Al-AlusiAl‑Anbya · 21:88–94

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:88–94

21:88Page 329

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨

So We responded to him and saved him from the distress. And thus do We save the believers.

﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ دُعاءَهُ الَّذِي دَعاهُ في ضِمْنِ الِاعْتِرافِ وإظْهارِ التَّوْبَةِ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ.

أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحَكِيمُ في نَوادِرِ الأُصُولِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وجَماعَةٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إذْ هو في بَطْنِ الحُوتِ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ لَمْ يَدْعُ بِها مُسْلِمٌ رَبَّهُ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا اسْتَجابَ لَهُ»» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ ذَلِكَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ، وأخْرَجَ ذَلِكَ الحاكِمُ عَنْ سَعْدٍ مَرْفُوعًا، وقَدْ شاهَدْتُ أثَرَ الدُّعاءِ بِهِ ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ حِينَ أمَرَنِي بِذَلِكَ مَن أظُنُّ وِلايَتَهُ مِنَ الغُرَباءِ المُجاوِرِينَ في حَضْرَةِ البازِ الأشْهَبِ وكانَ قَدْ أصابَنِي مِنَ البَلاءِ ما اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِ وفي شَرْحِهِ طُولٌ وأنْتَ مَلُولٌ. وجاءَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ دَعا بِذَلِكَ أقْبَلَتْ دَعْوَتُهُ تَحُفُّ بِالعَرْشِ فَقالَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: هَذا صَوْتُ ضَعِيفٍ مَعْرُوفٍ مِن بِلادٍ غَرِيبَةٍ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أما تَعْرِفُونَ ذَلِكَ ؟ قالُوا: يا رَبِّ ومَن هو ؟ قالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ قالُوا: عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ ودَعْوَةٌ مُجابَةٌ يا رَبِّ أفَلا تَرْحَمُ ما كانَ يَصْنَعُ في الرَّخاءِ فَتُنَجِّيهِ مِنَ البَلاءِ قالَ: بَلى فَأمَرَ الحُوتَ فَطَرَحَهُ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ﴾» أيِ الَّذِي نالَهُ حِينَ التَقَمَهُ الحُوتُ بِأنْ قَذَفَهُ إلى السّاحِلِ بَعْدَ ساعاتٍ. قالَ الشَّعْبِيُّ: التَقَمَهُ ضُحًى ولَفَظَهُ عَشِيَّةً، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ بَقِيَ في بَطْنِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وهو الَّذِي زَعَمَتْهُ اليَهُودُ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ بَقِيَ سَبْعَةَ أيّامٍ.

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ بَقِيَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وقِيلَ المُرادُ بِالغَمِّ غَمُّ الخَطِيئَةِ وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ، ولَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ فَنَجَّيْناهُ كَما قالَ تَعالى في قِصَّةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَشَفْنا. قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ لِأنَّهُ دَعا بِالخَلاصِ مِنَ الضُّرِّ فالكَشْفُ المَذْكُورُ يَتَرَتَّبُ عَلى اسْتِجابَتِهِ ويُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْعُ فَلَمْ يُوجَدْ وجْهُ التَّرْتِيبِ في اسْتِجابَتِهِ. ورُدَّ بِأنَّ الفاءَ في قِصَّةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَفْسِيرِيَّةٌ والعَطْفَ هُنا أيْضًا تَفْسِيرِيٌّ والتَّفَنُّنُ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ في البَلاغَةِ، ثُمَّ لا نُسَلِّمُ أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْعُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِنهُ دُعاءٌ لَمْ تَتَحَقَّقِ الِاسْتِجابَةُ اهَـ. وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ لا مُحَصِّلَ لَهُ، وكَوْنُهُ تَفْسِيرًا لا يَدْفَعُ السُّؤالَ لِأنَّ حاصِلَهُ لِمَ أُتِيَ بِالفاءِ ثُمَّتْ ولَمْ يُؤْتَ بِها هُنا ؟ فالظّاهِرُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأوَّلَ دُعاءٌ بِكَشْفِ الضُّرِّ عَلى وجْهِ التَّلَطُّفِ فَلَمّا أُجْمِلَ في الِاسْتِجابَةِ وكانَ السُّؤالُ بِطَرِيقِ الإيماءِ ناسَبَ أنْ يُؤْتى بِالفاءِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وأمّا هُنا فَلَمّا هاجَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أمْرٍ كانَ ذَلِكَ ذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فَما أُوحِيَ إلَيْهِ هو الدُّعاءُ بِعَدَمِ مُؤاخَذَتِهِ بِما صَدَرَ مِنهُ فالِاسْتِجابَةُ عِبارَةٌ عَنْ قَبُولِ تَوْبَتِهِ وعَدَمِ مُؤاخَذَتِهِ، ولَيْسَ ما بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لَهُ بَلْ زِيادَةُ إحْسانٍ عَلى مَطْلُوبِهِ ولِذا عَطَفَ بِالواوِ اهَـ ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرَهُ لا يَتَسَنّى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِن الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الأنْبِياءَ: 76]

21:89Page 329

وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٨٩

And [mention] Zechariah, when he called to his Lord, "My Lord, do not leave me alone [with no heir], while You are the best of inheritors."

وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾

﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ [الأنْبِياءَ: 90] إذْ لَمْ يَكُنْ سُؤالُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الإيماءِ مَعَ أنَّهُ قالَ تَعالى في قِصَّتِهِ

صفحة 86

﴿فَنَجَّيْناهُ﴾ بِالفاءِ وزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ما يُعَدُّ ذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لِيَتَلَطَّفَ في سُؤالِ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ مَعَ أنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ في قِصَّتِهِ ﴿ووَهَبْنا﴾ بِالواوِ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن بَيانِ نُكْتَةٍ غَيْرِ ما ذَكَرَ لِلتَّعْبِيرِ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِن هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ بِما عَبَّرَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما ذَكَرَهُ الشِّهابُ في الآيَةِ الأخِيرَةِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ جِيءَ بِالفاءِ التَّفْصِيلِيَّةِ في قِصَّتَيْ نُوحٍ وأيُّوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ اعْتِناءً بِشَأْنِ الِاسْتِجابَةِ لِمَكانِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ لِعِظَمِ ما كانا فِيهِ وتَفاقُمِهِ جِدًّا، ألا تَرى كَيْفَ يُضْرَبُ المَثَلُ بِبَلاءِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ كانَ في النَّفْسِ والأهْلِ والمالِ واسْتَمَرَّ إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى وكَيْفَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى ما نَجّى اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ولا كَذَلِكَ ما كانَ فِيهِ ذُو النُّونِ وزَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ فَلِذا جِيءَ في آيَتَيْهِما بِالواوِ وهي وإنْ جاءَتْ لِلتَّفْسِيرِ لَكِنَّ مَجِيءَ الفاءِ لِذَلِكَ أكْثَرُ. ولا يَبْعُدُ عِنْدِي ما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ مِن كَوْنِ الِاسْتِجابَةِ عِبارَةً عَنْ قَبُولِ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّنْجِيَةُ زِيادَةُ إحْسانٍ عَلى مَطْلُوبِهِ ويُقالُ فِيما سَيَأْتِي ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْجاءِ الكامِلِ ﴿نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ مِن غُمُومٍ دَعَوُا اللَّهَ تَعالى فِيها بِالإخْلاصِ لا إنْجاءَ أدْنى مِنهُ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ ( نُنَجِّي ) مُشَدَّدًا مُضارِعُ نَجّى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ( نُجِّي ) بِنُونٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وتَشْدِيدِ الجِيمِ وإسْكانِ الياءِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى القِراءَةِ بِنُونَيْنِ لِكَوْنِها أوْفَقَ بِالرَّسْمِ العُثْمانِيِّ لِما أنَّهُ بِنُونٍ واحِدَةٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ: رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍ و ( نُجِي ) بِالإدْغامِ والنُّونُ لا تُدْغَمُ في الجِيمِ وإنَّما أُخْفِيَتْ لِأنَّها ساكِنَةٌ تَخْرُجُ مِنَ الخَياشِيمِ فَحُذِفَتْ مِنَ الكِتابِ وهي في اللَّفْظِ، ومَن قالَ: تُدْغَمُ فَقَدْ غَلَطَ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ تُخْفى مَعَ حُرُوفِ الفَمِ وتُسَمّى الأحْرُفُ الشَّجَرِيَّةُ وهي الجِيمُ والشِّينُ والضّادُ وتَبْيِينُها لَحْنٌ فَلَمّا أُخْفِي ظَنَّ السّامِعُ أنَّهُ مُدْغَمٌ انْتَهى.

وقالَ أبُو الفَتْحِ ابْنِ جِنِّي: أصْلُهُ ( نُنْجِي ) كَما في قِراءَةِ الجَحْدَرِيِّ فَحُذِفَتِ النُّونُ الثّانِيَةُ لِتَوالِي المِثْلَيْنِ والأُخْرى جِيءَ بِها لِمَعْنًى والثِّقَلُ إنَّما حَصَلَ بِالثّانِيَةِ وذَلِكَ كَما حُذِفَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في ﴿تُظاهِرُونَ﴾ [الأحْزابَ: 4] ولا يَضُرُّ كَوْنُها أصْلِيَّةً وكَذا لا يَضُرُّ عَدَمُ اتِّحادِ حَرَكَتِها مَعَ حَرَكَةِ النُّونِ الأُولى فَإنَّ الدّاعِيَ إلى الحَذْفِ اجْتِماعُ المِثْلَيْنِ مَعَ تَعَذُّرِ الإدْغامِ فَقَوْلُ أبِي البَقاءِ: إنَّ هَذا التَّوْجِيهَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ النُّونَ الثّانِيَةَ أصْلٌ وهي فاءُ الكَلِمَةِ فَحَذْفُها يَبْعُدُ جِدًّا، والثّانِي أنَّ حَرَكَتَها غَيْرُ حَرَكَةِ النُّونِ الأُولى فَلا يُسْتَثْقَلُ الجَمْعُ بَيْنَهُما بِخِلافِ ( تُظاهِرُونَ ) لَيْسَ في حَيِّزِ القَبُولِ، وإنَّما امْتَنَعَ الحَذْفُ في ﴿تَتَجافى﴾ [السَّجْدَةَ: 16] لِخَوْفِ اللَّبْسِ بِالماضِي بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ماضِيًا لَمْ يَسْكُنْ آخِرُهُ، وكَوْنُهُ سَكَنَ تَخْفِيفًا خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ هو فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وسَكَنَتِ الياءُ لِلتَّخْفِيفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [البَقَرَةَ: 278] وقَوْلِهِ:

هُوَ الخَلِيفَةُ فارْضَوْا ما رَضِيَ لَكم ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ

ونائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ المَصْدَرِ ﴿والمُؤْمِنِينَ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ، وقَدْ أجازَ قِيامَ المَصْدَرِ مَقامَ الفاعِلِ مَعَ وُجُودِ المَفْعُولِ بِهِ الأخْفَشُ والكُوفِيُّونَ وأبُو عُبَيْدٍ، وخَرَّجُوا عَلى ذَلِكَ قِراءَةَ أبِي جَعْفَرٍ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾ [الجاثِيَةَ: 14] وقَوْلَهُ:

ولَوْ ولَدَتْ فَقِيرَةٌ جَرْوَ كَلْبٍ ∗∗∗ لَسُبَّ بِذَلِكَ الكَلْبِ الكِلابا

صفحة 87

والمَشْهُورُ عَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ مَتى وُجِدَ المَفْعُولُ بِهِ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقامَ الفاعِلِ، وقِيلَ إنَّ ( المُؤْمِنِينَ ) مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ وكَذَلِكَ نُجِّيَ هو أيِ الِانْجاءُ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ بِضَمِيرِ المَصْدَرِ والكُلُّ كَما تَرى ﴿وزَكَرِيّا﴾ أيْ واذْكُرْ خَبَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أيْ وحِيدًا بِلا ولَدٍ يَرِثُنِي كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ بِلا ولَدٍ يُصاحِبُنِي ويُعاوِنُنِي لَقِيلَ وأنْتَ خَيْرُ المُعِينِينَ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ وأنْتَ خَيْرُ حَيٍّ يَبْقى بَعْدَ مَيِّتٍ، وفِيهِ مَدْحٌ لَهُ تَعالى بِالبَقاءِ وإشارَةٌ إلى فَناءِ مَن سِواهُ مِنَ الأحْياءِ، وفي ذَلِكَ اسْتِمْطارٌ لِسَحائِبِ لُطْفِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ أرادَ بِذَلِكَ رَدَّ الأمْرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَأنَّهُ قالَ: إنْ لَمْ تَرْزُقْنِي ولَدًا يَرِثُنِي فَأنْتَ خَيْرُ وارِثٍ فَحَسْبِي أنْتَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ مَقامَ الدُّعاءِ إذْ مِن آدابِ الدّاعِي أنْ يَدْعُوَ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ وتَصْمِيمٍ مِنهُ.

فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««إذا دَعا أحَدُكم فَلا يَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ ارْزُقْنِي إنْ شِئْتَ لِيَعْزِمْ مَسْألَتَهُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ لا مُكْرِهَ لَهُ» .

وفِي رِوايَةٍ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «ولَكِنْ لِيَعْزِمِ المَسْألَةَ ولْيَعْزِمِ الرَّغْبَةَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ أعْطاهُ»» ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ ارْزُقْنِي إنْ شِئْتَ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ إلّا إظْهارَ الرِّضا والِاعْتِمادَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَوْ لَمْ يُجِبْ دُعاءَهُ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ ارْزُقْنِي إنْ شِئْتَ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ.

21:90Page 329

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠

So We responded to him, and We gave to him John, and amended for him his wife. Indeed, they used to hasten to good deeds and supplicate1 Us in hope and fear, and they were to Us humbly submissive.

﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ دُعاءَهُ ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أيْ أصْلَحْناها لِلْمُعاشَرَةِ بِتَحَسُّنِ خُلُقِها وكانَتْ سَيِّئَةَ الخُلُقِ طَوِيلَةَ اللِّسانِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ ومُحَمَّدٍ ابْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أوْ أصْلَحْناها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَرَدِّ شَبابِها إلَيْها وجَعْلِها ولُودًا وكانَتْ لا تَلِدُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (اسْتَجَبْنا ) لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْعُ بِتَحْسِينِ خُلُقِ زَوْجِهِ.

قالَ الخَفاجِيُّ: ويَجُوزُ عَطْفُها عَلى ﴿وهَبْنا﴾ وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ عَطْفُهُ بِالواوِ لِأنَّهُ لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى المَطْلُوبِ لا يُعْطَفُ بِالفاءِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وعَلى الثّانِي العَطْفُ عَلى ﴿وهَبْنا﴾ وقَدَّمَ هِبَةَ يَحْيى مَعَ تَوَقُّفِها عَلى إصْلاحِ الزَّوْجِ لِلْوِلادَةِ لِأنَّها المَطْلُوبُ الأعْظَمُ، والواوُ لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَلا حاجَةَ لِما قِيلَ: المُرادُ بِالهِبَةِ إرادَتُها، قالَ الخَفاجِيُّ: ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: فَوَهَبْنا لِأنَّ المُرادَ الِامْتِنانُ لا التَّفْسِيرُ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ التَّفْسِيرُ بِالفاءِ بَلْ قَدْ يَكُونُ العَطْفُ التَّفْسِيرِيُّ بِالواوِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ فَتَدَبَّرْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما فُصِّلَ مِن فُنُونِ إحْسانِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَضَمائِرُ الجَمْعِ لِلْأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ.

وقِيلَ: لِزَكَرِيّا وزَوْجِهِ ويَحْيى، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ مِن حُصُولِ القُرْبى والزُّلْفى والمَراتِبِ العالِيَةِ لَهم أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ تَقْدِيرُهُ ما حالُهم ؟ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، والمَعْنى إنَّهم كانُوا يَجِّدُونَ ويَرْغَبُونَ في أنْواعِ الأعْمالِ الحَسَنَةِ وكَثِيرًا ما يَتَعَدّى أسْرَعَ بِفي لِما فِيهِ مِن مَعْنى الجِدِّ والرَّغْبَةِ فَلَيْسَتْ في بِمَعْنى إلى أوْ لِلتَّعْلِيلِ ولا الكَلامُ مِن قَبِيلِ.

يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نُصَلِّي ﴿ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ أيْ راغِبِينَ في نِعَمِنا وراهِبِينَ مِن نِقَمِنا أوْ راغِبِينَ في قَبُولِ أعْمالِهِمْ وراهِبِينَ مِن رَدِّها، فَرَغَبًا ورَهَبًا مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ

صفحة 88

الحالِ بِتَأْوِيلِهِما بِاسْمِ الفاعِلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَوِي رَغَبٍ، ويَجُوزُ إبْقاؤُهُما عَلى الظّاهِرِ مُبالَغَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا جَمْعَيْنِ كَخَدَمٍ جَمْعُ خادِمٍ لَكِنْ قالُوا: إنَّ هَذا الجَمْعَ مَسْمُوعٌ في ألْفاظٍ نادِرَةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا نُصِبا عَلى التَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ نَصْبَهُما عَلى المَصْدَرِ نَحْوُ قَعَدْتُ جُلُوسًا وهو كَما تَرى.

وحُكِيَ في مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ الدُّعاءَ رَغْبَةً بِبُطُونِ الأكُفِّ ورَهْبَةً بِظُهُورِها، وقَدْ قالَ بِهِ بَعْضُ عُلَمائِنا، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( يُسارِعُونَ ) فَهي داخِلَةٌ مَعَها في حَيِّزِ ( كانُوا )، وفي عَدَمِ إعادَتِها رَمْزٌ إلى أنَّ الدُّعاءَ المَذْكُورَ مِن تَوابِعِ تِلْكَ المُسارَعَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( يَدْعُونا ) بِحَذْفِ نُونِ الرَّفْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ (يَدْعُونّا ) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ أدْغَمَ نُونَ الرَّفْعِ في نُونِ ضَمِيرِ النَّصْبِ، وقَرَأ (رَغْبًا ) (ورَهْبًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ ما بَعْدَها و(رُغْبًا ) (ورُهْبًا ) بِالضَّمِّ والإسْكانِ ﴿وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ أيْ مُخْبِتِينَ مُتَضَرِّعِينَ أوْ دائِمِي الوَجَلِ، وحاصِلُ التَّعْلِيلِ أنَّهم نالُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى ما نالُوا بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ الخِصالِ الحَمِيدَةِ.

21:91Page 330

وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩١

And [mention] the one who guarded her chastity [i.e., Mary], so We blew into her [garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and We made her and her son a sign for the worlds.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ نُصِبَ نَصْبَ نَظائِرِهِ السّابِقَةِ، وقِيلَ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ مِمّا يُتْلى عَلَيْكم أوْ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ والفاءُ زائِدَةٌ عِنْدَ مَن يُجِيزُهُ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ، والإحْصانُ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو المَنعُ مُطْلَقًا. والفَرْجُ في الأصْلِ الشِّقُّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ كالفُرْجَةِ وما بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ ويُكْنى بِهِ عَنِ السَّوْأةِ وكَثُرَ حَتّى صارَ كالصَّرِيحِ في ذَلِكَ وهو المُرادُ بِهِ هُنا عِنْدَ جَماعَةٍ أيْ مَنَعَتْ فَرْجَها مِنَ النِّكاحِ بِقِسْمَيْهِ كَما قالَتْ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: 20] وكانَ التَّبَتُّلُ إذْ ذاكَ مَشْرُوعًا لِلنِّساءِ والرِّجالِ، وقِيلَ الفَرْجُ هُنا جَيْبُ قَمِيصِها مَنَعَتْهُ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرُبَ مِنها لِيَنْفُخَ حَيْثُ لَمْ تَعْرِفْهُ.

وعُبِّرَ عَنْها بِما ذُكِرَ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها وتَنْزِيهِها عَمّا زَعَمُوهُ في حَقِّها، والمُرادُ مِنَ الرُّوحِ مَعْناهُ المَعْرُوفُ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِلتَّشْرِيفِ، ونَفْخُ الرُّوحِ عِبارَةٌ عَنِ الإحْياءِ ولَيْسَ هُناكَ نَفْخٌ حَقِيقَةٌ. ثُمَّ هَذا الإحْياءُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو لِكَوْنِهِ في بَطْنِها صَحَّ أنْ يُقالَ: نَفَخْنا فِيها فَإنَّ ما يَكُونُ فِيما في الشَّيْءِ يَكُونُ فِيهِ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أحْيَيْناها ولَيْسَ بِمُرادٍ، وهَذا كَما يَقُولُ الزَّمّارُ. نَفَخْتُ في بَيْتِ فُلانٍ وهو قَدْ نَفَخَ في المِزْمارِ في بَيْتِهِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ فَنَفَخْنا في ابْنِها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرُّوحِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ [مَرْيَمَ: 17] ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ وهُناكَ نَفْخٌ حَقِيقَةٌ وإسْنادُهُ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ أيْ فَنَفَخْنا فِيها مِن جِهَةِ رُوحِنا، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ نَفَخَ مِن جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَ النَّفْخُ إلى جَوْفِها فَصَحَّ أنَّ النَّفْخَ فِيها مِن غَيْرِ غُبارٍ يَحْتاجُ إلى النَّفْخِ، ثُمَّ النَّفْخُ لازِمٌ وقَدْ يَتَعَدّى فَيُقالُ نَفَخَنا الرُّوحُ.

وقَدْ جاءَ في ذَلِكَ بَعْضُ الشَّواذِّ ونَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ فَإنْكارُهُ مِن عَدَمِ الِاطِّلاعِ ﴿وجَعَلْناها وابْنَها﴾ أيْ جَعَلْنا قِصَّتَهُما أوْ حالَهُما ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فَإنَّ مَن تَأمَّلَ حالَتَهُما تَحَقَّقَ كَمالَ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، فالمُرادُ بِالآيَةِ ما حَصَلَ بِهِما مِنَ الآيَةِ مَعَ تَكاثُرِ آياتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وقِيلَ أُرِيدَ بِالآيَةِ الجِنْسُ الشّامِلُ ما لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ الآياتِ المُسْتَقِلَّةِ، وقِيلَ: المَعْنى وجَعَلْناها آيَةً وابْنَها آيَةً فَحُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها واسْتُدِلَّ

صفحة 89

بِذِكْرِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ مَعَ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنَّها كانَتْ نَبِيَّةً إذْ قُرِنَتْ مَعَهم في الذِّكْرِ.

وفِيهِ أنَّهُ لا يُلْزِمُ ذِكْرُها مَعَهم كَوْنَها مِنهم ولَعَلَّها إنَّما ذُكِرَتْ لِأجْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وناسَبَ ذِكْرُهُما هُنا قِصَّةَ زَكَرِيّا وزَوْجِهِ وابْنِهِما يَحْيى لِلْقَرابَةِ الَّتِي بَيْنَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ

21:92Page 330

إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ ٩٢

Indeed this, your religion, is one religion,1 and I am your Lord, so worship Me.

﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ خِطابٌ لِلنّاسِ قاطِبَةً، والإشارَةُ إلى مِلَّةِ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ وذَلِكَ مِن بابِ ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكَهْفَ: 78] وهَذا أخُوكَ تَصَوُّرُ المُشارِ إلَيْهِ في الذِّهْنِ وأُشِيرَ إلَيْهِ، وفِيهِ أنَّهُ مُتَمَيِّزٌ أكْمَلَ التَّمْيِيزِ ولِهَذا لَمْ يُبَيَّنْ بِالوَصْفِ، والأُمَّةُ عَلى ما قالَهُ صاحِبُ المَطْلَعِ أصْلُها القَوْمُ يَجْتَمِعُونَ عَلى دِينٍ واحِدٍ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيها حَتّى أُطْلِقَتْ عَلى نَفْسِ الدِّينِ، والأشْهَرُ أنَّها النّاسُ المُجْتَمِعُونَ عَلى أمْرٍ أوْ في زَمانٍ وإطْلاقُها عَلى نَفْسِ الدِّينِ مَجازٌ، وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ أيْضًا وهو المُرادُ هُنا، وأُرِيدَ بِالجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ الأمْرُ بِالمُحافَظَةِ عَلى تِلْكَ المِلَّةِ ومُراعاةِ حُقُوقِها، والمَعْنى أنَّ مِلَّةَ الإسْلامِ مِلَّتُكُمُ الَّتِي يَجِبُ أنْ تُحافِظُوا عَلى حُدُودِها وتُراعُوا حُقُوقَها فافْعَلُوا ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن ( أُمَّةً ) والعامِلُ فِيها اسْمُ الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ غَيْرَ العامِلِ في صاحِبِها وإنْ كانَ الأكْثَرُ الِاتِّحادَ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِأبِي حَيّانَ، وقِيلَ بَدَلٌ مِن ( هَذِهِ ) ومَعْنى وحْدَتِها اتِّفاقُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْها أيْ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَلْ أجْمَعُوا كُلُّهم عَلَيْها فَلَمْ تَتَبَدَّلْ في عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ كَما تَبَدَّلَتِ الفُرُوعُ، وقِيلَ: مَعْنى وحْدَتِها عَدَمُ مُشارَكَةِ غَيْرِها وهو الشِّرْكُ لَها في القَبُولِ وصِحَّةِ الِاتِّباعِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى طَرِيقَةِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُرادُ بِها التَّوْحِيدُ أيْضًا، وقِيلَ: هي إشارَةٌ إلى طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقِصَّتِهِ وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وأبْعَدُ مِنهُ بِمَراحِلَ ما قِيلَ إنَّها إشارَةٌ إلى مِلَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما عِنْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ قائِلِينَ لَهم: إنَّ هَذِهِ أيِ المِلَّةَ الَّتِي بُعِثَ بِها عِيسى أُمَّتُكم إلَخْ بَلْ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ أصْلًا، وقِيلَ: إنَّ ( هَذِهِ ) إشارَةٌ إلى جَماعَةِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأُمَّةُ بِمَعْنى الجَماعَةِ أيْ إنَّ هَؤُلاءِ جَماعَتُكُمُ الَّتِي يَلْزَمُكُمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ مُجْتَمِعِينَ عَلى الحَقِّ غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ، وفِيهِ جِهَةُ حُسْنٍ كَما لا يَخْفى، والأوَّلُ أحْسَنُ وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ كافَّةً، وجَعَلَهُ الطَّيِّبِيُّ لِلْمُعانِدِينَ خاصَّةً حَيْثُ قالَ في وجْهِ تَرْتِيبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نازِلَةٌ في بَيانِ النُّبُوَّةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها والمُخاطَبُونَ المُعانِدُونَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ النُّبُوَّةِ وتَكْرِيرِهِ تَقْرِيرًا ومِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُسَلِّيًا عادَ إلى خِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ إلَخْ أيْ هَذِهِ المِلَّةُ الَّتِي كَرَّرْتُها عَلَيْكم مِلَّةٌ واحِدَةٌ أخْتارُها لَكم لِتَتَمَسَّكُوا بِها وبِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى والقَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ وهي الَّتِي أدْعُوكم إلَيْها لِتَعَضُّوا عَلَيْها بِالنَّواجِذِ لِأنَّ سائِرَ الكُتُبِ نازِلَةٌ في شَأْنِها والأنْبِياءَ كُلَّهم مَبْعَثُونَ لِلدَّعْوَةِ إلَيْها ومُتَّفِقُونَ عَلَيْها،

21:93Page 330

وَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡۖ كُلٌّ إِلَيۡنَا رَٰجِعُونَ ٩٣

And [yet] they divided their affair [i.e., that of their religion] among themselves,1 [but] all to Us will return.

ثُمَّ لَمّا عَلِمَ إصْرارَهم قِيلَ: ﴿وتَقَطَّعُوا﴾ إلَخْ، وحاصِلُ المَعْنى المِلَّةُ واحِدَةٌ والرَّبُّ واحِدٌ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُتَّفِقُونَ عَلَيْها وهَؤُلاءِ البُعَداءُ جَعَلُوا أمْرَ الدِّينِ الواحِدِ فِيما بَيْنَهم قِطَعًا كَما يَتَوَزَّعُ الجَماعَةُ الشَّيْءَ الواحِدَ انْتَهى، والأظْهَرُ العُمُومُ، وأمْرُ النَّظْمِ عَلَيْهِ يُؤْخَذُ مِن كَلامِ الطَّيِّبِيِّ بِأدْنى التِفاتٍ وقَرَأ الحَسَنُ ( أُمَّتَكم ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( هَذِهِ ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ

صفحة 90

عَلَيْهِ و(أُمَّةٌ واحِدَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ. وقَرَأ هو أيْضًا وابْنُ إسْحاقَ والأشْهَبُ العَقِيلِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَعْفِيُّ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. والزَّعْفَرانِيُّ بِرَفْعِهِما عَلى أنَّهُما خَبَرُ إنَّ، وقِيلَ: الأوَّلُ خَبَرٌ والثّانِي بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي أُمَّةٌ واحِدَةٌ ﴿وأنا رَبُّكُمْ﴾ أيْ أنا إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴿فاعْبُدُونِ﴾ خاصَّةً، وتَفْسِيرُ الرَّبِّ بِالإلَهِ لِأنَّهُ رُتِّبَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالعِبادَةِ، والدَّلالَةُ عَلى الوَحْدَةِ مِن حِدَةِ المِلَّةِ، وفي لَفْظِ الرَّبِّ إشْعارٌ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ الرَّبَّ إنْ تُوُهِّمَ جَوازُ تَعَدُّدِهِ في نَفْسِهِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَرْبُوبٍ إلّا رَبٌّ واحِدٌ لِأنَّهُ مُفِيضُ الوُجُودِ وكِمالاتِهِ مَعًا، وفي العُدُولِ إلى لَفْظِ الرَّبِّ تَرْجِيحُ جانِبِ الرَّحْمَةِ وأنَّهُ تَعالى يَدْعُوهم إلى عِبادَتِهِ بِلِسانِ التَّرْغِيبِ والبَسْطِ قالَهُ في الكَشْفِ.

﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ أيْ جَعَلُوا أمْرَ دِينِهِمْ فِيما بَيْنَهم قِطَعًا عَلى أنَّ تَقَطَّعَ مُضَمَّنٌ مَعْنى الجَعْلِ فَلِذا تَعَدّى إلى ﴿أمْرَهُمْ﴾ بِنَفْسِهِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: تَقَطَّعُوا أمْرَهم أيْ في أمْرِهِمْ أيْ تَفَرَّقُوا، وقِيلَ: عُدِّيَ بِنَفْسِهِ لِأنَّهُ بِمَعْنى قَطَّعُوا أيْ فَرَّقُوا، وقِيلَ.

﴿أمْرَهُمْ﴾ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ أيْ تَقَطَّعَ أمْرُهُمُ انْتَهى، وما ذُكِرَ أوَّلًا أظْهَرُ وأمْرُ التَّمْيِيزِ لا يَخْفى عَلى ذِي تَمْيِيزٍ، ثُمَّ أصْلُ الكَلامِ وتَقَطَّعْتُمْ أمْرَكم بَيْنَهم عَلى الخِطابِ فالتَفَتَ إلى الغَيْبَةِ لِيَنْعى عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوا مِنَ التَّفَرُّقِ في الدِّينِ وجَعْلِهِ قِطَعًا مُوَزَّعَةً ويُنْهِي ذَلِكَ إلى الآخَرِينَ كَأنَّهُ قِيلَ ألا تَرَوْنَ إلى عِظَمِ ما ارْتَكَبَ هَؤُلاءِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أجْمَعَتْ عَلَيْهِ كافَّةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفي ذَلِكَ ذَمٌّ لِلِاخْتِلافِ في الأُصُولِ.

﴿كُلٌّ﴾ أيْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الفِرَقِ المُتَقَطِّعَةِ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِن آحادِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الفِرَقِ ﴿إلَيْنا راجِعُونَ﴾ بِالبَعْثِ لا إلى غَيْرِنا فَنُجازِيهِمْ حِينَئِذٍ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى ما في الجُمْلَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الثُّبُوتِ والتَّحَقُّقِ.

21:94Page 330

فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ ٩٤

So whoever does righteous deeds while he is a believer - no denial will there be for his effort,1 and indeed We [i.e., Our angels], of it, are recorders.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ تَفْضِيلٌ لِلْجَزاءِ أيْ فَمَن يَعْمَلْ بَعْضَ الصّالِحاتِ أوْ بَعْضًا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ أيْ لا حِرْمانَ لِثَوابِ عَمَلِهِ ذَلِكَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالكُفْرانِ الَّذِي هو سَتْرُ النِّعْمَةِ وجُحُودُها لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْهُ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ مِنَ القَبائِحِ، وإبْرازُ الإثابَةِ في مَعْرِضِ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ تَعالى ونَفى نَفْيَ الجِنْسِ المُفِيدِ لِلْعُمُومِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْزِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ التَّرْكِيبَ عَلى طِرْزِ (لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ ) والكَلامُ فِيهِ مَشْهُورٌ بَيْنَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ وعَبَّرَ عَنِ العَمَلِ بِالسَّعْيِ لِإظْهارِ الِاعْتِدادِ بِهِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ (فَلا كُفْرَ ) والمَعْنى واحِدٌ ﴿وإنّا لَهُ﴾ أيْ لِسَعْيِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمَن ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿كاتِبُونَ﴾ أيْ مُثْبِتُونَ في صَحِيفَةِ عَمَلِهِ لا يَضِيعُ بِوَجْهٍ ما، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ قَبُولَ العَمَلِ الصّالِحِ مُطْلَقًا مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ وهو قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: الإيمانُ شَرْطٌ لِقَبُولِ ما يَحْتاجُ إلى النِّيَّةِ مِنَ الأعْمالِ، وتَحْقِيقُهُ في مَوْضِعِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском