Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:48–59
21:48Page 326
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨
And We had already given Moses and Aaron the criterion and a light and a reminder1 for the righteous
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ [الأنْبِياءَ: 7 . 9] وإشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ إنْجائِهِمْ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، وتَصْدِيرُهُ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِهِ، والمُرادُ بِالفُرْقانِ التَّوْراةُ وكَذا بِالضِّياءِ والذِّكْرِ، والعَطْفُ كَما في قَوْلِهِ:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمِ
ونَقَلَ الطَّيِّبِيُّ أنَّهُ أُدْخِلَ الواوُ عَلى ﴿ضِياءً﴾ وإنْ كانَ صِفَةً في المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ كَما يَدْخُلُ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هي صِفَةٌ لَفْظًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأنْفالَ: 49، الأحْزابَ: 12] وقالَ سِيبَوَيْهِ: إذا قُلْتَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وصاحِبِكَ جازَ وإنْ قُلْتَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ فَصاحِبِكَ بِالفاءِ لَمْ يَجُزْ كَما جازَ بِالواوِ لِأنَّ الفاءَ تَقْتَضِي التَّعَقُّبَ وتَأْخِيرَ الِاسْمِ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِخِلافِ الواوِ، وأمّا قَوْلُ القائِلِ:
يا لَهْفَ زِيابَةَ لِلْحارِثِ الصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
فَإنَّما ذُكِرَ بِالفاءِ وجادَ لِأنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ عَلى ذَلِكَ الحَدِّ لِأنَّ ألْ بِمَعْنى الَّذِي أيْ فالَّذِي صَبَّحَ فالَّذِي غَنِمَ فالَّذِي آبَ، وأبُو الحَسَنِ يُجِيزُ المَسْألَةَ بِالفاءِ كَما يُجِيزُها بِالواوِ انْتَهى، والمَعْنى وبِاللَّهِ لَقَدْ آتَيْناهُما كِتابًا جامِعًا بَيَّنَ كَوْنَهُ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وضِياءً يُسْتَضاءُ بِهِ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغَوايَةِ وذِكْرًا يَتَّعِظُ بِهِ النّاسُ ويَتَذَكَّرُونَ، وتَخْصِيصُ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ أوْ ذِكْرُ ما يُحْتاجُّونَ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ أوْ شَرَفٌ لَهم.
وقِيلَ: الفُرْقانُ النَّصْرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنْفالَ: 41] وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لِفَرْقِهِ بَيْنَ الوَلِيِّ والعَدُوِّ وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضِّياءُ حِينَئِذٍ إمّا التَّوْراةُ أوِ الشَّرِيعَةُ أوِ اليَدُ البَيْضاءُ. والذِّكْرُ بِأحَدِ المَعانِي المَذْكُورَةِ.
وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ الفُرْقانَ فِلْقُ البَحْرِ والفِرْقُ والفِلْقُ أخَوانٌ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وهو اللّائِقُ بِمَساقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ فَإنَّهُ لِتَحْقِيقِ أمْرِ القُرْآنِ المُشارِكِ لِسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لا سِيَّما التَّوْراةُ فِيما ذَكَرَ مِنَ الصِّفاتِ ولِأنَّ فِلْقَ البَحْرِ هو الَّذِي اقْتَرَحَ الكَفَرَةُ مِثْلَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنْبِياءَ: 5] .
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ (ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ (الفُرْقانَ ) وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ أيْضًا التَّفْسِيرَ الأوَّلَ،
21:49Page 326
ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ ٤٩
Who fear their Lord unseen,1 while they are of the Hour apprehensive.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ مَجْرُورُ المَحَلِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مادِحَةٌ المُتَّقِينَ أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ أوْ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ، والمُرادُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَخْشَوْنَ عَذابَ رَبِّهِمْ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿بِالغَيْبِ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أيْ يَخْشَوْنَ ذَلِكَ وهو غائِبٌ عَنْهم غَيْرُ مَرْئِيٍّ لَهم فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالكَفَرَةِ حَيْثُ لا يَتَأثَّرُونَ بِالإنْذارِ ما لَمْ يُشاهِدُوا ما أُنْذِرُوهُ.
صفحة 58
وقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ يَخْشَوْنَهُ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: يَخْشَوْنَهُ بِقُلُوبِهِمْ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ خائِفُونَ بِطَرِيقِ الِاعْتِناءِ، والجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ العَطْفَ عَلى الصِّلَةِ وتَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وتَخْصِيصُ إشْفاقِهِمْ مِنَ السّاعَةِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالخَشْيَةِ عَلى الإطْلاقِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِها مُعْظَمَ المَخْلُوقاتِ ولِلتَّنْصِيصِ عَلى اتِّصافِهِمْ بِضِدِّ ما اتَّصَفَ بِهِ المُسْتَعْجِلُونَ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حالَتَهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ الإشْفاقُ الدّائِمُ
21:50Page 326
وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٠
And this [Qur’ān] is a blessed message which We have sent down. Then are you with it unacquainted?1
﴿وهَذا﴾ أيِ القُرْآنُ الكَرِيمُ أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَذا لِلْإيذانِ بِسُهُولَةِ تَناوُلِهِ ووُضُوحِ أمْرِهِ، وقِيلَ: لِقُرْبِ زَمانِهِ ﴿ذِكْرٌ﴾ يَتَذَكَّرُ بِهِ مَن تَذَكَّرَ وُصِفَ بِالوَصْفِ الأخِيرِ لِلتَّوْراةِ لِمُناسَبَةِ المَقامِ ومُوافَقَتِهِ لِما مَرَّ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مَعَ انْطِواءِ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ في وصْفِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مُبارَكٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الخَيْرِ غَزِيرُ النَّفْعِ ولَقَدْ عادَ عَلَيْنا ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ مِن بَرَكَتِهِ ما عادَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلْناهُ﴾ إمّا صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِذِكْرٍ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِهَذا، وفِيهِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ ما فِيهِ ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ إنْكارٌ لِإنْكارِهِمْ بَعْدَ ظُهُورِ كَوْنِهِ كالتَّوْراةِ كَأنَّهُ قِيلَ أبَعْدَ أنْ عَلِمْتُمْ أنَّ شَأْنَهُ كَشَأْنِ التَّوْراةِ أنْتُمْ مُنْكِرُونَ لِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِنا فَإنَّ ذَلِكَ بَعْدَ مُلاحَظَةِ حالِ التَّوْراةِ مِمّا لا مَساغَ لَهُ أصْلًا وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ أوْ لِلْحَصْرِ لِأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِغَيْرِهِ مِمّا في أيْدِي أهْلِ الكِتابِ.
21:51Page 326
۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ٥١
And We had certainly given Abraham his sound judgement before,1 and We were of him well-Knowing
﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ الكِبارِ وهو الرُّشْدُ الكامِلُ أعْنِي الِاهْتِداءَ إلى وُجُوهِ الصَّلاحِ في الدِّينِ والدُّنْيا والإرْشادَ بِالنَّوامِيسِ الإلَهِيَّةِ وقِيلَ: الصُّحُفُ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ لِلْخَيْرِ صَغِيرًا، واخْتارَ بَعْضُهُمُ التَّعْمِيمَ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ (رَشَدَهُ ) بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ وهُما لُغَةٌ كالحُزْنِ والحَزَنِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ مُوسى وهارُونَ، وقِيلَ مِن قَبْلِ البُلُوغِ حِينَ خَرَجَ مِنَ السِّرْبِ، وقِيلَ مِن قَبْلِ أنْ يُولَدَ حِينَ كانَ في صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالَ في الكَشْفِ: وهو الوَجْهُ الأوْفَقُ لَفْظًا ومَعْنًى، أمّا الأوَّلُ فَلِلْقُرْبِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ ذِكْرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِلتَّأسِّي، وكانَ القِياسُ أنْ يُذْكَرَ نُوحٌ ثُمَّ إبْراهِيمُ ثُمَّ مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَكِنْ رُوعِيَ في ذَلِكَ تَرْشِيحُ التَّسَلِّي والتَّأسِّي فَقَدْ ذُكِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ حالَهُ وما قاساهُ مِن قَوْمِهِ وكَثْرَةِ آياتِهِ وتَكاثُفِ أُمَّتِهِ أشْبَهُ بِحالِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ ( مِن قَبْلُ ) لِهَذا ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ﴾ [الأنْبِياءَ: 76] أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، وقِيلَ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ ولُوطٍ اهَـ ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أيْ بِأحْوالِهِ وما فِيهِ مِنَ الكَمالاتِ، وهَذا كَقَوْلِكَ في خَيْرٍ مِنَ النّاسِ: أنا عالِمٌ بِفُلانٍ فَإنَّهُ مِنَ الِاحْتِواءِ عَلى مَحاسِنِ الأوْصافِ بِمَنزِلٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا كِنايَةً عَنْ حِفْظِهِ تَعالى إيّاهُ وعَدَمِ إضاعَتِهِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ إلْقائِهِ في النّارِ وقَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ سَلْ رَبَّكَ: عِلْمُهُ بِحالِي يُغْنِي عَنْ سُؤالِي، وهو خِلافُ الظّاهِرِ
21:52Page 326
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ ٥٢
When he said to his father and his people, "What are these statues to which you are devoted?"
﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ ظَرْفٌ لَآتَيْنا عَلى أنَّهُ وقْتٌ مُتَّسِعٌ وقَعَ فِيهِ الإيتاءُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِرُشْدٍ
صفحة 59
أوْ لِعالِمِينَ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن مَوْضِعِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ وأنْ يَنْتَصِبَ بِإضْمارِ أعْنِي أوْ أذْكُرُ، وبَدَأ بِذِكْرِ الأبِ لِأنَّهُ كانَ الأهَمَّ عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في النَّصِيحَةِ والإنْقاذِ مِنَ الضَّلالِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ ولِقَوْمِهِ مُجْتَمِعِينَ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هَذِهِ الأصْنامُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِالتَّماثِيلِ تَحْقِيرًا لِشَأْنِها فَإنَّ التِّمْثالَ الصُّورَةُ المَصْنُوعَةُ مُشَبَّهَةٌ بِمَخْلُوقٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى مِن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَبَّهْتَهُ بِهِ. وكانَتْ عَلى ما قِيلَ صُوَرَ الرِّجالِ يَعْتَقِدُونَ فِيهِمْ وقَدِ انْقَرَضُوا، وقِيلَ كانَتْ صُوَرَ الكَواكِبِ صَنَعُوها حَسْبَما تَخَيَّلُوا، وفي الإشارَةِ إلَيْها بِما يُشارُ بِهِ لِلْقَرِيبِ إشارَةٌ إلى التَّحْقِيرِ أيْضًا، والسُّؤالُ عَنْها بِما الَّتِي يُطْلَبُ بِها بَيانُ الحَقِيقَةِ أوْ شَرْحُ الِاسْمِ مِن بابِ تَجاهُلِ العارِفِ كَأنَّهُ لا يَعْرِفُ أنَّها ماذا وإلّا فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ مُحِيطٌ بِأنَّ حَقِيقَتَها حَجَرٌ أوْ نَحْوُهُ، والعُكُوفُ الإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ ومُلازَمَتُهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَهُ، وقِيلَ اللُّزُومُ والِاسْتِمْرارُ عَلى الشَّيْءِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ وهو عَلى التَّفْسِيرَيْنِ دُونَ العِبادَةِ فَفي اخْتِيارِهِ عَلَيْها إيماءٌ إلى تَفْظِيعِ شَأْنِ العِبادَةِ غايَةَ التَّفْظِيعِ، واللّامُ في ( لَها ) لِلْبَيانِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يُوسُفَ: 43] أوْ لِلتَّعْلِيلِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِعاكِفُونَ ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ عَكَفَ إنَّما يَتَعَدّى بِعَلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ [الأعْرافَ: 138] وقَدْ نَزَلَ الوَصْفُ هُنا مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيِ الَّتِي أنْتُمْ لَها فاعِلُونَ العُكُوفَ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها لِلتَّعْلِيلِ وصِلَةُ ( عاكِفُونَ ) مَحْذُوفَةٌ أيْ عاكِفُونَ عَلى عِبادَتِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى عَلى كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسْراءَ: 7] وتَتَعَلَّقُ حِينَئِذٍ بِعاكِفُونَ عَلى أنَّها لِلتَّعْدِيَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يُؤَوَّلَ العُكُوفُ بِالعِبادَةِ فاللّامُ حِينَئِذٍ كَما قِيلَ دِعامَةٌ لا مُعَدِّيَةٌ لِتَعَدِّيهِ بِنَفْسِهِ ورُجِّحَ هَذا الوَجْهُ بِما بَعْدُ، وقِيلَ لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلِاخْتِصاصِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا ( وعاكِفُونَ ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ نَفْيٌ بَعْدَهُ مُكابَرَةٌ، ومِنَ النّاسِ مَن لَمْ يَرْتَضِ تَأْوِيلَ العُكُوفِ بِالعِبادَةِ لِما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ مَرَّ عَلى قَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ فَقالَ: ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ لَأنْ يَمَسَّ أحَدُكم جَمْرًا حَتّى يُطْفى خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَمَسَّها، وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى، نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الأوْلى إبْقاءَ العُكُوفِ عَلى ظاهِرِهِ، ومَعَ ذَلِكَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ الِاسْتِفْسارُ عَنْ سَبَبِ العِبادَةِ والتَّوْبِيخُ عَلَيْها بِألْطَفِ أُسْلُوبٍ ولَمّا لَمْ يَجِدُوا ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في أمْرِها التَجَئُوا إلى التَّشَبُّثِ بِحَشِيشِ التَّقْلِيدِ المَحْضِ حَيْثُ
21:53–54Page 326
قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ ٥٣
They said, "We found our fathers worshippers of them."
قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٥٤
He said, "You were certainly, you and your fathers, in manifest error."
﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ وأبْطَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ حَيْثُ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ الَّذِينَ وجَدْتُمُوهم كَذَلِكَ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَجِيبٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿مُبِينٍ﴾ ظاهِرٍ بَيِّنٍ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ كَوْنُهُ ضَلالًا لِاسْتِنادِكم وإيّاهم إلى غَيْرِ دَلِيلٍ بَلْ إلى هَوًى مُتَّبَعٍ وشَيْطانٍ مُطاعٍ، ( وأنْتُمْ ) تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في ( كُنْتُمْ ) ولا بُدَّ مِنهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِجَوازِ العَطْفِ عَلى مِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ، ومَعْنى كُنْتُمْ في ضَلالٍ مُطْلَقُ اسْتِقْرارِهِمْ وتَمَكُّنِهِمْ فِيهِ لا اسْتِقْرارِهِمُ الماضِي الحاصِلِ قَبْلَ زَمانِ الخِطابِ المُتَناوِلِ لَهم ولِآبائِهِمْ، وفي اخْتِيارِ ( في ضَلالٍ ) عَلى ضالِّينَ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ في ضَلالِهِمْ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الباطِلَ لا يَصِيرُ حَقًّا بِكَثْرَةِ المُتَمَسِّكِينَ بِهِ ( قالُوا ) لَمّا سَمِعُوا مَقالَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِبْعادًا
صفحة 60
لِكَوْنِ ما هم عَلَيْهِ ضَلالًا وتَعَجُّبًا مِن تَضْلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ
21:55Page 326
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ ٥٥
They said, "Have you come to us with truth, or are you of those who jest?"
﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالجِدِّ ﴿أمْ أنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ﴾ أيِ الهازِلِينَ فالِاسْتِفْهامُ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ بَلْ هو اسْتِفْهامٌ مُسْتَبْعِدٌ مُتَعَجِّبٌ، وقَوْلُهم ﴿أمْ أنْتَ﴾ إلَخْ عَدِيلُهُ كَلامٌ مُنْصِفٌ مُومِئٌ فِيهِ بِألْطَفِ وجْهٍ أنَّ الثّابِتَ هو القِسْمُ الثّانِي لِما فِيهِ مِن أنْواعِ المُبالَغَةِ، وأشارَ في الكَشّافِ كَما في الكَشْفِ إلى أنَّ الأصْلَ هَذا الَّذِي جِئْتَنا بِهِ أهْوَ جِدٌّ وحَقٌّ أمْ لَعِبٌ وهَزْلٌ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ.
وقالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: أيْ أجَدْدَتَ وأحْدَثْتَ عِنْدَنا تَعاطِيَ الحَقِّ أمْ أحْوالَ الصِّبا بَعْدُ عَلى الِاسْتِمْرارِ وهو أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ وفِيهِ الإشارَةُ إلى فائِدَةِ العُدُولِ عَنِ المُعادِلِ ظاهِرًا أوْ بَيانِ المُرادِ بِالمَجِيءِ وظاهِرُ كَلامِ الشَّيْخَيْنِ أنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ. واخْتارَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ أنَّها مُنْقَطِعَةٌ فَقالَ: إنَّهم لَمّا سَمِعُوا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدُلُّ عَلى تَحْقِيرِ آلِهَتِهِمْ وتَضْلِيلِهِمْ وآبائِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وشاهَدُوا مِنهُ الغِلْظَةَ والجِدَّ طَلَبُوا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ البُرْهانَ فَكَأنَّهم قالُوا هَبْ أنّا قَدْ قَلَّدْنا آباءَنا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مَعَكَ دَلِيلٌ عَلى ما ادَّعَيْتَ أجِئْتَنا بِالحَقِّ ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ وجاؤُوا بِأمِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنى بَلِ الإضْرابِيَّةِ والهَمْزَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ فَأضْرَبُوا بِبَلْ عَمّا أثْبَتُوا لَهُ وقَرَّرُوا بِالهَمْزَةِ خِلافَهُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ والبَتِّ، وذَلِكَ أنَّهم قَطَعُوا أنَّهُ لاعِبٌ ولَيْسَ بِمُحِقٍّ ألْبَتَّةَ لِأنَّ إدْخالَهم إيّاهُ في زُمْرَةِ اللّاعِبِينَ أيْ أنْتَ غَرِيقٌ في اللَّعِبِ داخِلٌ في زُمْرَةِ الَّذِينَ قُصارى أمْرِهِمْ في إثْباتِ الدَّعاوى اللَّعِبُ واللَّهْوُ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ دَلَّ عَلى إثْباتِ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ والبُرْهانِ، وهَذِهِ الكِنايَةُ تُوقِفُكَ عَلى أنَّ أمْ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً قَطْعًا وكَذا بَلْ فِيما بَعْدُ انْتَهى والحَقُّ أنَّ جَوازَ الِانْقِطاعِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، وأمّا وُجُوبُهُ فَفِيهِ ما فِيهِ.
21:56Page 326
قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٦
He said, "[No], rather, your Lord is the Lord of the heavens and the earth who created them, and I, to that, am of those who testify.
﴿قالَ بَلْ رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ أنْشَأهُنَّ بِما فِيهِنَّ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنْتُمْ وآباؤُكم وما تَعْبُدُونَ مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ. وهَذا انْتِقالٌ عَنْ تَضْلِيلِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ ونَفْيُ عَدَمِ اسْتِحْقاقِها لِذَلِكَ إلى بَيانِ الحَقِّ وتَعْيِينِ المُسْتَحِقِّ لِلْعِبادَةِ، وضَمِيرُ ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ إمّا لِلسَّماواتِ والأرْضِ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، ووَصْفُهُ تَعالى بِإيجادِهِنَّ إثَرَ وصْفِهِ سُبْحانَهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ لَهُنَّ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي هي مَنشَأُ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وإمّا لِلتَّماثِيلِ ورُجِّحَ بِأنَّهُ أُدْخِلَ في تَحْقِيقِ الحَقِّ وإرْشادِ المُخاطَبِينَ إلَيْهِ، ولَيْسَ هَذا الضَّمِيرُ مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي تَخُصُّ مَن يَعْقِلُ مِنَ المُؤَنَّثاتِ كَما ظَنَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فَتُكِلِّفَ لِتَوْجِيهِ عَوْدِهِ لِما لا يَعْقِلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُتَضَمِّنٌ لِرَدِّ نِسْبَتِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى اللَّعِبِ والهَزْلِ، والإشارَةُ إلى المَذْكُورِ، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ وأنا شاهِدٌ عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ أوْ عَلى جِهَةِ البَيانِ أيْ أعْنِي عَلى ذَلِكم أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالوَصْفِ بَعْدَهُ، وإنْ كانَ في صِلَةِ ألْ لِاتِّساعِهِمْ في المَظْرُوفِ أقْوالٌ مَشْهُورَةٌ، والمَعْنى وأنا عَلى ذَلِكُمُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنَ العالِمِينَ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ ولَسْتُ مِنَ اللّاعِبِينَ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ مَن تَحَقَّقَهُ وحَقَّقَهُ وشَهادَتُهُ عَلى ذَلِكَ إدْلاؤُهُ بِالحُجَّةِ عَلَيْها وإثْباتُهُ بِها.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ﴾ إلَخْ إضْرابٌ عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَهم مِنَ اعْتِقادِ كَوْنِ تِلْكَ التَّماثِيلِ أرْبابًا لَهم كَأنَّهُ قِيلَ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ رَبُّكم إلَخْ وقالَ القاضِي: هو إضْرابٌ عَنْ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لاعِبًا
صفحة 61
بِإقامَةِ البُرْهانِ عَلى ما ادَّعاهُ، وجَعَلَهُ الطَّيِّبِيُّ إضْرابًا عَنْ ذَلِكَ أيْضًا قالَ: وهَذا الجَوابُ وارِدٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وكانَ مِنَ الظّاهِرِ أنْ يُجِيبَهم عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ بَلْ أنا مِنَ المُحِقِّينَ ولَسْتُ مِنَ اللّاعِبِينَ فَجاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ﴾ الآيَةَ لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلى أنَّ إبْطالِي لِما أنْتُمْ عاكِفُونَ عَلَيْهِ وتَضْلِيلِي إيّاكم مِمّا لا حاجَةَ فِيهِ لِوُضُوحِهِ إلى الدَّلِيلِ ولَكِنِ انْظُرُوا إلى هَذِهِ العَظِيمَةِ وهي أنَّكم تَتْرُكُونَ عِبادَةَ خالِقِكم ومالِكِ أمْرِكم ورازِقِكم ومالكِ العالَمِينَ والَّذِي فَطَرَ ما أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ وتَشْتَغِلُونَ بِعِبادَتِها دُونَهُ فَأيُّ باطِلٍ أظْهَرُ مِن ذَلِكَ وأيُّ ضَلالٍ أبْيَنُ مِنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجَوابِ بِما هو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿أمْ أنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ﴾ مِن حَيْثُ الأُسْلُوبُ وهو الكِنايَةُ ومِن حَيْثُ التَّرْكِيبُ وهو بِناءُ الخَبَرِ عَلى الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قالَ: لَسْتُ مِنَ اللّاعِبِينَ في الدَّعاوى بَلْ مِنَ العالِمِينَ فِيها بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ والحُجَجِ السّاطِعَةِ كالشّاهِدِ الَّذِي نَقْطَعُ بِهِ الدَّعاوى اهَـ، ولا يَخْفى أنَّهُ يُمْكِنُ إجْراءُ هَذا عَلى احْتِمالِ كَوْنِ أمْ مُتَّصِلَةً فافْهَمْ وتَأمَّلْ لِيَظْهَرَ لَكَ أيُّ التَّوْجِيهاتِ لِهَذا الإضْرابِ أوْلى
21:57Page 326
وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ ٥٧
And [I swear] by Allāh, I will surely plan against your idols after you have turned and gone away."
﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ أيْ لَأجْتَهِدَنَّ في كَسْرِها، وأصْلُ الكَيْدِ الِاحْتِيالُ في إيجادَ ما يَضُرُّ مَعَ إظْهارِ خِلافِهِ وهو يَسْتَلْزِمُ الِاجْتِهادَ فَتُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ، وفِيهِ إيذانٌ بِصُعُوبَةِ الِانْتِهازِ وتَوَقُّفِهِ عَلى اسْتِعْمالِ الحِيَلِ لِيَحْتاطُوا في الحِفْظِ فَيَكُونُ الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ أتَمَّ في التَّبْكِيتِ، وكانَ هَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَزْمًا عَلى الإرْشادِ إلى ضَلالِهِمْ بِنَوْعٍ آخَرَ، ولا يَأْباهُ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَرى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ لا يَسْمَعُونَ وقِيلَ سَمِعَهُ رَجُلٌ واحِدٌ مِنهم، وقِيلَ قَوْمٌ مِن ضَعَفَتِهِمْ مِمَّنْ كانَ يَسِيرُ في آخِرِ النّاسِ يَوْمَ خَرَجُوا إلى العِيدِ وكانَتِ الأصْنامُ سَبْعِينَ: وقِيلَ اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (بِاللَّهِ ) بِالباءِ ثانِيَةِ الحُرُوفِ وهي أصْلُ حُرُوفِ القَسَمِ إذْ تَدْخُلُ عَلى الظّاهِرِ والمُضْمَرِ ويُصَرَّحُ بِفِعْلِ القَسَمِ مَعَها ويُحْذَفُ والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَما في تُجاهَ والواوُ قائِمَةٌ مَقامَ الباءِ لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَهُما مِن حَيْثُ كَوْنُهُما شَفَوِيَّتَيْنِ ومِن حَيْثُ إنَّ الواوَ تُفِيدُ مَعْنًى قَرِيبًا مِن مَعْنى الإلْصاقِ عَلى ما ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ. وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لا يَقُومُ عَلى ذَلِكَ دَلِيلٌ، وقَدَّرَهُ السُّهَيْلِيُّ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْرُفِ أصْلًا لِآخَرَ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الباءِ والتّاءِ بِأنَّ في التّاءِ المُثَنّاةِ زِيادَةَ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ، وكانَ التَّعَجُّبُ هُنا مِن إقْدامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أمْرٍ فِيهِ مُخاطَرَةٌ. ونُصُوصُ النُّحاةِ أنَّ التّاءَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَها تَعْجُّبٌ ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ واللّامُ هي الَّتِي يَلْزَمُها التَّعَجُّبُ في القَسَمِ، وفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَهُما اسْتِعْمالًا بِأنَّ التّاءَ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا مَعَ اسْمِ اللَّهِ الجَلِيلِ أوْ مَعَ رَبِّ مُضافًا إلى الكَعْبَةِ عَلى قِلَّةٍ ﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ مِن عِبادَتِها إلى عِيدِكم. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ( تَوَلَّوْا ) مِنَ التَّوَلِّي بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ وهي الثّانِيَةُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ والأُولى عِنْدَ هِشامٍ، ويُعَضِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصّافّاتِ: 90]
21:58Page 327
فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ ٥٨
So he made them into fragments, except a large one among them, that they might return to it [and question].
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ فَصِيحَةٌ أيْ فَوَلَّوْا فَأتى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأصْنامَ فَجَعَلَهم ﴿جُذاذًا﴾ أيْ قِطَعًا فُعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ الجَذِّ الَّذِي هو القَطْعُ، قالَ الشّاعِرُ:
بَنُو المُهَلَّبِ جَذَّ اللَّهُ دابِرَهم أمْسَوْا رَمادًا فَلا أصْلٌ ولا طَرْفٌ
فَهُوَ كالحُطامِ مِنَ الحَطْمِ الَّذِي هو الكَسْرُ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وابْنُ مَحِيضٍ وابْنُ مُقْسِمٍ وأبُو حَيْوَةَ وحَمِيدٌ
صفحة 62
والأعْمَشُ في رِوايَةٍ (جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ، وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ نَهْيِكَ وأبُو السَّمالِ (جَذاذًا ) بِالفَتْحِ، والضَّمُّ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وهي كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جِنِّي عَنْ أبِي حاتِمٍ لُغاتٌ أجْوَدُها الضَّمُّ ونَصَّ قُطْرُبُ أنَّهُ في لُغاتِهِ الثَّلاثِ مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقالَ اليَزِيدِيُّ: جُذاذًا بِالضَّمِّ جَمْعُ جُذاذَةٍ كَزُجاجٍ وزُجاجَةٍ، وقِيلَ: بِالكَسْرِ جَمْعُ جَذِيذٍ كَكَرِيمٍ وكِرامٍ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ كالحَصادِ بِمَعْنى المَحْصُودِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ (جُذُذًا ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ جَذِيذٍ كَسَرِيرٍ وسُرُرٍ، وقُرِئَ (جُذَذًا ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ جَمْعُ جُذَّةٍ كَقُبَّةٍ وقُبَبٍ أوْ مُخَفَّفُ فُعُلٍ بِضَمَّتَيْنِ. رُوِيَ أنَّ آزَرَ خُرِجَ بِهِ في عِيدٍ لَهم فَبَدَؤُوا بِبَيْتِ الأصْنامِ فَدَخَلُوهُ فَسَجَدُوا لَها ووَضَعُوا بَيْنَها طَعامًا خَرَجُوا بِهِ مَعَهم وقالُوا إلى أنْ نُرْجِعَ بَرَكَتُ الآلِهَةِ عَلى طَعامِنا فَذَهَبُوا فَلَمّا كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الطَّرِيقِ ثَنِيَ عَزْمُهُ عَنِ المَسِيرِ مَعَهم فَقَعَدَ وقالَ إنِّي سَقِيمٌ فَدَخَلَ عَلى الأصْنامِ وهي مُصْطَفَّةٌ وثَمَّ صَنَمٌ عَظِيمٌ مُسْتَقْبَلُ البابِ وكانَ مِن ذَهَبٍ في عَيْنَيْهِ جَوْهَرَتانِ تُضِيئانِ بِاللَّيْلِ فَكَسَرَ الكُلَّ بِفَأْسٍ كانَ في يَدِهِ ولَمْ يُبْقِ إلّا الكَبِيرَ وعَلَّقَ الفَأْسَ في عُنُقِهِ، وقِيلَ: في يَدِهِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أيِ الأصْنامُ كَما هو الظّاهِرُ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وضَمِيرُ العُقَلاءِ هُنا وفِيما مَرَّ عَلى زَعْمِ الكَفَرَةِ، والكِبَرُ إمّا في المَنزِلَةِ عَلى زَعْمِهِمْ أيْضًا أوْ في الجُثَّةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْعَبَدَةِ، قِيلَ: ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ لَوْ كانَ لِلْأصْنامِ لَقِيلَ إلّا كَبِيرُهم ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ وجْهِ الكَسْرِ واسْتِبْقاءِ الكَبِيرِ، وضَمِيرُ ( إلَيْهِ ) عِنْدَ الجُمْهُورِ عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا إلى غَيْرِهِ فَيُحاجُّهم ويُبَكِّتُهم بِما سَيَأْتِي مِنَ الجَوابِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أيْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ حِينَ يَسْألُونَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُجِيبُهم، ويُظْهِرُ عَجْزَ آلِهَتِهِمْ ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ لَيْسَ أجْنَبِيًّا في البَيْنِ عَلى هَذا القَوْلِ كَما تُوُهِّمَ، نَعَمْ لا يَخْفى بُعْدُهُ.
وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الضَّمِيرَ لِلْكَبِيرِ أيْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى الكَبِيرِ كَما يُرْجَعُ إلى العالِمِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ فَيَقُولُونَ لَهُ ما لِهَؤُلاءِ مَكْسُورَةً وما لَكَ صَحِيحًا والفَأْسُ في عُنُقِكَ أوْ في يَدِكَ ؟ وحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لَهم أنَّهُ عاجِزٌ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ ويَظْهَرُ أنَّهم في عِبادَتِهِ عَلى جَهْلٍ عَظِيمٍ، وكَأنَّ هَذا بِناءً عَلى ظَنِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِمْ لِما جَرَّبَ وذاقَ مِن مُكابَرَتِهِمْ لِعُقُولِهِمْ واعْتِقادِهِمْ في آلِهَتِهِمْ وتَعْظِيمِهِمْ لَها، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ لَكِنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِجْهالِ واعْتِبارِ حالِ الكَبِيرِ عِنْدَهم فَإنَّ قِياسَ حالِ مَن يُسْجَدُ لَهُ ويُؤَهَّلُ لِلْعِبادَةِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في حَلِّ المُشْكِلِ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ لا إشْكالَ في دُخُولِ لَعَلَّ في الكَلامِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أسْرَعُ الأوْجُهِ تَبادُرًا لَكِنَّ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ عَلى الأوَّلِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُونَ، والتَّقْدِيمُ لِلْحَصْرِ عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: هو مُتَعَيِّنٌ لِذَلِكَ في الوَجْهِ الأوَّلِ وغَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لَهُ في الأخِيرَيْنِ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأداءِ حَقِّ الفاصِلَةِ فَتَأمَّلْ.
وقَدْ يُسْتَأْنَسُ بِفِعْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كَسْرِ الأصْنامِ لِمَن قالَ مِن أصْحابِنا إنَّهُ لا ضَمانَ عَلى مَن كَسَرَ ما يُعْمَلُ مِنَ الفَخّارِ مَثَلًا مِنَ الصُّوَرِ لِيَلْعَبَ بِهِ الصِّبْيانُ ونَحْوُهم وهو القَوْلُ المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
21:59Page 327
قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٩
They said, "Who has done this to our gods? Indeed, he is of the wrongdoers."
﴿قالُوا﴾ أيْ حِينَ رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ ورَأوْا ما رَأوْا ﴿مَن فَعَلَ هَذا﴾ الأمْرَ العَظِيمَ ﴿بِآلِهَتِنا﴾ قالُوهُ عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والتَّشْنِيعِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالآلِهَةِ دُونَ الأصْنامِ أوْ هَؤُلاءِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّشْنِيعِ،
صفحة 63
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ( مَن ) مَوْصُولَةً مُبْتَدَأٌ وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُهُ أيِ الَّذِي فَعَلَ هَذا الكَسْرَ والحَطْمَ بِآلِهَتِنا إنَّهُ مَعْدُودٌ مِن جُمْلَةِ الظَّلَمَةِ إمّا لِجُرْأتِهِ عَلى إهانَتِها وهي الحَفِيَّةُ بِالإعْظامِ أوْ لِتَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلْهَلَكَةِ أوْ لِإفْراطِهِ في الكَسْرِ والحَطْمِ، والظُّلْمُ عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ بِمَعْنى وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences