Al-AlusiAl‑Anbya · 21:83–87

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:83–87

21:83Page 329

۞ وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣

And [mention] Job, when he called to his Lord, "Indeed, adversity has touched me, and You are the most merciful of the merciful."

﴿وأيُّوبَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وداوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي﴾ أيْ بِأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أيْ قائِلًا إنِّي، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ إجْراءُ نادى مُجْرى قالَ، والضَّرُّ بِالفَتْحِ شائِعٌ في كُلِّ ضَرَرٍ وبِالضَّمِّ خاصٌّ بِما في النَّفْسِ مِن مَرَضٍ وهُزالٍ ونَحْوِهِما ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أيْ وأنْتَ أعْظَمُ رَحْمَةً مِن كُلِّ مَن يَتَّصِفُ بِالرَّحْمَةِ في الجُمْلَةِ وإلّا فَلا راحِمَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ جَلَّ شَأْنُهُ وعَلا، ولا يَخْفى ما في وصْفِهِ تَعالى بِغايَةِ الرَّحْمَةِ بَعْدَ ما ذَكَّرَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُها مُكْتَفِيًا بِذَلِكَ عَنْ عَرْضِ الطَّلَبِ مِنَ اسْتِمْطارِ سَحائِبِ الرَّحْمَةِ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ.

ويُحْكى في التَّلَطُّفِ في الطَّلَبِ أنَّ امْرَأةً شَكَتْ إلى بَعْضِ ولَدِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ قِلَّةَ الفَأْرِ في بَيْتِها فَقالَ: امْلَؤُوا بَيْتَها خُبْزًا وسَمْنًا ولَحْمًا، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ابْنُ أمُوصَ بْنِ رُزاحَ بْنِ عِيصَ بْنِ إسْحاقَ، وحَكى ابْنُ عَساكِرَ

صفحة 80

أنَّ أُمَّهُ بِنْتُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ أباهُ مِمَّنْ آمَنَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلى هَذا كانَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ، كانَ بَعْدَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الكَلْبِيِّ قالَ أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إدْرِيسُ ثُمَّ نُوحٌ ثُمَّ إبْراهِيمُ ثُمَّ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ ثُمَّ يَعْقُوبُ ثُمَّ يُوسُفُ ثُمَّ لُوطٌ ثُمَّ هُودُ ثُمَّ صالَحٌ ثُمَّ شُعَيْبٌ ثُمَّ مُوسى وهارُونُ ثُمَّ إلْياسُ ثُمَّ اليَسَعُ ثُمَّ يُونُسُ ثُمَّ أيُّوبُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَصِحَّ في نَسَبِهِ شَيْءٌ إلّا أنَّ اسْمَ أبِيهِ أمُوصُ.

وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما أخْرَجَ الحاكِمُ مِن طَرِيقِ سَمْرَةَ عَنْ كَعْبٍ طَوِيلًا جَعْدَ الشَّعْرِ واسِعَ العَيْنَيْنِ حَسْنَ الخُلُقِ قَصِيرَ العُنُقِ عَرِيضَ الصَّدْرِ غَلِيظَ السّاقَيْنِ والسّاعِدَيْنِ وكانَ قَدِ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى وبَسَطَ عَلَيْهِ الدُّنْيا وكَثَّرَ أهْلَهُ ومالَهُ فَكانَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وسَبْعُ بَناتٍ ولَهُ أصْنافُ البَهائِمِ وخَمْسُمِائَةِ فَدّانٍ يُتْبِعُها خَمْسُمِائَةِ عَبْدٍ لِكُلِّ عَبْدٍ امْرَأةٌ ووَلَدٌ فابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِذَهابِ ولَدِهِ بِهَدْمِ بَيْتٍ عَلَيْهِمْ وبِذَهابِ أمْوالِهِ وبِالمَرَضِ في بَدَنِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ سَبْعًا وسَبْعَةَ أشْهُرٍ وسَبْعَةَ أيّامٍ وسَبْعَ ساعاتٍ أوْ ثَلاثَ سِنِينَ، وعُمْرُهُ إذْ ذاكَ سَبْعُونَ سَنَةً، وقِيلَ ثَمانُونَ سَنَةً، وقِيلَ أكْثَرُ، ومُدَّةُ عُمْرِهِ عَلى ما رَوى الطَّبَرانِيُّ ثَلاثٌ وتِسْعُونَ سَنَةً وقِيلَ أكْثَرُ.

رُوِيَ أنَّ امْرَأتَهُ وكَوْنُها ماضِرُ بِنْتُ مَيْشا بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ رَحْمَةُ بِنْتُ إفْرائِيمَ بْنِ يُوسُفَ إنَّما يَتَسَنّى عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ السّابِقَةِ في زَمانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَتْ لَهُ يَوْمًا: لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: كَمْ كانَتْ مُدَّةُ الرَّخاءِ فَذَكَرَتْ مُدَّةً كَثِيرَةً وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ثَمانِينَ سَنَةً فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أسْتَحِي مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ أدْعُوَهُ وما بَلَغَتْ مُدَّةُ بَلائِي مُدَّةَ رَخائِي.

ورُوِيَ أنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ أتاها عَلى هَيْئَةٍ عَظِيمَةٍ فَقالَ لَها: أنا إلَهُ الأرْضِ فَعَلْتُ بِزَوْجِكَ ما فَعَلْتُ لِأنَّهُ تَرَكَنِي وعَبَدَ إلَهَ السَّماءِ فَلَوْ سَجَدَ لِي سَجْدَةً رَدَدْتُ عَلَيْهِ وعَلَيْكِ جَمِيعَ ما أخَذْتُ مِنكُما.

وفِي رِوايَةٍ لَوْ سَجَدْتِ لِي سَجْدَةً لَرَدَدْتُ المالَ والوَلَدَ وعافَيْتُ زَوْجَكِ فَرَجَعَتْ إلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مُلْقًى في الكُناسَةِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ لا يَقْرُبُ مِنهُ أحَدٌ فَأخْبَرَتْهُ بِالقِصَّةِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَعَلَّكِ افْتَتَنْتِ بِقَوْلِ اللَّعِينِ لَئِنْ عافانِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَأضْرِبَنَّكِ مِائَةَ سَوْطٍ وحَرامٌ عَلَيَّ أنْ أذُوقَ بَعْدَ هَذا مِن طَعامِكِ وشَرابِكِ شَيْئًا فَطَرَدَها فَبَقِيَ طَرِيحًا في الكُناسَةِ لا يَحُومُ حَوْلَهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ فَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَّ ساجِدًا فَقالَ: (رَبِّ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ) وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ حِينَ مَرَّ بِهِ رَجُلانِ فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ولَوْ كانَ لِلَّهِ تَعالى في هَذا حاجَةٌ ما بَلَغَ بِهِ هَذا كُلُّهُ فَسَمِعَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَشَقَّ عَلَيْهِ فَقالَ (رَبِّ ) إلَخْ، ورَوى أنَسٌ مَرْفُوعًا «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَهَضَ مَرَّةً لِيُصَلِّيَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى النُّهُوضِ فَقالَ (رَبِّ ) إلَخْ» وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ولَعَلَّ هَذا الأخِيرَ أمْثَلُ الأقْوالِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلاؤُهُ في بَدَنِهِ في غايَةِ الشِّدَّةِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: كانَ يَخْرُجُ في بَدَنِهِ مِثْلُ ثَدْيِ النِّساءِ ثُمَّ يَتَفَقَّأُ، وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ما كانَ بَقِيَ مِن أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا عَيْناهُ وقَلْبُهُ ولِسانُهُ فَكانَتِ الدَّوابُّ تَخْتَلِفُ في جَسَدِهِ، وأخْرَجَ أبُو نَعِيمٍ.

وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أنَّ الدُّودَةَ لَتَقَعُ مِن جَسَدِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُعِيدُها إلى مَكانِها ويَقُولُ: كُلِي مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى، وما أصابَ مِنهُ إبْلِيسُ في مَرَضِهِ كَما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ إلّا الأنِينَ، وسَبَبُ ابْتِلائِهِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرَ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ اسْتَعانَ بِهِ مِسْكِينٌ عَلى دَرْءِ ظُلْمٍ عَنْهُ فَلَمْ يُعِنْهُ.

صفحة 81

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوَلانِيِّ في ذَلِكَ أنَّ الشّامَ أجْدَبَ فَكَتَبَ فِرْعَوْنُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ هَلُمَّ إلَيْنا فَإنَّ لَكَ عِنْدَنا سَعَةً فَأقْبَلَ بِما عِنْدَهُ فَأقْطَعَهُ أرْضًا فاتَّفَقَ أنْ دَخَلَ شُعَيْبٌ عَلى فِرْعَوْنَ وأيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ فَقالَ: أما تَخافُ أنْ يَغْضَبَ اللَّهُ تَعالى غَضْبَةً فَيَغْضَبُ لِغَضَبِهِ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالُ والبِحارُ فَسَكَتَ أيُّوبُ فَلَمّا خَرَجا مِن عِنْدِهِ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى أيُّوبَ أوَسَكَتَّ عَنْ فِرْعَوْنَ لِذَهابِكَ إلى أرْضِهِ اسْتَعِدَّ لِلْبَلاءِ قالَ: فَدِينِي قالَهُ سُبْحانَهُ: أسْلِمُهُ لَكَ قالَ: لا أُبالِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَجَدَ فَقالَ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ فَرَكَضَ فَنَبَعَتْ مِن تَحْتِهِ عَيْنُ ماءٍ فاغْتَسَلَ مِنها فَلَمْ يَبْقَ في ظاهِرِ بَدَنِهِ دابَّةٌ إلّا سَقَطَتْ ولا جِراحَةٌ إلّا بَرِئَتْ ثُمَّ رَكَضَ مَرَّةً أُخْرى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ أُخْرى فَشَرِبَ مِنها فَلَمْ يَبْقَ في جَوْفِهِ داءٌ إلّا خَرَجَ وعادَ صَحِيحًا ورَجَعَ إلَيْهِ شَبابُهُ وجَمالُهُ وذَلِكَ

21:84Page 329

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ ٨٤

So We responded to him and removed what afflicted him of adversity. And We gave him [back] his family and the like thereof with them as mercy from Us and a reminder for the worshippers [of Allāh].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ ثُمَّ كُسِيَ حُلَّةً وجَلَسَ عَلى مَكانٍ مُشْرِفٍ ولَمْ تَعْلَمِ امْرَأتُهُ بِذَلِكَ فَأدْرَكَتْها الرِّقَّةُ عَلَيْهِ فَقالَتْ في نَفْسِها: هَبْ أنَّهُ طَرَدَنِي أفَأتْرُكُهُ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا وتَأْكُلَهُ السِّباعُ لَأرْجِعَنَّ فَلَمّا رَجَعَتْ ما رَأتْ تِلْكَ الكُناسَةَ ولا تِلْكَ الحالَ فَجَعَلَتْ تَطُوفُ حَيْثُ الكُناسَةُ وتَبْكِي وهابَتْ صاحِبَ الحُلَّةِ أنْ تَأْتِيَهُ وتَسْألَهُ فَدَعاها أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ما تُرِيدِينَ يا أمَةَ اللَّهِ ؟ فَبَكَتْ وقالَتْ: أُرِيدُ ذَلِكَ المُبْتَلى الَّذِي كانَ مُلْقًى عَلى الكُناسَةِ قالَ لَها: ما كانَ مِنكِ ؟ فَبَكَتْ وقالَتْ: بَعْلِي قالَ: أتَعْرِفِينَهُ إذا رَأيْتِهِ ؟ قالَتْ: وهَلْ يَخْفى عَلَيَّ فَتَبَسَّمَ فَقالَ: أنا ذَلِكَ فَعَرَفَتْهُ بِضَحِكِهِ فاعْتَنَقَتْهُ ﴿وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (كَشَفْنا ) فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ داخِلًا مَعَهُ في حَيِّزِ تَفْصِيلِ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ، وفِيهِ خَفاءٌ لِعَدَمِ ظُهُورِ كَوْنِ الإتْيانِ المَذْكُورِ مَدْعُوًّا بِهِ وإذا عُطِفَ عَلى (اسْتَجَبْنا ) لا يَلْزَمُ ذَلِكَ، وقَدْ سُئِلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبَرَ عَنِ الضَّحّاكِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ﴾ إلَخْ قالَ: رَدَّ اللَّهُ تَعالى امْرَأتَهُ إلَيْهِ وزادَ في شَبابِها حَتّى ولَدَتْ لَهُ سِتًّا وعِشْرِينَ ذَكَرًا»» فالمَعْنى عَلى هَذا آتَيْناهُ في الدُّنْيا مِثْلَ أهْلِهِ عَدَدًا مَعَ زِيادَةِ مِثْلٍ آخَرَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودَ والحَسَنُ وقَتادَةُ في الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا لَهُ أوْلادَهُ الَّذِينَ هَلَكُوا في بَلائِهِ وأُوتِيَ مِثْلُهم في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ المِثْلَ مِن صُلَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وقِيلَ: كانُوا نَوافِلَ وجاءَ في خَبَرٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لَهُ أنْدَرانِ أنْدَرُ لِلْقَمْحِ وأنْدَرُ لِلشَّعِيرِ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى سَحابَتَيْنِ فَأفْرَغَتْ إحْداهُما في أنْدَرِ القَمْحِ الذَّهَبَ حَتّى فاضَ وأفْرَغَتِ الأُخْرى في أنْدَرِ الشَّعِيرِ الوَرِقَ حَتّى فاضَ، وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««بَيْنَما أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَغْتَسِلُ عُرْيانًا خَرَّ عَلَيْهِ جَرادٌ مِن ذَهَبٍ فَجَعَلَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْثِي في ثَوْبِهِ فَناداهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ يا أيُّوبُ ألَمْ أكُنْ أغْنَيْتُكَ عَمّا تَرى: قالَ: بَلى وعِزَّتِكَ لَكِنْ لا غِنى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ»»، وعاشَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الخَلاصِ مِنَ البَلاءِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما سَبْعِينَ سَنَةً، ويَظْهَرُ مِن هَذا مَعَ القَوْلِ بِأنَّ عُمْرَهُ حِينَ أصابَهُ البَلاءُ سَبْعُونَ أنَّ مُدَّةَ عُمْرِهِ فَوْقَ ثَلاثٍ وتِسْعِينَ بِكَثِيرٍ، ولَمّا ماتَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْصى إلى ابْنِهِ حَرْمَلَ كَما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الأهْلَ لَيْسَ المَرْأةَ ﴿رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أيْ وآتَيْناهُ ما ذُكِرَ لِرَحْمَتِنا أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَذْكِرَةً لِغَيْرِهِ مِنَ العابِدِينَ لِيَصْبِرُوا كَما صَبَرَ فَيُثابُوا كَما أُثِيبَ، فَرَحْمَةً نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ( ولِلْعابِدِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( رَحْمَةً وذِكْرى ) تَنازُعًا فِيهِ عَلى مَعْنى

صفحة 82

وآتَيْناهُ العابِدِينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذِكْرِنا إيّاهم بِالإحْسانِ وعَدَمِ نِسْيانِنا لَهم.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ نَصْبَ (رَحْمَةً ) عَلى المَصْدَرِ وهو كَما تَرى

21:85Page 329

وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٨٥

And [mention] Ishmael and Idrees and Dhul-Kifl; all were of the patient.

﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ﴾ أيْ واذْكُرْهم وظاهِرُ نَظْمِ ذِي الكِفْلِ في سِلْكِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهُ مِنهم وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ، واخْتُلِفَ في اسْمِهِ فَقِيلَ بِشْرٌ وهو ابْنُ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا بَعْدَ أبِيهِ وسَمّاهُ ذا الكِفْلِ وأمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ، وكانَ مُقِيمًا بِالشّامِ عُمْرَهُ وماتَ وهو ابْنُ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً وأوْصى إلى ابْنِهِ عَبْدانَ وأخْرَجَ ذَلِكَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ، وقِيلَ هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فَنْحاصَ بْنِ العِيزارِ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى بْنِ عِمْرانَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وصَنِيعُ بَعْضِهِمْ يُشْعِرُ بِاخْتِيارِهِ، وقِيلَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، وقِيلَ اسْمُهُ ذُو الكِفْلِ، وقِيلَ هو زَكَرِيّا حَكى كُلَّ ذَلِكَ الكِرْمانِيُّ في العَجائِبِ، وقِيلَ هو اليَسَعُ بْنُ أخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ، وزَعَمَتِ اليَهُودُ أنَّهُ حَزْقِيالُ وجاءَتْهُ النُّبُوَّةُ وهو في وسَطِ سَبْيِ بُخْتَنَصَّرَ عَلى نَهْرِ خُوبارَ.

وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ ومُجاهِدٌ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وكانَ عَبْدًا صالِحًا اسْتَخْلَفَهُ. عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ. اليَسَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشَرْطِ أنْ يَصُومَ النَّهارَ ويَقُومَ اللَّيْلَ ولا يَغْضَبَ فَفَعَلَ ولَمْ يَذْكُرْ مُجاهِدٌ ما اسْمُهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ فَحَضَرَهُ المَوْتُ فَقالَ: مَن يَقُومُ مَقامِي عَلى أنْ لا يَغْضَبَ ؟ فَقالَ رَجُلٌ: أنا يُسَمّىذا الكِفْلِ الخَبَرَ، وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الأكْبَرِ كانَ مَلِكًا مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ فَحَضَرَتْهُ الوَفاةُ فَأتاهُ رُؤُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالُوا: اسْتَخْلِفْ عَلَيْنا مَلِكًا نَفْزَعُ إلَيْهِ فَقالَ: مَن تَكَفَّلَ لِي بِثَلاثٍ فَأُوَلِّيهِ مُلْكِي ؟ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ إلّا فَتًى مِنَ القَوْمِ قالَ: أنا فَقالَ: اجْلِسْ ثُمَّ قالَها ثانِيَةً فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أحَدٌ إلّا الفَتى فَقالَ: تَكَفَّلْ لِي بِثَلاثٍ وأُوَلِّيكَ مُلْكِي تَقُومُ اللَّيْلَ فَلا تَرْقُدُ وتَصُومُ فَلا تُفْطِرُ وتَحْكُمُ فَلا تَغْضَبُ قالَ: نَعَمْ قالَ: قَدْ ولَّيْتُكَ مُلْكِي الخَبَرَ، وفِيهِ كَذا في الخَبَرِ السّابِقِ قِصَّةُ إرادَةِ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ إغْضابَهُ وحِفْظِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِنهُ، والكِفْلُ الكَفالَةُ والحَظُّ والضَّعْفُ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنِ اسْمَهُ إمّا لِأنَّهُ تَكَفَّلَ بِأمْرٍ فَوَفّى بِهِ، وإمّا لِأنَّهُ كانَ لَهُ ذا حَظٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ ضِعْفُ عَمَلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في زَمانِهِ وضِعْفُ ثَوابِهِمْ.

ومَن قالَ إنَّهُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِكَفالَتِهِ مَرْيَمَ وهو داخِلٌ في الوَجْهِ الأوَّلِ، وفي البَحْرِ وقِيلَ: في تَسْمِيَتِهِ ذا الكِفْلِ أقْوالٌ مُضْطَرِبَةٌ لا تَصِحُّ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿كُلٌّ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ ﴿مِنَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ وشَدائِدِ النَّوْبِ ويُعْلَمُ هَذا مِن ذِكْرِ هَؤُلاءِ بَعْدَ أيُّوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِهِمْ

21:86Page 329

وَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٦

And We admitted them into Our mercy. Indeed, they were of the righteous.

﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا﴾ الكَلامُ فِيهِ عَلى طِرْزِ ما سَبَقَ مِن نَظِيرِهِ آنِفًا.

﴿إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ لِعِصْمَتِهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ ولَيْسَ فِيهِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى جَعْلِ مِنَ ابْتِدائِيَّةً كَما يَظْهَرُ بِأدْنى نَظَرٍ

21:87Page 329

وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٧

And [mention] the man of the fish [i.e., Jonah], when he went off in anger1 and thought that We would not decree [anything] upon him.2 And he called out within the darknesses,3 "There is no deity except You; exalted are You. Indeed, I have been of the wrongdoers."

﴿وذا النُّونِ﴾ أيْ واذْكُرْ صاحِبَ الحُوتِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنَ مَتّى وهو اسْمُ أبِيهِ عَلى ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ وصَحَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ

صفحة 83

قالَ: ولَمْ أقِفْ في شَيْءٍ مِنَ الأخْبارِ عَلى اتِّصالِ نَسَبِهِ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ كانَ في زَمَنِ مُلُوكِ الطَّوائِفِ مِنَ الفُرْسِ، وقالَ ابْنُ الأثِيرِ كَغَيْرِهِ إنَّهُ اسْمُ أُمِّهِ ولَمْ يُنْسَبْ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ إلى أُمِّهِ غَيْرُهُ وغَيْرُ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

واليَهُودُ قالُوا بِما تَقَدَّمَ إلّا أنَّهم سَمَّوْهُ يُونَهَ بْنَ أمِيتايَ، وبَعْضُهم يَقُولُ يُونانُ بْنُ أمافِي، والنُّونُ الحُوتُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ويُجْمَعُ عَلى نِينانٍ كَما في البَحْرِ وأنْوانٍ أيْضًا كَما في القامُوسِ.

﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ أيْ غَضْبانَ عَلى قَوْمِهِ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وتَمادِي إصْرارِهِمْ مَعَ طُولِ دَعْوَتِهِ إيّاهم، وكانَ ذَهابُهُ هَذا هِجْرَةً عَنْهم لَكِنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ. وقِيلَ: غَضْبانَ عَلى المَلِكِ حَزْقِيلَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ يُونُسُ وقَوْمُهُ يَسْكُنُونَ فِلَسْطِينَ فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى شَعْياءَ النَّبِيِّ أنِ اذْهَبْ إلى حَزْقِيلَ المَلِكِ وقُلْ لَهُ يُوَجِّهُ خَمْسَةً مِنَ الأنْبِياءِ لِقِتالِ هَذا المَلِكِ فَقالَ: أُوَجِّهُ يُونُسَ بْنَ مَتّى فَإنَّهُ قَوِيٌّ أمِينٌ فَدَعاهُ المَلِكُ يَخْرُجُ فَقالَ يُونُسُ: هَلْ أمَرَكَ اللَّهُ تَعالى بِإخْراجِي ؟ قالَ: لا قالَ: هَلْ سَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: لا فَقالَ يُونُسُ: فَها هُنا أنْبِياءٌ غَيْرِي فَألَحُّوا عَلَيْهِ فَخَرَجَ مُغاضِبًا فَأتى بَحْرَ الرُّومِ فَوَجَدَ قَوْمًا هَيَّؤُوا سَفِينَةً فَرَكِبَ مَعَهم فَلَمّا وصَلُوا اللُّجَّةَ تَكَفَّأتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ وأشْرَفَتْ عَلى الغَرَقِ فَقالَ المَلّاحُونَ: مَعَنا رَجُلٌ عاصٍ أوْ عَبْدٌ آبِقٌ ومِن رَسْمِنا إذا ابْتُلِينا بِذَلِكَ أنْ نَقْتَرِعَ فَمَن وقَعَتْ عَلَيْهِ القُرْعَةُ ألْقَيْناهُ في البَحْرِ ولَأنْ يَغْرَقَ أحَدُنا خَيْرٌ مِن أنْ تَغْرَقَ السَّفِينَةُ فاقْتَرَعُوا ثَلاثَ مَرّاتٍ فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ فِيها كُلِّها عَلى يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: أنا الرَّجُلُ العاصِي والعَبْدُ الآبِقُ فَألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ فَجاءَتْ حُوتٌ فابْتَلَعَتْهُ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْها أنْ لا تُؤْذِيَهُ بِشَعْرَةٍ فَإنِّي جَعَلْتُ بَطْنَكِ سِجْنًا لَهُ ولَمْ أجْعَلْهُ طَعامًا ثُمَّ نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن بَطْنِها ونَبَذَهُ بِالعَراءِ وقَدْ رَقَّ جِلْدُهُ فَأنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى اشْتَدَّ فَلَمّا يَبِسَتِ الشَّجَرَةُ حَزِنَ عَلَيْها يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ: أتَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ ولَمْ تَحْزَنْ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ حَيْثُ لَمْ تَذْهَبْ إلَيْهِمْ ولَمْ تَطْلُبْ راحَتَهم ؟ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وأمَرَهُ أنْ يَذْهَبَ إلَيْهِمْ فَتَوَجَّهَ نَحْوَهم حَتّى دَخَلَ أرْضَهم وهم مِنهُ غَيْرُ بَعِيدٍ فَأتاهم وقالَ لِمَلِكِهِمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَنِي إلَيْكَ فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: ما نَعْرِفُ ما تَقُولُ ولَوْ عَلِمْنا عِلْمَنا أنَّكَ صادِقٌ لَفَعَلْنا وقَدْ آتَيْناكم في دِيارِكم وسَبَيْناكم فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ لَمَنَعَنا اللَّهُ تَعالى عَنْكم فَطافَ فِيهِمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ يَدْعُوهم إلى ذَلِكَ فَأبَوْا عَلَيْهِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ قُلْ لَهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا جاءَهُمُ العَذابُ فَأبْلَغَهم فَأبَوْا فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِمْ فَلَمّا فَقَدُوهُ نَدِمُوا عَلى فِعْلِهِمْ فانْطَلَقُوا يَطْلُبُونَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرُوا أمْرَهم وأمْرَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْعُلَماءِ الَّذِينَ عِنْدَهم فَقالُوا: انْظُرُوا واطْلُبُوهُ في المَدِينَةِ فَإنْ كانَ فِيها فَلَيْسَ كَما ذَكَرَ مِن نُزُولِ العَذابِ وإنْ كانَ قَدْ خَرَجَ فَهو كَما قالَ فَطَلَبُوهُ فَقِيلَ لَهم: إنَّهُ خَرَجَ العَشِيَّةَ فَلَمّا أيِسُوا غَلَّقُوا بابَ مَدِينَتِهِمْ ولَمْ يُدْخِلُوا فِيها دَوابَّهم ولا غَيْرَها وعَزَلُوا كُلَّ واحِدَةٍ عَنْ ولَدِها وكَذا الصِّبْيانَ والأُمَّهاتِ ثُمَّ قامُوا يَنْتَظِرُونَ الصُّبْحَ فَلَمّا انْشَقَّ الصُّبْحُ نَزَلَ العَذابُ مِنَ السَّماءِ فَشَقُّوا جُيُوبَهم ووَضَعَتِ الحَوامِلُ ما في بُطُونِها وصاحَتِ الصِّبْيانُ والدَّوابُّ فَرَفَعَ اللَّهُ تَعالى العَذابَ عَنْهم فَبَعَثُوا إلى يُونُسَ حَتّى لَقُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وبَعَثُوا مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، وحُكِيَ في هَذِهِ المُغاضَبَةِ كَيْفِيّاتٌ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّهُ يَجِبُ إطْراحُ هَذا القَوْلِ إذْ لا يُناسِبُ ذَلِكَ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ ويَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ لِمَن قالَ ذَلِكَ مِنَ العُلَماءِ كالحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ التّابِعِينَ. وابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِمْ لِرَبِّهِ لِأجْلِ رَبِّهِ تَعالى وحِمْيَةً لِدِينِهِ، فاللّامُ لامُ العِلَّةِ

صفحة 84

لا اللّامُ المُوَصِّلَةُ لِلْمَفْعُولِ بِهِ انْتَهى.

وكَوْنُ المُرادِ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ مُقْتَضى زَعْمِ اليَهُودِ فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَذْهَبَ إلى نِينَوى ويُنْذِرَ أهْلَها فَهَرَبَ إلى تَرْسِيسَ مِن ذَلِكَ وانْحَدَرَ إلى يافا ونَزَلَ في السَّفِينَةِ فَعَظُمَتِ الأمْواجُ وأشْرَفَتِ السَّفِينَةُ عَلى الغَرَقِ فاقْتَرَعَ أهْلُها فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ فَرَمى بِنَفْسِهِ إلى البَحْرِ فالتَقَمَهُ الحُوتُ ثُمَّ ألْقاهُ وذَهَبَ إلى نِينَوى فَكانَ ما كانَ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا الهَرَبِ مِمّا يَجِلُّ عَنْهُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ واليَهُودُ قَوْمُ بُهْتٍ.

ونَصْبُ ﴿مُغاضِبًا﴾ عَلى الحالِ وهو مِنَ المُفاعَلَةِ الَّتِي لا تَقْتَضِي اشْتِراكًا نَحْوُ عاقَبْتُ اللِّصَّ وسافَرْتُ، وكَأنَّهُ اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ هُنا لِلْمُبالَغَةِ وقِيلَ المُفاعَلَةُ عَلى ظاهِرِها فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَضِبَ عَلى قَوْمِهِ لِكُفْرِهِمْ وهم غَضِبُوا عَلَيْهِ بِالذَّهابِ لِخَوْفِهِمْ لُحُوقَ العَذابِ. وقَرَأ أبُو سَرَفٍ (مُغْضَبًا ) اسْمُ مَفْعُولٍ ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أيْ إنَّهُ أيِ الشَّأْنُ لَنْ نَقْدِرَ ونَقْضِيَ عَلَيْهِ بِعُقُوبَةٍ ونَحْوِها أوْ لَنْ نَضِيقَ عَلَيْهِ في أمْرِهِ بِحَبْسٍ ونَحْوِهِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ والزُّهْرِيِّ ( نُقَدِّرَ ) بِالنُّونِ مَضْمُومَةً وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الدّالِ مُشَدَّدَةً، وقِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. واليَمانِيِّ ( يُقَدِّرَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ والدّالُ مُشَدَّدَةٌ فَإنَّ الفِعْلَ فِيهِما مِنَ التَّقْدِيرِ بِمَعْنى القَضاءِ والحُكْمِ كَما هو المَشْهُورُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّضَيُّقِ فَإنَّهُ ورَدَ بِهَذا المَعْنى أيْضًا كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ، وظَنَّ مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ مِنَ القُدْرَةِ فاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ إذْ لا يَظُنُّ أحَدٌ فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَمَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وفَزِعَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَأجابَهُ بِما ذَكَرْناهُ أوَّلًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ وتَكُونَ مَجازًا عَنْ أعْمالِها أيْ فَظَنَّ أنْ لَنْ نُعْمِلَ قُدْرَتَنا فِيهِ أوْ يَكُونُ الكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ أيْ فَعَلَ فِعْلَ مَن ظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ في مُراغَمَتِهِ قَوْمَهُ مِن غَيْرِ انْتِظارٍ لِأمْرِنا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَسْبِقَ ذَلِكَ إلى وهْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ ثُمَّ يَرْدَعُهُ ويَرُدُّ بِالبُرْهانِ كَما يَفْعَلُ المُؤْمِنُ المُحَقِّقُ نَزَعاتِ الشَّيْطانِ وما يُوَسْوِسُ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ، ومِنهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحْزابَ: 8] والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ مِثْلَهُ عَنِ المُؤْمِنِ بَعِيدٌ فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ المَعْصُومِ لِأنَّهُ كُفْرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( تَظُنُّونَ ) إلَخْ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ عَلى أنَّهُ شامِلٌ لِلْخُلَّصِ وغَيْرِهِمْ، وبِأنَّ ما هَجَسَ ولَمْ يَسْتَقِرَّ لا يُسَمّى ظَنًّا، وبِأنَّ الخَواطِرَ لا عَتَبَ عَلَيْها، وبِأنَّهُ لَوْ كانَ حامِلَهُ عَلى الخُرُوجِ لَمْ يَكُنْ مِن قَبِيلِ الوَسْوَسَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّ الظَّنَّ بِمَعْنى الهَجْسِ في الخاطِرِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحٍ مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ والعَتَبُ عَلى ذَهابِهِ مُغاضِبًا ولا وجْهَ لِجَعْلِهِ حامِلًا عَلى الخُرُوجِ ومَعَ هَذا هو وجْهٌ لا وجاهَةَ لَهُ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى وأبُو سَرَفَ والكَلْبِيُّ وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ ويَعْقُوبُ ( يُقَدَرَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدّالِ مُخَفَّفًا، وعِيسى والحَسَنُ بِالياءِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الدّالِ.

﴿فَنادى﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَكانَ ما كانَ مِنَ المُساهَمَةِ والتِقامِ الحُوتِ فَنادى ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ أيْ في الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ المُتَكاثِفَةِ في بَطْنِ الحُوتِ جَعَلَتِ الظُّلْمَةَ لِشِدَّتِها كَأنَّها ظُلُماتٌ، وأنْشَدَ السِّيرافِيُّ:

ولَيْلٍ تَقُولُ النّاسُ في ظُلُماتِهِ سَواءٌ صَحِيحاتُ العُيُونِ وعُورُها

أوِ الجَمْعُ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ ظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ وظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: ابْتَلَعَ حُوتَهُ حُوتٌ أكْبَرُ مِنهُ فَحَصَلَ في ظُلْمَتِي بَطْنَيِ الحُوتَيْنِ وظُلْمَتَيِ البَحْرِ واللَّيْلِ ﴿أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ﴾ أيْ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ عَلى أنَّ أنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ والجارَّ مُقَدَّرٌ وضَمِيرَ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أوْ أيْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ ﴿سُبْحانَكَ﴾

صفحة 85

أيْ أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا لائِقًا بِكَ مِن أنْ يُعْجِزَكَ شَيْءٌ أوْ أنْ يَكُونَ ابْتِلائِي بِهَذا مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِن جِهَتِي ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِهِمْ لِلْهَلَكَةِ حَيْثُ بادَرْتُ إلى المُهاجَرَةِ مِن غَيْرِ أمْرٍ عَلى خِلافِ مُعْتادِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَنْبِهِ وإظْهارٌ لِتَوْبَتِهِ لِيُفَرِّجَ عَنْهُ كُرْبَتَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском