Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:14–17
20:14Page 313
إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ ١٤
Indeed, I am Allāh. There is no deity except Me, so worship Me and establish prayer for My remembrance.
﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾ بَدَلٌ مِن (ما يُوحى) ولا رَيْبَ في أنَّ اخْتِيارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِهَذا فَقَطْ، والتَّعَلُّقُ بِاخْتَرْناكَ كَيْفَما كانَ يَقْتَضِيهِ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ مِن بابِ التَّنْصِيصِ عَلى ما هو الأهَمُّ والأصْلُ الأصِيلُ، وقِيلَ: هي سَيْفٌ خَطِيبٌ فَلا مُتَعَلَّقَ لَها كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وما مَوْصُولَةٌ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ فاسْتَمِعْ لِلَّذِي يُوحى إلَيْكَ أوْ لِلْوَحْيِ، وفي أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالِاسْتِماعِ إشارَةٌ إلى عِظَمِ ذَلِكَ وأنَّهُ يَقْتَضِي التَّأهُّبَ لَهُ، قالَ أبُو الفَضْلِ الجَوْهَرِيُّ: لَمّا قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَمِعْ
صفحة 171
لِما يُوحى وقَفَ عَلى حَجَرٍ واسْتَنَدَ إلى حَجَرٍ ووَضَعَ يَمِينَهُ عَلى شِمالِهِ وألْقى ذَقْنَهُ عَلى صَدْرِهِ وأصْغى بِشَراشِرِهِ.
وقالَ وهْبٌ: أدَبُ الِاسْتِماعِ سُكُونُ الجَوارِحِ وغَضُّ البَصَرِ والإصْغاءُ بِالسَّمْعِ وحُضُورُ العَقْلِ والعَزْمُ عَلى العَمَلِ، وذَلِكَ هو الِاسْتِماعُ لِما يُحِبُّ اللَّهُ تَعالى، وحَذْفُ الفاعِلِ في (يُوحى) لِلْعِلْمِ بِهِ ويُحَسِّنُهُ كَوْنُهُ فاصِلَةً فَإنَّهُ لَوْ كانَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ لَمْ يَكُنْ فاصِلَةً، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْبُدْنِي﴾ لِتَرْتِيبِ المَأْمُورِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ اخْتِصاصَ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ تَعالى شَأْنُهُ مِن مُوجِباتِ تَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ بِها غايَةُ التَّذَلُّلِ والِانْقِيادِ لَهُ تَعالى في جَمِيعِ ما يُكَلِّفُهُ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها هُنا التَّوْحِيدُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ والأوَّلُ أوْلى ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ خُصَّتِ الصَّلاةُ بِالذِّكْرِ وأُفْرِدَتْ بِالأمْرِ مَعَ انْدِراجِها في الأمْرِ بِالعِبادَةِ لِفَضْلِها وإنافَتِها عَلى سائِرِ العِباداتِ بِما نِيطَتْ بِهِ مِن ذِكْرِ المَعْبُودِ وشَغْلِ القَلْبِ واللِّسانِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ سَمّاها اللَّهُ تَعالى إيمانًا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في كُفْرِ تارِكِها كَسَلًا كَما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لِذِكْرِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِأقِمْ أيْ أقِمِ الصَّلاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيها لِاشْتِمالِها عَلى الأذْكارِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ أيْ لِتَكُونَ لِي ذاكِرًا غَيْرَ ناسٍ فِعْلَ المُخْلِصِينَ في جَعْلِهِمْ ذِكْرَ رَبِّهِمْ عَلى بالٍ مِنهم وتَوْكِيلِ هِمَمِهِمْ وأفْكارِهِمْ بِهِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ المُرادَ بِالإقامَةِ عَلى الأوَّلِ تَعْدِيلُ الأرْكانِ، وعَلى الثّانِي الإدامَةُ وجُعِلَتِ الصَّلاةُ في الأوَّلِ مَكانًا لِلذِّكْرِ ومَقَرَّهُ وعِلَّتَهُ، وعَلى الثّانِي جُعِلَتْ إقامَةُ الصَّلاةِ أيْ إدامَتُها عِلَّةً لِإدامَةِ الذِّكْرِ كَأنَّهُ قِيلَ أدِمِ الصَّلاةَ لِتَسْتَعِينَ بِها عَلى اسْتِغْراقِ فِكْرِكَ وهَمِّكَ في الذِّكْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ . وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِاعْبُدْنِي أوْ بِأقِمْ عَلى أنَّهُ مِن بابِ الأعْمالِ أيْ لِتَكُونَ ذاكِرًا لِي بِالعِبادَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، وإذا عَمَّمَ الذِّكْرَ لِيَتَناوَلَ القَلْبِيَّ والقالَبِيَّ جازَ اعْتِبارُ بابِ الأعْمالِ في الأوَّلِ أيْضًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
وقِيلَ: المُرادُ (أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) خاصَّةً لا تُرائِي بِها ولا تَشُوبُها بِذِكْرِ غَيْرِي أوْ لِإخْلاصِ ذِكْرِي وابْتِغاءِ وجْهِي ولا تَقْصِدْ بِها غَرَضًا آخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ أوْ لِأنْ أذْكُرَكَ بِالثَّناءِ أيْ لِأُثْنِيَ عَلَيْكَ وأُثِيبَكَ بِها أوْ لِذِكْرِي إيّاها في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وأمْرِي بِها، أوْ لِأوْقاتِ ذِكْرِي وهي مَواقِيتُ الصَّلَواتِ فاللّامُ وقْتِيَّةٌ بِمَعْنى عِنْدَ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ وقَوْلُكَ: كانَ ذَلِكَ لِخَمْسِ لَيالٍ خَلَوْنَ، ومِنَ النّاسِ مِن حَمَلَ الذِّكْرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ بَعْدَ نِسْيانِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، واللّامُ حِينَئِذٍ وقْتِيَّةٌ أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ، والمُرادُ أقِمِ الصَّلاةَ عِنْدَ تَذَكُّرِها أوْ لِأجْلِ تَذَكُّرِها والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ والأصْلُ لِذِكْرِ صَلاتِي أوْ يُقالُ: إنَّ ذِكْرَ الصَّلاةِ سَبَبٌ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فَأُطْلِقَ المُسَبِّبُ عَلى السَّبَبِ أوْ أنَّهُ وقَعَ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى مَوْقِعَ ضَمِيرِ الصَّلاةِ لِشَرَفِها أوْ أنَّ المُرادَ لِلذِّكْرِ الحاصِلِ مِنِّي فَأُضِيفَ الذِّكْرُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِهَذِهِ المُلابَسَةِ، والَّذِي حَمَلَ القائِلَ عَلى هَذا الحَمْلِ أنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن «حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ ﷺ نامَ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ فَلَمّا قَضاها قالَ: مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيَقْضِها إذا ذَكَرَها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: (أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» ) فَظَنَّ هَذا القائِلُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْمِلْ هَذا الحَمْلَ لَمْ يَصْحَّ التَّعْلِيلُ وهو مِن بَعْضِ الظَّنِّ، فَإنَّ التَّعْلِيلَ كَما في الكَشْفِ صَحِيحٌ والذِّكْرُ عَلى ما فُسِّرَ في الوَجْهِ الأوَّلِ وأرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ إذا ذَكَرَ الصَّلاةَ انْتَقَلَ مِن ذِكْرِها إلى ذِكْرِ ما شُرِعَتْ لَهُ وهو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، فَيَحْمِلُهُ عَلى إقامَتِها، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ لَمّا جُعِلَ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ الصَّلاةِ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى وهو حاصِلٌ مَطْلُوبٌ في كُلِّ وقْتٍ، فَإذا فاتَهُ الوَقْتُ المَحْدُودُ لَهُ يَنْبَغِي المُبادَرَةُ إلَيْهِ ما أمْكَنَهُ، فَهو مِن إشارَةِ النَّصِّ لا مِن مَنطُوقِهِ حَتّى يَحْتاجَ إلى التَّمَحُّلِ فافْهَمْ.
صفحة 172
وإضافَةُ ( ذِكْرِ ) إلى الضَّمِيرِ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، وأنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ حَسَبَ اخْتِلافِ التَّفْسِيرِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ والنَّخْعِيُّ وأبُو رَجاءٍ ( لِلذِّكْرى ) بِلامِ التَّعْرِيفِ وألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( لِذِكْرِي ) بِألِفِ التَّأْنِيثِ بِغَيْرِ لامِ التَّعْرِيفِ، وأُخْرى ( لِلذِّكْرِ ) بِالتَّعْرِيفِ والتَّذْكِيرِ
20:15Page 313
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ١٥
Indeed, the Hour is coming - I almost conceal it1 - so that every soul may be recompensed according to that for which it strives.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ العِبادَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ أيْ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإتْيانِ تَحْقِيقًا لِحُصُولِها بِإبْرازِها في مَعْرِضِ أمْرٍ مُحَقَّقٍ مُتَوَجِّهٍ نَحْوَ المُخاطَبِينَ ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أقْرَبُ أنْ أُخْفِيَ السّاعَةَ ولا أُظْهِرَها بِأنْ أقُولَ إنَّها آتِيَةٌ ولَوْلا أنْ في الأخْبارِ بِذَلِكَ مِنَ اللُّطْفِ وقَطْعِ الأعْذارِ لَما فَعَلْتُ، وحاصِلُهُ أكادُ أُبالِغُ في إخْفائِها فَلا أُجْمِلُ كَما لَمْ أُفَصِّلْ، والمُقارَبَةُ هُنا مَجازٌ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ أوْ أُرِيدَ إخْفاءُ وقْتِها المُعَيَّنِ وعَدَمُ إظْهارِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأخْفَشُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو مُسْلِمٍ، ومِن مَجِيءٍ كادَ بِمَعْنى أرادَ كَما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ في المُحْتَسِبِ قَوْلُهُ:
كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْنى أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ كَذَلِكَ، ورَوى ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْهُ ذَلِكَ بِزِيادَةِ فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها، وفي بَعْضِ القِراءاتِ بِزِيادَةِ فَكَيْفَ أُظْهِرُها لَكم، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بِزِيادَةِ فَكَيْفَ يَعْلَمُها مَخْلُوقٌ وهَذا مَحْمُولٌ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ العَرَبِ مِن أنَّ أحَدَهم إذا أرادَ المُبالَغَةَ في كِتْمانِ الشَّيْءِ قالَ: كِدْتُ أُخْفِيهِ مِن نَفْسِي ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أيّامَ تَصْحَبُنِي هِنْدٌ وأُخْبِرُها ∗∗∗ ما كِدْتُ أكْتُمُهُ عَنِّي مِنَ الخَبَرِ
ونَحْوُ هَذا مِنَ المُبالَغَةِ قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهم تَحْتَ ظِلِّهِ: ( «ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ» )
وبِجَعْلِ ذَلِكَ مِن بابِ المُبالَغَةِ يَنْدَفِعُ ما قِيلَ إنَّ إخْفاءَ ذَلِكَ مِن نَفْسِهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ فَلا يُناسِبُ دُخُولَ كادَ عَلَيْهِ، ولا حاجَةَ لِما قِيلَ: إنَّ مَعْنى مِن نَفْسِي مِن تِلْقائِي ومِن عِنْدِي، والقَرِينَةُ عَلى هَذا المَحْذُوفِ إثْباتُهُ في المَصاحِفِ، وكَوْنُهُ قَرِينَةً خارِجِيَّةً لا يَضُرُّ إذْ لا يَلْزَمُ في القَرِينَةِ وُجُودُها في الكَلامِ. وقِيلَ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا بُدَّ لِأُخْفِيَها مِن مُتَعَلِّقٍ وهو مَن يُخْفى مِنهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخَلْقِ لِأنَّهُ تَعالى أخْفاها عَنْهم لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ فَيَتَعَيَّنُ ما ذُكِرَ. وفِيهِ أنَّ عَدَمَ صِحَّةِ تَقْدِيرِ مِنَ الخَلْقِ مَمْنُوعٌ لِجَوازِ إرادَةِ إخْفاءِ تَفْصِيلِها وتَعْيِينِها مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يُقْدَّرَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، والمَعْنى أُوجِدُ إخْفاءَها ولا أقُولُ: إنَّها آتِيَةٌ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى أكادُ أُظْهِرُها بِإيقاعِها عَلى أنَّ أُخْفِيها مِن ألْفاظِ السَّلْبِ بِمَعْنى أُزِيلُ خَفاءَها أيْ ساتِرَها وهو في الأصْلِ ما يُلَفُّ بِهِ القِرْبَةُ ونَحْوُها مِن كِساءٍ وما يَجْرِي مَجْراهُ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تُوقِدُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ
ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أبِي الدَّرْداءِ وابْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وحُمَيْدٍ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وعاصِمٍ ( أخْفِيها ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَإنَّ خَفاهُ بِمَعْنى أظْهَرَهُ لا غَيْرَ في المَشْهُورِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ كَما حَكاهُ أبُو الخَطّابِ أحَدُ رُؤَساءِ اللُّغَةِ: خَفَيْتُ وأخْفَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومُتَعَلِّقُ الإخْفاءِ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ في تَفْسِيرِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ والإظْهارِ لَيْسَ شَيْئًا واحِدًا حَتّى تَتَعارَضَ القِراءَتانِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: خَبَرُ كادَ مَحْذُوفٌ أكادُ آتِي بِها كَما حُذِفَ في قَوْلِ صابِئٍ البُرْجُمِيِّ:
صفحة 173
هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهُ
أيْ وكِدْتُ أفْعَلُ، وتَمَّ الكَلامُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِأنَّهُ تَعالى يُخْفِيها، واخْتارَ النَّحّاسُ وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: (أكادُ) زائِدَةٌ لا دُخُولَ لَها في المَعْنى بَلِ المُرادُ الإخْبارُ بِأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ وأنَّ اللَّهَ تَعالى يُخْفِي وقْتَ إتْيانِها. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ واسْتَدَلُّوا عَلى زِيادَةِ كادَ بِقُولِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ ويَقُولُ زَيْدُ الخَيْلِ:
سَرِيعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحُهُ ∗∗∗ فَما إنْ يَكادُ قَرْنُهُ يَتَنَفَّسُ
ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ كَما لا يَخْفى ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتِيَةٍ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ وغَيْرُهُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لا صِفَةَ حَتّى يَلْزَمَ إعْمالُ اسْمِ الفاعِلِ المَوْصُوفِ وهو لا يَجُوزُ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ أوْ بِأُخْفِيها عَلى أنَّ المُرادَ أُظْهِرُها لا عَلى أنَّ المُرادَ أسْتُرُها لِأنَّهُ لا وجْهَ لِقَوْلِكَ. أسْتُرُها لِأجْلِ الجَزاءِ، وبَعْضُهم جَوَّزَ ذَلِكَ، ووَجْهُهُ بِأنَّ تَعْمِيَةَ وقْتِها لِتَنْتَظِرَ ساعَةً فَساعَةً فَيَحْتَرِزُ عَنِ المَعْصِيَةِ ويَجْتَهِدُ في الطّاعَةِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ مَعَ أنَّهُ لا صِحَّةَ لَهُ إلّا بِتَقْدِيرِ لِيَنْتَظِرَ الجَزاءَ أوْ لِتَخافَ وتَخْشى، وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ لِتُجْزى بِسَعْيِها وعَمَلِها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وهَذا التَّعْمِيمُ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: لِتُجْزى بِسَعْيِها في تَحْصِيلِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ المَأْمُورِ بِها، وتَخْصِيصُهُ في مَعْرِضِ الغايَةِ لِإتْيانِها مَعَ أنَّهُ لِجَزاءِ كُلِّ نَفْسٍ بِما صَدَرَ عَنْها سَواءٌ كانَ سَعْيًا فِيما ذُكِرَ أوْ تَقاعُدًا عَنْهُ بِالمَرَّةِ أوْ سَعْيًا في تَحْصِيلِ ما يُضادُّهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِالذّاتِ مِن إتْيانِها هو الإثابَةُ بِالعِبادَةِ، وأمّا العِقابُ بِتَرْكِها فَمِن مُقْتَضَياتِ سُوءِ اخْتِيارِ العُصاةِ، وبِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ في قُوَّةِ الوُجُوبِ والسّاعَةُ في شِدَّةِ الهَوْلِ والفَظاعَةِ بِحَيْثُ يُوجِبانِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ أنْ تَسْعى في الِامْتِثالِ بِالأمْرِ وتَجِدَ في تَحْصِيلِ ما يُنْجِيها مِنَ الطّاعاتِ وتَحْتَرِزُ عَنِ اقْتِرافِ ما يُرْدِيها مِنَ المَعاصِي انْتَهى.
ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ أيْ بِالَّذِي تَسْعى فِيهِ، وفِيهِ حَذْفُ العائِدِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ مَعَ فَقْدِ شَرْطِهِ.
وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لا يَشْتَرِطُ، وقِيلَ: يُقَدِّرُ مَنصُوبًا عَلى التَّوَسُّعِ
20:16Page 313
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ ١٦
So do not let one avert you from it1 who does not believe in it and follows his desire, for you [then] would perish.
﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ﴾ خِطابٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لِنَبِيِّنا ﷺ لَفْظًا ولِأُمَّتِهِ مَعْنًى وهو في غايَةِ البُعْدِ (عَنْها) أيِ: السّاعَةِ، والمُرادُ عَنْ ذِكْرِها ومُراقَبَتِها، وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ بِإتْيانِها ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّهُ الألْيَقُ بِشَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ النَّهْيُ بِطَرِيقِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ ورُجُوعِ ضَمِيرِ (عَنْها) إلى السّاعَةِ هو الظّاهِرُ وكَذا رُجُوعُ ضَمِيرِ (بِها) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرانِ راجِعانِ إلى الصَّلاةِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (عَنْها) راجِعٌ إلى الصَّلاةِ وضَمِيرُ بِها راجِعٌ إلى السّاعَةِ وقِيلَ: الضَّمِيرانِ راجِعانِ إلى كَلِمَةِ ﴿لا إلَهَ إلا أنا﴾ وقِيلَ: الأوَّلُ راجِعٌ إلى العِبادَةِ والثّانِي راجِعٌ إلى السّاعَةِ، وقِيلَ: هُما راجِعانِ إلى الخِصالِ المَذْكُورَةِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ولِأنَّ في المُؤَخَّرِ نَوْعُ طُولٍ رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، والنَّهْيُ وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَهْيًا لِلْكافِرِ عَنْ صَدِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السّاعَةِ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الِانْصِدادِ عَنْها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ أسْبابِ الشَّيْءِ ومَبادِئِهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ نَهْيٌ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ وإبْطالٌ لِلسَّبَبِيَّةِ عَنْ أصْلِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ إلَخْ فَإنَّ صَدَّ الكافِرِ حَيْثُ كانَ سَبَبًا لِانْصِدادِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ النَّهْيُ عَنْهُ نَهْيًا بِأصْلِهِ ومُوجِبِهِ وإبْطالًا لَهُ بِالكُلِّيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنِ السَّبَبِ عَلى أنْ يُرادَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ
صفحة 174
السَّلامُ عَنْ إظْهارِ لِينِ الجانِبِ لِلْكَفَرَةِ فَإنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِصَدِّهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما في قَوْلِهِ: - لا أرَيَنَّكَ هاهُنا- فَإنَّ المُرادَ بِهِ نَهْيُ المُخاطَبِ عَنِ الحُضُورِ لَدَيْهِ المُوجِبِ لِرُؤْيَتِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُنْ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ صُلْبَ المَعْجَمِ حَتّى لا يَتَلَوَّحَ مِنكَ لِمَن يَكْفُرُ بِالسّاعَةِ ويُنْكِرُ البَعْثَ أنَّهُ يَطْمَعُ في صَدِّكَ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ، وفِيهِ حَثٌّ عَلى الصَّلابَةِ في الدِّينِ وعَدَمِ اللِّينِ المُطْمِعِ لِمَن كَفَرَ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أيْ: ما تَهْواهُ نَفْسُهُ مِنَ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ الفانِيَةِ فَصَدَّهُ عَنِ الإيمانِ (فَتَرْدى) أيْ فَتَهْلَكُ فَإنَّ الإغْفالَ عَنِ السّاعَةِ وعَنْ تَحْصِيلِ ما يُنْجِي عَنْ أحْوالِها مُسْتَتْبِعٌ لِلْهَلاكِ لا مَحالَةَ.
وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ ﴿مَن لا يُؤْمِنُ﴾ عَلى المُعْرِضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى المُتَهالِكِ في الدُّنْيا المُنْغَمِسِ في لَذّاتِها وشَهَواتِها بِدَلِيلِ (واتَّبَعَ) إلَخْ ويُحْمَلُ نَهْيُ الصَّدِّ عَلى نَهْيِ النَّظَرِ إلى مُتَمَتَّعاتِهِ مِن زَهْرَةِ الحَياةِ الدُّنْيا لِيَكُونَ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا﴾ إلَخْ، ويُحْمَلُ مُتابَعَةُ الهَوى عَلى المَيْلِ إلى الإخْلادِ إلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ يَعْنِي تَفَرَّغَ لِعِبادَتِي ولا تَلْتَفِتُ إلى ما الكَفَرَةُ فِيهِ فَإنَّهُ مُهْلِكٌ فَإنَّ ما أوْلَيْناكَ واخْتَرْناهُ لَكَ هو المَقْصِدُ الأسْنى وفي هَذا حَثٌّ عَظِيمٌ عَلى الِاشْتِغالِ بِالعِبادَةِ وزَجْرٌ بَلِيغٌ عَنِ الرُّكُونِ إلى الدُّنْيا ونَعِيمِها، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ. و( تَرْدى ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا في جَوابِ النَّهْيِ وأنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا والجُمْلَةُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَأنْتَ تَرْدى بِسَبَبِ ذَلِكَ. وقَرَأ يَحْيى ( فَتِرْدى ) بِكَسْرِ التّاءِ.
﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما كُلِّفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقِ بِالخَلْقِ إثْرَ حِكايَةِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الشُّؤُونِ الخاصَّةِ بِنَفْسِهِ. فَما اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ و(تِلْكَ) خَبَرُهُ أوْ بِالعَكْسِ وهو أدْخَلُ بِحَسَبِ المَعْنى وأوْفَقُ بِالجَوابِ و(بِيَمِينِكَ) مُتَعَلِّقٍ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِن (تِلْكَ) أيْ وما تِلْكَ قارَّةٌ أوْ مَأْخُوذَةٌ بِيَمِينِكَ والعامِلُ فِيهِ ما فِيهِ مِن مَعْنى الإشارَةِ كَما في قَوْلِهِ عِزَّ وعَلا حِكايَةً ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ وتُسَمِّيهِ النُّحاةُ عامِلًا مَعْنَوِيًّا.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (تِلْكَ) اسْمٌ مَوْصُولٌ و(بِيَمِينِكَ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِلَتُهُ أيْ وما الَّتِي اسْتَقَرَّتْ بِيَمِينِكَ. وهو عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ كُلَّ اسْمِ إشارَةٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا مَوْصُولًا. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ عَدَمُ جَوازِ ذَلِكَ إلّا في ذا بِشَرْطِهِ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ المُرادِ مِنهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences