فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ ١٣٠

So be patient over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting; and during periods of the night [exalt Him] and at the ends of the day, that you may be satisfied.

﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما ذُكِرَ مِن أنَّ

صفحة 281

تَأْخِيرَ عَذابِهِمْ لَيْسَ بِإهْمالٍ بَلْ إمْهالٍ وأنَّهُ لازِمٌ لَهُمُ البَتَّةَ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن كَلِماتِ الكُفْرِ فَإنَّ عِلْمَهُ ﷺ بِأنَّهم مُعَذَّبُونَ لا مَحالَةَ مِمّا يُسَلِّيهِ ويَحْمِلُهُ عَلى الصَّبْرِ، والمُرادُ بِهِ عَدَمُ الِاضْطِرابِ لا تَرْكُ القِتالِ حَتّى تَكُونَ الآيَةُ مَنسُوخَةً ﴿وسَبِّحْ﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ صَلِّ وأنْتَ حامِدٌ لِرَبِّكَ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي يُبَلِّغُكَ إلى كَمالاتٍ عَلى هِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ سُبْحانَهُ ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ أيْ: صَلاةِ الفَجْرِ ﴿وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ أيْ: صَلاةِ المَغْرِبِ، والظّاهِرُ أنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِسَبَّحَ.

وقَدْ أُخْرِجَ تَفْسِيرُ التَّسْبِيحِ في هَذَيْنَ الوَقْتَيْنِ بِما ذَكَرَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ .

وأخْرَجَ الحاكِمُ «عَنْ فَضالَةَ بْنِ وهْبٍ اللِّيثِيِّ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهُ: ( حافِظْ عَلى العَصْرَيْنِ قُلْتُ: وما العَصْرانِ؟ قالَ: صَلاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها» )، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ قَبْلَ غُرُوبِها صَلاتا الظُّهْرِ والعَصْرِ لِأنَّ وقْتَ كُلٍّ مِنهُما قَبْلَ غُرُوبِها وبَعْدَ زَوالِها وجَمَعَها لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَبْلَ الغُرُوبِ وإنْ كانَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ صادِقًا عَلى وقْتِ الظُّهْرِ ووَقْتِ العَصْرِ إلّا أنَّ الِاسْتِعْمالَ الشّائِعَ فِيهِ وقْتُ العَصْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ﴾ أيْ: مِن ساعاتِهِ جَمْعُ إنْيٍ وإنْوٍ بِالياءِ والواوِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ وإنّا بِالكَسْرِ والقَصْرِ و﴿آناءِ﴾ بِالفَتْحِ والمَدِّ ولَمْ يَشْتَهِرِ اشْتِهارَ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ، وذَكَرَهُ مَن يُوثَقُ بِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الرّاغِبُ في مُفْرَداتِهِ:

قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ أيْ وقْتِهِ، والإناهُ إذا كُسِرَ أوَّلُهُ قُصِرَ وإذا فُتِحَ مُدَّ نَحْوَ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:

وآنَيْتُ العِشاءَ إلى سُهَيْلٍ أوِ الشِّعْرى فَطالَ بِي الإناءُ

ثُمَّ قالَ: ويُقالُ آنَيْتُ الشَّيْءَ إيناءً أيْ أخَّرْتُهُ عَنْ أوانِهِ ويانَيْتُ تَأخَّرْتُ ا هـ، وفي المِصْباحِ آنَيْتُهُ بِالفَتْحِ والمَدِّ أخَّرْتُهُ، والِاسْمُ أناءٌ بِوَزْنِ سَلامٍ قِيلَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمُضْمَرٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿فَسَبِّحْ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ أيْ قُمْ بَعْضَ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِسَبِّحْ عَلى نَسَقِ ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾، والفاءُ عَلى الأوَّلِ عاطِفَةٌ وعَلى الثّانِي مُفَسِّرَةٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْمُولُ (فَسَبِّحْ)، والفاءُ زائِدَةٌ فائِدَتُها الدَّلالَةُ عَلى لُزُومِ ما بَعْدَها لِما قَبْلَها.

وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ مَعْمُولٌ لِما ذُكِرَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ لِدَعْوى زِيادَةِ الفاءِ لِأنَّها لا تَمْنَعُ عَمَلَ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، والمُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ في بَعْضِ آناءِ اللَّيْلِ صَلاةُ المَغْرِبِ وصَلاةُ العِشاءِ ولِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِما لَمْ يَكْتَفِ في الأمْرِ بِفِعْلِهِما بِالفِعْلِ السّابِقِ بِأنْ يَعْطِفَ (مِن آناءِ اللَّيْلِ) عَلى أحَدِ الظَّرْفَيْنِ السّابِقَيْنِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ فَسَبِّحْ ولِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ آناءِ اللَّيْلِ وامْتِيازِها عَلى سائِرِ الأوْقاتِ بِأُمُورٍ خاصِّيَّةٍ وعامِّيَّةٍ قُدِّمَ ذَكَرُها عَلى الأمْرِ ولَمْ يَسْلُكْ بِها مَسْلَكَ ما تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (مِن آناءِ اللَّيْلِ) وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿قَبْلَ طُلُوعِ﴾ والمُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ أطْرافَ النَّهارِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ قَتادَةَ صَلاةُ الظُّهْرِ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، ووَجْهُ إطْلاقِ الطَّرَفِ عَلى وقْتِها بِأنَّهُ نِهايَةُ النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ النَّهارِ وبِدايَةُ النِّصْفِ الأخِيرِ مِنهُ، وجَمَعَهُ بِاعْتِبارِ النِّصْفَيْنِ أوْ لِأنَّ تَعْرِيفَ النَّهارِ لِلْجِنْسِ الشّامِلِ لِكُلِّ نَهارٍ فَيَكُونُ الجَمْعُ بِاعْتِبارٍ تَعَدُّدِ النَّهارِ وأنَّ لِكُلٍّ طَرَفًا كَذا قِيلَ. وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ أنَّ البِدايَةَ والنِّهايَةَ فِيهِ لَيْسَتْ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ

صفحة 282

لِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ نِهايَةً بِاعْتِبارِ أنَّ النِّصْفَ الأوَّلَ انْتَهى عِنْدَهُ وهو خارِجٌ عَنْهُ وبِدايَةً بِاعْتِبارِ أنَّ النِّصْفَ الثّانِيَ ابْتَدَأ مِنهُ وهو داخِلٌ فِيهِ، ولا شَكَّ في بُعْدِ كَوْنِ الجَمْعِ بِمِثْلِ هَذا الِاعْتِبارِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ، وأيْضًا أنَّ إطْلاقَ الطَّرَفِ عَلى طَرَفِ أحَدِ نِصْفَيْهِ تَكَلُّفٌ فَإنَّهُ لَيْسَ طَرَفًا لَهُ بَلْ لِنِصْفِهِ.

وقِيلَ: هَذا تَكْرِيرٌ لِصَلاتَيِ الصُّبْحِ والمَغْرِبِ إيذانًا بِاخْتِصاصِهِما بِمَزِيدِ مَزِيَّةٍ، والمُرادُ بِالنَّهارِ ما بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها وبِالطَّرَفِ ما يُلاصِقُ أوَّلَ الشَّيْءِ وآخِرَهُ، والإتْيانُ بِلَفْظِ الجَمْعِ مَعَ أنَّ المُرادَ اثْنانِ لا مِنَ اللَّبْسِ إذِ النَّهارُ لَيْسَ لَهُ إلّا طَرَفانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ العَجّاجِ:

ومَهْمَهَيْنِ فَدْفَدَيْنِ مَرَّتَيْنِ ∗∗∗ ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ

والمُرَجَّحُ المُشاكَلَةُ لِآناءِ اللَّيْلِ، واخْتارَ هَذا مَن أدْخَلَ الظُّهْرَ فِيما قَبْلَ الغُرُوبِ، وفِيهِ أنَّ الطَّرَفَ حَقِيقَةٌ فِيما يَنْتَهِي بِهِ الشَّيْءُ وهو مِنهُ ويُطْلَقُ عَلى أوَّلِهِ وآخِرِهِ، وإطْلاقُهُ عَلى المُلاصِقِ المَذْكُورِ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ سائِغٌ شائِعٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِصَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ ويُرادُ بِالنَّهارِ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وغُرُوبِ الشَّمْسِ وبِالطَّرَفِ الأوَّلِ، والآخَرُ بِحَسَبِ العُرْفِ وإذا أُرِيدَ بِالنَّهارِ ما بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها يَبْعُدُ هَذا التَّجْوِيزُ إذْ لا يَكُونُ الطَّرَفانِ حِينَئِذٍ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ، وقِيلَ: هو أمْرٌ بِالتَّطَوُّعِ في السّاعاتِ الأخِيرَةِ لِلنَّهارِ وفِيهِ صَرْفُ الأمْرِ عَنْ ظاهِرِهِ مَعَ أنَّ في كَوْنِ السّاعاتِ الأخِيرَةِ لِلنَّهارِ زَمَنَ تَطَوُّعٍ بِالصَّلاةِ كَلامًا لا يَخْفى عَلى الفَقِيهِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أمْرٌ بِالتَّسْبِيحِ مَقْرُونًا بِالحَمْدِ وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُرادَ اللَّفْظُ أيْ قُلْ- سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ- أوْ يُرادُ المَعْنى أيْ نَزَّهَهُ سُبْحانَهُ عَنِ السُّوءِ وأثْنى عَلَيْهِ بِالجَمِيلِ.

وفِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ( مَن سَبَّحَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ سَبْعِينَ تَسْبِيحَةً غَرَبَتْ بِذُنُوبِهِ ).

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَبْعُدُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلى التَّنْزِيهِ والإجْلالِ، والمَعْنى اشْتَغَلَ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الأوْقاتِ وعَلى ذَلِكَ حَمَلَهُ أيْضًا العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ وجَعَلَ الباءَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ لِلْآلَةِ، وقالَ: إنَّ ذَلِكَ لِتَعْيِينِ سَلْبِ صِفاتِ النَّقْصِ لِأنَّ مَن سَلَبَ شَيْئًا فَقَدْ أثْبَتَ ضِدَّهُ وأضْدادُ صِفاتِ النَّقْصِ صِفاتُ الكَمالِ فَمَن نَزَّهَهُ سُبْحانَهُ فَقَدْ أثْبَتَ صِفاتِ الكَمالِ، وجُوِّزَ في إضافَةِ الحَمْدِ إلى الرَّبِّ أنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ أوْ مِن إضافَةِ الِاخْتِصاصِ بِأنْ يَكُونَ الحَمْدُ بِمَعْنى المَحامِدِ، ثُمَّ اسْتُحْسِنَ الأوَّلُ لِأنَّ الحَمْدَ الحَقُّ الكامِلُ حَمِدَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ، والمُتَبادَرُ جَعْلُ الباءِ لِلْمُلابَسَةِ والإضافَةِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ.

واخْتارَ الإمامُ حَمْلَ التَّسْبِيحِ عَلى التَّنْزِيهِ مِنَ الشِّرْكِ، وقالَ: إنَّهُ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ وإلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ صَبَّرَهُ أوَّلًا عَلى ما يَقُولُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ وإظْهارِ الكُفْرِ والشِّرْكِ والَّذِي يَلِيقُ بِذَلِكَ أنْ يُؤْمَرَ بِتَنْزِيهِهِ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ: حَتّى يَكُونَ مُظْهِرًا لِذَلِكَ وداعِيًا إلَيْهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا وجْهَ حِينَئِذٍ لِتَخْصِيصِ هَذِهِ الأوْقاتِ بِالذِّكْرِ، وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ بِذِكْرِها الدَّلالَةُ عَلى الدَّوامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (بِالغَداةِ والعَشِيِّ) مَعَ أنَّ لِبَعْضِ الأوْقاتِ مَزِيَّةً لِأمْرٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. ورُدَّ بِأنَّهُ يَأْباهُ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (مِن آناءِ اللَّيْلِ) عَلى أنَّ هَذِهِ الدَّلالَةَ يَكْفِيها أنْ يُقالَ: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وبَعْدَهُ لِتَناوُلِهِ اللَّيْلَ والنَّهارَ، فالزِّيادَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ خُصُوصِيَّةُ الوَقْتِ، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ /(مِن آناءِ اللَّيْلِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَبِّحِ الثّانِي فَلْيَكُنِ الأوَّلُ لِلتَّعْمِيمِ، والثّانِي لِتَخْصِيصِ البَعْضِ اعْتِناءً بِهِ، نَعَمْ يُرَدُّ أنَّ التَّنْزِيهَ عَنِ الشِّرْكِ لا مَعْنى لِتَخْصِيصِهِ إلّا إذا أُرِيدَ بِهِ قَوْلُ: سُبْحانَ اللَّهِ مُرادًا

صفحة 283

بِهِ التَّنْزِيهُ عَنِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ ما هو الظّاهِرُ مِنهُ ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الحَمْدِ الصَّلاةَ. والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَتَكُونُ حِكْمَةُ التَّخْصِيصِ ظاهِرَةً كَذا في الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ. وقَدْ عُورِضَ ما قالَهُ الإمامُ بِأنَّ الأنْسَبَ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ الأمْرُ بِالصَّلاةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ إرْشادًا لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ وأيْضًا الأمْرُ الآتِي أوْفَقُ بِحَمْلِ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ عَلى الأمْرِ بِالصَّلاةِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الآثارَ تَقْتَضِي ذَلِكَ ثُمَّ إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالطَّرَفِ طائِفَةٌ مِنَ الشَّيْءِ فَإنَّهُ أحَدُ مَعانِيهِ كَما في الصَّحّاحِ والقامُوسِ وإذا كانَ تَعْرِيفُ النَّهارِ لِلْجِنْسِ عَلى هَذا لَمْ يَبْقَ الكَلامُ فِيما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ كَما كانَ فَتَدَبَّرْ.

﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ قِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِسَبِّحْ أيْ سَبِّحْ في هَذِهِ الأوْقاتِ رَجاءَ أنْ تَنالَ عِنْدَهُ تَعالى ما تُرْضِي بِهِ نَفْسَكَ مِنَ الثَّوابِ. واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ والأمْرِ بِالصَّلاةِ، والمُرادُ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ في الدُّنْيا بِحُصُولِ الظَّفَرِ وانْتِشارِ أمْرِ الدَّعْوَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وأبانُ وعِصْمَةُ وأبُو عِمارَةَ عَنْ حَفْصٍ وأبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ وأبُو عُبَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الأصْفَهانِيُّ ( تُرْضى ) عَلى صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أرْضى أيْ يُرْضِيكَ رَبُّكَ.

20:131Page 321

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ ١٣١

And do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [some] categories of them, [its being but] the splendor of worldly life by which We test them. And the provision of your Lord is better and more enduring.

﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أيْ لا تُطِلْ نَظَرَهُما بِطَرِيقِ الرَّغْبَةِ والمَيْلِ ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا كالبَنِينَ والأمْوالِ والمَنازِلِ والمَلابِسِ والمَطاعِمِ ﴿أزْواجًا مِنهُمْ﴾ أيْ أصْنافًا مِنَ الكَفَرَةِ وهو مَفْعُولُ مَتَّعْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ ومِن بَيانِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ بِهِ ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ مَفْعُولُ مَتَّعْنا أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَفْعُولِهِ المَحْذُوفِ أيْ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى الَّذِي مَتَّعْنا بِهِ وهو أصْنافٌ وأنْواعٌ بَعْضَهم أوْ بَعْضًا كائِنًا مِنهم.

والمُرادُ عَلى ما قِيلَ اسْتَمِرَّ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ أُمَّتَهُ لِأنَّهُ ﷺ كانَ أبْعَدَ شَيْءٍ عَنْ إطالَةِ النَّظَرِ إلى زِينَةِ الدُّنْيا وزَخارِفِها وأعْلَقَ بِما عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن كُلِّ أحَدٍ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ القائِلُ ( «الدُّنْيا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ ما فِيها إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ تَعالى» ) .

وكانَ ﷺ شَدِيدَ النَّهْيِ عَنِ الِاغْتِرارِ بِالدُّنْيا والنَّظَرِ إلى زُخْرُفِها، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ فِيهِ تَجُوزُ في النِّسْبَةِ، وفي العُدُولِ عَنْ لا تَنْظُرْ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ إلَخْ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّظَرَ الغَيْرَ المَمْدُودِ مَعْفُوٌّ وكانَ المَنهِيُّ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ هو الإعْجابَ بِذَلِكَ والرَّغْبَةَ فِيهِ والمَيْلَ إلَيْهِ لَكِنَّ بَعْضَ المُتَّقِينَ بالَغُوا في غَضِّ البَصَرِ عَنْ ذَلِكَ حَتّى أنَّهم لَمْ يَنْظُرُوا إلى أبْنِيَةِ الظَّلَمَةِ وعَدَدِ الفَسَقَةِ في اللِّباسِ والمَرْكُوبِ وغَيْرِهِما، وذَلِكَ لِمَغْزًى بَعِيدٍ وهو أنَّهُمُ اتَّخَذُوها لِعُيُونِ النِّظارَةِ والفَخْرِ بِها فَيَكُونُ النَّظَرُ إلَيْها مُحَصِّلًا لِغَرَضِهِمْ وكالمُغْرِي لَهم عَلى اتِّخاذِها.

﴿زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: زِينَتَها وبَهْجَتَها وهو مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَتَّعْنا أيْ جَعَلْنا لَهم زَهْرَةً أوْ بِمَتَّعْنا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى أعْطَيْنا أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ بِهِ وضَعَّفَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ لِأنَّ إبْدالَ مَنصُوبٍ مِن مَحَلِّ جارٍّ ومَجْرُورٍ ضَعِيفٌ كَمَرَرْتُ بِزَيْدٍ أخاكَ ولِأنَّ الإبْدالَ مِنَ العائِدِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. ومِثْلُ ذَلِكَ ما قِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِن ما المَوْصُولَةِ لِما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بِالبَدَلِ بَيْنَ الصِّلَةِ ومَعْمُولِها أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن- أزْواجًا- بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَوِي أوْ أهْلَ زَهْرَةٍ، وقِيلَ: بِدُونِ تَقْدِيرٍ عَلى كَوْنِ- أزْواجًا- حالًا بِمَعْنى أصْنافِ التَّمَتُّعاتِ أوْ عَلى جَعْلِهِمْ نَفْسَ الزَّهْرَةِ مُبالَغَةً. وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ مِثْلَهُ يَجْرِي في النَّعْتِ لا في البَدَلِ لِمُشابَهَتِهِ لِبَدَلِ الغَلَطِ حِينَئِذٍ أوْ عَلى

صفحة 284

أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِما أوْ لِضَمِيرِ بِهِ، وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أوْ صِفَةُ- أزْواجًا- ورُدَّ ذَلِكَ لِتَعْرِيفِ التَّمْيِيزِ وتَعْرِيفِ وصْفِ النَّكِرَةِ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ بِهِ أوْ مِن ما وحُذِفَ التَّنْوِينُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وجَرَّ الحَياةَ عَلى البَدَلِ مِن ما واخْتارَهُ مَكِّيٌّ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الذَّمِّ أيِ أذُمُّ زَهْرَةَ إلَخْ واعْتُرِضَ بِأنَّ المَقامَ يَأْباهُ لِأنَّ المُرادَ أنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلى النَّظَرِ إلَيْها والرَّغْبَةِ فِيها ولا يُلائِمُهُ تَحْقِيرُها، ورُدَّ بِأنَّ في إضافَةِ الزَّهْرَةِ إلى الحَياةِ الدُّنْيا كُلَّ ذَمٍّ وما ذُكِرَ مِنَ الرَّغْبَةِ مِن شَهْوَةِ النُّفُوسِ الغَبِيَّةِ الَّتِي حُرِمَتْ نُورَ التَّوْفِيقِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ وحُمَيْدٌ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ وعِيسى والزُّهْرِيُّ- ( زَهَرَةَ ) - بِفَتْحِ الهاءِ وهي لُغَةٌ كالجَهَرَةِ في الجَهْرَةِ، وفي المُحْتَسِبِ لِابْنِ جِنِّيٍّ مَذْهَبُ أصْحابِنا في كُلِّ حَرْفِ حَلْقٍ ساكِنٍ بَعْدَ فَتْحَةٍ أنَّهُ لا يُحَرَّكُ إلّا عَلى أنَّهُ لُغَةٌ كَنَهَرٍ ونَهْرٍ وشَعَرٍ وشَعْرٍ ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ يَطَّرِدُ تَحْرِيكُ الثّانِي لِكَوْنِهِ حَرْفًا حَلْقِيًّا وإنْ لَمْ يُسْمَعْ ما لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ مانِعٌ كَما في لَفْظِ- نَحْوَ- لِأنَّهُ لَوْ حُرِّكَ قُلِبَ الواوُ ألِفًا، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ زَهَرَةٍ بِالتَّحْرِيكِ جَمْعَ زاهِرٍ كَكافِرٍ وكَفَرَةٍ وهو وصْفٌ لَأزْواجًا أيْ أزْواجًا مِنَ الكَفَرَةِ زاهِرِينَ بِالحَياةِ الدُّنْيا لِصَفاءِ ألْوانِهِمْ مِمّا يَلْهُونَ ويَتَنَعَّمُونَ وتَهَلُّلِ وُجُوهِهِمْ وبَهاءِ زِيِّهِمْ بِخِلافِ ما عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ والصُّلَحاءُ مِن شُحُوبِ الألْوانِ والتَّقَشُّفِ في الثِّيابِ، وجُوِّزَ عَلى هَذا كَوْنُهُ حالًا لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُتَبادَرَ مِن هَذِهِ الصِّفَةِ قَصْدُ الثُّبُوتِ لا الحُدُوثِ فَلا تَكُونُ إضافَتُها لَفْظِيَّةً عَلى أنَّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ لَيْسَ بِذاكَ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَتَّعْنا أيْ لِنُعامِلَهم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيهِمْ ويَخْتَبِرُهم فِيهِ أوْ لِنُعَذِّبَهم في الآخِرَةِ بِسَبَبِهِ وفِيهِ تَنْفِيرٌ عَنْ ذَلِكَ بِبَيانِ سُوءِ عاقِبَتِهِ مَآلًا أثَرَ بَهْجَتِهِ حالًا، وقَرَأ الأصْمَعِيُّ عَنْ عاصِمٍ لِنُفْتِنَهم بِضَمِّ النُّونِ مِن أفْتَنَهُ إذا جَعَلَ الفِتْنَةَ واقِعَةً فِيهِ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ ﴿ورِزْقُ رَبِّكَ﴾ أيْ: ما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أوْ ما رَزَقَكَ في الدُّنْيا مِنَ النُّبُوَّةِ والهُدى، وادَّعى صاحِبُ الكَشْفِ أنَّهُ أنْسَبُ بِهَذا المَقامِ أوْ ما ادَّخَرَ لَكَ فِيها مِن فَتْحِ البِلادِ والغَنائِمِ، وقِيلَ: القَناعَةُ ﴿خَيْرٌ﴾ مِمّا مُتِّعَ بِهِ هَؤُلاءِ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مِن أجَلِّ ما يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ مَأْمُونَ الغائِلَةِ بِخِلافِ ما مُتِّعُوا بِهِ ﴿وأبْقى﴾ فَإنَّهُ نَفْسَهُ أوْ أثَرَهُ لا يَكادُ يَنْقَطِعُ كالَّذِي مُتِّعُوا بِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском