Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:78–84
20:78Page 317
فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ ٧٨
So Pharaoh pursued them with his soldiers, and there covered them from the sea that which covered them,1
﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ أيْ تَبِعَهم ومَعَهُ جُنُودُهُ عَلى أنَّ أتْبَعَ بِمَعْنى تَبِعَ وهو مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ: فاتَّبَعَهم بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وقُرِئَ أيْضًا (فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ)، وقِيلَ: أتْبَعَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ هُنا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( أتْبَعْناهم ذُرِيّاتِهِمْ ) والثّانِي مُقَدَّرٌ أيْ فَأتْبَعَهم رُؤَساءُ دَوْلَتِهِ أوْ عِقابُهُ، وقِيلَ: نَفْسُهُ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، وعَنِ الأزْهَرِيِّ أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ جُنُودُهُ والباءُ سَيْفٌ خَطِيبٌ أيْ أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ جُنُودَهُ وساقَهم خَلْفَهم فَكانَ مَعَهم يَحُثُّهم عَلى اللُّحُوقِ بِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي جُنُودَهُ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ فَيَكُونُ قَدْ تَعَدّى الفِعْلُ إلى واحِدٍ بِنَفْسِهِ وإلى الآخَرِ بِالحَرْفِ، وأيًّا ما كانَ فالفاءُ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ مُضْمَرٍ قَدْ طُوِيَ ذِكْرُهُ ثِقَةً بِغايَةِ ظُهُورِهِ وإيذانًا بِكَمالِ مُسارَعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الِامْتِثالِ بِالأمْرِ أيْ فَفَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الإسْراءِ بِعِبادِي وضَرْبِ الطَّرِيقِ لَهم فاتَّبَعَهُ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الإيحاءَ بِالضَّرْبِ كانَ بَعْدَ أنِ اتَّبَعَهم فِرْعَوْنُ وتَراءى الجَمْعانِ. والظّاهِرُ الأوَّلُ، رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ بِهِمْ أوَّلَ اللَّيْلِ يُرِيدُ القَلْزُمَ وكانُوا قَدِ اسْتَعارُوا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الحُلِيَّ والدَّوابَّ لِعِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وثَلاثَةَ آلافٍ ونَيِّفًا لَيْسَ فِيهِمُ ابْنُ سِتِّينَ ولا عِشْرِينَ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم خَرَجُوا وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا وأخْرَجُوا مَعَهم جَسَدَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كانَ عَهِدَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ ودَلَّتْهم عَجُوزٌ عَلى مَوْضِعِهِ، فَقالَ لَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: احْتَكِمِي فَقالَتْ: أكُونُ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فاتَّصَلَ الخَبَرُ بِفِرْعَوْنَ فَجَمَعَ جُنُودَهُ وخَرَجَ بِهِمْ وكانَ في خَيْلِهِ سَبْعُونَ ألْفَ أدْهَمَ، وكانَتْ مُقَدِّمَتُهُ فِيما يُحْكى سَبْعَمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ، وقِيلَ: ألْفَ ألْفٍ وخَمْسَمِائَةِ ألْفٍ فَقَصَّ أثَرَهم حَتّى تَراءى الجَمْعانِ، فَعَظُمَ فَزَعُ بَنِي إسْرائِيلَ فَضَرَبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَصاهُ البَحْرَ فانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ، فَدَخَلُوا ووَصَلَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ إلى المَدْخَلِ فَرَأوُا البَحْرَ مُنْفَلِقًا، فاسْتَعْظَمُوا الأمْرَ فَقالَ فِرْعَوْنُ لَهم: إنَّما انْفَلَقَ مِن هَيْبَتِي فَدَخَلَ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ وبَيْنَ يَدَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ حَجَرٍ وصاحَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكانُوا ثَلاثَةً وثَلاثِينَ مَلَكًا: أنِ ادْخُلُوا فَدَخَلُوا حَتّى إذا اسْتَكْمَلُوا دُخُولًا خَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَن مَعَهُ مِنَ الأسْباطِ سالِمِينَ ولَمْ يَخْرُجْ أحَدٌ مِن فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ أيْ عَلاهم مِنهُ وغَمَرَهم ما غَمَرَهم مِنَ الأمْرِ الهائِلِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ كُنْهُهُ.
صفحة 238
وقِيلَ: غَشِيَهم ما سَمِعْتَ قِصَّتَهُ ولَيْسَ بِذاكَ فَإنَّ مَدارَ التَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ خُرُوجُهُ عَنْ حُدُودِ الفَهْمِ والوَصْفِ لا سَماعِ القِصَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَيِ الجَمْعِ لِفِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، وقِيلَ: لِجُنُودِهِ فَقَطْ لِلْقُرْبِ ولِأنَّهُ أُلْقِيَ بِالسّاحِلِ ولَمْ يَتَغَطَّ بِالبَحْرِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ وفِيهِ أنَّ الإنْجاءَ بَعْدَ ما غَشِيَهُ ما غَشِيَ جُنُودَهُ وشَكَّ بَنُو إسْرائِيلَ في هَلاكِهِ والقُرْبِ لَيْسَ بِداعٍ قَوِيٍّ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِفِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ والثّانِي لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَنَجا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ وغَرِقَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ انْتَهى ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الأعْمَشُ ( فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم ) أيْ غَطّاهم ما غَطّاهم فالفاعِلُ ما أيْضًا وتَرْكُ المَفْعُولِ زِيادَةٌ في الإبْهامِ، وقِيلَ: المَفْعُولُ ﴿مِنَ اليَمِّ﴾ أيْ: بَعْضَ اليَمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وما مَفْعُولٌ وقِيلَ: هو ضَمِيرُ فِرْعَوْنَ والإسْنادُ مَجازِيٌّ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَهم لِلْهَلَكَةِ، ويُبْعِدُهُ الإظْهارُ في قَوْلِهِ تَعالى
20:79Page 317
وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩
And Pharaoh led his people astray and did not guide [them].
﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أيْ سَلَكَ بِهِمْ مَسْلَكًا أدّاهم إلى الخُسْرانِ في الدِّينِ والدُّنْيا مَعًا حَيْثُ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا ﴿وما هَدى﴾ أيْ وما أرْشَدَهم إلى طَرِيقٍ مُوصِلٍ إلى مَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، والمُرادُ بِذَلِكَ التَّهَكُّمُ بِهِ كَما ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ التَّهَكُّمَ أنْ يُؤْتى بِما قُصِدَ بِهِ ضِدُّهُ اسْتِعارَةٌ ونَحْوُها نَحْوَ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ إذا كانَ الغَرَضُ الوَصْفَ بِضِدِّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، وكَوْنُهُ لَمْ يُهْدَ إخْبارٌ عَمّا هو كَذَلِكَ في الواقِعِ.
وأُجِيبُ بِأنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ولَكِنَّ العُرْفَ في مِثْلِ: ما هَدى زَيْدٌ عَمْرًا ثُبُوتُ كَوْنِ زِيدٍ عالِمًا بِطَرِيقِ الهِدايَةِ مُهْتَدِيًا في نَفْسِهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَهْدِ عَمْرًا، وفِرْعَوْنُ أضَلُّ الضّالِّينَ في نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ يَهْدِي غَيْرَهُ، ويُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّ الجُمْلَةَ الأُولى كافِيَةٌ في الإخْبارِ عَنْ عَدَمِ هِدايَتِهِ إيّاهم بَلْ مَعَ زِيادَةِ إضْلالِهِ إيّاهُمْ، فَإنَّ مَن لا يَهْدِي قَدْ لا يَضِلُّ وإذا تَحَقَّقَ إغْناؤُها في الإخْبارِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ تَعَيَّنَ كَوْنُ الثّانِيَةِ بِمَعْنى سِواهُ وهو التَّهَكُّمُ، وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: تَوْضِيحُ مَعْنى التَّهَكُّمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وما هَدى﴾ مِن بابِ التَّلْمِيحِ وهو إشارَةٌ إلى ادِّعاءِ اللَّعِينِ إرْشادَ القَوْمِ في قَوْلِهِ ﴿وما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ فَهو كَمَنِ ادَّعى دَعْوى وبالَغَ فِيها فَإذا حانَ وقْتُها ولَمْ يَأْتِ بِها قِيلَ لَهُ لَمْ تَأْتِ بِما ادَّعَيْتَ تَهَكُّمًا واسْتِهْزاءً انْتَهى، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ المُغايِرَةُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ وأنَّهُ لا تَكْرِيرَ، وقِيلَ: المُرادُ وما هَداهم في وقْتٍ ما ويَحْصُلُ بِذَلِكَ المُغايَرَةُ لِأنَّهُ لا دَلالَةَ في الجُمْلَةِ الأُولى عَلى هَذا العُمُومِ والأوَّلُ أُولى، وقِيلَ: هَدى بِمَعْنى اهْتَدى أيْ أضَلَّهم وما اهْتَدى في نَفْسِهِ وفِيهِ بُعْدٌ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الإضْلالَ والهِدايَةَ عَلى ما يَخْتَصُّ بِالدِّينِيِّ مِنهُما، ويَأْباهُ مَقامُ بَيانِ سَوْقِهِ بِجُنُودِهِ إلى مَساقِ الهَلاكِ الدُّنْيَوِيِّ، وجَعْلُهُما عِبارَةٌ عَنِ الإضْلالِ في البَحْرِ والإنْجاءِ مِنهُ مِمّا لا يَقْبَلُهُ الطَّبْعُ المُسْتَقِيمُ.
واحْتَجَّ القاضِي بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ قَدْ ذَمَّ فِيها فِرْعَوْنَ بِإضْلالِهِ ومَن ذَمَّ أحَدًا بِشَيْءٍ يُذَمُّ إذا فَعَلَهُ. وأُجِيبُ بِمَنعِ اطِّرادِ ذَلِكَ.
20:80Page 317
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ ٨٠
O Children of Israel, We delivered you from your enemy, and We made an appointment with you1 at the right side of the mount, and We sent down to you manna and quails,
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ حِكايَةٌ لِما خاطَبَهم تَعالى بِهِ بَعْدَ إغْراقِ عَدُوِّهِمْ وإنْجائِهِمْ مِنهُ لَكِنْ لا عَقِيبَ ذَلِكَ بَلْ بَعْدَ ما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن فُنُونِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ما أفاضَ.
وقِيلَ: إنْشاءُ خِطابٍ لِلَّذِينِ كانُوا مِنهم في عَهْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى قَدْ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِما فَعَلَ بِآبائِهِمْ أصالَةً وبِهِمْ تَبَعًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ إلَخْ ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ حَمْلِهِ عَلى الإنْشاءِ وكَذا السِّباقُ فالوَجْهُ هو الحِكايَةُ بِتَقْدِيرِ قُلْنا عَطْفًا عَلى ﴿أوْحَيْنا﴾ أيْ وقُلْنا يا بَنِي إسْرائِيلَ ﴿قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ﴾ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ حَيْثُ كانُوا يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم.
صفحة 239
وقَرَأ حُمَيْدٌ (نَجَّيْناكُمْ) بِتَشْدِيدِ الجِيمِ مِن غَيْرِ هُمَزَةٍ قَبْلَها وبِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ ( أنْجَيْتُكم ) بِتاءِ الضَّمِيرِ ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ المُضافِ. وقُرِئَ بِالجَرِّ وخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى الجِوارِ نَحْوَ- هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ. . وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الجَرَّ المَذْكُورَ مِنَ الشُّذُوذِ والقِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ تَخْرُجَ القِراءَةُ عَلَيْهِ وقالَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ نَعْتٌ لِلطُّورِ لِما فِيهِ مِنَ اليُمْنِ، وإمّا لِكَوْنِهِ عَنْ يَمِينِ مَن يَسْتَقْبِلُ الجَبَلَ ا هـ.
والحَقُّ أنَّ القِلَّةَ لَمْ تَصِلْ إلى حَدِّ مَنعِ تَخْرِيجِ القِراءَةِ لا سِيَّما إذا كانَتْ شاذَّةً عَلى ذَلِكَ، وتَوافُقُ القِراءَتَيْنِ يَقْتَضِيهِ، وقَوْلُهُ: وإمّا لِكَوْنِهِ إلَخْ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الطُّورُ هو الجَبَلَ ولَوْ قالَ: وإمّا لِكَوْنِهِ عَنْ يَمِينِ مَنِ انْطَلَقَ مِن مِصْرَ إلى الشّامِ لَكانَ صَحِيحًا، ونَصْبُ (جانِبَ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِناءً عَلى ما نَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنِ الرّاغِبِ، وابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ مِن أنَّهُ سُمِعَ نَصْبُ جَنْبٍ وما بِمَعْناهُ مُضافٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. ومَنَعَ بَعْضُهم ذَلِكَ لِأنَّهُ مَحْدُودٌ وجَعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ واعِدْنا عَلى الِاتِّساعِ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ إتْيانَ جانِبِ إلَخْ. وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو البَقاءِ. وإذا كانَ ظَرْفًا فالمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ أيْ وواعَدْناكم بِواسِطَةِ نَبِيِّكم في ذَلِكَ الجانِبِ إتْيانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُناجاةِ وإنْزالَ التَّوْراةِ عَلَيْهِ، ونِسْبَةُ المُواعَدَةِ إلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِها لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَظَرًا إلى مُلابَسَتِها إيّاهم وسَرايَةِ مَنفَعَتِها إلَيْهِمْ فَكَأنَّهم كُلَّهم مُواعَدُونَ فالمَجازُ في النِّسْبَةِ. وفي ذَلِكَ مِن إيفاءِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ ما فِيهِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والمَذْكُورُونَ مَعَهُ آنِفًا ( وواعَدْتُكم ) بِتاءِ الضَّمِيرِ أيْضًا. وقُرِئَ ( ووَعَدْناكم ) مِنَ الوَعْدِ.
﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ التُّرَنْجَبِينَ والسُّمانِيَّ حَيْثُ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ وهم في التِّيهِ مِثْلَ الثَّلْجِ مِنَ الفَجْرِ إلى الطُّلُوعِ لِكُلِّ إنْسانٍ صاعٌ ويَبْعَثُ الجَنُوبُ عَلَيْهِمُ السُّمانِيَّ فَيَأْخُذُ الواحِدُ مِنهم ما يَكْفِيهِ.
20:81Page 317
كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ ٨١
[Saying], "Eat from the good things with which We have provided you and do not transgress [or oppress others] therein, lest My anger should descend upon you. And he upon whom My anger descends has certainly fallen [i.e., perished]."
﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: مِن لَذائِذِهِ أوْ حَلالاتِهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالطَّيِّبِ ما يَسْتَطِيبُهُ الطَّبْعُ أوِ الشَّرْعُ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالطَّيِّباتِ ما جَمَعَتْ وصْفَيِ اللَّذَّةِ والحِلِّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ إباحَةِ ما ذُكِرَ لَهم وإتْمامًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، وقَرَأ مَن ذُكِرَ آنِفًا ( رَزَقْتُكم ) وقَدَّمَ سُبْحانَهُ نِعْمَةَ الإنْجاءِ مِنَ العَدُوِّ لِأنَّها مِن بابِ دَرْءِ المَضارِّ وهو أهَمُّ مِن جَلْبِ المَنافِعِ ومَن ذاقَ مَرارَةَ كَيْدِ الأعْداءِ خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ أنْجاهُ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَ كَيْدَهم في نُحُورِهِمْ عَلِمَ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُتِمَّ نِعَمَهُ عَلَيْنا وأنْ لا يَجْعَلَ لِعَدُوٍّ سَبِيلًا إلَيْنا، وثَنّى جَلَّ وعَلا بِالنِّعْمَةِ الدِّينِيَّةِ لِأنَّها الأنْفُ في وجْهِ المَنافِعِ، وأخَّرَ عَزَّ وجَلَّ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ لِكَوْنِها دُونَ ذَلِكَ فَتَبًّا لِمَن يَبِيعُ الدِّينَ بِالدُّنْيا ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ أيْ: فِيما رَزَقْناكم بِالإخْلالِ بِشُكْرِهِ وتَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ بِالسَّرَفِ والبَطَرِ والِاسْتِعانَةِ بِهِ عَلى مَعاصِي اللَّهِ تَعالى ومَنعِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ فِيهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أيْ لا يَظْلِمُ بَعْضُكم بَعْضًا فَيَأْخُذُهُ مِن صاحِبِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وقِيلَ: أيْ لا تَدَّخِرُوا.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( ولا تَطْغُوا ) بِضَمِّ الغَيْنِ ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ جَوابٌ لِلنَّهْيِ أيْ فَيَلْزَمَكم غَضَبِي ويَجِبُ لَكم مِن حَلَّ الدِّينَ يَحِلُّ بِكَسْرِ الحاءِ إذا وجَبَ أداؤُهُ وأصْلُهُ مِنَ الحُلُولِ وهو في الأجْسامِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِغَيْرِها وشاعَ حَتّى صارَتْ حَقِيقَةً فِيهِ ﴿ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ أيْ هَلَكَ
صفحة 240
وأصْلُهُ الوُقُوعُ مِن عُلُوٍّ كالجَبَلِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الهَلاكِ لِلُزُومِهِ لَهُ، وقِيلَ: أيْ وقَعَ في الهاوِيَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ في جَهَنَّمَ قَصْرًا يُرْمى الكافِرُ مِن أعْلاهُ فَيَهْوِي في جَهَنَّمَ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ الصَّلْصالَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقَدْ هَوى﴾ فَيَكُونُ بِمَعْناهُ الأصْلِيِّ إذا أُرِيدَ بِهِ فَرْدٌ مَخْصُوصٌ مِنهُ لا بِخُصُوصِهِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ ( فَيَحُلَّ ) بِضَمِّ الحاءِ ( ومَن يَحْلُلْ ) بِضَمِّ اللّامِ الأُولى وهي قِراءَةُ قَتادَةَ وأبِي حَيْوَةَ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ ووافَقَ ابْنُ عُتْبَةَ في (يَحْلُلْ) فَضَمَّ، وفي الإقْناعِ لِأبِي عَلِيٍّ الأهْوازِيِّ قَرَأ ابْنُ غَزْوانَ عَنْ طَلْحَةَ ( لا يَحِلَّنَّ عَلَيْكم ) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ وفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِ الحاءِ وهو مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هُنا، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ قَرَأ قَتادَةُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ( فَيُحِلَّ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مِنَ الإحْلالِ فَفاعِلُهُ ضَمِيرُ الطُّغْيانِ، (وغَضَبِي) مَفْعُولُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيِ العَذابُ أوْ نَحْوُهُ، ومَعْنى يَحُلَّ مَضْمُومِ الحاءِ يَنْزِلُ مِن حَلَّ بِالبَلَدِ إذا نَزَلَ كَما في الكَشّافِ.
وفِي المِصْباحِ حَلَّ العَذابُ يَحِلُّ ويَحُلُّ هَذِهِ وحْدَها بِالكَسْرِ والضَّمِّ والباقِي بِالكَسْرِ فَقَطْ، والغَضَبُ في البَشَرِ ثَوَرانُ دَمِ القَلْبِ عِنْدَ إرادَةِ الِانْتِقامِ، وفي الحَدِيثِ ( «اتَّقُوا الغَضَبَ فَإنَّهُ جَمْرَةٌ تُوقَدُ في قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ألَمْ تَرَوْا إلى انْتِفاخِ أوْداجِهِ وحُمْرَةِ عَيْنَيْهِ» )
وإذا وُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لَمْ يُرَدْ هَذا المَعْنى قَطْعًا وأُرِيدَ مَعْنًى لائِقٌ بِشَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وقَدْ يُرادُ بِهِ الِانْتِقامُ والعُقُوبَةُ أوْ إرادَتُهُما نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ، ووَصْفُ ذَلِكَ بِالحُلْوِ حَقِيقَةً عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ ومَجازًا عَلى بَعْضٍ آخَرَ، وفي الِانْتِصافِ أنَّ وصْفَهُ بِالحُلُولِ لا يَتَأتّى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِهِ إرادَةُ العُقُوبَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ( «يَنْزِلُ رَبُّنا إلى السَّماءِ الدُّنْيا» ) .
عَلى التَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ أوْ عَبَّرَ عَنْ حُلُولِ أثَرِ الإرادَةِ بِحُلُولِها تَعْبِيرًا عَنِ الأثَرِ بِالمُؤَثِّرِ، كَما يَقُولُ النّاظِرُ إلى عَجِيبٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى: انْظُرْ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يَعْنِي أثَرَ القُدْرَةِ لا نَفْسَها
20:82Page 317
وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ٨٢
But indeed, I am the Perpetual Forgiver of whoever repents and believes and does righteousness and then continues in guidance.
﴿وإنِّي لَغَفّارٌ﴾ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ ﴿لِمَن تابَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: مِنهُ ومِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها الطُّغْيانُ فِيما رُزِقَ ﴿وآمَنَ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ. واقْتَصَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فِيما يُرْوى عَنْهُ عَلى ذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ولَعَلَّهُ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى الأشْرَفِ، وإلّا فالأفْيَدُ إرادَةُ العُمُومِ مَعَ ذِكْرِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ عَمَلًا مُسْتَقِيمًا عِنْدَ الشَّرْعِ وهو بِحَسَبِ الظّاهِرِ شامِلٌ لِلْفَرْضِ والسُّنَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِأداءِ الفَرائِضِ ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أيْ لَزِمَ الهُدى واسْتَقامَ عَلَيْهِ إلى المُوافاةِ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَبْرِ.
والهُدى يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الإيمانُ، وقَدْ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِمَدْحِ المُسْتَقِيمِينَ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاهْتِداءُ هو الِاسْتِقامَةُ والثَّباتُ عَلى الهُدى المَذْكُورِ وهو التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ وأيًّا ما كانَ فَكَلِمَةُ ثُمَّ إمّا لِلتَّراخِي بِاعْتِبارِ الِانْتِهاءِ لِبُعْدِهِ عَنْ أوَّلِ الِانْتِهاءِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ فَإنَّ المُداوَمَةَ أعْلى وأعْظَمُ مِنَ الشُّرُوعِ كَما قِيلَ:
لِكُلٍّ إلى شَأْوِ العُلى وثَباتٌ ولَكِنْ قَلِيلٌ في الرِّجالِ ثُباتُ
صفحة 241
وقِيلَ: المُرادُ ثُمَّ عَمِلَ بِالسُّنَّةِ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّ المُرادَ مَنِ اهْتَدى عَلِمَ أنَّ لِعَمَلِهِ ثَوابًا يُجْزى عَلَيْهِ، ورُوِيَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ طَهَّرَ قَلْبَهُ مِنَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ. كالعُجْبِ والحَسَدِ والكِبْرِ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَقْوى في مَعْنى ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أنْ يَكُونَ ثُمَّ حَفِظَ مُعْتَقَداتِهِ مِن أنْ تُخالِفَ الحَقَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَإنَّ الِاهْتِداءَ عَلى هَذا الوَجْهِ غَيْرُ الإيمانِ وغَيْرُ العَمَلِ انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا يَرْجِعُ إلى قَوْلِنا ثُمَّ اسْتَقامَ عَلى الإيمانِ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ، ورَوى الإمامِيَّةُ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ثُمَّ اهْتَدى إلى وِلايَتِنا أهْلِ البَيْتِ فَواللَّهِ لَوْ أنَّ رَجُلًا عَبَدَ اللَّهَ تَعالى عُمْرَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ ثُمَّ ماتَ ولَمْ يَجِئْ بِوِلايَتِنا لَأكَبَّهُ اللَّهُ تَعالى في النّارِ عَلى وجْهِهِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ وِلايَتَهم وحُبَّهم رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِمّا لا كَلامَ عِنْدَنا في وُجُوبِهِ لَكِنَّ حَمْلَ الِاهْتِداءِ في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ مَعَ كَوْنِها حِكايَةً لِما خاطَبَ اللَّهُ تَعالى بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا يَسْتَدْعِي القَوْلَ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِأهْلِ البَيْتِ وأوْجَبَ عَلَيْهِمْ ولايَتَهم إذْ ذاكَ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في صَحِيحِ الأخْبارِ.
نَعَمْ رَوى الإمامِيَّةُ مِن خَبَرِ جارُودِ بْنِ المُنْذِرِ العَبْدِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: ( «يا جارُودُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إلى السَّماءِ أوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيَّ أنْ سَلْ مَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا عَلامَ بُعِثُوا؟ قُلْتُ: عَلامَ بُعِثُوا؟ قالَ: عَلى نُبُوَّتِكَ ووِلايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ والأئِمَّةِ مِنكُما، ثُمَّ عَرَّفَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِمْ بِأسْمائِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ ﷺ أسْماءَهم واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ إلى المَهْدِيِّ» . وهو خَبَرٌ طَوِيلٌ يَتَفَجَّرُ الكَذِبُ مِنهُ. ولَهم أخْبارٌ في هَذا المَطْلَبِ كُلُّها مِن هَذا القَبِيلِ فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِها إلّا التَّطْوِيلُ. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ المَغْفِرَةِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِمَجْمُوعِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ. وقُصارى ما يُفْهَمُ مِنها عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ عَدَمُ تُحَقُّقِها لِمَن لَمْ يَتَّصِفْ بِالمَجْمُوعِ، وعَدَمُ التَّحَقُّقِ أعَمُّ مِن تُحَقِّقِ العَدَمِ فالآيَةُ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ تَكُونَ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلِيِّ عَلى تَحَقُّقِ عَدَمِ المَغْفِرَةِ لِمُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ إذا ماتَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، فافْهَمْ. واحْتَجَّ بِها مَن قالَ تَجِبُ التَّوْبَةُ عَنِ الكُفْرِ أوَّلًا ثُمَّ الإتْيانُ بِالإيمانِ ثانِيًا لِأنَّهُ قَدَّمَ فِيها التَّوْبَةَ عَلى الإيمانِ، واحْتَجَّ بِها أيْضًا مَن قالَ بِعَدَمِ دُخُولِ العَمَلِ الصّالِحِ في الإيمانِ لِلْعَطْفِ المُقْتَضِي لِلْمُغايَرَةِ
20:83Page 317
۞ وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣
[Allāh said], "And what made you hasten from your people, O Moses?"
﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ عِنْدَ ابْتِداءِ مُوافاتِهِ المِيقاتِ بِمُوجِبِ المُواعَدَةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا أيْ وقُلْنا لَهُ: أيُّ شَيْءٍ عَجَّلَ بِكَ عَنْ قَوْمِكَ فَتَقَدَّمْتَ عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِهِمْ هُنا عِنْدَ كَثِيرٍ ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ النُّقَباءُ السَّبْعُونَ. والمُرادُ بِالتَّعْجِيلِ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِمْ لا الإتْيانُ قَبْلَ تَمامِ المِيعادِ المَضْرُوبِ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ ويَتَضَمَّنُ كَما في الكَشْفِ إنْكارَ السَّبَبِ الحامِلِ لِوُجُودِ مانِعٍ في البَيْنِ وهو إيهامُ إغْفالِ القَوْمِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورًا بِاسْتِصْحابِهِمْ وإحْضارِهِمْ مَعَهُ وإنْكارِ أصْلِ الفِعْلِ لِأنَّ العَجَلَةَ نَقِيصَةٌ في نَفْسِها فَكَيْفَ مِن أُولِي العَزْمِ اللّائِقِ بِهِمْ مَزِيدُ الحَزْمِ.
20:84Page 317
قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤
He said, "They are close upon my tracks, and I hastened to You, my Lord, that You be pleased."
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ مُتَضَمِّنٌ لِبَيانِ اعْتِذارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحاصِلُهُ عَرْضُ الخَطَأِ في الِاجْتِهادِ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنَّهم لَمْ يَبْعُدُوا عَنِّي وإنَّ تَقَدُّمِي عَلَيْهِمْ بِخُطًا يَسِيرَةٍ وظَنِّي أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُنْكَرُ وقَدْ حَمَلَنِي عَلَيْهِ اسْتِدامَةُ رِضاكَ أوْ حُصُولُ زِيادَتِهِ وظَنِّي أنَّ مِثْلَ هَذا الحامِلِ يَصْلُحُ لِلْحَمْلِ عَلى مِثْلِ ما ذُكِرَ ولَمْ يَخْطُرْ لِي أنَّ هُناكَ مانِعًا لِيُنْكَرَ عَلَيَّ. ونَحْوُ هَذا الإسْراعِ المُزِيلِ لِلْخُشُوعِ إلى إدْراكِ الإمامِ في الرُّكُوعِ
صفحة 242
طَلَبًا لِأنْ يَكُونَ أداءُ هَذا الرَّكْنِ مَعَ الجَماعَةِ الَّتِي فِيها رِضا الرَّبِّ تَعالى فَإنَّهم قالُوا: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وقَدَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الِاعْتِذارَ عَنْ إنْكارِ أصْلِ الفِعْلِ لِأنَّهُ أهَمُّ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الِاسْتِفْهامَ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ يَتَضَمَّنُ إنْكارَها لِأنَّها في نَفْسِها نَقِيصَةٌ انْضَمَّ إلَيْها الإغْفالُ وإيهامُ التَّعْظِيمِ، فَأجابَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السَّبَبِ بِأنَّهُ اسْتِدامَةُ الرِّضا أوْ حُصُولُ زِيادَتِهِ، وعَنِ الإنْكارِ بِما مُحَصِّلُهُ أنَّهم لَمْ يَبْعُدُوا عَنِّي وظَنَنْتُ أنَّ التَّقَدُّمَ اليَسِيرَ لِكَوْنِهِ مُعْتادًا بَيْنَ النّاسِ لا يُنْكَرُ ولا يُعَدُّ نَقِيصَةً، وعُلِّلَ تَقْدِيمُ هَذا الجَوابِ بِما مَرَّ. واعْتُرِضَ بِأنَّ مَساقَ كَلامِهِ بِظاهِرِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّؤالَ عَنِ السَّبَبِ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِفْهامِ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى فَلا وجْهَ لِبِناءِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وأُجِيبُ بِأنَّ السُّؤالَ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ مُحالٌ إنْ كانَ لِاسْتِدْعاءِ المَعْرِفَةِ أمّا إذا كانَ لِتَعْرِيفِ غَيْرِهِ أوْ لِتَبْكِيتِهِ أوْ تَنْبِيهِهِ فَلَيْسَ مُحالًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ هُنا أنْ يَكُونَ السُّؤالُ لِأحَدِ المَذْكُوراتِ والمُتَبادَرِ أنْ يَكُونَ لِلْإنْكارِ، وفي الِانْتِصافِ أنَّ المُرادَ مِن سُؤالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ وهو سُبْحانَهُ أعْلَمُ أنْ يُعَلِّمَهُ أدَبَ السَّفَرِ وهو أنَّهُ يَنْبَغِي تَأخُّرُ رَئِيسِ القَوْمِ عَنْهم لِيَكُونَ بَصَرُهُ بِهِمْ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِمْ وهَذا المَعْنى لا يَحْصُلُ مَعَ التَّقَدُّمِ، ألا تَرى كَيْفَ عَلَّمَ اللَّهُ تَعالى هَذا الأدَبَ لُوطًا فَقالَ سُبْحانَهُ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ فَأمَرَهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَكُونَ آخِرَهُمْ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أغْفَلَ هَذا الأمْرَ مُبادَرَةً إلى رِضا اللَّهِ تَعالى ومُسارَعَةً إلى المِيعادِ وذَلِكَ شَأْنُ المَوْعُودِ بِما يَسَّرَهُ، يَوَدُّ لَوْ رَكِبَ أجْنِحَةَ الطَّيْرِ ولا أسَرَّ مِن مُواعَدَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السُّؤالَ عَنِ السَّبَبِ ما لَمْ يَكُنِ المُرادُ مِنهُ إنْكارَ المُسَبِّبِ لا يَتَسَنّى هَذا التَّعْلِيمَ، وقالَ بَعْضُهم: الَّذِي يَلُوحُ بِالبالِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أيُّ شَيْءٍ أعْجَلَكَ مُنْفَرِدًا عَنْ قَوْمِكَ، والإنْكارُ بِالذّاتِ لِلِانْفِرادِ عَنْهم فَهو مُنْصَبٌّ عَلى القَيْدِ كَما عُرِفَ في أمْثالِهِ، وإنْكارُ العَجَلَةِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِها وسِيلَةً لَهُ فاعْتَذَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهُ بِأنِّي أخْطَأْتُ في الِاجْتِهادِ وحَسِبْتُ أنَّ القَدْرَ اليَسِيرَ مِنَ التَّقَدُّمِ لا يُخِلُّ بِالمَعِيَّةِ ولا يُعَدُّ انْفِرادًا ولا يُقْدَحُ بِالِاسْتِصْحابِ والحامِلُ عَلَيْهِ طَلَبُ اسْتِدامَةِ مَرْضاتِكَ بِالمُبادَرَةِ إلى امْتِثالِ أمْرِكَ فالجَوابُ هو قَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾، وقَوْلُهُ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ كالتَّتْمِيمِ لَهُ ا هـ وهو عِنْدِي لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ. وقِيلَ: إنَّ السُّؤالَ عَنِ السَّبَبِ والجَوابُ إنَّما هو قَوْلُهُ ﴿وعَجِلْتُ﴾ إلَخْ وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ وفِيهِ نَظَرٌ، وعَلى هَذا وما قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ جَوابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ أمْرَيْنِ لِيَجِيءَ سُؤالُ التَّرْتِيبِ فَيُجابُ بِما مَرَّ أوْ بِما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حارَ لِما ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ التَّهَيُّبِ لِعِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَأذْهَلَهُ ذَلِكَ عَنِ الجَوابِ المُنْطَبِقِ المُتَرَتِّبِ عَلى حُدُودِ الكَلامِ لَكِنْ قالَ في البَحْرِ: إنَّ في هَذا الجَوابِ إساءَةَ الأدَبِ مَعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وذَلِكَ شَأْنُ الزَّمَخْشَرِيِّ مَعَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ مِن (إلَيْكَ) إلى مَكانِ وعْدِكَ فَلا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِلْمُجَسِّمَةِ عَلى إثْباتِ مَكانٍ لَهُ عَزَّ وجَلَّ. ونِداؤُهُ تَعالى بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِمَزِيدِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ رَغْبَةً في قَبُولِ العُذْرِ و(أُولاءِ) اسْمُ إشارَةٍ كَما هو المَشْهُورُ مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الخَبَرِيَّةِ- لَهُمْ- و﴿عَلى أثَرِي﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ حالٌ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وجَوَّزَ الطَّبَرَسِيُّ كَوْنَ (أُولاءِ) بَدَلٌ مِن (هُمْ) و﴿عَلى أثَرِي﴾ هو الخَبَرُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿أُولاءِ﴾ اسْمٌ مَوْصُولٌ و﴿عَلى أثَرِي﴾ صِلَتُهُ وهو مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُعاذٍ عَنْ أبِيهِ ( أُولايِ ) بِياءٍ مَكْسُورَةٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى في رِوايَةٍ ( أُولى ) بِالقَصْرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( أُولايَ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وقَرَأ عِيسى ويَعْقُوبُ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ
صفحة 243
رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( عَلى إثْرِي ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ، وحَكى الكِسائِيُّ ( أُثْرِي ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ وتُرْوى عَنْ عِيسى، وفي الكَشّافِ إنَّ ( الأثَرَ ) بِفُتْحَتَيْنِ أفْصَحُ مِن ( الإثْرِ ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وأمّا الأُثْرُ فَمَسْمُوعٌ في فِرِنْدِ السَّيْفِ مُدَوَّنٌ في الأُصُولِ يُقالُ: أُثْرُ السَّيْفِ وأثْرُهُ وهو بِمَعْنى الأثَرِ غَرِيبٌ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences