Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:23–32
20:23Page 313
لِنُرِيَكَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا ٱلۡكُبۡرَى ٢٣
That We may show you [some] of Our greater signs.
﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ مُتَعَلِّقًا بِذَلِكَ المَحْذُوفِ. ومَن قَدَّرَ خُذْ ونَحْوَهُ جَوَّزَ تَعَلُّقَهُ بِهِ، وجَوَّزَ الحُوفِيُّ تَعَلُّقَهُ بِاضْمُمْ، وتَعَلُّقَهُ بِتَخْرُجْ، وأبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ (آيَةً) أيْ دَلَّلْنا بِها لِنُرِيَكَ. ومَنَعَ تَعَلُّقَهُ بِها لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ.
وبَعْضُهم تَعَلَّقَهُ بِألْقِ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِنُرِيَكَ بَعْضَ آياتِنا الكُبْرى عَلى أنَّ (الكُبْرى) صِفَةٌ لِآياتِنا عَلى حَدِّ (مَآرِبُ أُخْرى) و(مِن آياتِنا) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي ومِن فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِنُرِيَكَ بِذَلِكَ الكُبْرى مِن آياتِنا عَلى أنَّ (الكُبْرى) هو المَفْعُولُ الثّانِي لِنُرِيَكَ و(مِن آياتِنا) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حالٍ مِنهُ، ومِن فِيهِ لِلِابْتِداءِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ. وتَقْدِيمُ الحالِ مَعَ أنَّ صاحِبَهُ مَعْرِفَةٌ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. وجَوَّزَ كِلا الإعْرابَيْنِ في ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ الحُوفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ وغَيْرُهم.
واخْتارَ في البَحْرِ الإعْرابَ الأوَّلَ ورَجَّحَهُ بِأنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى أنَّ آياتِهِ تَعالى كُلَّها كُبْرى بِخِلافِ الإعْرابِ الثّانِي وبِأنَّهُ عَلى الثّانِي لا تَكُونُ (الكُبْرى) صِفَةَ العَصا واليَدِ مَعًا وإلّا لَقِيلَ: الكُبْرَيَيْنِ. ولا يُمْكِنُ أنْ يُخَصَّ أحَدُهُما لِأنَّ في كُلٍّ مِنهُما مَعْنى التَّفْضِيلِ، ويَبْعُدُ ما قالَ الحَسَنُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ اليَدَ أعْظَمُ في الإعْجازِ مِنَ العَصا لِأنَّهُ لَيْسَ في اليَدِ إلّا تَغْيِيرُ اللَّوْنِ، وأمّا العَصا فَفِيها تَغْيِيرُ اللَّوْنِ وخَلْقُ الزِّيادَةِ في الجِسْمِ وخَلْقُ الحَياةِ والقُدْرَةِ والأعْضاءِ المُخْتَلِفَةِ مَعَ عَوْدِها عَصًا بَعْدَ ذَلِكَ، فَكانَتْ أعْظَمَ في الإعْجازِ مِنَ اليَدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (الكُبْرى) صِفَةً لَهُما ولِاتِّحادِ المَقْصُودِ جُعِلَتا آيَةً واحِدَةً وأفْرَدَتِ الصِّفَةَ لِذَلِكَ. وأنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْيَدِ والعَصا غَنِيَّةٌ عَنِ الوَصْفِ بِها لِظُهُورِ كَوْنِها كُبْرى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا كُلَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ. وكَذا ما قِيلَ: مِن أنَّ مِن عَلى الإعْرابِ الثّانِي لِلْبَيانِ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ لِنُرِيَكَ الآياتِ الكُبْرى مِن آياتِنا لِيَصِحَّ الحَمْلُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ البَيانُ ولا يَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ الإعْرابِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ ولا يُساوِيهِ أصْلًا. ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ كُلَّ احْتِمالٍ مِنِ احْتِمالاتِ مُتَعَلِّقِ اللّامِ خَلا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وصْفِ آيَةِ
صفحة 181
العَصا بِالكِبَرِ، لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، ويُعْتَذَرَ بِأنَّ عَدَمَ الوَصْفَ لِلظُّهُورِ مَعَ ظُهُورِ الِاحْتِمالِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الِاعْتِذارِ عَنْ ذَلِكَ المَقالِ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى العاصِمُ مِنَ الزَّلَلِ.
20:24Page 313
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤
Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed [i.e., tyrannized]."
﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ تَخَلُّصٌ إلى ما هو المَقْصِدُ مِن تَمْهِيدِ المُقَدِّماتِ السّالِفَةِ فُصِلَ عَمّا قَبْلَهُ مِنَ الأوامِرِ إيذانًا بِأصالَتِهِ أيِ اذْهَبْ إلَيْهِ بِما رَأيْتَهُ مِن آياتِنا الكُبْرى، وادْعُهُ إلى عِبادَتِي وحَذِّرْهُ نِقْمَتِي.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّهُ طَغى﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أوْ لِوُجُوبِ المَأْمُورِ بِهِ أيْ جاوِزِ الحَدَّ في التَّكَبُّرِ والعُتُوِّ والتَّجَبُّرِ حَتّى تُجاسِرَ عَلى العَظِيمَةِ الَّتِي هي دَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْنُ فَلَمْ يَزَلْ يُدْنِيهِ حَتّى شَدَّ ظَهْرَهُ بِجِذْعِ الشَّجَرَةِ فاسْتَقَرَّ وذَهَبَتْ عَنْهُ الرِّعْدَةُ وجَمَعَ يَدَهُ في العَصا وخَضَعَ بِرَأْسِهِ وعُنُقِهِ ثُمَّ قالَ لَهُ بَعْدَ أنْ عَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ تَعالى عَلَيْهِ: انْطَلَقَ بِرِسالَتِي فَإنَّكَ بِعَيْنَيَّ وسَمْعَيَّ وإنَّ مَعَكَ أيْدِي ونَصْرِي وإنِّي قَدْ ألْبَسْتُكَ جُنَّةً مِن سُلْطانِي تَسْتَكْمِلُ بِها القُوَّةَ في أمْرِي، فَأنْتَ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِن جُنُودِي بَعَثْتُكَ إلى خَلْقٍ ضَعِيفٍ مِن خَلْقِي بَطَرَ نِعْمَتِي وأمِنَ مَكْرِي وغَرَّتْهُ الدُّنْيا حَتّى جَحَدَ حَقِّي وأنْكَرَ رُبُوبِيَّتِي وعَبَدَ مَن دُونِي وزَعَمَ أنَّهُ لا يَعْرِفُنِي وإنِّي لَأُقْسِمُ بِعِزَّتِي لَوْلا العُذْرُ والحُجَّةُ اللَّذانِ وضَعْتُ بَيْنِي وبَيْنَ خَلْقِي لَبَطَشْتُ بِهِ بَطْشَةَ جَبّارٍ يَغْضَبُ لِغَضَبِهِ السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ والبِحارُ فَإنْ أمَرْتُ السَّماءَ حَصَبَتْهُ وإنْ أمَرْتُ الأرْضَ ابْتَلَعَتْهُ وإنْ أمَرْتُ البِحارَ غَرَّقَتْهُ، وإنْ أمَرْتُ الجِبالَ دَمَّرَتْهُ، ولَكِنَّهُ هانَ عَلَيَّ وسَقَطَ مِن عَيْنِي ووَسِعَهُ حِلْمِي واسْتَغْنَيْتُ بِما عِنْدِي وحَقَّ لِي أنِّي أنا الغَنِيُّ لا غَنِيَّ غَيْرِي فَبَلِّغْهُ رِسالَتِي، وادْعُهُ إلى عِبادَتِي وتَوْحِيدِي وإخْلاصِ اسْمِي، وذَكِّرْهُ بِأيّامِي وحَذِّرْهُ نِقْمَتِي وبَأْسِي، وأخْبِرْهُ أنَّهُ لا يَقُومُ شَيْءٌ لِغَضَبِي، وقُلْ لَهُ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى، وأخْبِرْهُ أنِّي إلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ أسْرَعُ مِنِّي إلى الغَضَبِ والعُقُوبَةِ، ولا يَرُوعَنَّكَ ما ألْبَسْتُهُ مِن لِباسِ الدُّنْيا؛ فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدَيَّ لَيْسَ يَطْرِفُ ولا يَنْطِقُ ولا يَتَنَفَّسُ إلّا بِإذْنِي، وقُلْ لَهُ: أجِبْ رَبَّكَ، فَإنَّهُ واسِعُ المَغْفِرَةِ، فَإنَّهُ قَدْ أمْهَلَكَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، في كُلِّها أنْتَ مُبارِزُهُ بِالمُحارَبَةِ، تَتَشَبَّهُ وتَتَمَثَّلُ بِهِ، وتَصُدُّ عِبادَهُ عَنْ سَبِيلِهِ، وهو يُمْطِرُ عَلَيْكَ السَّماءَ، ويُنْبِتُ لَكَ الأرْضَ، لَمْ تَسْقَمْ، ولَمْ تَهْرَمْ، ولَمْ تَفْتَقِرْ، ولَمْ تُغْلَبْ، ولَوْ شاءَ أنْ يَجْعَلَ لَكَ ذَلِكَ بِكَ فَعَلَ، ولَكِنَّهُ ذُو أناةٍ وحِلْمٍ عَظِيمٍ. في كَلامٍ طَوِيلٍ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ سَكَتَ سَبْعَةَ أيّامٍ، وقِيلَ أكْثَرَ فَجاءَهُ مَلَكٌ فَقالَ: أنْفِذْ ما أمَرَكَ رَبُّكَ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ ذَلِكَ شَيْءٌ
20:25–26Page 313
قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٢٥
[Moses] said, "My Lord, expand [i.e., relax] for me my breast [with assurance]
وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي ٢٦
And ease for me my task
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قِيلَ لَهُ ما قِيلَ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ إلَخْ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ مِنَ الأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ والتَّعْلِيلِ بِالعِلَّةِ المَذْكُورَةِ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا وخَطْبًا جَسِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ فاسْتَوْهَبَ رَبَّهُ تَعالى أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ ويَجْعَلَهُ حَلِيمًا حَمُولًا يَسْتَقْبِلُ ما عَسى أنْ يَرِدَ عَلَيْهِ في طَرِيقِ التَّبْلِيغِ والدَّعْوَةِ إلى مَرِّ الحَقِّ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَذْهَبُ مَعَها صَبْرُ الصّابِرِ بِجَمِيلِ الصَّبْرِ وحُسْنِ الثَّباتِ وأنْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أمْرُهُ الَّذِي هو أجَلُّ الأُمُورِ وأعْظَمُها وأصْعَبُ الخُطُوبِ وأهْوَلُها بِتَوْفِيقِ الأسْبابِ ورَفْعِ المَوانِعِ، فالمُرادُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ جَعْلُهُ بِحَيْثُ لا يَضْجَرُ ولا يَقْلَقُ مِمّا يَقْتَضِي بِحَسَبِ البَشَرِيَّةِ الضَّجَرَ والقَلَقَ مِنَ
صفحة 182
الشَّدائِدِ، وفي طَلَبِ ذَلِكَ إظْهارٌ لِكَمالِ الِافْتِقارِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وإعْراضٌ عَنِ الأنانِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ:
ويَحْسُنُ إظْهارُ التَّجَلُّدِ لَلْعِدا ويَقْبُحُ إلّا العَجْزُ عِنْدَ الأحِبَّةِ
وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ أصْلَ الشَّرْحِ البَسْطُ ونَحْوُهُ، وشَرْحُ الصَّدْرِ بَسْطُهُ بِنُورٍ إلَهِيٍّ وسَكِينَةٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى ورُوحٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ولَهم فِيهِ عِباراتٌ أُخَرُ لَعَلَّ بَعْضَها سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ هَذا القَوْلَ مُعَلَّقٌ بِما خاطَبَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن لَدُنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ إلى هَذا المَقامِ، فَيَكُونُ قَدْ طَلَبَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَرْحَ الصَّدْرِ لِيَقِفَ عَلى دَقائِقِ المَعْرِفَةِ وأسْرارِ الوَحْيِ ويَقُومَ بِمَراسِمِ الخِدْمَةِ والعِبادَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ولا يَضْجَرُ مِن شَدائِدِ التَّبْلِيغِ. وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَصَبَ لِذَلِكَ المَنصِبَ العَظِيمَ وخُوطِبَ بِما خُوطِبَ في ذَلِكَ المَقامِ احْتاجَ إلى تَكالِيفَ شاقَّةٍ مِن تَلَقِّي الوَحْيِ والمُواظَبَةِ عَلى خِدْمَةِ الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإصْلاحِ العالَمِ السُّفْلِيِّ فَكَأنَّهُ كُلِّفَ بِتَدْبِيرِ العالِمَيْنِ والِالتِفاتِ إلى أحَدِهِما يَمْنَعُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالآخَرِ، فَسَألَ شَرْحَ الصَّدْرِ حَتّى يَفِيضَ عَلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ ما يَكُونُ وافِيًا بِضَبْطِ تَدْبِيرِ العالَمَيْنِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الأمْرَ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ قَدِ انْطَوى فِيهِ الإشارَةُ إلى مَنصِبِ الرِّسالَةِ المُسْتَتْبِعِ تَكالِيفَ لائِقَةً بِهِ مِنها ما هو راجِعٌ إلى الحَقِّ ومِنها ما هو مَنُوطٌ بِالخَلْقِ، وقَدِ اسْتَشْعَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كُلَّ ذَلِكَ فَبَسَطَ كَفَّ الضَّراعَةِ لِطَلَبِ ما يُعِينُهُ عَلى أداءِ ذَلِكَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ فَلا يَتَوَقَّفُ تَعْمِيمُ شَرْحِ الصَّدْرِ عَلى تَعَلُّقِهِ بِأوَّلِ الكَلامِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ الصَّدْرَ عِنْدَ عُلَماءِ الرُّسُومِ يُرادُ مِنهُ القَلْبُ لِأنَّهُ المُدْرِكُ أوْ مِمّا بِهِ الإدْراكُ، والعَلاقَةُ ظاهِرَةٌ.
ولِعُلَماءِ القُلُوبِ كَلامٌ في ذَلِكَ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ مَعَ بَعْضِ ما أطْنَبَ بِهِ الإمامُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي ذِكْرِ كَلِمَةِ (لِي) مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِدُونِها تَأْكِيدٌ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ بِإبْهامِ المَشْرُوحِ والمُيَسَّرِ أوَّلًا وتَفْسِيرِهِما ثانِيًا، فَإنَّهُ لَمّا قالَ ﴿اشْرَحْ لِي﴾ عَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا يَخْتَصُّ بِهِ حَتّى لَوِ اكْتَفى لَتَمَّ فَإذا قِيلَ (صَدْرِي) أفادَ التَّفْسِيرَ والتَّفْصِيلَ أمّا لَوْ قِيلَ ﴿اشْرَحْ﴾ واكْتُفِيَ بِهِ فَلا وكَذا الكَلامُ في (يَسِّرْ لِي) . وقِيلَ: ذَكَرَ (لِي) لِزِيادَةِ الرَّبْطِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ . وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مُنافاةَ وهو الَّذِي أفادَ هَذا المَعْنى. وفي الِانْتِصافِ أنَّ فائِدَةَ ذَكَرِها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مَنفَعَةَ شَرْحِ الصَّدْرِ راجِعَةٌ إلَيْهِ فَإنَّهُ تَعالى لا يُبالِي بِوُجُودِهِ وعَدَمِهِ وقِسْ عَلَيْهِ (يَسِّرْ لِي أمْرِي)
﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ رَتَّةٌ مِن جَمْرَةٍ أدْخَلَها فاهُ في صِغَرِهِ.
وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ حَمَلَهُ ذاتَ يَوْمٍ فَأخَذَ خَصْلَةً مِن لِحْيَتِهِ لِما كانَ فِيها مِنَ الجَواهِرِ. وقِيلَ: لَطَمَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ ضَرْبَةً بِقَضِيبٍ في يَدِهِ عَلى رَأْسِهِ فَتَطَيَّرَ، فَدَعا بِالسَّيّافِ، فَقالَتْ آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأتُهُ وكانَتْ تُحِبُّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّما هو صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الياقُوتِ والجَمْرِ فَأُحْضِرا وأرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلى الياقُوتِ فَحَوَّلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدَهُ إلى الجَمْرَةِ فَأخَذَها فَوَضَعَها في فِيهِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ. وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِأنَّ النّارَ تَحْرِقُ بِالطَّبِيعَةِ مِن غَيْرِ مَدْخَلِيَّةٍ لِإذْنِ اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ إذْ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا لَأحْرَقَتْ يَدَهُ. وذَكَرَ في حِكْمَةِ إذَنِ اللَّهِ تَعالى لَها بِإحْراقِ لِسانِهِ دُونَ يَدِهِ أنَّ يَدَهُ صارَتْ آلَةً لِما ظاهِرُهُ الإهانَةُ لِفِرْعَوْنَ. ولَعَلَّ تَبْيِيضَها كانَ لِهَذا أيْضًا، وإنَّ لِسانَهُ كانَ آلَةً لِضِدِّ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعاهُ بِما يَدْعُو بِهِ الأطْفالُ الصِّغارُ آباءَهم. وقِيلَ: احْتَرَقَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا فاجْتَهَدَ فِرْعَوْنُ في عِلاجِها فَلَمْ تَبْرَأْ.
ولَعَلَّ ذَلِكَ لِئَلّا يُدْخِلَها عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ فَتُفْقَدَ
صفحة 183
بَيْنَهُما حُرْمَةُ المُؤاكَلَةِ فَلَمّا دَعاهُ قالَ: إلى أيِّ رَبٍّ تَدْعُونِي؟ قالَ: إلى الَّذِي أبْرَأ يَدِي وقَدْ عَجَزْتَ عَنْهُ. وكانَ الظّاهِرُ عَلى هَذا أنْ يَطْرَحَ عَلَيْهِ السَّلامُ النّارَ مِن يَدِهِ ولا يُوصِلُها إلى فِيهِ. ولَعَلَّهُ لَمْ يَحُسَّ بِالألَمِ إلّا بَعْدَ أنْ أوْصَلَها فاهُ أوْ أحَسَّ لَكِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ إلْقائِها في الأرْضِ وإلْقائِها في فَمِهِ وكُلُّ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا. وقِيلَ: كانَتِ العُقْدَةُ في لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ خِلْقَةً. وقِيلَ: إنَّها حَدَثَتْ بَعْدَ المُناجاةِ وفِيهِ بُعْدٌ.
واخْتَلَفَ في زَوالِها بِكَمالِها فَمَن قالَ بِهِ كالحَسَنِ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ مَن لَمْ يَقُلْ بِهِ كالجُبّائِيِّ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ أفْصَحُ مِنِّي﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ .
«وبِما رُوِيَ أنَّهُ كانَ في لِسانِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَتَّةٌ وحُبْسَةٌ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ: إنَّهُ ورِثَها مِن عَمِّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ»
. وأجابَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْألْ حَلَّ عُقْدَةِ لِسانِهِ بِالكُلِّيَّةِ بَلْ عُقْدَةٍ تَمْنَعُ الإفْهامَ ولِذَلِكَ نَكَّرَها ووَصَفَها بِقَوْلِهِ ﴿مِن لِسانِي﴾ ولَمْ يُضِفْها مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ ولا يَصْلُحُ ذَلِكَ لِلْوَصْفِيَّةِ إلّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ وجَعَلَ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً أيْ عُقْدَةً كائِنَةً مِن عُقَدِ لِسانِي، فَإنَّ العُقْدَةَ لِلِّسانِ لا مِنهُ.
وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ جَوابَ الطَّلَبِ وغَرَضًا مِنَ الدُّعاءِ، فَبِحَلِّها في الجُمْلَةِ يَتَحَقَّقُ إيتاءُ سُؤْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. واعْتُرِضَ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿هُوَ أفْصَحُ مِنِّي﴾ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ اسْتِدْعاءِ الحَلِّ عَلى أنَّهُ شاهِدٌ عَلى عَدَمِ بَقاءِ اللُّكْنَةِ لِأنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ فَصِيحًا غايَتُهُ أنَّ فَصاحَةَ أخِيهِ أكْثَرُ وبَقِيَّةُ اللُّكْنَةِ تُنافِي الفَصاحَةَ اللُّغَوِيَّةَ المُرادَةَ هَنا بِدَلالَةِ قَوْلِهِ لِسانًا. ويَشْهَدُ لِهَذِهِ المُنافاةِ ما قالَهُ ابْنُ هِلالٍ في كِتابِ الصِّناعَتَيْنِ: الفَصاحَةُ تَمامُ آلَةِ البَيانِ ولِذا لا يُقالُ لِلَّهِ تَعالى: فَصِيحٌ وإنْ قِيلَ لِكَلامِهِ سُبْحانَهُ فَصِيحٌ ولِذَلِكَ لا يُسَمّى الألْثَغُ والتَّمْتامُ فَصِيحِينَ لِنُقْصانِ آلَتِهِما عَنْ إقامَةِ الحُرُوفِ وبِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ مَعْناهُ لا يَأْتِي بِبَيانٍ وحُجَّةٍ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ اللَّعِينُ تَمْوِيهًا لِيَصْرِفَ الوُجُوهَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ كانَ المُرادُ نَفْيَ البَيانِ وإفْهامَ الكَلامِ لِاعْتِقالِ اللِّسانِ لَدَلَّ عَلى عَدَمِ زَوالِ العُقْدَةِ أصْلًا ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، وبِأنّا لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الخَبَرِ، وبِأنَّ تَنْكِيرَ (عُقْدَةً) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِقِلَّتِها في نَفْسِها. ومَن يُجَوِّزُ تَعَلُّقَها بِاحْلُلْ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحُوفِيُّ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، فَإنَّ المَحْلُولَ إذا كانَ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ ومُتَّصِلًا بِهِ، فَكَما يَتَعَلَّقُ الحَلُّ بِهِ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ أيْضًا بِاعْتِبارِ إزالَتِهِ عَنْهُ أوِ ابْتِداءِ حُصُولِهِ مِنهُ، وعَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِها بِمَحْذُوفِ وقْعِ صِفَةٍ لِعُقْدَةٍ لا نُسَلِّمُ وُجُوبَ تَقْدِيرِ مُضافٍ وجَعْلِ مِن تَبْعِيضِيَّةً، ولا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ بِمَعْنى في ولا تَقْدِيرَ أيْ عُقْدَةً في لِسانِي بَلْ قِيلَ: ولا مانِعَ أيْضًا مِن جَعْلِها ابْتِدائِيَّةً مَعَ عَدَمِ التَّقْدِيرِ وأيُّ فَسادٍ في قَوْلِنا: عُقْدَةً ناشِئَةً مِن لِسانِي. والحاصِلُ أنَّ ما اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى بَقاءِ عُقْدَةٍ ما في لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَمِ زَوالِها بِالكُلِّيَّةِ غَيْرُ تامٍّ لَكِنْ قالَ بَعْضُهم: إنَّ الظَّواهِرَ تَقْتَضِي ذَلِكَ وهي تَكْفِي في مِثْلِ هَذِهِ المَطالِبِ، وثِقَلُ ما في اللِّسانِ لا يُخَفِّفُ قَدْرَ الإنْسانِ. وقَدْ ذُكِرَ أنَّ في لِسانِ المَهْدِيِّ المُنْتَظَرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حُبْسَةً ورُبَّما يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الكَلامُ حَتّى يَضْرِبَ بِيَدِهِ اليُمْنى، فَخُذْ رِجْلَهُ اليُسْرى وقَدْ بَلَغَكَ ما ورَدَ في فَضْلِهِ. وقالَ بَعْضُهم: لا تُقاوِمُ فَصاحَةُ الذّاتِ إعْرابَ الكَلِماتِ. وأنْشَدَ قَوْلَ القائِلِ:
سِرُّ الفَصاحَةِ كامِنٌ في المَعْدِنِ لِخَصائِصِ الأرْواحِ لا لِلْألْسُنِ
وقَوْلَ الآخَرِ:
لِسانٌ فَصِيحٌ مُعْرِبٌ في كَلامِهِ ∗∗∗ فَيا لَيْتَهُ في مَوْقِفِ الحَشْرِ يَسْلَمُ
وما يَنْفَعُ الإعْرابَ إنْ لَمْ يَكُنْ تُقًى ∗∗∗ وما ضَرَّ ذا تَقْوى لِسانٌ مُعَجَّمُ
صفحة 184
نَعَمْ ما يُخِلُّ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ مِن رَتَّةٍ تُؤَدِّي إلى عَدَمِ فَهْمِ الوَحْيِ مَعَها ونُفْرَةِ السّامِعِ عَنْ سَماعِ ذَلِكَ مِمّا يَجِلُّ عَنْهُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهم كُلُّهم فُصَحاءُ اللِّسانِ، لا يَفُوتُ سامِعَهم شَيْءٌ مِن كَلامِهِمْ ولا يُنَفَّرُ عَنْ سَماعِهِ وإنْ تَفاوَتُوا في مَراتِبِ تِلْكَ الفَصاحَةِ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما لَمْ يَطْلُبْ أعْلى مَراتِبِ فَصاحَةِ اللِّسانِ وطَلاقَتِهِ عِنْدَ الجُبّائِيِّ ومَن وافَقَهُ لِأنَّهُ لَمْ يَرَ في ذَلِكَ كَثِيرَ فَضْلٍ، وغايَةُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّهُ زِينَةٌ مِن زِينَةِ الدُّنْيا وبَهاءٌ مِن بَهائِها والفَضْلُ الكَثِيرُ في فَصاحَةِ البَيانِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ في عُرْفِ أهْلِ المَعانِي والبَيانِ وما ورَدَ مِمّا يَدُلُّ عَلى ذَمِّ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ كَما بُيِّنَ في شُرُوحِ الأحادِيثِ. ثُمَّ إنَّ المَشْهُورَ تَفْسِيرُ اللِّسانِ بِالآلَةِ الجارِحَةِ نَفْسِها وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالقُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ القائِمَةِ بِالجارِحَةِ. والفِقْهُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ والفَهْمُ لَهُ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو التَّوَصُّلُ إلى عِلْمٍ غائِبٍ بِعِلْمٍ شاهِدٍ فَهو أخَصُّ مِنَ العِلْمِ.
والظّاهِرُ هُنا الفَهْمُ أيِ احْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي يَفْهَمُوا قَوْلِي
20:29–30Page 313
وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٢٩
And appoint for me a minister [i.e., assistant] from my family -
هَٰرُونَ أَخِي ٣٠
Aaron, my brother.
﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ أيْ مُعاوِنًا في تَحَمُّلِ أعْباءِ ما كُلِّفْتُهُ عَلى أنَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ الوِزْرِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ بِمَعْنى الحِمْلِ الثَّقِيلِ فَهو في الأصْلِ صِفَةٌ مِن ذَلِكَ ومَعْناهُ صاحِبُ وِزْرٍ أيْ حامِلُ حِمْلٍ ثَقِيلٍ، وسُمِّيَ القائِمُ بِأمْرِ المُلْكِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَحْمِلُ عَنْهُ وِزْرَ الأُمُورِ وثِقَلَها أوْ مَلْجَأً اعْتَصَمَ بِرَأْيِهِ عَلى أنَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ الوَزَرِ بِفَتْحَتَيْنِ وأصْلُهُ الجَبَلُ يُتَحَصَّنُ بِهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى المَلْجَأِ مُطْلَقًا كَما في قَوْلِهِ:
شَرُّ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرٌ والنّاسُ شَرُّهُمُ ما دُونَهم وزَرُ
كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعٌ ∗∗∗ وما تَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِ بَشَرُ
وسُمِّيَ وزِيرُ المَلِكِ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أمْرِهِ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ أيْ مَلْجُوءٍ إلَيْهِ أوْ هو لِلنَّسَبِ، وقِيلَ: أصْلُهُ أزِيرٌ مِنَ الأزْرِ بِمَعْنى القُوَّةِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ كالعَشِيرِ والجَلِيسِ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا كَقَلْبِها في مُوازِرٍ وقُلِبَتْ فِيهِ لِانْضِمامِ ما قَبْلَها ووَزِيرٌ بِمَعْناهُ فَحُمِلَ عَلَيْهِ وحَمْلُ النَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ إلّا أنَّهُ سُمِعَ مُؤازِرٌ مِن غَيْرِ إبْدالٍ ولَمْ يُسْمَعْ أزِيرٌ بِدُونِهِ عَلى أنَّهُ مَعَ وُجُودِ الِاشْتِقاقِ الواضِحِ وهو ما تَقَدَّمَ لا حاجَةَ إلى هَذا الِاشْتِقاقِ وادِّعاءِ القَلْبِ. ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (اجْعَلْ) قُدِّمَ عَلى الأوَّلِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى (هارُونَ) اعْتِناءً بِشَأْنِ الوِزارَةِ لِأنَّها المَطْلُوبَةُ (ولِي) صِلَةٌ لِلْجَعْلِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن وزِيرًا وهو صِفَةٌ لَهُ في الأصْلِ و(مِن أهْلِي) إمّا صِفَةٌ لَوَزِيرًا أوْ صِلَةً لِاجْعَلْ، وقِيلَ: مَفْعُولاهُ ﴿لِي وزِيرًا﴾ و﴿مِن أهْلِي﴾ عَلى ما مَرَّ مِنَ الوَجْهَيْنِ و(هارُونَ) عَطْفُ بَيانٍ لِلْوَزِيرِ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ والرَّضِيُّ مِن أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ التَّوافُقُ في التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن وزِيرًا. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ هو المَقْصُودَ بِالنِّسْبَةِ مَعَ أنَّ وزارَتَهُ هي المَقْصُودَةُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ هُنا.
وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ في جَوابِ مَنِ اجْعَلْ؟ أيِ اجْعَلْ هارُونَ، وقِيلَ: مَفْعُولاهُ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ و(لِي) تَبْيِينٌ كَما في سَقْيًا لَهُ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ شَرْطَ المَفْعُولَيْنِ في بابِ النَّواسِخِ صِحَّةُ انْعِقادِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنهُما ولَوِ ابْتَدَأْتَ بِوَزِيرًا وأخْبَرْتَ عَنْهُ بِمِن أهْلِي لَمْ يَصِحَّ إذْ لا مُسَوِّغَ لِلِابْتِداءِ بِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ: إنَّ ( مِن أهْلِي ) هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِتَأْوِيلِهِ بِبَعْضِ أهْلِي كَأنَّهُ قِيلَ اجْعَلْ بَعْضَ أهْلِي وزِيرًا فَقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وسَدادُ المَعْنى يَقْتَضِيهِ ولا يَخْفى
صفحة 185
بُعْدُهُ، ومِن ذَلِكَ قِيلَ الأحْسَنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الجُمْلَةَ دُعائِيَّةٌ والنَّكِرَةُ يُبْتَدَأُ بِها فِيها كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، فَكَذا بَعْدَ دُخُولِ النّاسِخِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّ المُسَوِّغَ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ هُنا عَطْفُ المَعْرِفَةِ وهو (هارُونَ) عَلَيْها عَطْفَ بَيانٍ وهو غَرِيبٌ، وجُوِّزَ في (هارُونَ) أيْضًا عَلى هَذا القَوْلِ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وكَوْنُهُ بَدَلًا وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَجُوزُ في (لِي) عَلَيْهِ أيْضًا أنْ يَكُونَ صِلَةً لِلْجَعْلِ كَما يَجُوزُ فِيهِ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا. ولَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُ عَدَمِ ذِكْرِ هَذا الِاحْتِمالِ هُناكَ ولا وجْهَ عَدَمِ ذِكْرِ احْتِمالِ كَوْنِهِ صِلَةً لِلْجَعْلِ هُنا. ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ جَوازُ كُلٍّ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ هُنا وهُناكَ. وكَذا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِن (وزِيرًا) ولَعَلَّ ذَلِكَ مِمّا يُسَهِّلُ أمْرَ الِانْعِقادِ عَلى ما قِيلَ وفِيهِ ما فِيهِ، و(أخِي) عَلى الوُجُوهِ عَطْفُ بَيانٍ لِلْوَزِيرِ ولا ضَيْرَ في تَعَدُّدِهِ لِشَيْءٍ واحِدٍ أوْ لِهارُونَ. ولا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُ الثّانِي أشْهَرَ كَما تُوُهِّمَ لِأنَّ الإيضاحَ حاصِلٌ مِنَ المَجْمُوعِ كَما حُقِّقَ في المُطَوَّلِ وحَواشِيهِ. ولا حاجَةَ إلى دَعْوى أنَّ المُضافَ إلى الضَّمِيرِ أعْرَفُ مِنَ العِلْمِ لِما فِيها مِنَ الخِلافِ. وكَذا إلى ما في الكَشْفِ مِن أنَّ (أخِي) في هَذا المَقامِ أشْهَرُ مِنِ اسْمِهِ العَلَمِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو العَلَمُ المَعْرُوفُ والمُخاطَبُ المَوْصُوفُ بِالمُناجاةِ والكَرامَةِ والمُتَعَرَّفُ بِهِ هو المَعْرِفَةُ في الحَقِيقَةِ ثُمَّ إنَّ البَيانَ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وإنَّما إتْيانُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ عَلى نَمَطِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿هِيَ عَصايَ﴾ إلَخْ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (أخِي) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ.
20:31–32Page 313
ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي ٣١
Increase through him my strength
وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي ٣٢
And let him share my task
﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ. والكَلامُ في الإخْبارِ بِالجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ مَشْهُورٌ. والجُمْلَةُ عَلى هَذا اسْتِئْنافِيَّةٌ. والأزْرُ القُوَّةُ، وقَيَّدَها الرّاغِبُ بِالشَّدِيدَةِ. وقالَ الخَلِيلُ وأبُو عُبَيْدَةَ: هو الظَّهْرُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ، والمُرادُ أُحْكِمُ بِهِ قُوَّتِي وأجْعَلُهُ شَرِيكِي في أمْرِ الرِّسالَةِ حَتّى نَتَعاوَنَ عَلى أدائِها كَما يَنْبَغِي.
وفَصْلُ الدُّعاءِ الأوَّلِ عَنِ الدُّعاءِ السّابِقِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما فَإنَّ شَدَّ الأزْرِ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِهِ وزِيرًا وأمّا الإشْراكُ في الأمْرِ فَحَيْثُ كانَ مِن أحْكامِ الوِزارَةِ تَوَسَّطَ بَيْنَهُما العاطِفُ كَذا قِيلَ لَكِنْ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( واشْدُدْ ) بِالعَطْفِ عَلى الدُّعاءِ السّابِقِ وعَنْ أُبَيٍّ ( أشْرِكْهُ في أمْرِي واشْدُدْ بِهِ أزْرِي ) فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والحَسَنُ وابْنُ عامِرٍ ( أشْدِدْ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ( وأُشْرِكْهُ ) بِضَمِّها عَلى أنَّهُما فِعْلانِ مُضارِعانِ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ أعْنِي قَوْلَهُ: (اجْعَلْ)، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ( أُشَدِّدُ بِهِ ) مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ. ولَيْسَ المُرادُ بِالأمْرِ عَلى القِراءَةِ السّابِقَةِ الرِّسالَةُ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ أمْرُ الإرْشادِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، وكانَ هارُونُ كَما أخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ أطْوَلَ مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ وأكْثَرَ لَحْمًا وأبْيَضَ جِسْمًا وأعْظَمَ ألْواحًا وأكْبَرَ سِنًّا، قِيلَ: كانَ أكْبَرَ مِنهُ بِأرْبَعِ سِنِينَ، وقِيلَ: بِثَلاثِ سِنِينَ. وتُوُفِّيَ قَبْلَهُ بِثَلاثٍ أيْضًا. وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذا تُؤَدَةٍ وحِلْمٍ عَظِيمٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences