Al-AlusiAl‑Anbya · 21:30–32

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:30–32

21:30Page 324

أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠

Have those who disbelieved not considered that the heavens and the earth were a joined entity, and then We separated them and made from water every living thing? Then will they not believe?

﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَجْهِيلٌ لَهم بِتَقْصِيرِهِمْ عَنِ التَّدَبُّرِ في الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وتَصَرُّفِهِ وكَوْنِ جَمِيعِ ما سِواهُ مَقْهُورًا تَحْتَ مَلَكُوتِهِ عَلى وجْهٍ يَنْتَفِعُونَ بِهِ ويَعْلَمُونَ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ لا يَنْبَغِي أنْ يَعْدِلَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ حَجَرٍ أوْ نَحْوِهِ مِمّا لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمِيدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِغَيْرِ واوٍ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا﴾ الضَّمِيرُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، والمُرادُ مِنَ السَّماواتِ طائِفَتُها ولِذا ثُنِّيَ الضَّمِيرُ ولَمْ يُجْمَعْ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطِرَ: 41] وكَذا قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ:

إنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كِلاهُما دُونَ المَحارِمِ يَرْقُبانِ سَوادِي

وأُفْرِدَ الخَبَرَ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَتْقًا﴾ ولَمْ يُثَنَّ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والحَمْلُ إمّا بِتَأْوِيلِهِ بِمُشْتَقٍّ أوْ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتَيْ رَتْقٍ، وهو في الأصْلِ الضَّمُّ والِالتِحامُ خِلْقَةً كانَ أمْ صَنْعَةً، ومِنهُ الرَّتْقاءُ المُلْتَحِمَةُ مَحِلَّ الجِماعِ وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى (رَتَقًا ) بِفَتْحِ التّاءِ وهو اسْمُ المَرْتُوقِ كالنَّقْضِ والنَّقْضِ فَكانَ قِياسُهُ أنْ يُثَنّى هُنا لِيُطابِقَ الِاسْمَ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَلى تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ أيْ كانَتا شَيْئًا رَتْقًا وشَيْءٌ اسْمُ جِنْسٍ شامِلٍ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ فَيَصِحُّ الإخْبارُ بِهِ عَنِ المُثَنّى كالجَمْعِ ويُحَسِّنُهُ أنَّهُ في حالِ الرَّتْقِيَّةِ لا تَعَدُّدَ فِيهِ.

وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: الأكْثَرُ في هَذا البابِ أنْ يَكُونَ المُتَحَرِّكُ مِنهُ اسْمًا بِمَعْنى المَفْعُولِ والسّاكِنُ مَصْدَرًا وقَدْ يَكُونانِ مَصْدَرَيْنِ، والأوْلى هُنا كَوْنُهُما كَذَلِكَ وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَوْجِيهِ الإخْبارِ، وقَدْ أُرِيدَ بِالرَّتْقِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ حالَةُ العَدَمِ إذْ لَيْسَ فِيهِ ذَواتٌ مُتَمَيِّزَةٌ فَكَأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ أمْرٌ واحِدٌ مُتَّصِلٌ مُتَشابِهٌ وأُرِيدَ بِالفَتْقِ وأصْلُهُ الفَصْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَتَقْناهُما﴾ الإيجادُ لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ وانْفِصالِ بَعْضِ الحَقائِقِ عَنِ البَعْضِ بِهِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ) [الأنْعامَ: 14، يُوسُفَ: 101، إبْراهِيمَ: 10، فاطِرَ: 1، الزُّمَرَ: 46، الشُّورى: 11] بِناءً عَلى أنَّ الفَطْرَ الشَّقُّ وظاهِرُهُ نَفْيُ تَمايُزِ المَعْدُوماتِ، والَّذِي حَقَّقَهُ مَوْلانا الكُورانِيُّ في جَلاءِ الفُهُومِ وذَبَّ عَنْهُ حَسَبَ جُهْدِهِ أنَّ المَعْدُومَ المُمْكِنَ مُتَمَيِّزٌ في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهُ مُتَصَوَّرٌ ولا يُمْكِنُ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ إلّا بِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ وإلّا لَمْ يَكُنْ بِكَوْنِهِ مُتَصَوَّرًا أوْلى مِن غَيْرِهِ ولِأنَّ بَعْضَ المَعْدُوماتِ قَدْ يَكُونُ مُرادًا دُونَ بَعْضٍ ولَوْلا التَّمْيِيزُ بَيْنَها لَما عُقِلَ ذَلِكَ إذِ القَصْدُ إلى إيجادِ غَيْرِ المُتَعَيَّنِ مُمْتَنِعٌ لِأنَّ ما لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ في نَفْسِهِ لَمْ يَتَمَيَّزِ القَصْدُ إلَيْهِ عَنِ القَصْدِ إلى غَيْرِهِ، وقَدْ يُقالُ عَلى هَذا: يَكْفِي في تِلْكَ الإرادَةِ عَدَمُ تَمايُزِ السَّماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العَدَمِ نَظَرًا إلى الخارِجِ المُشاهَدِ، وأيًّا ما كانَ فَمَعْنى الآيَةِ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا مَعْدُومَتَيْنِ فَأوْجَدْناهُما، ومَعْنى عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ تَمَكُّنُهم مِنَ العِلْمِ بِهِ بِأدْنى نَظَرٍ لِأنَّهُما مُمْكِنانِ، والمُمْكِنُ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ وحْدَها يَكُونُ مَعْدُومًا واتِّصافُهُ بِالوُجُودِ لا يَكُونُ إلّا مِن واجِبِ الوُجُودِ.

قالَ ابْنُ سِينا في المَقالَةِ الثّامِنَةِ مِن إلَهِيّاتِ الشِّفاءِ: سائِرُ الأشْياءِ غَيْرُ واجِبِ الوُجُودِ لا تَسْتَحِقُّ الوُجُودَ بَلْ

صفحة 35

هِيَ في أنْفُسِها ومَعَ قَطْعِ إضافَتِها إلى الواجِبِ تَسْتَحِقُّ العَدَمَ ولا يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ وُجُودُ السَّماواتِ والأرْضِ مَعَ إمْكانِهِما الضَّرُورِيِّ عَنْ غَيْرِ عِلَّةٍ، وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ ذِيمُقْرَطِيسُ مِن أنَّ وُجُودَ العالَمِ إنَّما كانَ بِالِاتِّفاقِ وذَلِكَ لِأنَّ مَبادِيَهُ أجْرامٌ صِغارٌ لا تَتَجَزَّأُ لِصَلابَتِها وهي مَبْثُوثَةٌ في خَلاءٍ غَيْرِ مُتَناهٍ وهي مُتَشاكِلَةُ الطَّبائِعِ مُخْتَلِفَةُ الأشْكالِ دائِمَةُ الحَرَكَةِ فاتَّفَقَ أنْ تَضامَّتْ جُمْلَةٌ مِنهُ واجْتَمَعَتْ عَلى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَتَكَوَّنَ مِنها هَذا العالَمُ فَضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ، ووافَقَهُ عَلَيْهِ عَلى ما قِيلَ أبْناذِقْلَسُ لَكِنَّ الأوَّلَ زَعَمَ أنَّ تَكَوُّنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ لَيْسَ بِالِاتِّفاقِ وهَذا زَعَمَ أنَّ تَكَوُّنَ الأجْرامِ الأسْطَقْسِيَّةِ بِالِاتِّفاقِ أيْضًا إلّا أنَّ ما اتَّفَقَ إنْ كانَ ذا هَيْئَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ عَلى وجْهٍ يَصْلُحُ لِلْبَقاءِ والنَّسْلِ بَقِيَ وما اتَّفَقَ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ، وهَذا الهَذَيانُ بَعِيدٌ مِن هَذا الرَّجُلِ فَإنَّهم ذَكَرُوا أنَّهُ مِن رُؤَساءِ يُونانَ كانَ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَلَقّى العِلْمَ مِنهُ واخْتَلَفَ إلى لُقْمانَ الحَكِيمِ واقْتَبَسَ مِنهُ الحِكْمَةَ، ثُمَّ إنَّ وُجُودَهُما عَنِ العِلَّةِ حادِثٌ بَلِ العالَمُ المَحْسُوسُ مِنهُ وغَيْرُهُ حادِثٌ حُدُوثًا زَمانِيًّا بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ وما يُتَوَهَّمُ مِن بَعْضِ عِباراتِ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ مِن أنَّهُ حادِثٌ بِالذّاتِ قَدِيمٌ بِالزَّمانِ مَصْرُوفٌ عَنْ ظاهِرِهِ إذْ هم أجَلُّ مِن أنْ يَقُولُوا بِهِ لِما أنَّهُ كُفْرٌ. والفَلاسِفَةُ في هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى ثَلاثَةِ آراءٍ فَجَماعَةٌ مِنَ الأوائِلِ الَّذِينَ هم أساطِينُ مِنَ المَلْطِيَّةِ وسامِيا صارُوا إلى القَوْلِ بِحُدُوثِ مَوْجُوداتِ العالَمِ مَبادِيها وبَسائِطِها ومُرَكَّباتِها وطائِفَةٌ مِنَ الأتِينِينِيَّةِ وأصْحابِ الرِّواقِ صارُوا إلى قِدَمِ مَبادِيها مِنَ العَقْلِ والنَّفْسِ والمُفارَقاتِ والبَسائِطِ دُونَ المُتَوَسِّطاتِ والمُرَكَّباتِ فَإنَّ المَبادِيَ عِنْدَهم فَوْقَ الدَّهْرِ والزَّمانِ فَلا يَتَحَقَّقُ فِيها حُدُوثٌ زَمانِيٌّ بِخِلافِ المُرَكَّباتِ الَّتِي هي تَحْتَ الدَّهْرِ والزَّمانِ ومَنَعُوا كَوْنَ الحَرَكاتِ سَرْمَدِيَّةً، ومَذْهَبُ أرِسْطُو ومَن تابَعَهُ مِن تَلامِذَتِهِ أنَّ العالَمَ قَدِيمٌ وأنَّ الحَرَكاتِ الدَّوْرِيَّةَ سَرْمَدِيَّةٌ، وهَذا بِناءً عَلى المَشْهُورِ عَنْهُ وإلّا فَقَدْ ذُكِرَ في الأسْفارِ أنَّ أساطِينَ الحِكْمَةِ المُعْتَبَرِينَ عِنْدَ الطّائِفَةِ ثَمانِيَةٌ ثَلاثَةٌ مِنَ المَلْطِيِّينَ ثالسُ وانْكَسْيَمائِسُ وأغاثاذِيمُونُ، وخَمْسَةٌ مِنَ اليُونانِيِّينَ أبْناذِقْلَسُ وفِيثاغُورْسُ وسُقْراطُ وأفْلاطُونُ وأرِسْطُو وكُلُّهم قائِلُونَ بِما قالَ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأتْباعُهم مِن حُدُوثِ العالَمِ بِجَمِيعِ جَواهِرِهِ وأعْراضِهِ وأفْلاكِهِ وأمْلاكِهِ وبَسائِطِهِ ومُرَكَّباتِهِ، ونُقِلَ عَنْ كُلٍّ كَلِماتٌ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وكَذا نُقِلَ عَنْ غَيْرِ أُولَئِكَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، ولَوْلا مَخافَةُ السَّآمَةِ لَنَقَلْتُ ذَلِكَ ولَعَلِّي أنْقُلُ شَيْئًا مِنهُ في مَحِلِّهِ الألْيَقِ بِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما ورَفَعَ السَّماءَ إلى حَيْثُ هي وأقَرَّ الأرْضَ. وقالَ كَعْبُ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ والأرْضَ مُلْتَصِقَتَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ رِيحًا فَتَوَسَّطَهُما فَفَتَقَهُما. وعَنِ الحَسَنِ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ عَلَيْها دُخانٌ مُلْتَصِقٌ بِها ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ وخَلَقَ مِنهُ السَّماواتِ وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها وبَسَطَ مِنها الأرْضَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ فَجَعَلَ سَبْعَ سَمَواتٍ، وكَذَلِكَ الأرْضُ كانَتْ مُرَتَّقَةً طَبَقَةً واحِدَةً فَفَتَقَها فَجَعَلَها سَبْعَ أرْضِينَ، والمُرادُ مِنَ العِلْمِ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ التَّمَكُّنُ مِنهُ أيْضًا إلّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقِ النَّظَرِ بَلْ بِالِاسْتِفْسارِ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا يُخالِطُونَهم ويَقْبَلُونَ أقْوالَهم وقِيلَ بِذَلِكَ أوْ بِمُطالَعَةِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ويَدْخُلُ فِيها القُرْآنُ وإنْ لَمْ يَقْبَلُوهُ لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً في نَفْسِهِ وفي ذَلِكَ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا أتاهُ فَسَألَهُ عَنِ الآيَةِ فَقالَ: اذْهَبْ إلى ذَلِكَ الشَّيْخِ فاسْألْهُ ثُمَّ تَعالَ فَأخْبِرْنِي وكانَ ابْنَ عَبّاسٍ فَذَهَبَ إلَيْهِ فَسَألَهُ

صفحة 36

فَقالَ: نَعَمْ كانَتِ السَّماواتُ رَتْقًا لا تُمْطِرُ وكانَتِ الأرْضُ رَتْقًا لا تُنْبِتُ فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى لِلْأرْضِ أهْلًا فَتَقَ هَذِهِ بِالمَطَرِ وفَتَقَ هَذِهِ بِالنَّباتِ فَرَجَعَ الرَّجُلُ إلى ابْنِ عُمَرَ فَأخْبَرَهُ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: الآنَ عَلِمْتُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَدْ أُوتِيَ في القُرْآنِ عِلْمًا صَدَقَ ابْنُ عَبّاسٍ هَكَذا كانَتْ، ورَوى عَنْهُ ما هو بِمَعْنى ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو قَوْلٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ العِبْرَةَ والحُجَّةَ وتَعْدِيدَ النِّعْمَةِ ويُناسِبُ ما يُذْكَرُ بَعْدُ والرَّتْقُ والفَتْقُ مَجازِيّانِ عَلَيْهِ كَما هُما كَذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، والمُرادُ بِالسَّماواتِ جِهَةُ العُلُوِّ أوْ سَماءُ الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ الآفاقِ أوْ مِن بابِ ثَوْبِ أخْلاقِ، وقِيلَ هو عَلى ظاهِرِهِ ولِكُلٍّ مِنَ السَّماواتِ مَدْخَلٌ في المَطَرِ، والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ العِلْمُ أيْضًا وعِلْمُ الكَفَرَةِ بِذَلِكَ ظاهِرٌ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً وجَعْلُها عِلْمِيَّةً أوْلى، ومِنَ البَعِيدِ ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ عُلَماءِ الإسْلامِ أنَّ الرَّتْقَ انْطِباقُ مِنطَقَتَيِ الحَرَكَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ المُوجِبُ لِبُطْلانِ العِماراتِ وفُصُولِ السَّنَةِ والفَتْقُ افْتِراقُهُما المُقْتَضِي لِإمْكانِ العِمارَةِ وتَمْيِيزِ الفُصُولِ بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ عَلى الأُصُولِ الإسْلامِيَّةِ الَّتِي أصَّلَها السَّلَفُ الصّالِحُ كَما لا يَخْفى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنَّ السَّماواتِ﴾ إلَخْ ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ عَطْفِهِ عَلى فَتَقْنا، والجَعْلُ بِمَعْنى الخَلْقِ المُتَعَدِّي لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ والماءُ هو المَعْرُوفُ أيْ خَلَقْنا مِنَ الماءِ كُلَّ حَيَوانٍ أيْ مُتَّصِفٍ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ. ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ. وجَماعَةٌ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ [النُّورَ: 45] ووَجْهُ كَوْنِ الماءِ مَبْدَأٌ ومادَّةٌ لِلْحَيَوانِ وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ أنَّهُ أعْظَمُ مَوادِّهِ وفَرْطُ احْتِياجِهِ إلَيْهِ وانْتِفاعِهِ بِهِ بِعَيْنِهِ ولا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ العامِّ لِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكَذا الجِنَّ أحْياءٌ ولَيْسُوا مَخْلُوقِينَ مِنَ الماءِ ولا مُحْتاجِينَ إلَيْهِ عَلى الصَّحِيحِ.

وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى خَلَقْنا كُلَّ نامٍ مِنَ الماءِ فَيَدْخُلُ النَّباتُ ويُرادُ بِالحَياةِ النُّمُوُّ أوْ نَحْوُهُ، ولَعَلَّ مَن زَعَمَ أنَّ في النَّباتِ حِسًّا وشُعُورًا أبْقى الحَياةَ عَلى ظاهِرِها، وقالَ قُطْرُبُ، وجَماعَةٌ: المُرادُ بِالماءِ النُّطْفَةُ ولا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ بِما سِوى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والجِنِّ أيْضًا بَلْ بِما سِوى ذَلِكَ والحَيَواناتِ المَخْلُوقَةِ مِن غَيْرِ نُطْفَةٍ كَأكْثَرِ الحَشَراتِ الأرْضِيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المُتَعَدِّي لِمَفْعُولَيْنِ وهُما هُنا ( كُلَّ ومِنَ الماءِ ) وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ بِهِ ومِنَ اتِّصالِيَّةٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ ﷺ: ««ما أنا مِن دَدٍ ولا الدَّدُ مِنِّي»» والمَعْنى صَيَّرْنا كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ مُتَّصِلًا بِالماءِ أيْ مُخالِطًا لَهُ غَيْرَ مُنْفَكٍّ عَنْهُ، والمُرادُ أنَّهُ لا يَحْيا دُونَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( كُلَّ ) وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ مِن عَلى هَذا بَيانِيَّةً تَجْرِيدِيَّةً فَيَكُونُ قَدْ جُرِّدَ مِنَ الماءِ الحَيِّ مُبالَغَةً كَأنَّهُ هو، وقَرَأ حُمَيْدٌ (حَيًّا ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ( كُلَّ ) أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ لا يَحْيا، والشَّيْءُ مَخْصُوصٌ بِالحَيَوانِ لِأنَّهُ المَوْصُوفُ بِالحَياةِ، وجَوَّزَ تَعْمِيمَهُ لِلنَّباتِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ حَيٌّ حَياةً لائِقَةً بِهِ وهُمُ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ تَسْبِيحَ الأشْياءِ المُفادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسْراءَ: 44] قالِيٌّ لا حالِيٌّ، وإذا قِيلَ بِذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ الشَّيْءِ أيْضًا إذا لَمْ يَجْعَلْ مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيًّا ولَمْ أقِفْ عَلى مُخالِفٍ في ذَلِكَ مِنّا، نَعَمْ نُقِلَ عَنْ ثالِسَ المَلْطِيِّ وهو أوَّلُ مَن تَفَلْسَفَ بِمَلْطِيَّةَ أنَّ أصْلَ المَوْجُوداتِ الماءُ حَيْثُ قالَ: الماءُ قابِلٌ كُلَّ صُورَةٍ ومِنهُ أُبْدِعَتِ الجَواهِرُ كُلُّها مِنَ السَّماءِ والأرْضِ انْتَهى.

صفحة 37

ويُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلى مَشْرَبٍ صُوفِيٍّ بِأنْ يُقالَ إنَّهُ أرادَ بِالماءِ الوُجُودَ الِانْبِساطِيَّ المُعَبَّرَ عَنْهُ في اصْطِلاحِ الصُّوفِيَّةِ بِالنَّفْسِ الرَّحْمانِيِّ، وحِينَئِذٍ لَوْ جُعِلَتِ الإشارَةُ في الآيَةِ إلى ذَلِكَ عِنْدَهم لَمْ يَبْعُدْ ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ إنْكارٌ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ مَعَ ظُهُورِ ما يُوجِبُهُ حَتْمًا مِنَ الآياتِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهُ الإنْكارُ أيْ أيَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا يُؤْمِنُونَ

21:31Page 324

وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣١

And We placed within the earth firmly set mountains, lest it should shift with them, and We made therein [mountain] passes [as] roads that they might be guided.

﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ جَمْعُ راسِيَةٍ مِن رَسا الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ ورَسَخَ، ووَصْفُ جَمْعِ المُذَكِّرِ بِجَمْعِ المُؤَنَّثِ في غَيْرِ العُقَلاءِ مِمّا لا رَيْبَ في صِحَّتِهِ ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أيْ كَراهَةَ أنْ تَتَحَرَّكَ وتَضْطَرِبَ بِهِمْ أوْ لِئَلّا تَمِيدَ فَحَذْفُ اللّامِ ولا لِعَدَمِ الإلْباسِ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ والأوَّلُ أوْلى، وفي الِانْتِصافِ أوْلى مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِكَ أعْدَدْتُ هَذِهِ الخَشَبَةَ أنْ يَمِيلَ الحائِطُ عَلى ما قالَ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ مَعْناهُ أنْ أُدَعِّمَ الحائِطَ بِها إذا مالَ، وقُدِّمَ ذِكْرُ المَيْدِ عِنايَةً بِأمْرِهِ ولِأنَّهُ السَّبَبُ في الإدْعامِ والإدْعامُ سَبَبُ إعْدادِ الخَشَبَةِ فَعُومِلَ سَبَبُ السَّبَبِ مُعامَلَةَ السَّبَبِ فَكَذا فِيما نَحْنُ فِيهِ يَكُونُ الأصْلُ وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ نُثَبِّتَها إذا مادَتْ بِهِمْ فَجُعِلَ المَيْدُ هو السَّبَبُ كَما جُعِلَ المَيْلُ في المِثالِ سَبَبًا وصارَ الكَلامُ وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ فَنُثَبِّتُها ثُمَّ حُذِفَ فَنُثَبِّتُها لِأمْنِ الإلْباسِ إيجازًا، وهَذا أقْرَبُ إلى الواقِعِ مِمّا ذُكِرَ أوَّلًا فَإنَّ مُقْتَضاهُ أنْ لا تَمِيدَ الأرْضُ بِأهْلِها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَرِهَ ذَلِكَ ومُحالٌ أنْ يَقَعَ ما يَكْرَهُهُ سُبْحانَهُ والمُشاهَدَةُ بِخِلافِهِ فَكَمْ مِن زَلْزَلَةٍ أمادَتِ الأرْضَ حَتّى كادَتْ تَنْقَلِبُ وعَلى ما ذَكَرْنا يَكُونُ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُثَبِّتُ الأرْضَ بِالجِبالِ إذا مادَتْ، وهَذا لا يَأْبى وُقُوعَ المَيْدِ لَكِنَّهُ مَيْدٌ يَسْتَعْقِبُهُ التَّثْبِيتُ، وكَذَلِكَ الواقِعُ مِنَ الزِّلْزالِ إنَّما هو كاللَّمْحَةِ ثُمَّ يُثَبِّتُها اللَّهُ تَعالى انْتَهى.

وفِي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهم كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بَيانٌ لِلْمَعْنى لا أنَّ هُناكَ إضْمارٌ ألْبَتَّةَ ولِهَذا كانَ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ خَلِيقًا بِالرَّدِّ، وما في الِانْتِصافِ مِن أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ مِن بابِ أعْدَدْتُ الخَشَبَةَ أنْ يَمِيلَ الحائِطُ عَلى ما قُرِّرَ راجِعٌ إلى ما ذَكَرْناهُ ولا مُخالِفَ لَهُ، أمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ الرَّدِّ بِمُخالَفَةِ الواقِعِ المُشاهَدَ فَلَيْسَ بِالوَجْهِ لِأنَّ مَيْدُودَةَ الأرْضِ غَيْرُ كائِنَةٍ ألْبَتَّةَ ولَيْسَتْ هَذِهِ الزَّلازِلُ مِنها في شَيْءٍ انْتَهى، وهو كَلامٌ رَصِينٌ كَما لا يَخْفى، وقَدْ طَعَنَ بَعْضُ الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ فِيما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِأنَّ الأرْضَ لِطَلَبِها المَرْكَزَ طَبْعًا ساكِنَةٌ لا يُتَصَوَّرُ فِيها المَيْدُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيها الجِبالُ. وأُجِيبَ أوَّلًا بَعْدَ الإغْماضِ عَمّا في دَعْوى طَلَبِها المَرْكَزَ طَبْعًا وسُكُونِها عِنْدَهُ مِنَ القِيلِ والقالِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ خَلَقَ الأرْضَ يَوْمَ خَلَقَها عُرْيَةً عَنِ الجِبالِ مُخْتَلِفَةَ الأجْزاءِ ثِقَلًا وخِفَّةً اخْتِلافًا تامًّا أوْ عَرَضَ لَها الِاخْتِلافُ المَذْكُورُ ومَعَ هَذا لَمْ يَجْعَلْ سُبْحانَهُ لِمَجْمُوعِها مِنَ الثِّقَلِ ما لا يَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ثِقَلُ ما عَلِمَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ يَتَحَرَّكُ عَلَيْها مِنَ الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ فَيَكُونُ لَها مَرْكَزانِ مُتَغايِرانِ مَرْكَزُ حَجْمٍ ومَرْكَزُ ثِقَلٍ وهي إنَّما تَطْلُبُ بِطَبْعِها عِنْدَهم أنْ يَنْطَبِقَ مَرْكَزُ ثِقَلِها عَلى مَرْكَزِ العالَمِ وذَلِكَ وإنِ اقْتَضى سُكُونَها إلّا أنَّهُ يُلْزِمُ أنْ تَتَحَرَّكَ بِتَحَرُّكَ هاتَيْكِ الأجْسامِ فَخَلَقَ جَلَّ جَلالُهُ الجِبالَ فِيها لِيَحْصُلَ لَها مِنَ الثِّقَلِ ما لا يَظْهَرُ مَعَهُ ثِقْلُ المُتَحَرِّكِ فَلا تَتَحَرَّكُ بِتَحَرُّكِهِ أصْلًا، وكَوْنُ نِسْبَةِ ارْتِفاعِ أعْظَمِ الجِبالِ إلى قُطْرِها كَنِسْبَةِ سَبْعٍ عَرْضُ شُعَيْرَةٍ إلى ذِراعٍ إنَّما يَنْفَعُ في أمْرِ الكِرْيَةِ الحِسِّيَّةِ وأمّا أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ لِمَجْمُوعِ الجِبالِ ثِقَلٌ مُعْتَدٍّ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثِقَلِ الأرْضِ فَلا. ثُمَّ لَيْسَ خَلْقُ الجِبالِ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ فَقَطْ بَلْ لِحِكَمٍ لا تُحْصى ومَنافِعَ لا تُسْتَقْصى فَلا يُقالُ إنَّهُ يُغْنِي عَنِ الجِبالِ

صفحة 38

خَلْقُها بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ لِلْأجْسامِ الثَّقِيلَةِ المُتَحَرِّكَةِ عَلَيْها أثَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ثِقَلِها، وثانِيًا أنَّها بِحَسَبِ طَبْعِها تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَغْمُورَةً بِالماءِ بِحَيْثُ تَكُونُ الخُطُوطُ الخارِجَةُ مِن مَرْكَزِها المُنْطَبِقِ عَلى مَرْكَزِ العالَمِ إلى مُحَدَّبِ الماءِ مُتَساوِيَةً مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ فَبُرُوزُ هَذا المِقْدارِ المَعْمُورِ مِنها قَسْرِيٌّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْجِبالِ مَدْخَلٌ في القَسْرِ بِاحْتِباسِ الأبْخِرَةِ فِيها وصَيْرُورَةِ الأرْضِ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَزِقٍّ في الماءِ نَفَخَ نَفْخًا ظَهَرَ بِهِ شَيْءٌ مِنهُ عَلى وجْهِ الماءِ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنِ القَسْرُ قَوِيًّا بِحَيْثُ لا يُعارِضُهُ ما يَكُونُ فَوْقَ الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها وذَلِكَ يُوجِبُ المَيْدَ الَّذِي قَدْ يُفْضِي بِها إلى الِانْغِمارِ فَتَأمَّلْ، وقَدْ مَرَّ لَكَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَطْلَبِ فَتَذَكَّرْ ﴿وجَعَلْنا فِيها﴾ أيْ في الأرْضِ، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ لِاخْتِلافِ المَجْعُولِينَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى كَمالِ الِامْتِنانِ أوْ في الرَّواسِي عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والمُنْذِرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ويُؤَيِّدُهُ أنَّها المُحْتاجَةُ لِأنْ يَجْعَلَ سُبْحانَهُ فِيها ﴿فِجاجًا﴾ جَمْعُ فَجٍّ قالَ الرّاغِبُ: هو شَقَّةٌ يَكْتَنِفُها جَبَلانِ، وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مُخْتَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَهو فَجٌّ، وقالَ بَعْضُهم: هو مُطْلَقُ الواسِعِ سَواءٌ كانَ طَرِيقًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ أمْ لا ولِذا يُقالُ جُرْحٌ فَجٌّ، والظّاهِرُ أنَّ (فِجاجًا ) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِجَعَلَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سُبُلا﴾ بَدَلٌ مِنهُ فَيَدُلُّ ضِمْنًا عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَها ووَسَّعَها لِلسّابِلَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ لِأنَّ البَدَلَ كالتَّكْرارِ وعَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ والمُبْدَلُ مِنهُ لَيْسَ في حُكْمِ السُّقُوطِ مُطْلَقًا وقالَ في الكَشّافِ: هو حالٌ مِن ( سُبُلًا ) ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ نُوحٍ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا فِجاجًا﴾ وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِهِ كَذَلِكَ بَلْ قُدِّمَ فَصارَ حالًا لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ في حالِ جَعْلِها سُبُلًا كانَتْ واسِعَةً ولَوْ أتى بِهِ صِفَةً لَمْ يَدُلَّ عَلى ذَلِكَ. وأوْجَبَ بَعْضُهم كَوْنَهُ مَفْعُولًا وكَوْنَ ( سُبُلًا ) بَدَلًا مِنهُ وكَذا أوْجَبَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَسْلُكُوا﴾ إلَخْ كَوْنَ ( سُبُلًا ) مَفْعُولًا وكَوْنَ ( فِجاجًا ) بَدَلًا قائِلًا: إنَّ الفَجَّ اسْمٌ لا صِفَةٌ لِدَلالَتِهِ عَلى ذاتٍ مُعَيَّنَةٍ وهو الطَّرِيقُ الواسِعُ والِاسْمُ يُوصَفُ ولا يُوصَفُ بِهِ ولِذا وقَعَ مَوْصُوفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحَجَّ: 27] والحَمْلُ عَلى تَجْرِيدِهِ عَنْ دَلالَتِهِ عَلى ذاتٍ مُعَيَّنَةٍ لا قَرِينَةَ عَلَيْهِ.

وتُعُقِّبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ مَعْناهُ ذَلِكَ بَلْ مَعْناهُ مُطْلَقُ الواسِعِ وتَخْصِيصُهُ بِالطَّرِيقِ عارِضٌ وهو لا يَمْنَعُ الوَصْفِيَّةَ ولَوْ سُلِّمَ فَمُرادُ مَن قالَ إنَّهُ وصْفٌ أنَّهُ في مَعْنى الوَصْفِ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّبِيلِ لِأنَّ السَّبِيلَ الطَّرِيقُ وهو الطَّرِيقُ الواسِعُ فَإذا قُدِّمَ عَلَيْهِ يَكُونُ ذِكْرُهُ بَعْدُ لَغْوًا لَوْ لَمْ يَكُنْ حالًا، وظاهِرُ كَلامِ الفاضِلِ اليَمَنِيِّ في المَطْلَعِ أنَّ ( سُبُلًا ) عَطْفُ بَيانٍ وهو سائِغٌ في النَّكِراتِ حَيْثُ قالَ: هو تَفْسِيرٌ لِلْفِجاجِ وبَيانُ أنَّ تِلْكَ الفِجاجَ نافِذَةٌ فَقَدْ يَكُونُ الفَجُّ غَيْرَ نافِذٍ وقُدِّمَ هُنا وأُخِّرَ في آيَةِ سُورَةِ نُوحٍ لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ وارِدَةٌ لِلِامْتِنانِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وهَذِهِ لِلِاعْتِبارِ والحَثِّ عَلى إمْعانِ النَّظَرِ وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّفْصِيلَ، ومِن ثَمَّ ذُكِرَتْ عَقِبَ قَوْلِهِ تَعالى كانَتا ( رَتْقًا ) إلَخِ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأظْهَرَ نَصْبُ ( فِجاجًا ) هُنا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِجَعَلَ ووَجْهُ التَّغايُرِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ لا يَخْفى فَتَأمَّلْ ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى التَّوْحِيدِ وكَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وقِيلَ: إلى مَصالِحِهِمْ ومُهِمّاتِهِمْ. ورُدَّ عَلى ما تَقَدَّمَ بِأنَّهُ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى فِيما بَعْدُ ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ وبِأنَّ خَلْقَ السُّبُلِ لا تَظْهَرُ دَلالَتُهُ عَلى ما ذُكِرَ انْتَهى، وفِيهِ ما فِيهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِنَ الِاهْتِداءِ إلى الِاسْتِدْلالِ والِاهْتِداءِ إلى المَصالِحِ:

21:32Page 324

وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ ٣٢

And We made the sky a protected ceiling, but they, from its signs,1 are turning away.

﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ مِنَ البِلى والتَّغَيُّرِ عَلى طُولِ الدَّهْرِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والمُرادُ أنَّها جُعِلَتْ مَحْفُوظَةً عَنْ ذَلِكَ الدَّهْرِ الطَّوِيلِ، ولا يُنافِيهِ أنَّها تُطْوى يَوْمَ القِيامَةِ طَيَّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ وإلى تَغَيُّرِها ودُثُورِها ذَهَبَ جَمِيعُ

صفحة 39

المُسْلِمِينَ ومُعْظَمُ أجِلَّةِ الفَلاسِفَةِ كَما بَرْهَنَ عَلَيْهِ صَدْرُ الدِّينِ الشِّيرازِيُّ في أسْفارِهِ وسَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَحِلِّهِ. وقِيلَ: مِنَ الوُقُوعِ، وقالَ الفَرّاءُ: مِنَ اسْتِراقِ السَّمْعِ بِالرُّجُومِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ يَكُونُ ذِكْرُ السَّقْفِ لَغْوًا لا يُناسِبُ البَلاغَةَ فَضْلًا عَنِ الإعْجازِ، وذُكِرَ في وجْهِهِ أنَّ المُرادَ أنَّ حِفْظَها لَيْسَ كَحِفْظِ دَوْرِ الأرْضِ فَإنَّ السُّرّاقَ رُبَّما تَسَلَّقَتْ مِن سُقُوفِها بِخِلافِ هَذِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى حِفْظِها عَمَّنْ تَحْتَها ويَدُلُّ عَلى حِفْظِها عَنْهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وفي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَظَرَ إلى السَّماءِ فَقالَ: «إنَّ السَّماءَ سَقْفٌ مَرْفُوعٌ ومَوْجٌ مَكْفُوفٌ تَجْرِي كَما يَجْرِي السَّهْمُ مَحْفُوظَةٌ مِنَ الشَّياطِينِ»» وهو إذا صَحَّ لا يَكُونُ نَصًّا في مَعْنى الآيَةِ كَما زَعَمَ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، ويَرُدُّ عَلَيْهِ ما أُورِدَ عَلى سابِقِهِ كَما لا يَخْفى.

﴿وهم عَنْ آياتِها﴾ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِنا وعِلْمِنا وحِكْمَتِنا وقُدْرَتِنا وإرادَتِنا الَّتِي بَعْضُها ظاهِرٌ كالشَّمْسِ وبَعْضُها مَعْلُومٌ بِالبَحْثِ عَنْهُ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ ذاهِلُونَ عَنْها لا يُجِيلُونَ قِداحَ الفِكْرِ فِيها، وقَرَأ مُجاهِدٌ. وحَمِيدٌ (عَنْ آيَتِها ) بِالإفْرادِ ووُجِّهَ بِأنَّهُ لَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِمّا فِيها كافِيًا في الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِ كَمالِهِ وُحِّدَتِ الآيَةُ لِذَلِكَ، وجُعِلَ الإعْراضُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى إنْكارِ كَوْنِها آيَةً بَيِّنَةً دالَّةً عَلى الخالِقِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ في الكَشّافِ أيْ هم مُتَفَطِّنُونَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَنافِعِ وهم عَنْ كَوْنِها آيَةً بَيِّنَةً عَلى الخالِقِ مُعْرِضُونَ ولَيْسَ بِلازِمٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском