Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:78–82
21:78Page 328
وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ ٧٨
And [mention] David and Solomon, when they judged concerning the field - when the sheep of a people overran it [at night],1 and We were witness to their judgement.
﴿وداوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى ( نُوحا ) مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ أعْنِي أذْكُرُ عَلَيْهِ عَلى ما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وإمّا مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ذَلِكَ العامِلِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ أيْ نَبَأ داوُدَ وسُلَيْمانَ. وداوُدُ بْنُ إيَشا بْنِ عُوبَرَ بْنِ باعِرَ ابْنِ سَلَمُونَ بْنِ يَخْشُونَ بْنِ عَمِي بْنِ يارِبَ بْنِ حَضْرُونَ بْنِ فارِضِ بْنِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ، كَما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أحْمَرَ الوَجْهِ سِبْطَ الرَّأْسِ أبْيَضَ الجِسْمِ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ فِيها جُعُودَةٌ حَسَنَ الصَّوْتِ وجُمِعَ لَهُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ، ونَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ أهْلِ التّارِيخِ أنَّهُ عاشَ مِائَةَ سَنَةٍ ومُدَّةُ مُلْكِهِ مِنها أرْبَعُونَ، وكانَ لَهُ اثْنا عَشَرَ ابْنًا وسُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحَدُ أبْنائِهِ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُشاوَرُ في كَثِيرٍ مِن أُمُورِهِ مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ لِوُفُورِ عَقْلِهِ وعِلْمِهِ.
وذَكَرَ كَعْبُ أنَّهُ كانَ أبْيَضَ جَسِيمًا وسِيمًا وضِيئًا خاشِعًا مُتَواضِعًا، ومَلِكَ كَما قالَ المُؤَرِّخُونَ وهو ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وماتَ ولَهُ ثَلاثٌ وخَمْسُونَ سَنَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَحْكُمانِ﴾ ظَرْفٌ لِذَلِكَ المُقَدَّرِ، وجُوِّزَتِ البَدَلِيَّةُ عَلى طِرْزِ ما مَرَّ، والمُرادُ إذْ حَكَما ﴿فِي الحَرْثِ﴾ إلّا أنَّهُ جِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ حِكايَةً لِلْحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها، والمُرادُ بِالحَرْثِ هُنا الزَّرْعُ.
صفحة 74
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ الكَرْمُ، وقِيلَ إنَّهُ يُقالُ فِيهِما إلّا أنَّهُ في الزَّرْعِ أكْثَرُ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لَعَلَّهُ بِمَعْنى الكَرْمِ مَجازٌ عَلى التَّشْبِيهِ بِالزَّرْعِ، والمَعْنى إذْ يَحْكُمانِ في حَقِّ الحَرْثِ ﴿إذْ نَفَشَتْ﴾ ظَرْفٌ لِلْحُكْمِ، والنَّفْشُ رَعْيُ الماشِيَةِ في اللَّيْلِ بِغَيْرِ راعٍ كَما أنَّ الهَمْلَ رَعْيُها في النَّهارِ كَذَلِكَ، وكانَ أصْلُهُ الِانْتِشارَ والتَّفَرُّقَ أيْ إذْ تَفَرَّقَتْ وانْتَشَرَتْ ﴿فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ﴾ لَيْلًا بِلا راعٍ فَرَعَتْهُ وأفْسَدَتْهُ ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ أيْ حاضِرِينَ عِلْمًا، وضَمِيرُ الجَمْعِ قِيلَ: لِداوُدَ وسُلَيْمانَ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (لِحُكْمِهِما ) بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَن قالَ: إنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ كَما في ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 99] .
وقِيلَ: هو لِلْحاكِمِينَ والمُتَحاكِمِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ إضافَةَ حُكْمٍ إلى الفاعِلِ عَلى سَبِيلِ القِيامِ وإلى المَفْعُولِ عَلى سَبِيلِ الوُقُوعِ وهُما في المَعْنى مَعْمُولانِ لَهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ سَلْكُهُما في قَرْنٍ. وأُجِيبَ بِأنَّ الحُكْمَ في مَعْنى القَضِيَّةِ لا نَظَرَ ها هُنا إلى عِلْمِهِ وإنَّما يُنْظَرُ إلَيْهِ إذا كانَ مَصْدَرًا صِرْفًا، وأظْهَرُ مِنهُ كَما في الكَشْفِ أنَّ الِاخْتِصاصَ يَجْمَعُ القِيامَ والوُقُوعَ وهو مَعْنى الإضافَةِ ولَمْ يَبْقَ النَّظَرُ إلى العَمَلِ بَعْدَها لا لَفْظًا ولا مَعْنًى فالمَعْنى وكُنّا لِلْحُكْمِ الواقِعِ بَيْنَهم شاهِدِينَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِلْحُكْمِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ مادِحٌ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: وكُنّا مُراقِبِينَ لِحُكْمِهِمْ لا نُقِرُّهم عَلى خَلَلٍ فِيهِ، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطُّورَ: 48] في إفادَةِ العِنايَةِ والحِفْظِ،
21:79Page 328
فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ ٧٩
And We gave understanding of it [i.e., the case] to Solomon, and to each [of them] We gave judgement and knowledge. And We subjected the mountains to exalt [Us], along with David and [also] the birds. And We were doing [that].1
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يَحْكُمانِ﴾ فَإنَّهُ في حُكْمِ الماضِي كَما مَضى.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ (فَأفْهَمْناها ) بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ والضَّمِيرُ لِلْحُكُومَةِ أوِ الفُتْيا المَفْهُومَةِ مِنَ السِّياقِ. رُوِيَ أنَّهُ كانَتِ امْرَأةٌ عابِدَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكانَتْ قَدْ تَبَتَّلَتْ وكانَ لَها جارِيَتانِ جَمِيلَتانِ فَقالَتْ إحْداهُما لِلْأُخْرى: قَدْ طالَ عَلَيْنا البَلاءُ أمّا هَذِهِ فَلا تُرِيدُ الرِّجالَ ولا نَزالُ بِشَرٍّ ما كُنّا لَها فَلَوْ أنّا فَضَحْناها فَرُجِمَتْ فَصِرْنا إلى الرِّجالِ فَأخَذا ماءَ البَيْضِ فَأتَياها وهي ساجِدَةٌ فَكَشَفَتا عَنْها ثَوْبَها ونَضَحَتاهُ في دُبُرِها وصَرَخَتا أنَّها قَدْ بَغَتْ وكانَ مَن زَنى فِيهِمْ حَدُّهُ الرَّجْمُ فَرُفِعَتْ إلى داوُدَ وماءُ البَيْضِ في ثِيابِها فَأرادَ رَجْمَها فَقالَ سُلَيْمانُ: ائْتُوا بِنارٍ فَإنَّهُ إنْ كانَ ماءَ الرَّجُلِ تَفَرَّقَ وإنْ كانَ ماءَ البَيْضِ اجْتَمَعَ فَأُتِيَ بِنارٍ فَوَضَعَها عَلَيْهِ فاجْتَمَعَ فَدَرَأ عَنْها الرَّجْمَ فَعَطَفَ عَلَيْهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأحَبَّهُ جِدًّا فاتَّفَقَ أنْ دَخَلَ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلانِ فَقالَ أحَدُهُما: إنَّ غَنَمَ هَذا دَخَلَتْ في حَرْثِي لَيْلًا فَأفْسَدَتْهُ فَقَضى لَهُ بِالغَنَمِ فَخَرَجا فَمَرّا عَلى سُلَيْمانَ وكانَ يَجْلِسُ عَلى البابِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ الخُصُومُ فَقالَ: كَيْفَ قَضى بَيْنَكُما أبِي ؟ فَأخْبَراهُ فَقالَ: غَيْرُ هَذا أرْفَقُ بِالجانِبَيْنِ فَسَمِعَهُ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَدَعاهُ فَقالَ لَهُ: بِحَقِّ النُّبُوَّةِ والأُبُوَّةِ ألا أخْبَرْتَنِي بِالَّذِي هو أرْفَقُ فَقالَ: أرى أنْ تَدْفَعَ الغَنَمَ إلى صاحِبِ الأرْضِ لِيَنْتَفِعَ بِدَرِّها ونَسْلِها وصُوفِها والحَرْثَ إلى صاحِبِ الغَنَمِ لِيَقُومَ عَلَيْهِ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ ثُمَّ يَتَرادّا فَقالَ: القَضاءُ ما قَضَيْتَ وأمْضى الحُكْمَ بِذَلِكَ، وكانَ عُمْرُهُ إذْ ذاكَ إحْدى عَشْرَةَ سَنَةً، ومالَ كَثِيرٌ إلى أنَّ حُكْمَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ كانَ بِالِاجْتِهادِ وهو جائِزٌ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما بُيِّنَ في الأُصُولِ وبِذَلِكَ أقُولُ فَإنَّ قَوْلَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ هَذا أرْفَقُ، ثُمَّ قَوْلُهُ: أرى أنْ تَدْفَعَ إلَخْ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ وإلّا لَبَتَّ القَوْلُ بِذَلِكَ ولَما ناشَدَهُ داوُدُ عَلَيْهِما السَّلامُ لِإظْهارِ ما عِنْدَهُ بَلْ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُظْهِرَهُ بَداءً وحَرُمَ عَلَيْهِ كَتْمُهُ، مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا في ذَلِكَ السِّنِّ ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ القَضاءُ السّابِقُ أيْضًا كَذَلِكَ ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ نَقْضِ حُكْمِ النَّصِّ بِالِاجْتِهادِ، وفي الكَشْفِ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ كِلا الحُكْمَيْنِ عَنِ اجْتِهادٍ باطِلٌ لِأنَّ حُكْمَ سُلَيْمانَ نَقَضَ حُكْمَ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ والِاجْتِهادُ
صفحة 75
لا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهادِ البَتَّةَ فَدَلَّ عَلى أنَّهُما جَمِيعًا حَكَما بِالوَحْيِ ويَكُونُ ما أُوحِيَ بِهِ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ناسِخًا لِحُكْمِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ كانَ حُكْمُ سُلَيْمانَ وحْدَهُ بِالوَحْيِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ اجْتِهادٌ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أرادَ بِعَدَمِ نَقْضِ الِاجْتِهادِ بِالِاجْتِهادِ عَدَمَ نَقْضِهِ بِاجْتِهادِ غَيْرِهِ حَتّى يَلْزَمَ تَقْلِيدُهُ بِهِ فَلَيْسَ ما نَحْنُ فِيهِ، وإنْ أرادَ عَدَمَ نَقْضِهِ بِاجْتِهادِ نَفْسِهِ ثانِيًا وهو عِبارَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ اجْتِهادِهِ لِظُهُورِ دَلِيلٍ آخَرَ فَهو غَيْرُ باطِلٍ بِدَلِيلِ أنَّ المُجْتَهِدَ قَدْ يُنْقَلُ عَنْهُ في مَسْألَةٍ قَوْلانِ كَمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ القَدِيمِ والجَدِيدِ ورُجُوعِ كِبارِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إلى آراءِ بَعْضِهِمْ وهم مُجْتَهِدُونَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُوحِيَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرْجِعَ عَنِ اجْتِهادِهِ ويَقْضِيَ بِما قَضى بِهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ اجْتِهادٍ، وقِيلَ: إنَّ عَدَمَ نَقْضِ الِاجْتِهادِ بِالِاجْتِهادِ مِن خَصائِصِ شَرِيعَتِنا، عَلى أنَّهُ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ بَتَّ الحُكْمَ في ذَلِكَ حَتّى سَمِعَ مِن سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما سَمِعَ، ومِمَّنِ اخْتارَ كَوْنَ كِلا الحُكْمَيْنِ عَنِ اجْتِهادٍ شَيْخُ الإسْلامِ مَوْلانا أبُو السُّعُودِ قُدِّسَ سِرُّهُ ثُمَّ قالَ: بَلْ أقُولُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: إنَّ رَأْيَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِحْسانٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: أرْفَقُ بِالجانِبَيْنِ ورَأْيَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِياسٌ كَما أنَّ العَبْدَ إذا جَنى عَلى النَّفْسِ يَدْفَعُهُ المَوْلى عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ أوْ يَفْدِيهِ ويَبِيعُهُ في ذَلِكَ أوْ يَفْدِيهِ عِنْدَ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ قِيمَةِ الحَرْثِ وقِيمَةِ الغَنَمِ تَفاوُتٌ، وأمّا سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدِ اسْتَحْسَنَ حَيْثُ جَعَلَ الِانْتِفاعَ بِالغَنَمِ بِإزاءِ ما فاتَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالحَرْثِ مِن غَيْرِ أنْ يَزُولَ مُلْكُ المالِكِ مِنَ الغَنَمِ وأوْجَبَ عَلى صاحِبِ الغَنَمِ أنْ يَعْمَلَ في الحَرْثِ إلى أنْ يَزُولَ الضَّرَرُ الَّذِي آتاهُ مِن قِبَلِهِ كَما قالَ بَعْضُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ فِيمَن غَصَبَ عَبْدًا فَأبَقَ مِنهُ إنَّهُ يَضْمَنُ القِيمَةَ فَيَنْتَفِعُ بِها المَغْصُوبُ مِنهُ بِإزاءِ ما فَوَّتَهُ الغاصِبُ مِنَ المَنافِعِ فَإذا ظَهَرَ الآبِقُ تَرادّا انْتَهى.
وأمّا حُكْمُ المَسْألَةِ في شَرِيعَتِنا فَعِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا ضَمانَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَها سائِقٌ أوْ قائِدٌ لِما رَوى الشَّيْخانِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ»» ولا تَقْيِيدَ فِيهِ بِلَيْلٍ أوْ نَهارٍ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَجِبُ الضَّمانُ لَيْلًا لا نَهارًا لِما في السُّنَنِ مِن أنَّ ناقَةَ البَراءِ دَخَلَتْ حائِطَ رَجُلٍ فَأفْسَدَتْهُ فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أهْلِ الأمْوالِ بِحِفْظِها بِالنَّهارِ وعَلى أهْلِ المَواشِي بِحِفْظِها بِاللَّيْلِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ في الحَدِيثِ اضْطِرابًا، وفي رِجالِ سَنَدِهِ كَلامًا مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَراءُ أرْسَلَها كَما يَجُوزُ في هَذِهِ القِصَّةِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَلا دَلِيلَ فِيهِ ﴿وكُلا﴾ مِن داوُدَ وسُلَيْمانَ ﴿آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ كَثِيرًا ومِنهُ العِلْمُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهادِ لا سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ، فالجُمْلَةُ لِدَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ خَطَأ المُجْتَهِدِ لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ في مَسْألَةٍ لا قاطِعَ فِيها مُصِيبٌ فَحُكْمُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِ وحَقِّ مُقَلِّدِهِ ما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ فِيها ولا حُكْمَ لَهُ سُبْحانَهُ قَبْلَ الِاجْتِهادِ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ مِنّا كالأشْعَرِيِّ، والقاضِي، ومِنَ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي الهُذَيْلِ، والجِبائِيِّ وأتْباعِهِمْ، ونُقِلَ عَنِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَوْلُ بِتَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ والقَوْلِ بِوَحْدَةِ الحَقِّ وتَخْطِئَةِ البَعْضِ، وعُدَّ في الأحْكامِ الأشْعَرِيُّ مِمَّنْ يَقُولُ كَذَلِكَ. ورُدَّ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّصَ سُلَيْمانَ بِفَهْمِ الحَقِّ في الواقِعَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾
صفحة 76
وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ فَهْمِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ فِيها وإلّا لَما كانَ التَّخْصِيصُ مُفِيدًا. وتَعَقَّبَهُ الآمِدِيُّ بِقَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ غايَةَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ تَخْصِيصُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّفْهِيمِ ولا دَلالَةَ لَهُ عَلى عَدَمِ ذَلِكَ في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا بِطَرِيقِ المَفْهُومِ ولَيْسَ بِحُجَّةٍ وإنْ سَلَّمْنا أنَّهُ حُجَّةٌ غَيْرَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُما حَكَما بِالنَّصِّ حُكْمًا واحِدًا ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ تَعالى الحُكْمَ في مِثْلِ تِلْكَ القَضِيَّةِ في المُسْتَقْبَلِ وعَلِمَ سُلَيْمانُ بِالنَّصِّ النّاسِخِ دُونَ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَكانَ هَذا هو الفَهْمُ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ ولَوْ كانَ أحَدُهُما مُخْطِئًا لَما كانَ قَدْ أُوتِيَ في تِلْكَ الواقِعَةِ حُكْمًا وعِلْمًا وإنْ سَلَّمْنا أنَّ حُكْمَهُما كانَ مُخْتَلِفًا لَكِنْ يُحْتَمَلُ أنَّهُما حَكَما بِالِاجْتِهادِ مَعَ الإذْنِ فِيهِ وكانا مُحِقَّيْنِ في الحُكْمِ إلّا أنَّهُ نَزَلَ الوَحْيُ عَلى وفْقِ ما حَكَمَ بِهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصارَ ما حَكَمَ بِهِ حَقًّا مُتَعَيِّنًا بِنُزُولِ الوَحْيِ بِهِ ونُسِبَ التَّفْهِيمُ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وإنْ سَلَّمْنا أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُخْطِئًا في تِلْكَ الواقِعَةِ غَيْرَ أنَّهُ كانَ فِيها نَصٌّ أُطْلِعَ عَلَيْهِ سُلَيْمانُ دُونَ داوُدَ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ الخَطَأ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ وإنَّما النِّزاعُ فِيما إذا حَكَما بِالِاجْتِهادِ ولَيْسَ في الواقِعَةِ نَصٌّ انْتَهى.
وأكْثَرُ الأخْبارِ تُساعِدُ أنَّ الَّذِي ظَفِرَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الواقِعَةِ هو سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما ذُكِرَ لا يَخْلُو مِمّا فِيهِ نَظَرٌ فانْظُرْ وتَأمَّلْ ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما يَخْتَصُّ بِكُلٍّ مِنهُما عَلَيْهِما السَّلامُ مِن كَراماتِهِ تَعالى إثْرَ ذِكْرِ الكَرامَةِ العامَّةِ لَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ يُقَدِّسْنَ اللَّهَ تَعالى بِلِسانِ القالِ كَما سَبَّحَ الحَصا في كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَمِعَهُ النّاسُ، وكانَ عِنْدَ الأكْثَرِينَ يَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى، وكانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ يَسْمَعُهُ عَلى ما قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، وقِيلَ: يَسْمَعُهُ كُلُّ أحَدٍ وقِيلَ: بِصَوْتٍ يَظْهَرُ لَهُ مِن جانِبِها ولَيْسَ مِنها وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولَيْسَ فِيهِ مِن إظْهارِ الكَرامَةِ ما في الأوَّلِ بَلْ إذا كانَ هَذا هو الصَّدى فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا ودُونَهُ ما قِيلَ إنَّ ذَلِكَ بِلِسانِ الحالِ، وقِيلَ: ( يُسَبِّحْنَ ) بِمَعْنى يَسِرْنَ مِنَ السِّباحَةِ. وتُعُقِّبَ بِمُخالَفَتِهِ لِلظّاهِرِ مَعَ أنَّ هَذا المَعْنى لَمْ يَذْكُرْهُ أهْلُ اللُّغَةِ ولا جاءَ في آيَةٍ أُخْرى أوْ خَبَرٍ سَيْرُ الجِبالِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقِيلَ: إسْنادُ التَّسْبِيحِ إلَيْهِنَّ مَجازٌ لِأنَّها كانَتْ تَسِيرُ مَعَهُ فَتَحْمِلُ مَن رَآها عَلى التَّسْبِيحِ فَأُسْنِدَ إلَيْها وهو كَما تَرى.
وتَأوَّلَ الجِبائِيُّ وعَلِيُّ بْنُ عِيسى جَعْلَ التَّسْبِيحِ بِمَعْنى السَّيْرِ بِأنَّهُ مَجازٌ لِأنَّ السَّيْرَ سَبَبٌ لَهُ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ مِنَ السِّباحَةِ ومَعَ هَذا لا يَخْفى ما فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( الجِبالَ ) أوِ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّسْخِيرِ ( ومَعَ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَّسْخِيرِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: يَسْبَحْنَ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سَبَأ: 10] والتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ ويُعْلَمُ مِنهُ ما في حَمْلِ التَّسْبِيحِ عَلى التَّسْبِيحِ بِلِسانِ الحالِ وعَلى ما يَكُونُ بِالصَّدى ( والطَّيْرَ ) عَطْفٌ عَلى ( الجِبالَ ) أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وفي الآثارِ تَصْرِيحٌ بِأنَّها كانَتْ تُسَبِّحُ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كالجِبالِ. وقُرِئَ (والطَّيْرُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ والطَّيْرُ مُسَخَّراتٌ، وقِيلَ: عَلى العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ ومِثْلُهُ جائِزٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنّا فاعِلِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ أيْ مِن شَأْنِنا أنْ نَفْعَلَ أمْثالَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ مِنّا وإنْ كانَ بَدِيعًا عِنْدَكُمْ
21:80Page 328
وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ ٨٠
And We taught him the fashioning of coats of armor to protect you from your [enemy in] battle. So will you then be grateful?
﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ أيْ عَمَلَ الدِّرْعِ وأصْلُهُ كُلُّ ما يُلْبَسُ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ:
البِسْ لِكُلِّ حالَةٍ لَبُوسَها إمّا نَعِيمُها وإمّا بُؤْسُها
وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلسِّلاحِ كُلِّهِ دِرْعًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ وأنْشَدَ لِلْهُذَلِيِّ يَصِفُ رُمْحًا:
صفحة 77
ومَعِيَ لَبُوسٌ لِلْبَئِيسِ كَأنَّهُ ∗∗∗ رَوْقٌ بِجَبْهَةِ ذِي نِعاجٍ مَحْفِلِ
قالَ قَتادَةُ: كانَتِ الدُّرُوعُ قَبْلَ ذَلِكَ صَفائِحَ فَأوَّلُ مَن سَرَدَها وحَلَقَها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَمَعَتِ الخِفَّةَ والتَّحْصِينَ، ويُرْوى أنَّهُ نَزَلَ مَلَكانِ مِنَ السَّماءِ فَمَرّا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: نِعْمَ الرَّجُلُ داوُدُ إلّا أنَّهُ يَأْكُلُ مِن بَيْتِ المالِ فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَهُ مِن كَسْبِهِ فَألانَ لَهُ الحَدِيدَ فَصَنَعَ مِنهُ الدِّرْعَ، وقُرِئَ (لُبُوسَ ) بِضَمِّ اللّامِ ( لَكم ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلَبُوسٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِعَلَّمْنا أوْ بِصَنْعَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِعَلَّمْنا أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ( لَكم ) بِإعادَةِ الجارِّ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الِاخْتِصاصِ والمَنفَعَةِ المُسْتَفادَةِ مِن لامِ ( لَكم ) والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ لِلَبُوسٍ، والتَّأْنِيثُ بِتَأْوِيلِ الدِّرْعِ وهي مُؤَنَّثٌ سَماعِيٌّ أوْ لِلصَّنْعَةِ.
وقَرَأ جَماعَةٌ (لِيُحْصِنَكم ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَبُوسٍ أوْ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِيلَ أوِ التَّعْلِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (لِنُحْصِنَكم ) بِالنُّونِ، وكُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ بِإسْكانِ الحاءِ والتَّخْفِيفِ. وقَرَأ الفَقِيمِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍ و، وابْنِ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والتَّشْدِيدِ ﴿مِن بَأْسِكُمْ﴾ قِيلَ أيْ مِن حَرْبِ عَدُوِّكم، والمُرادُ مِمّا يَقَعُ فِيها، وقِيلَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن آلَةِ بَأْسِكم كالسَّيْفِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أمْرٌ وارِدٌ صُورَةَ الِاسْتِفْهامِ لِما فِيهِ مِنَ التَّقْرِيعِ بِالإيماءِ إلى التَّقْصِيرِ في الشُّكْرِ والمُبالَغَةِ بِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ الشُّكْرَ مُسْتَحِقُّ الوُقُوعِ بِدُونِ أمْرٍ فَسَألَ عَنْهُ هَلْ وقَعَ ذَلِكَ الأمْرُ اللّازِمُ الوُقُوعَ أمْ لا
21:81Page 328
وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ ٨١
And to Solomon [We subjected] the wind, blowing forcefully, proceeding by his command toward the land which We had blessed. And We are ever, of all things, Knowing.
﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ، وجِيءَ بِاللّامِ هُنا دُونَ الأوَّلِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما بَيْنَ التَّسْخِيرَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ فَإنَّ تَسْخِيرَ ما سُخِّرَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِطَرِيقِ الِانْقِيادِ الكُلِّيِّ لَهُ والِامْتِثالِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ بِخِلافِ تَسْخِيرِ الجِبالِ والطَّيْرِ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ والِاقْتِداءِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في عِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿عاصِفَةً﴾ حالٌ مِنَ الرِّيحِ والعامِلُ فِيها الفِعْلُ المُقَدَّرُ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ حالَ كَوْنِها شَدِيدَةَ الهُبُوبِ، ولا يُنافِي وصْفُها بِذَلِكَ هُنا وصْفَها في مَوْضِعٍ آخَرَ بِأنَّها رَخاءٌ بِمَعْنى طَيِّبَةٍ لَيِّنَةٍ لِأنَّ الرَّخاءَ وصْفٌ لَها بِاعْتِبارِ نَفْسِها والعَصْفُ وصْفٌ لَها بِاعْتِبارِ قَطْعِها المَسافَةَ البَعِيدَةَ في زَمانٍ يَسِيرٍ كالعاصِفَةِ في نَفْسِها فَهي مَعَ كَوْنِها لَيِّنَةً تَفْعَلُ فِعْلَ العاصِفَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُها بِكُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ، وقِيلَ وصْفُها بِالرَّخاءِ في الذَّهابِ ووَصْفُها بِالعَصْفِ بِالإيابِ عَلى عادَةِ البَشَرِ في الإسْراعِ إلى الوَطَنِ. فَهي عاصِفَةٌ في وقْتٍ رَخاءٌ في آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ. وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ (الرِّيحُ ) بِالرَّفْعِ مَعَ الإفْرادِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ (الرِّياحَ ) بِالنَّصْبِ والجَمْعِ، وأبُو حَيْوَةَ بِالرَّفْعِ والجَمْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ ظاهِرٌ، وأمّا الرَّفْعُ فَعَلى أنَّ المَرْفُوعَ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ هو الظَّرْفُ المُقَدَّمُ ( وعاصِفَةً ) حالٌ مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ في الخَبَرِ والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ أيْ بِمَشِيئَتِهِ وعَلى وفْقِ إرادَتِهِ وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَأْمُرَها حَقِيقَةً ويَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَها فَهْمًا لِأمْرِهِ كَما قِيلَ في مَجِيءِ الشَّجَرَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ دَعاها، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ ثانِيَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأُولى عَلى ما قِيلَ وقَدْ مَرَّ لَكَ غَيْرُ بَعِيدٍ الكَلامُ في إبْدالِ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ فَتَذَكَّرْ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الأُولى ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ وهي
صفحة 78
الشّامُ كَما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْكَنُهُ فِيها فالمُرادُ أنَّها تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الشّامِ رَواحًا بَعْدَ ما سارَتْ بِهِ مِنها بَكْرَةً، ولِشُيُوعِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ساكِنًا في تِلْكَ الأرْضِ لَمْ يَذْكُرْ جَرَيانَها بِأمْرِهِ مِنها واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ جَرَيانِها إلَيْها وهو أظْهَرُ في الِامْتِنانِ، وقِيلَ كانَ مَسْكَنُهُ إصْطَخْرَ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْكَبُ الرِّيحَ مِنها فَتَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الشّامِ.
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأرْضُ أعَمَّ مِنَ الشّامِ، ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا حَلَّ أرْضًا أمَرَ بِقَتْلِ كُفّارِها وإثْباتِ الإيمانِ فِيها وبَثِّ العَدْلِ ولا بَرَكَةَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، ويَبْعُدُ أنَّ المُتَبادِرَ كَوْنُ تِلْكَ الأرْضِ مُبارَكًا فِيها قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها وما ذُكِرَ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مُبارَكًا فِيها مِن بَعْدِهِ وأبْعَدُ جِدًّا مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ بِقَوْلِهِ: إنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى الأرْضِ﴾ والَّتِي بارَكْنا فِيها صِفَةٌ لِلرِّيحِ وفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والأصْلُ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ الَّتِي بارَكْنا فِيها عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ بَلْ لا يَخْفى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ وكَلامُ أدْنى البُلَغاءِ يَجِلُّ عَنْهُ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالرِّيحِ هَذا العُنْصُرُ المَعْرُوفُ العامُّ لِجَمِيعِ أصْنافِهِ المَشْهُورَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الصَّبا.
وفِي بَعْضِ الأخْبارِ ما ظاهِرُهُ ذَلِكَ، فَعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: نَسَجَتْ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ الشَّياطِينُ بِساطًا مِن ذَهَبٍ وإبْرِيسَمَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ ووَضَعَتْ لَهُ مِنبَرًا مِن ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْهِ وحَوْلَهُ كَراسِيُّ مِن ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكَراسِيُّ مِن فِضَّةٍ يَقْعُدُ عَلَيْها العُلَماءُ وحَوْلَهم سائِرُ النّاسِ وحَوْلَ النّاسِ الجِنُّ والشَّياطِينُ والطَّيْرُ تَظُلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ وتَرْفَعُ رِيحَ الصَّبا البِساطَ مَسِيرَةَ شَهْرٍ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ ومِنَ الرَّواحِ إلى الصَّباحِ.
وما ذُكِرَ مِن أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى البِساطِ هو المَشْهُورُ ولَعَلَّ ذَلِكَ في بَعْضِ الأوْقاتِ وإلّا فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: كانَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرْكَبٌ مِن خَشَبٍ وكانَ فِيهِ ألْفُ رُكْنٍ في كُلِّ رُكْنِ ألْفُ بَيْتٍ يَرْكَبُ مَعَهُ فِيهِ الجِنُّ والإنْسُ تَحْتَ كُلِّ رُكْنٍ ألْفُ شَيْطانٍ يَرْفَعُونَ ذَلِكَ المَرْكَبَ فَإذا ارْتَفَعَ أتَتِ الرِّيحُ الرَّخاءُ فَسارَتْ بِهِ فَسارُوا مَعَهُ فَلا يَدْرِي القَوْمُ إلّا وقَدْ أظَلَّهم مِنهُ الجُيُوشُ والجُنُودُ، وقِيلَ في وجْهِ الجَمْعِ إنَّ البِساطَ في المَرْكَبِ المَذْكُورِ ولَيْسَ بِذاكَ.
وذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ إكْرامَ اللَّهِ تَعالى لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَسْخِيرِ الرِّيحِ لِما فَعَلَ بِالخَيْلِ حِينَ فاتَتْهُ بِسَبَبِها صَلاةُ العَصْرِ وذَلِكَ أنَّهُ تَرَكَها لِلَّهِ تَعالى فَعَوَّضَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ خَيْرًا مِنها مِن حَيْثُ السُّرْعَةُ مَعَ الرّاحَةِ، ومِنَ العَجَبِ أنَّ أهْلَ لَنْدَنَ قَدْ أتْعَبُوا أنْفُسَهم مُنْذُ زَمانٍ بِعَمَلِ سَفِينَةٍ تَجْرِي مُرْتَفِعَةً في الهَواءِ إلى حَيْثُ شاؤُوا بِواسِطَةِ أبْخِرَةٍ يَحْبِسُونَها فِيها اغْتِرارًا بِما ظَهَرَ مُنْذُ سَنَواتٍ مِن عَمَلِ سَفِينَةٍ تَجْرِي في الماءِ بِواسِطَةِ آلاتٍ تُحَرِّكُها أبْخِرَةٌ فِيها فَلَمْ يَتِمَّ لَهم ذَلِكَ ولا أظُنُّهُ يَتِمَّ حَسْبَ إرادَتِهِمْ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، وأخْبَرَنِي بَعْضُ المُطَّلِعِينَ أنَّهم صَنَعُوا سَفِينَةً تَجْرِي في الهَواءِ لَكِنْ لا إلى حَيْثُ شاؤُوا بَلْ إلى حَيْثُ ألْقَتْ رَحْلَها ﴿وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ فَما أعْطَيْناهُ ما أعْطَيْناهُ إلّا لِما نَعْلَمُهُ مِنَ الحِكْمَةِ
21:82Page 329
وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ ٨٢
And of the devils [i.e., jinn] were those who dived for him and did work other than that. And We were of them a guardian.1
﴿ومِنَ الشَّياطِينِ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ فَمَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِسَخَّرْنا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما قَبْلَهُ، وهي عَلى الوَجْهَيْنِ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ مَوْصُولَةٌ وعَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، ووَجْهُ اخْتِيارِ ذَلِكَ عَلى المَوْصُولِيَّةِ أنَّهُ لا عَهْدَ هُنا، وكَوْنُ المَوْصُولِ قَدْ يَكُونُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ خِلافُ الظّاهِرِ، وجِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ نَظَرًا لِلْمَعْنى، وحَسَّنَهُ تَقَدُّمُ جَمْعٍ
صفحة 79
قَبْلَهُ، والغَوْصُ الدُّخُولُ تَحْتَ الماءِ وإخْراجُ شَيْءٍ مِنهُ، ولَمّا كانَ الغائِصُ قَدْ يَغُوصُ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ قِيلَ: ( لَهُ ) لِلْإيذانِ بِأنَّ الغَوْصَ لَيْسَ لِأنْفُسِهِمْ بَلْ لِأجْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْمُرُهم فَيَغُوصُونَ في البِحارِ ويَسْتَخْرِجُونَ لَهُ مِن نَفائِسِهِ ﴿ويَعْمَلُونَ﴾ لَهُ عَمَلًا كَثِيرًا ( دُونَ ذَلِكَ ) أيْ غَيْرَ ما ذُكِرَ مِن بِناءِ المُدُنِ والقُصُورِ واخْتِراعِ الصَّنائِعِ الغَرِيبَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ﴾ [سَبَأ: 13] الآيَةَ، قِيلَ: إنَّ الحَمّامَ والنَّوْرَةَ والطّاحُونَ والقَوارِيرَ والصّابُونَ مِن أعْمالِهِمْ، وذَكَرَ ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ في التَّفْسِيرِ، لَكِنَّ في كَوْنِ الصّابُونِ مِن أعْمالِهِمْ خِلافًا. فَفي التَّذْكِرَةِ الصّابُونُ مِنَ الصِّناعَةِ القَدِيمَةِ قِيلَ وُجِدَ في كُتُبِ هِرْمِسَ وأنْدُوخِيا وهو الأظْهَرُ. وقِيلَ: مِن صِناعَةِ بِقْراطَ وجالِينُوسَ انْتَهى. وقِيلَ: هو مِن صِناعَةِ الفارابِيِّ وأوَّلُ ما صَنَعَهُ في دِمَشْقِ الشّامِ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ، وما اشْتُهِرَ أنَّ أوَّلَ مَن صَنَعَهُ البُونِيُّ فَمِن كَذِبِ العَوامِّ وخُرافاتِهِمْ، ثُمَّ هَؤُلاءِ إمّا الفِرْقَةُ الأُولى أوْ غَيْرُها لِعُمُومِ كَلِمَةِ ( مِنَ ) كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَعْمَلُونَ، والشَّياطِينُ أجْسامٌ لَطِيفَةٌ نارِيَّةٌ عاقِلَةٌ، وحُصُولُ القُدْرَةِ عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ في الجِسْمِ اللَّطِيفِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ فَإنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ قَلْعِ الهَواءِ الأجْسامَ الثَّقِيلَةَ، وقالَ الجِبائِيُّ: إنَّهُ سُبْحانَهُ كَثَّفَ أجْسامَهم خاصَّةً وقَوّاهم وزادَ في عَظْمِهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا تُوُفِّيَ رَدَّهم إلى خِلْقَتِهِمُ الأُولى لِئَلّا يُفْضِي إبْقاؤُهم إلى تَلْبِيسِ المُتَنَبِّي وهو كَلامٌ ساقِطٌ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ كَما لا يَخْفى.
والظّاهِرُ أنَّ المُسَخَّرِينَ كانُوا كُفّارًا لِأنَّ لَفْظَ الشَّياطِينِ أكْثَرُ إطْلاقًا عَلَيْهِمْ، وجاءَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ في بَعْضِ الرِّواياتِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ أيْ مِن أنْ يَزِيغُوا عَنْ أمْرِهِ أوْ يُفْسِدُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ يَحْفَظُهم مِن أنْ يُفْسِدُوا ما عَمِلُوهُ بِالنَّهارِ، وقِيلَ حافِظِينَ لَهم مِن أنْ يُهَيِّجُوا أحَدًا والأنْسَبُ بِالتَّذْيِيلِ ما تَقَدَّمَ وذُكِرَ في حِفْظِهِمْ أنَّهُ وكَلَّ بِهِمْ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وجَمْعًا مِن مُؤْمِنِي الجِنِّ، هَذا وفي قِصَّتَيْ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ ما يَدُلُّ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ الإمامُ: وتَسْخِيرُ أكْثَفِ الأجْسامِ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الحَجَرُ إذْ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والحَدِيدُ إذْ ألانَهُ سُبْحانَهُ لَهُ وتَسْخِيرُ ألْطَفِ الأجْسامِ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الرِّيحُ والشَّياطِينُ وهم مِن نارٍ وكانُوا يَغُوصُونَ في الماءِ فَلا يَضُرُّهم دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وإظْهارِ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ وإمْكانِ إحْياءِ العَظْمِ الرَّمِيمِ وجَعْلِ التُّرابِ اليابِسِ حَيَوانًا فَإذا أخْبَرَ الصّادِقُ بِوُقُوعِهِ وجَبَ قَبُولُهُ واعْتِقادُهُ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences