Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:18–22
20:18Page 313
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ ١٨
He said, "It is my staff; I lean upon it, and I bring down leaves for my sheep and I have therein other uses."
﴿قالَ هي عَصايَ﴾ نَسَبَها عَلَيْهِ السَّلامُ إلى نَفْسِهِ تَحْقِيقًا لِوَجْهِ كَوْنِها بِيَمِينِهِ وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الأفاعِيلِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْمُها عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلِ نَبْعَةَ. وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أخَذَها مِن بَيْتِ عَصى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّتِي كانَتْ عِنْدَ شُعَيْبٍ حِينَ اسْتَأْجَرَهُ لِلرَّعْيِ هَبَطَ بِها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ وكانَتْ فِيما يُقالُ مِن آسِها. وقالَ وهْبٌ: كانَتْ مِنَ العَوْسَجِ وطُولُها عَشَرَةُ أذْرُعٍ عَلى مِقْدارِ قامَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: اثْنَتا عَشْرَةَ ذِراعًا بِذِراعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وذَكَرَ المُسْنَدَ إلَيْهِ وإنْ كانَ هو الأصْلَ لِرَغْبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في المُناجاةِ ومَزِيدِ لَذاذَتِهِ بِذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والجَحْدَرِيُّ ( عَصِيَّ ) بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ المُتَكَلِّمِ عَلى لُغَةِ هُذَيْلٍ فَإنَّهم يَقْلِبُونَ الألِفَ الَّتِي قَبْلَ ياءِ المُتَكَلِّمِ ياءً لِلْمُجانَسَةِ كَما يُكْسَرُ ما قَبْلَها في الصَّحِيحِ. قالَ شاعِرُهم:
سَبَقُوا هَوِيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهم فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
وقَرَأ الحَسَنُ ( عَصايَ ) بِكَسْرِ الباءِ وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ أُبَيِّ ابْنِ إسْحاقَ أيْضًا وأبِي عَمْرٍو، وهَذِهِ الكَسْرَةُ
صفحة 175
لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما في البَحْرِ. وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ ( عَصايْ ) بِسُكُونِ الياءِ كَأنَّهُ اعْتَبَرَ الوَقْفَ ولَمْ يُبالِ بِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والعَصا مِنَ المُؤَنَّثاتِ السَّماعِيَّةِ ولا تَلْحَقُها التّاءُ، وأوَّلُ لَحْنٍ سُمِعَ بِالعِراقِ كَما قالَ الفَرّاءُ: هَذِهِ عَصاتِي وتُجْمَعُ عَلى عِصِيٍّ بِكَسْرِ أوَّلِهِ وضَمِّهِ وأُعُصٍ وأعْصاءٍ ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ أيْ أتَحامَلُ عَلَيْها في المَشْيِ والوُقُوفِ عَلى رَأْسِ القَطِيعِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وأهُشُّ بِها﴾ أيْ أخَبَطُ بِها ورَقَ الشَّجَرِ وأضْرِبُهُ لِيَسْقُطَ ﴿عَلى غَنَمِي﴾ فَتَأْكُلَهُ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ كَما ذَكَرَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ. وابْنُ عَطِيَّةَ (أهِشُّ) بِكَسْرِ الهاءِ ومَعْناهُ كَمَعْنى مَضْمُومِ الهاءِ، والمَفْعُولُ عَلى القِراءَتَيْنِ مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
وقالَ أبُو الفَضْلِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن هَشَّ يَهُشُّ هَشاشَةً إذْ مالَ أيْ أمِيلُ بِها عَلى غَنَمِي بِما يُصْلِحُها مِنَ السَّوْقِ وإسْقاطِ الوَرَقِ لِتَأْكُلَهُ ونَحْوِهِما، ويُقالُ: هَشَّ الوَرَقُ والكَلَأُ والنَّباتُ إذا جَفَّ ولانَ انْتَهى. وعَلى هَذا لا حَذْفَ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ (أهُشُّ) بِضَمِّ الهاءِ والسِّينِ المُهْمَلَةِ مِنَ الهَسِّ وهو زَجْرُ الغَنَمِ، وتَعْدِيَتُهُ بِعَلى لِتَضْمِينِ مَعْنى الإنْحاءِ يُقالُ: أُنَحّى عَلَيْهِ بِالعَصا إذا رَفَعَها عَلَيْهِ مُوهِمًا لِلضَّرْبِ أيْ أزْجُرُها مُنَحِّيًا عَلَيْها. وفي كِتابِ السِّينِ والشِّينِ لِصاحِبِ القامُوسِ يُقالُ: هَسَّ الشَّيْءَ وهَشَّهُ إذا فَتَّهُ وكَسَرَهُ فَهُما بِمَعْنًى. ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ النَّخْعِيِّ أنَّهُ قَرَأ ( أهُشُّ ) مِن أهَشَّ رُباعِيًّا.
وذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنْ عِكْرِمَةَ. ومُجاهِدٌ ( أُهِشُ ) بِضَمِّ الهاءِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ ثُمَّ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَهُ إلّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى أهُشُّ بِالتَّضْعِيفِ لَكِنْ فَرَّ مِنهُ لِأنَّ الشِّينَ فِيهِ تَفَشٍّ فاسْتُثْقِلَ الجَمْعُ بَيْنَ التَّضْعِيفِ والتَّفَشِّي فَيَكُونُ كَتَخْفِيفِ ظَلْتَ ونَحْوِهِ ا هـ وهو في غايَةِ البُعْدِ. وقَرَأ جَماعَةٌ ( غَنَمِي ) بِسُكُونِ النُّونِ، وأُخْرى ( عَلى غَنَمِي ) عَلى أنَّ ( عَلى ) جارٌّ ومَجْرُورٌ و( غَنَمِي ) مَفْعُولٌ صَرِيحٌ لِلْفِعْلِ السّابِقِ، ولَمْ أقِفْ عَلى ذِكْرِ كَيْفِيَّةِ قِراءَةِ هَذِهِ الجَماعَةِ ذَلِكَ الفِعْلَ وهو عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مِمّا لا يَظْهَرُ تَعَدِّيهِ لِلْغَنَمِ، وكَذا عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ إلّا بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ، والغَنَمُ الشّاهُ وهو اسْمٌ مُؤَنَّثٌ مَوْضُوعٌ لِلْجِنْسِ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والإناثِ وعَلَيْهِما جَمِيعًا ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وإنَّما واحِدُهُ شاةٌ وإذا صَغَّرْتَهُ قُلْتَ غُنَيْمَةً بِالهاءِ ويُجْمَعُ عَلى أغْنامٍ وغُنُومٍ وأغانِمَ، وقالُوا: غُنْمانِ في التَّثْنِيَةِ عَلى إرادَةِ قِطْعَتَيْنِ وقَدَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيانَ مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: أتَوَكَّأُ عَلَيْها وثَنّى بِمَصْلَحَةِ رَعِيَّتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَرِيبَ العَهْدِ بِالتَّوَكُّؤِ فَكانَ أسْبَقَ إلى ذِهْنِهِ ويَلِيهِ الهَشُّ عَلى غَنَمِهِ.
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ ناداهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ وتَحَقَّقَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا هو المُنادِي قالَ سُبْحانَهُ لَهُ: ادْنُ مِنِّي فَجَمَعَ يَدَيْهِ في العَصا ثُمَّ تَحامَلَ حَتّى اسْتَقَلَّ قائِمًا فَرَعَدَتْ فَرائِصُهُ حَتّى اخْتَلَفَتْ واضْطَرَبَتْ رِجْلاهُ وانْقَطَعَ لِسانُهُ وانْكَسَرَ قَلْبُهُ، ولَمْ يَبْقَ مِنهُ عَظْمٌ يَحْمِلُ آخَرَ، فَهو بِمَنزِلَةِ المَيِّتِ إلّا أنَّ رُوحَ الحَياةِ تَجْرِي فِيهِ، ثُمَّ زَحَفَ وهو مَرْعُوبٌ حَتّى وقَفَ قَرِيبًا مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُودِيَ مِنها، فَقالَ لَهُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى؟
فَقالَ ما قَصَّ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: لَعَلَّ تَقْدِيمَ التَّوَكُّؤِ عَلَيْها لِأنَّهُ الأوْفَقُ لِلسُّؤالِ بِما تِلْكَ بِيَمِينِكَ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجْمَلُ أوْصافِها في قَوْلِهِ ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أيْ: حاجاتٌ أُخَرُ ومُفْرَدُهُ مَأْرَبَةٌ مُثَلَّثَةُ الرّاءِ. وعُومِلَ في الوَصْفِ مُعامَلَةَ مُفْرَدَةٍ فَلَمْ يَقُلْ أُخَرُ وذَلِكَ جائِزٌ في غَيْرِ الفَواصِلِ وفِيها كَما هُنا أجْوَزُ وأحْسَنُ.
صفحة 176
ونَقَلَ الأهْوازِيُّ في كِتابِ الإقْناعِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وشَيْبَةَ أنَّهُما قَرَآ ( مَآرِبُ ) بِغَيْرِ هَمْزٍ وكَأنَّهُ يَعْنِي بِغَيْرِ هَمْزٍ مُحَقَّقٍ، ومُحَصِّلُهُ أنَّهُما سَهَّلا الهَمْزَةَ بَيْنَ بَيْنَ، وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبٍ في تَعْيِينِ هَذِهِ المَآرِبِ أنَّهُ كانَ لَها شُعْبَتانِ ومِحْجَنٌ تَحْتَهُما فَإذا طالَ الغُصْنُ حَناهُ بِالمِحْجَنِ وإذا أرادَ كَسْرَهُ لَواهُ بِالشُّعْبَتَيْنِ، وكانَ إذا شاءَ عَلَيْهِ السَّلامُ ألْقاها عَلى عاتِقِهِ فَعَلَّقَ بِها قَوْسَهُ وكِنانَتَهُ ومِخْلاتَهُ وثَوْبَهُ وزادًا إنْ كانَ مَعَهُ، وكانَ إذا رَتَعَ في البَرِّيَّةِ حَيْثُ لا ظِلَّ لَهُ رَكَزَها ثُمَّ عَرَّضَ بِالزَّنْدَيْنِ الزَّنْدِ الأعْلى والزَّنْدِ السُّفْلِيِّ عَلى شُعْبَتَيْها وألْقى فَوْقَها كِساءَهُ فاسْتَظَلَّ بِها ما كانَ مَرْتَعًا، وكانَ إذا ورَدَ ماءً يَقْصُرُ عَنْهُ رِشاؤُهُ وصَلَ بِها، وكانَ يُقاتِلُ بِها السِّباعَ عَنْ غَنَمِهِ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْتَقِي بِها فَتَطُولُ بِطُولِ البِئْرِ وتَصِيرُ شُعْبَتاها دَلْوًا وتَكُونانِ شَمْعَتَيْنِ في اللَّيْلِ، وإذا ظَهَرَ عَدُوٌّ حارَبَتْ عَنْهُ وإذا اشْتَهى ثَمَرَةً رَكَزَها فَأوْرَقَتْ وأثْمَرَتْ، وكانَ يَحْمِلُ عَلَيْها زادَهُ وسِقاءً فَجَعَلَتْ تُماشِيهِ ويُرَكِّزُها فَيَنْبُعُ الماءُ، وإذا رَفَعَها نَضَبَ، وكانَتْ تَقِيهِ الهَوامَّ، وكانَتْ تُحَدِّثُهُ وتُؤْنِسُهُ، ونَقَلَ الطَّبَرَسِيُّ كَثِيرًا مِمّا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مِمّا كانَ فِيها بَعْدُ، وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِلْقَوْلِ بِأنَّهُ مِمّا كانَ قَبْلُ. ويُحْتَمَلُ إنْ صَحَّ خَبَرٌ في ذَلِكَ ولا أُراهُ يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ، وكَأنَّ المُرادَ مِن سُؤالِهِ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعَدِّدَ المَرافِقَ الكَثِيرَةَ الَّتِي عَلَّقَها بِالعَصا ويَسْتَكْثِرَها ويَسْتَعْظِمَها ثُمَّ يُرِيهِ تَعالى عَقِبَ ذَلِكَ الآيَةَ العَظِيمَةَ كَأنَّهُ جَلَّ وعَلا يَقُولُ: أيْنَ أنْتَ عَنْ هَذِهِ المَنفَعَةِ العُظْمى والمَأْرَبَةِ الكُبْرى المَنسِيَّةِ عِنْدَها كُلُّ مَنفَعَةٍ ومَأْرَبَةٍ كُنْتَ تَعْتَدُّ بِها وتَحْتَفِلُ بِشَأْنِها فَما طالِبَةٌ لِلْوَصْفِ أوْ يُقَدَّرُ المَنفَعَةُ بَعْدَها. واخْتِيارُ ما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ في اسْمِ الإشارَةِ لِلْإشارَةِ إلى التَّعْظِيمِ، وكَذا في النِّداءِ إيماءٌ إلَيْهِ والتَّعْدادُ في الجَوابِ لِأجْلِهِ، و(مَآرِبُ أُخْرى) تَتْمِيمٌ لِلِاسْتِعْظامِ بِأنَّها أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وذَكَرَ العَصا في الجَوابِ لِيُجْرِيَ عَلَيْها النُّعُوتَ المادِحَةَ وفِيهِ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِها ما لَيْسَ في تَرْكِ ذِكْرِها، ويَنْدَفِعُ بِهَذا ما أُورِدَ مِن أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا الوَجْهِ اسْتِدْراكُ ﴿هِيَ عَصايَ﴾ إذْ لا دَخْلَ لَهُ في تَعْدادِ المَنافِعِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إظْهارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَقارَتَها لِيُرِيَهُ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَ ما يَخْتَرِعُهُ في الخَشَبَةِ اليابِسَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ كَما هو شَأْنُ مَن أرادَ أنْ يُظْهِرَ مِنَ الشَّيْءِ الحَقِيرِ شَيْئًا عَظِيمًا، فَإنَّهُ يَعْرِضُهُ عَلى الحاضِرِينَ ويَقُولُ ما هَذا؟ فَيَقُولُونَ: هو الشَّيْءُ الفُلانِيُّ ويَصِفُونَهُ بِما يَبْعُدُ عَمّا يُرِيدُ إظْهارَهُ مِنهُ ثُمَّ يُظْهِرُ ذَلِكَ، فَما طالِبَةٌ لِلْجِنْسِ (وتِلْكَ) لِلتَّحْقِيرِ والتَّعْدادِ في الجَوابِ لِأجْلِهِ ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ تَتْمِيمٌ لِذَلِكَ أيْضًا بِأنَّ المَسْكُوتَ عَنْهُ مَن جِنْسِ المَنطُوقِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: هي خَشَبَةٌ يابِسَةٌ لا تَنْفَعُ إلّا مَنافِعَ سائِرِ الخَشَباتِ ولِذَلِكَ ذَكَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ العَصا وأجْرى عَلَيْها ما أجْرى، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ ما رَأى غَلَبَتْ عَلَيْهِ الدَّهْشَةُ والهَيْبَةُ فَسَألَهُ سُبْحانَهُ وتَكَلَّمَ مَعَهُ إزالَةً لِتِلْكَ الهَيْبَةِ والدَّهْشَةِ، فَما طالِبَةٌ إمّا لِلْوَصْفِ أوْ لِلْجِنْسِ وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِزِيادَةِ التَّأْنِيسِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ ما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ في اسْمِ الإشارَةِ لِتَنْزِيلِ العَصا مَنزِلَةَ البَعِيدِ لِغَفْلَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْها بِما غَلَبَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، والإجْمالُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ رَجاءَ أنْ يَسْألَهُ سُبْحانَهُ عَنْ تِلْكَ المَآرِبِ فَيَسْمَعُ كَلامَهُ عَزَّ وجَلَّ مَرَّةً أُخْرى. وتَطُولُ المُكالَمَةُ وتَزْدادُ اللَّذاذَةُ الَّتِي لِأجْلِها أطْنَبَ أوَّلًا، وما ألَذَّ مُكالَمَةَ المَحْبُوبِ، ومِن هُنا قِيلَ:
وأمْلى حَدِيثًا يُسْتَطابُ فَلَيْتَنِي ∗∗∗ أطَلْتُ ذُنُوبًا كَيْ يَطُولَ عِتابُهُ
صفحة 177
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِعُودِ غَلَبَةِ الدَّهْشَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ تَعالى سَألَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُقَرِّرَهُ عَلى أنَّها خَشَبَةٌ حَتّى إذا قَلَبَها حَيَّةً لا يَخافُها ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ السُّؤالُ واحِدٌ والجَوابُ واحِدٌ كَما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ إلَخْ، جَوابٌ لِسُؤالٍ آخَرَ وهو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾ قالَ لَهُ تَعالى: فَما تَصْنَعُ بِها؟
فَقالَ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى سَألَهُ عَنْ شَيْئَيْنِ عَنِ العَصا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وما تِلْكَ﴾ وعَمّا يَمْلِكُهُ مِنها بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: (بِيَمِينِكَ) فَأجابَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾ وعَنِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ إلَخْ، ولا يَخْفى أنَّ كِلا القَوْلَيْنِ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَكَّأ عَلَيْهِما لا سِيَّما الأخِيرُ.
هَذا واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ التَّوَكُّؤِ عَلى العَصا وإنْ لَمْ يَكُنِ الشَّخْصُ بِحَيْثُ تَكُونُ وتَرًا لِقَوْسِهِ وعَلى اسْتِحْبابِ الِاقْتِصادِ في المَرْعى بِالهَشِّ وهو ضَرْبُ الشَّجَرِ لِيَسْقُطَ الوَرَقُ دُونَ الِاسْتِئْصالِ لِيَخْلُفَ فَيَنْتَفِعَ بِهِ الغَيْرُ.
وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ فِيها فَوائِدَ سَنَذْكُرُ بَعْضَها في بابِ الإشارَةِ لِأنَّ ذَلِكَ أوْفَقُ بِهِ
20:19–20Page 313
قَالَ أَلۡقِهَا يَٰمُوسَىٰ ١٩
[Allāh] said, "Throw it down, O Moses."
فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ ٢٠
So he threw it down, and thereupon it was a snake, moving swiftly.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَقِيلَ؟ قالَ: ﴿ألْقِها يا مُوسى﴾ لِتَرى مِن شَأْنِها ما تَرى، والإلْقاءُ الطَّرْحُ عَلى الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
فَألْقَتْ عَصاها واسْتَقَرَّتْ بِها النَّوى كَما قَرَّ عَيْنًا بِالإيابِ المُسافِرُ
وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِمَزِيدِ التَّنْبِيهِ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِ العَصا، وكَوْنُ قائِلِ هَذا هو اللَّهَ تَعالى هو الظّاهِرُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ المَلِكُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ أبْعَدَ غايَةَ البُعْدِ ﴿فَألْقاها﴾ رَيْثَما قِيلَ لَهُ ألْقِها ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ تَمْشِي وتَنْتَقِلُ بِسُرْعَةٍ، والحَيَّةُ اسْمُ جِنْسٍ يُطْلَقُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ والأُنْثى والذَّكَرِ، وقَدِ انْقَلَبَتْ حِينَ ألْقاها عَلَيْهِ السَّلامُ ثُعْبانًا وهو العَظِيمُ مِنَ الحَيّاتِ كَما يَفْصَحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ وتَشْبِيهُها بِالجانِّ وهو الدَّقِيقُ مِنها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ مِن حَيْثُ الجَلادَةُ وسُرْعَةُ الحَرَكَةِ لا مِن حَيْثُ صِغَرُ الجُثَّةِ فَلا مُنافاةَ، وقِيلَ: إنَّها انْقَلَبَتْ حِينَ ألْقاها عَلَيْهِ السَّلامُ حَيَّةً صَفْراءَ في غِلَظِ العَصا ثُمَّ انْتَفَخَتْ وغَلُظَتْ فَلِذَلِكَ شُبِّهَتْ بِالجانِّ تارَةً وسُمِّيَتْ ثُعْبانًا أُخْرى، وعَبَّرَ عَنْها بِالِاسْمِ العامِّ لِلْحالَيْنِ، والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِالمَقامِ مَعَ ظُهُورِ اقْتِضاءِ الآيَةِ الَّتِي ذَكَرْناها لَهُ وبُعْدِها عَنِ التَّأْوِيلِ. وقَدْ رَوى الأمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حانَتْ مِنهُ نَظْرَةٌ بَعْدَ أنْ ألْقاها فَإذا بِأعْظَمِ ثُعْبانٍ نَظَرَ إلَيْهِ النّاظِرُونَ يُرى يُلْتَمَسُ كَأنَّهُ يَبْتَغِي شَيْئًا يُرِيدُ أخْذَهُ يَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ مِثْلَ الخِلْفَةِ مِنَ الإبِلِ فَيَلْتَقِمَها ويَطْعَنَ بِالنّابِ مِن أنْيابِهِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ العَظِيمَةِ فَيَجْتَثُّها، عَيْناهُ تُوقَدانِ نارًا، وقَدْ عادَ المِحْجَنُ عُرْفًا فِيهِ شَعَرٌ مِثْلُ النَّيازِكِ، وعادَ الشُّعْبَتانِ فَما مِثْلَ القَلِيبِ الواسِعِ فِيهِ أضْراسٌ وأنْيابٌ لَها صَرِيفٌ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ بَيْنَ لَحْيَيْهِ أرْبَعِينَ ذِراعًا، فَلَمّا عايَنَ ذَلِكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَذَهَبَ حَتّى أمْعَنَ ورَأى أنَّهُ قَدْ أعْجَزَ الحَيَّةَ
20:21Page 313
قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ ٢١
[Allāh] said, "Seize it and fear not; We will return it to its former condition.
ثُمَّ ذَكَرَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ فَوَقَفَ اسْتِحْياءً مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ نُودِيَ يا مُوسى (إلَيَّ) ارْجِعْ حَيْثُ كُنْتَ فَرَجَعَ وهو شَدِيدُ الخَوْفِ فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأخْذِها وهو ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا ﴿قالَ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ ﴿خُذْها﴾ أيِ: الحَيَّةَ وكانَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرًا، وعَنْ وهْبٍ أنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: ( خُذْها بِيَمِينِكَ ) ﴿ولا تَخَفْ﴾ مِنها، ولَعَلَّ ذَلِكَ الخَوْفَ
صفحة 178
مِمّا اقْتَضَتْهُ الطَّبِيعَةُ البَشَرِيَّةُ فَإنَّ البَشَرَ بِمُقْتَضى طَبْعِهِ يَخافُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ مِثْلِ ذَلِكَ وهو لا يُنافِي جَلالَةَ القَدْرِ.
وقِيلَ: إنَّما خافَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ رَأى أمْرًا هائِلًا صَدَرَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِلا واسِطَةٍ ولَمْ يَقِفْ عَلى حَقِيقَةِ أمْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ كَنارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّها صَدَرَتْ عَلى يَدِ عَدُوِّ اللَّهِ تَعالى وكانَتْ حَقِيقَةُ أمْرِها كَنارٍ عَلى عَلَمٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها كَما خافَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحَيَّةِ، وقِيلَ: إنَّما خافَ لِأنَّهُ عَرَفَ ما لَقِيَ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ حَيْثُ كانَ لَهُ مَدْخَلٌ في خُرُوجِ أبِيهِ مِنَ الجَنَّةِ، وإنَّما عُطِفَ النَّهْيُ عَلى الأمْرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ عَدَمَ المَنهِيِّ عَنْهُ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ لا لِتَحْقِيقِ المَأْمُورِ بِهِ فَقَطْ، وقَوْلُهُ تَعالى: (سَنُعِيدُها) أيْ: بَعْدَ الأخْذِ (سِيرَتَها) أيْ: حالَتَها (الأُولى) الَّتِي هي العَصَوِيَّةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ فَإنَّ إعادَتَها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِن مُوجِباتِ أخْذِها وعَدَمِ الخَوْفِ مِنها، ودَعْوى أنَّ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ عُدَّةٌ كَرِيمَةٌ بِإظْهارِ مُعْجِزَةٍ أُخْرى عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإيذانًا بِكَوْنِها مُسَخَّرَةً لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَكُونَ عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أمْرِهِ ولا تَعْتَرِيهِ شائِبَةٌ تُزَلْزَلُ عِنْدَ مَحاجَّةِ فِرْعَوْنَ لا تَخْلُو عَنْ خَفاءٍ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ حِكْمَةَ انْقِلابِها حَيَّةً وأمْرِهِ بِأخْذِها ونَهْيِهِ عَنِ الخَوْفِ تَأْنِيسُهُ فِيما يَعْلَمُ سُبْحانَهُ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ مَعَ فِرْعَوْنَ، ولَعَلَّ هَذا مَأْخَذُ تِلْكَ الدَّعْوى.
قِيلَ: بَلَغَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ هَذا الخِطابِ مِنَ الثِّقَةِ وعَدَمِ الخَوْفِ إلى حَيْثُ كانَ يُدْخِلُ يَدَهُ في فَمِها ويَأْخُذُ بِلَحْيَيْها، وفي رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأخْذِها أدْنى طَرَفَ المِدْرَعَةِ عَلى يَدِهِ وكانَتْ عَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ مِن صُوفٍ قَدْ خَلَّها بِخِلالٍ مِن عِيدانٍ فَقالَ لَهُ مَلَكٌ: أرَأيْتَ يا مُوسى لَوْ أذِنَ اللَّهُ تَعالى بِما تُحاذِرُ أكانَتِ المِدْرَعَةُ تُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟ قالَ: لا ولَكِنِّي ضَعِيفٌ ومِن ضَعْفٍ خُلِقْتُ فَكَشَفَ عَنْ يَدِهِ، ثُمَّ وضَعَها عَلى فَمِ الحَيَّةِ، حَتّى سَمِعَ حِسَّ الأضْراسِ والأنْيابِ، ثُمَّ قَبَضَ فَإذا هي عَصاهُ الَّتِي عَهِدَها وإذا يَدُهُ في مَوْضِعِها الَّذِي كانَ يَضَعُها فِيهِ إذا تَوَكَّأ بَيْنَ الشُّعْبَتَيْنِ.
والرِّوايَةُ الأُولى أوْفَقُ بِمَنصِبِهِ الجَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نُودِيَ المَرَّةَ الأُولى: يا مُوسى خُذْها فَلَمْ يَأْخُذْها ثُمَّ نُودِيَ الثّانِيَةَ ﴿خُذْها ولا تَخَفْ﴾ فَلَمْ يَأْخُذْها ثُمَّ نُودِيَ الثّالِثَةَ ﴿إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ فَأخَذَها، وذَكَرَ مَكِّيٌّ في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾، ولا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ بَعِيدٌ عَنْ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ فَلَعَلَّ الخَبَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
والسِّيرَةُ فِعْلَةٌ مِنَ السَّيْرِ تُقالُ لِلْهَيْئَةِ والحالَةِ الواقِعَةِ فِيهِ ثُمَّ جُرِّدَتْ لِمُطْلَقِ الهَيْئَةِ والحالَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الشَّيْءُ، ومِن ذَلِكَ اسْتِعْمالُها في المَذْهَبِ والطَّرِيقَةِ في قَوْلِهِمْ: سِيرَةُ السَّلَفِ، وقَوْلِ الشّاعِرِ:
فَلا تَغْضَبَنْ مِن سِيرَةٍ أنْتَ سِرْتَها فَأوَّلَ راضٍ سِيرَةً مَن يَسِيرُها
واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ نَصْبِها في الآيَةِ فَقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ والأصْلُ إلى سِيرَتِها أوْ لِسِيرَتِها وهو كَثِيرٌ، وإنْ قالُوا: إنَّهُ لَيْسَ بِمَقِيسٍ، وهَذا ظاهِرُ قَوْلِ الحُوفِيِّ: إنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُعِيدَها عَلى حَذْفِ الجارِّ نَحْوَ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ وارْتَضاهُ ابْنُ هِشامٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أعادَ مَنقُولًا مِن عادَهُ بِمَعْنى عادَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
فَصَرِّمْ حَبْلَها إذْ صَرَّمَتْهُ ∗∗∗ وعادَكَ أنَّ تَلاقِيَها عَداءُ
فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّهُ غَيْرُ التَّوْجِيهِ الأوَّلِ لِاعْتِبارِ النَّقْلِ فِيهِ والخافِضُ يُحْذَفُ مِن أعادَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى ثُلاثَيْهِ وتَعَدّى عادَ بِنَفْسِهِ مِمّا صَحَّ بِهِ النَّقْلُ، فَقَدْ نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنْ عادَكَ في البَيْتِ مُتَعَدٍّ بِمَعْنى صَرَفَكَ، وكَذا نَقَلَ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ. وفي المُغْرِبِ العَوْدُ الصَّيْرُورَةُ ابْتِداءً وثانِيًا، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِإلى وعَلى وفي واللّامِ.
صفحة 179
وفِي مَشارِقِ اللُّغَةِ لِلْقاضِي عِياضٍ مِثْلُهُ، ونُقِلَ عَنِ الحَدِيثِ ( «أعُدْتَ فَتّانًا يا مُعاذُ» ؟ )
. وقالَ أبُو البَقاءِ: هي بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ سَنُعِيدُها في طَرِيقَتِها الأُولى.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ قائِلًا: إنَّ سِيرَتَها وطَرِيقَتَها ظَرْفٌ مُخْتَصٌّ فَلا يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ عَلى طَرِيقَةِ الظَّرْفِيَّةِ إلّا بِوَساطَةِ في ولا يَجُوزُ الحَذْفُ إلّا في ضَرُورَةٍ أوْ فِيما شَذَّتْ فِيهِ العَرَبُ، وحاصِلُهُ أنَّ شَرْطَ الِانْتِصابِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ هُنا وهو الإبْهامُ مَفْقُودٌ، وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ عَنْ نُحاةِ المَغْرِبِ أنَّهم قَسَّمُوا المُبْهَمَ إلى أقْسامٍ مِنها المُشْتَقُّ مِنَ الفِعْلِ كالمَذْهَبِ والمَصْدَرِ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الظَّرْفِ نَحْوَ قَصْدِكَ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ المَخْتُومِ بِالتّاءِ وغَيْرِهِ، فالنَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ فِيما ذُكِرَ غَيْرُ شاذٍّ ولا ضَرُورَةَ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ واسْتَحْسَنَهُ أنْ يَكُونَ (سَنُعِيدُها) مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِسِيرَتِها بِمَعْنى أنَّها أُنْشِئَتْ أوَّلَ ما أُنْشِئَتْ عَصًا ثُمَّ ذَهَبَتْ وبَطَلَتْ بِالقَلْبِ حَيَّةً، فَسَنُعِيدُها بَعْدَ الذَّهابِ كَما أنْشَأْناها أوَّلًا، (وسِيرَتَها) مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ تَسِيرُ سِيرَتَها الأُولى أيْ سَنُعِيدُها سائِرَةً سِيرَتَها الأُولى حَيْثُ كُنْتَ تَتَوَكَّأُ عَلَيْها وتَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِكَ ولَكَ فِيها المَآرِبُ الَّتِي عَرَفْتَها. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَ الجُمْلَةَ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ وفاعِلِهِ حالًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنْ ما ذَكَرَهُ وإنْ حَسُنَ مَعْنًى إلّا أنَّهُ خِلافَ المُتَبادِرِ، هَذا والآيَةُ ظاهِرَةٌ في جَوازِ انْقِلابِ الشَّيْءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ كانْقِلابِ النُّحاسِ إلى الذَّهَبِ وبِهِ قالَ جَمْعٌ، ولا مانِعَ في القُدْرَةِ مِن تَوَجُّهِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ إلى ذَلِكَ، وتَخْصِيصُ الإرادَةِ لَهُ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ لِأنَّ قَلْبَ الحَقائِقِ مُحالٌ والقُدْرَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ والحَقُّ الأوَّلُ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ بَدَلَ النُّحاسِ مَثَلًا ذَهَبًا عَلى ما هو رَأْيُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أوْ بِأنْ يَسْلُبَ عَنْ أجْزاءِ النُّحاسِ الوَصْفَ الَّذِي صارَ بِهِ نُحاسًا ويَخْلُقُ فِيهِ الوَصْفَ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ ذَهَبًا
( عَلى ما هو رَأْيُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ مِن تَجانُسِ الجَواهِرِ واسْتِوائِها في قَبُولِ الصِّفاتِ، والمُحالُ إنَّما هو انْقِلابُهُ ذَهَبًا مَعَ كَوْنِهِ نُحاسًا لِامْتِناعِ كَوْنِ الشَّيْءِ في الزَّمَنِ الواحِدِ نُحاسًا وذَهَبًا، وانْقِلابُ العَصا حَيَّةً كانَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأيِّهِما كانَ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ الثّانِي فَإنَّ في كَوْنِ خَلْقِ البَدَلِ انْقِلابًا خَفاءً كَما لا يَخْفى.
20:22Page 313
وَٱضۡمُمۡ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخۡرَىٰ ٢٢
And draw in your hand to your side; it will come out white without disease - another sign,
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما أخَذَ الحَيَّةَ وانْقَلَبَتْ عَصا كَما كانَتْ والضَّمُّ الجَمْعُ، والجَناحُ كَما في القامُوسِ اليَدُ والعَضُدُ والإبِطُ والجانِبُ ونَفْسُ الشَّيْءِ ويُجْمَعُ عَلى أجْنِحَةٍ وأجْنُحٌ، وفي البَحْرِ الجَناحُ حَقِيقَةٌ في جَناحِ الطّائِرِ والمَلِكِ ثُمَّ تَوَسَّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلى اليَدِ والعَضُدِ وجَنْبِ الرَّجُلِ.
وقِيلَ: لِمُجَنِّبَتَيِ العَسْكَرِ جَناحانِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ وسُمِّي جَناحُ الطّائِرِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُجْنِحُهُ أيْ يُمِيلُهُ عِنْدَ الطَّيَرانِ، والمُرادُ أدْخِلْ يَدَكَ اليُمْنى مِن طَوْقِ مِدْرَعَتَكَ واجْعَلْها تَحْتَ إبْطِ اليُسْرى أوْ تَحْتَ عَضُدِها عِنْدَ الإبِطِ أوْ تَحْتَها عِنْدَهُ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ ما هُنا وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾، ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ جَعَلَهُ بَعْضُهم مَجْزُومًا في جَوابِ الأمْرِ المَذْكُورِ عَلى اعْتِبارِ مَعْنى الإدْخالِ فِيهِ، وقالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ: إنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ أمْرٍ مُقَدَّرٍ وأصْلُ الكَلامِ اضْمُمْ يَدَكَ تَنْضَمَّ وأخْرِجْها تَخْرُجُ فَحَذِفَ ما حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ. والثّانِي وأبْقى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَهو إيجازٌ يُسَمّى بِالِاحْتِباكِ، ونَصْبُ (بَيْضاءَ) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (تَخْرُجْ) والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (بَيْضاءَ) أوْ صِفَةٌ لِبَيْضاءَ كَما قالَ الحُوفِيُّ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَما قالَ
صفحة 180
أبُو حَيّانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ابْيَضَّتْ مِن غَيْرِ سُوءٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَخَرُّجٍ كَما جَوَّزَهُ غَيْرُ واحِدٍ. والسُّوءُ الرَّداءَةُ والقُبْحُ في كُلِّ شَيْءٍ، وكُنِّيَ بِهِ عَنِ البَرَصِ كَما كُنِّيَ عَنِ العَوْرَةِ بِالسَّوْأةِ لِما أنَّ الطِّباعَ تَنْفِرُ عَنْهُ الأسْماعُ تَمُجُّهُ. وهو أبْغَضُ شَيْءٍ عِنْدَ العَرَبِ ولِهَذا كَنَّوْا عَنْ جُذَيْمَةَ صاحِبِ الزَّبّاءِ وكانَ أبْرَصَ بِالأبْرَشِ والوَضّاحِ، وفائِدَةُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ ذَلِكَ الِاحْتِراسِ فَإنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ لِأُوهِمَ ولَوْ عَلى بُعْدٍ أنَّ ذَلِكَ مِن بَرَصٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاحْتِراسُ عَنْ تَوَهُّمِ عَيْبِ الخُرُوجِ عَنِ الخِلْقَةِ الأصْلِيَّةِ عَلى أنَّ المَعْنى: تَخْرُجُ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ عَيْبٍ وقُبْحٍ في ذَلِكَ الخُرُوجِ أوْ عَنْ تَوَهُّمِ عَيْبٍ مُطْلَقًا. يُرْوى أنَّها خَرَجَتْ بَيْضاءَ لَها شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ يُغْشِي البَصَرَ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ آدَمَ اللَّوْنِ ﴿آيَةً أُخْرى﴾ أيْ: مُعْجِزَةً أُخْرى غَيْرَ العَصا. وانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (تَخْرُجْ) والصَّحِيحُ جَوازُ تَعَدُّدِ الحالِ لِذِي حالٍ واحِدٍ أوْ مِن ضَمِيرِ (بَيْضاءَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى ما قِيلَ أوْ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (بَيْضاءَ) ويَرْجِعُ إلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (تَخْرُجْ)، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ خُذْ آيَةً وحُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ. وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ جَوازُ تَقْدِيرِ دُونَكَ عامِلًا وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما هو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ مِن جَوازِ عَمَلِ اسْمِ الفِعْلِ مَحْذُوفًا ومَنَعَهُ أبُو حَيّانَ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفِعْلِ ولا يُحْذَفُ النّائِبُ والمَنُوبُ عَنْهُ، ونُقِضَ بَيا النِّدائِيَّةِ فَإنَّها تُحْذَفُ مَعَ أنَّها نائِبَةٌ عَنْ أدَعُو، وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعَ مَفْعُولِهِ الأوَّلِ أيْ جَعَلْناها أوْ آتَيْناكَ آيَةً أُخْرى، وجَعَلَ هَذا القائِلُ قَوْلَهُ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences