Al-AlusiAl‑Anbya · 21:8–16

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:8–16

21:8Page 322

وَمَا جَعَلۡنَٰهُمۡ جَسَدٗا لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَٰلِدِينَ ٨

And We did not make them [i.e., the prophets] forms not eating food,1 nor were they immortal [on earth].

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا﴾ إلَخْ يَشْهَدُ لِما قالَهُ الخَلِيلُ انْتَهى، وقِيلَ: هو جِسْمٌ ذُو تَرْكِيبٍ وظاهِرُهُ أنَّهُ أعَمُّ مِنَ الحَيَوانِ ومِنهم خَصَّهُ بِهِ وقالَ بَعْضُهم: هو في الأصْلِ مَصْدَرُ جَسَدَ الدَّمُ يَجْسَدُ أيِ التَصَقَ وأُطْلِقَ عَلى الجِسْمِ المُرَكِّبِ لِأنَّهُ ذُو أجْزاءٍ مُلْتَصِقٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ الَّذِي يَقُولُ بِتَخْصِيصِهِ بِحَيْثُ لا يَشْمَلُ غَيْرَ العاقِلِ مِنَ الحَيَوانِ مَثَلًا غايَةُ ما يَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ أصْلِ وضْعِهِ ولا يَقُولُ بِعَدَمِ جَوازِ تَعْمِيمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ، ونَصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ، والمُرادُ تَصْيِيرُهُ كَذَلِكَ ابْتِداءً عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ وكَبَّرَ الفِيلَ، وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ والجَعْلُ إبْداعِيٌّ وإفْرادُهُ لِإعادَةِ الجِنْسِ الشّامِلِ لِلْكَثِيرِ أوْ لِأنَّهُ في الأصْلِ عَلى ما سَمِعْتَ مَصْدَرٌ وهو يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ المُذَكَّرِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: لِإرادَةِ الِاسْتِغْراقِ الإفْرادِيِّ في الضَّمِيرِ أيْ جَعَلْنا كُلَّ واحِدٍ مِنهم وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَوِي جَسَدٍ، وفي التَّسْهِيلِ أنَّهُ يُسْتَغْنى بِتَثْنِيَةِ المُضافِ وجَمْعِهِ عَنْ تَثْنِيَةِ المُضافِ إلَيْهِ وجَمْعِهِ في الأعْلامِ وكَذا ما لَيْسَ فِيهِ لَبْسٌ مِن أسْماءِ الأجْناسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ صِفَةُ ( جَسَدًا ) أيْ وما جَعَلْناهم جَسَدًا مُسْتَغْنِيًا عَنِ الغِذاءِ بَلْ مُحْتاجًا إلَيْهِ ﴿وما كانُوا خالِدِينَ﴾ أيْ باقِينَ أبَدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخُلُودُ بِمَعْنى المُكْثِ المَدِيدِ، واخْتِيرَ الأوَّلُ لِأنَّ الجُمْلَةَ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِ الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَشَرًا لا مَلائِكَةً كَما يَقْتَضِيهِ اعْتِقادُ المُشْرِكِينَ الفاسِدُ وزَعْمُهُمُ الكاسِدُ، والظّاهِرُ هم يَعْتَقِدُونَ أيْضًا في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الأبَدِيَّةَ كاعْتِقادِ الفَلاسِفَةِ فِيهِمْ ذَلِكَ إلّا أنَّهم يُسَمُّونَهم عُقُولًا مُجَرَّدَةً، وحاصِلُ المَعْنى جَعَلْناهم أجْسادًا مُتَغَذِّيَةً صائِرَةً إلى المَوْتِ بِالآخِرَةِ حَسَبَ آجالِهِمْ ولَمْ نَجْعَلْهم مَلائِكَةً لا يَتَغَذَّوْنَ ولا يَمُوتُونَ حَسْبَما تَزْعُمُونَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفُرْقانَ: 7] إلَخْ والأوَّلُ أوْلى، نَعَمْ هي مَعَ كَوْنِها مُقَرِّرَةً لِما قَبْلَها فِيها رَدٌّ عَلى ذَلِكَ. وفي إيثارِ ( وما كانُوا ) عَلى وما جَعَلْناهم تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ عَدَمَ الخُلُودِ والبَقاءِ مِن تَوابِعِ جِبِلَّتِهِمْ في هَذِهِ النَّشْأةِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا﴾ إلَخْ لا بِالجَعْلِ المُسْتَأْنَفِ بَلْ إذا نَظَرْتَ إلى سائِرِ المُرَكَّباتِ مِنَ العَناصِرِ المُتَضادَّةِ رَأيْتَ بَقاءَها سُوَيْعَةً أمْرًا غَرِيبًا وانْتَهَضْتَ إلى طَلَبِ العِلَّةِ لِذَلِكَ ومِن هُنا قِيلَ:

صفحة 14

ولا تَتْبَعِ الماضِيَ سُؤالَكَ لِمَ مَضى وعَرِّجْ عَلى الباقِي وسائِلْهُ لِمَ بَقِيَ

بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ المُمْكِناتُ مُطْلَقًا كَذَلِكَ فَقَدْ قالُوا: إنَّ المُمْكِنَ إذا خَلِّيَ وذاتَهُ يَكُونُ مَعْدُومًا إذِ العَدَمُ لا يَحْتاجُ إلى عِلَّةٍ وتَأْثِيرٍ بِخِلافِ الوُجُودِ ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ العَدَمُ مُقْتَضى الذّاتِ حَتّى يَصِيرَ مُمْتَنِعًا إذْ مَرْجِعُ ذَلِكَ إلى أوْلَوِيَّةِ العَدَمِ وألْيَقِيَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الذّاتِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الهَيْئاتِ الشِّفاءُ لِلْمَعْلُولِ في نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ لَيْسَ ولَهُ عَنْ عِلَّتِهِ أنْ يَكُونَ آيِسًا، وقَوْلُهم بِاسْتِواءِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ مَعْناهُ اسْتِواؤُهُ في عَدَمِ وُجُوبِ واحِدٍ مِنهُما بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ، وقَوْلُهم عِلَّةُ العَدَمِ عِلَّةُ الوُجُودِ بِمَعْنى أنَّ العَدَمَ لا يَحْتاجُ إلى تَأْثِيرٍ وجَعْلٍ بَلْ يَكْفِيهِ انْعِدامُ العِلَّةِ لا أنَّ عَدَمَ العِلَّةِ مُؤَثِّرَةٌ في عَدَمِ المَعْلُولِ ولَعَلَّ في «قَوْلِهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ» إشارَةً إلى هَذا فَتَدَبَّرْ،

21:9Page 322

ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٩

Then1 We fulfilled for them the promise, and We saved them and whom We willed and destroyed the transgressors.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ﴾ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن حِكايَةِ وحْيِهِ تَعالى إلى المُرْسَلِينَ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: أوْحَيْنا إلَيْهِمْ ما أوْحَيْنا ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ الَّذِي وعَدْناهم في تَضاعِيفِ الوَحْيِ بِإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ( نُوحِي ) السّابِقِ بِمَعْنى أوْحَيْنا، وتَوْسِيطُ الأمْرِ بِالسُّؤالِ وما مَعَهُ اهْتِمامًا بِإلْزامِهِمْ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ وقالَ الخَفاجِيُّ: هو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرْسَلْنا﴾ وثُمَّ لِلتَّراخِي الذِّكْرِيِّ أيْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِنَ البَشَرِ وصَدَقْناهم ما وعَدْناهم فَكَذا مُحَمَّدٌ ﷺ فاحْذَرُوا تَكْذِيبَهُ ومُخالَفَتَهُ فالآياتُ كَما تَضَمَّنَتِ الجَوابَ تَضَمَّنَتِ التَّهْدِيدَ انْتَهى، وفِيهِ تَأمُّلٌ، ونَصْبُ ( الوَعْدَ ) عَلى نَزْعِ الخافِضِ والأصْلُ صَدَقْناهم في الوَعْدِ ومِنهُ صَدَقُوهُمُ القِتالَ وصَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ وصَدَقَ قَدْ تَتَعَدّى لِلْمَفْعُولَيْنِ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ حَرْفِ الجَرِّ أصْلًا.

﴿فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِمْ كَما عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَسْتَدْعِي الحِكْمَةُ إبْقاءَهُ كَمَن سَيُؤْمِنُ هو أوْ بَعْضُ فُرُوعِهِ بِالآخِرَةِ وهو السِّرُّ في حِمايَةِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وآذَوْهُ ﷺ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، ورُجِّحَ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ بِالمُقابَلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ وذَلِكَ لِحَمْلِ التَّعْرِيفِ عَلى الِاسْتِغْراقِ والمُسْرِفِينَ عَلى الكُفّارِ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافِرَ: 43] بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِأصْحابِ النّارِ مُلازِمُوها والمُخَلَّدُونَ فِيها ولا يَخْلُدُ فِيها عِنْدَنا إلّا الكُفّارُ، ومَن عَمَّمَ أوَّلًا قالَ: المُرادُ بِالمُسْرِفِينَ مَن عَدا أُولَئِكَ المُنْجِينَ، والتَّعْبِيرُ بِمَن نَشاءُ دُونَ مَن آمَنَ أوْ مَن مَعَهم مَثَلًا ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ وآخَرُونَ مَعَهم ولا يَظْهَرُ عَلى التَّخْصِيصِ وجْهُ العُدُولِ عَمّا ذُكِرَ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ والتَّعْبِيرُ بِنَشاءُ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ شِئْنا لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ،

21:10Page 322

لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٠

We have certainly sent down to you a Book [i.e., the Qur’ān] in which is your mention.1 Then will you not reason?

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي ذَكَرَ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إعْراضَ النّاسِ عَمّا يَأْتِيهِمْ مِن آياتِهِ واسْتِهْزاءَهم بِهِ واضْطِرابَهم في أمْرِهِ وبَيانُ عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ إثْرَ تَحْقِيقِ رِسالَتِهِ ﷺ بِبَيانِ أنَّهُ كَسائِرِ الرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ صَدَرَ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ إظْهارًا لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِهِ وإيذانًا بِكَوْنِ المُخاطَبِينَ في أقْصى مَراتِبِ النَّكِيرِ والخِطابُ لِقُرَيْشٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ العَرَبِ وتَنْوِينُ كِتابًا لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ أيْ كِتابًا عَظِيمَ الشَّأْنِ نَيِّرَ البُرْهانِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ مِن كَوْنِهِ جَلِيلَ القَدْرِ بِأنَّهُ جَمِيلُ الآثارِ مُسْتَجْلِبٌ لَهم مَنافِعَ جَلِيلَةً والمُرادُ بِالذِّكْرِ كَما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الصِّيتُ والشَّرَفُ مَجازٌ أيْ فِيهِ ما يُوجِبُ الشَّرَفَ لَكم لِأنَّهُ بِلِسانِكم ومُنَزَّلٌ عَلى نَبِيٍّ مِنكم تَتَشَرَّفُونَ بِشَرَفِهِ

صفحة 15

وتَشْتَهِرُونَ بِشُهْرَتِهِ لِأنَّكم حَمْلَتُهُ والمَرْجِعُ في حَلِّ مَعاقِدِهِ وجُعِلَ ذَلِكَ فِيهِ مُبالَغَةٌ في سَبَبِيَّتِهِ لَهُ، وعَنْ سُفْيانَ أنَّهُ مَكارِمُ الأخْلاقِ ومَحاسِنُ الأعْمالِ أيْ فِيهِ ما يَحْصُلُ بِهِ الذِّكْرُ أيِ الثَّناءُ الحَسَنُ وحُسْنُ الأُحْدُوثَةِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَحاسِنِ الأعْمالِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ فَهو مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا.

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أُمُورِ دِينِكم، وزادَ بَعْضٌ ودُنْياكم، وقِيلَ الذِّكْرُ بِمَعْنى التَّذْكِيرِ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى فِيهِ مَوْعِظَتُكم، ورُجِّحَ ذَلِكَ بِأنَّهُ الأنْسَبُ بِسِباقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إنْكارٌ تَوْبِيخِيٌّ فِيهِ بَعَثٌ لَهم عَلى التَّدَبُّرِ في أمْرِ الكِتابِ والتَّدَبُّرِ فِيما في تَضاعِيفِهِ مِن فُنُونِ المَواعِظِ والزَّواجِرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القَوارِعُ السّابِقَةُ واللّاحِقَةُ.

وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآياتِ أنَّ المَعْنى فِيهِ ذِكُرُ قَبائِحِكم ومَثالِبِكم وما عامَلْتُمْ بِهِ أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ التَّكْذِيبِ والعِنادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ في عَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ مُؤَدٍّ إلى التَّنَبُّهِ عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ أوْ لا تَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ،

21:11Page 323

وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ١١

And how many a city which was unjust1 have We shattered and produced after it another people.

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِإجْمالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ وتَنْبِيهٌ عَلى كَثْرَتِهِمْ فَكَمْ خَبَرِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِ ( قَصَمْنا ) و( مِن قَرْيَةٍ ) تَمْيِيزٌ، وفي لَفْظِ القَصْمِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الكَسْرِ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ وإذْهابِ التِئامِها بِالكُلِّيَّةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ الإتْيانُ بِالقافِ الشَّدِيدَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الغَضَبِ وشِدَّةِ السُّخْطِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتْ ظالِمَةً﴾ صِفَةُ ( قَرْيَةٍ ) وكانَ الأصْلُ عَلى ما قِيلَ أهْلَ قَرْيَةٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الضَّمِيرُ الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَوُصِفَ بِما هو مِن صِفاتِ المُضافِ أعْنِي الظُّلْمَ فَكَأنَّهُ قِيلَ وكَثِيرًا قَصَمْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا ظالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى كافِرِينَ بِها مِثْلَكم.

وفِي الكَشّافِ المُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها ولِذَلِكَ وُصِفَتْ بِالظُّلْمِ فَيَكُونُ التَّجَوُّرُ في الطَّرَفِ، وقالَ بَعْضُهم: لَكَ أنْ تَقُولَ وصْفُها بِذَلِكَ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ وقَوْلُهُ: ﴿قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ كِنايَةٌ عَنْ قَصَمَ أهْلَها لِلُزُومِ إهْلاكِها إهْلاكَهم فَلا مَجازَ ولا حَذْفَ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ قَرْيَةً مُعَيَّنَةً، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها حِضْوَرٌ قَرْيَةٌ بِاليَمَنِ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِهِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا مِن حِمْيَرٍ يُقالُ لَهُ شُعَيْبٌ فَوَثَبَ إلَيْهِ عَبْدٌ فَضَرَبَهُ بِعَصا فَسارَ إلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرُ فَقاتَلَهم فَقَتَلَهم حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنهم شَيْءٌ وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَمْ قَصَمْنا﴾ إلَخْ وفي البَحْرِ أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا بِحِضْوَرٍ وأنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَقَتَلُوهُ فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ كَما سَلَّطَهُ عَلى أهْلِ بَيْتِ المَقْدِسِ بَعَثَ إلَيْهِمْ جَيْشًا فَهَزَمُوهُ ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِمْ آخَرَ فَهَزَمُوهُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ فَهَزَمَهم وقَتَلَهم، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ كانَ اسْمُ هَذا النَّبِيِّ مُوسى بْنَ مِيشا، وعَنِ ابْنِ وهْبٍ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتَيْنِ بِاليَمَنِ إحْداهُما حِضْوَرٌ والأُخْرى قُلابَةٌ بَطَرَ أهْلُهُما فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِ بُخْتَنَصَّرَ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا يَأْباهُ ظاهِرُ الآيَةِ والقَوْلُ بِأنَّها مِن قَبِيلِ قَوْلِكَ كَمْ أخَذْتَ مِن دَراهِمِ زَيْدٍ عَلى أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِأخَذْتَ والتَّمْيِيزَ مَحْذُوفٌ أيْ كَمْ دِرْهَمٍ أخَذْتَ مِن دَراهِمِ زَيْدٍ، ويُقالُ هُنا إنَّها بِتَقْدِيرِ كَمْ ساكِنٍ قَصَمْنا مِن ساكِنِي قَرْيَةٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ إلّا بِالرَّدِّ عَلَيْهِ، فَلَعَلَّ ما في الرِّواياتِ مَحْمُولٌ

صفحة 16

عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، ومِثْلُ ذَلِكَ غَيْرُ قَلِيلٍ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها﴾ أيْ بَعْدَ إهْلاكِ أهْلِها لا بَعْدَ تِلْكَ الفِعْلَةِ كَما تُوِهِّمَ ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ أيْ لَيْسُوا مِنهم في شَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِئْصالِ الأوَّلِينَ وقَطْعِ دابِرِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِ حِكايَةِ إنْشاءِ هَؤُلاءِ عَلى حِكايَةِ مَبادِي إهْلاكِ أُولَئِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

21:12Page 323

فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ ١٢

And when they [i.e., its inhabitants] perceived Our punishment, at once they fled from it.

﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ فَضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْأهْلِ لا لِقَوْمٍ آخَرِينَ إذْ لا ذَنْبَ لَهم يَقْتَضِي ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكَلامُ، والإحْساسُ الإدْراكُ بِالحاسَّةِ أيْ فَلَمّا أدْرَكُوا بِحاسَّتِهِمْ عَذابَنا الشَّدِيدَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مِمّا يُدْرَكُ بِإحْدى الحَواسِّ الظّاهِرَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في البَأْسِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ ويَكُونَ الإحْساسُ تَخْيِيلًا وأنْ يَكُونَ الإحْساسُ مَجازًا عَنْ مُطْلَقِ الإدْراكِ أيْ فَلَمّا أدْرَكُوا ذَلِكَ ﴿إذا هم مِنها﴾ أيْ مِنَ القَرْيَةِ فَمِنَ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ مِنَ البَأْسِ والتَّأْنِيثُ لِأنَّهُ في مَعْنى النِّقْمَةِ والبَأْساءِ فَمِن تَعْلِيلِيَّةٌ وهي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرْكُضُونَ﴾ وإذا فُجائِيَّةٌ، والجُمْلَةُ جَوابُ لَمّا، ورَكَضَ مِن بابِ قَتَلَ بِمَعْنى ضَرَبَ الدّابَّةَ بِرِجْلِهِ وهو مُتَعَدٍّ، وقَدْ يُرادُ لازِمًا كَرَكَضَ الفَرَسُ بِمَعْنى جَرى كَما قالَهُ أبُو زَيْدٍ ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ، والرَّكْضُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الهَرَبِ أيْ فَإذا هم يَهْرُبُونَ مُسْرِعِينَ راكِضِينَ دَوابَّهم.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُشَبَّهِينَ بِمَن يَرْكُضُ الدَّوابَّ عَلى أنَّ هُناكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً ولا مانِعَ مِن حَمَلِ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى ما قِيلَ

21:13Page 323

لَا تَرۡكُضُواْ وَٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰ مَآ أُتۡرِفۡتُمۡ فِيهِ وَمَسَٰكِنِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡـَٔلُونَ ١٣

[Some angels said], "Do not flee but return to where you were given luxury and to your homes - perhaps you will be questioned."1

﴿لا تَرْكُضُوا﴾ أيْ قِيلَ لَهم ذَلِكَ، والقائِلُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَلائِكَةَ العَذابِ أوْ مَن كانَ ثَمَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ بِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ عَلى الرِّوايَةِ السّابِقَةِ أنْ يَكُونَ القائِلُ مِن جَيْشِ بُخْتَنَصَّرَ وأرادَ بِذَلِكَ خَدْعَهم والِاسْتِهْزاءَ بِهِمْ، وقِيلَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يُجْعَلُونَ خُلَقاءَ، بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُقَلْ عَلى مَعْنى أنَّهم بَلَغُوا في الرَّكْضِ والفِرارِ مِنَ العَذابِ بَعْدَ الإتْرافِ والتَّنْعِيمِ بِحَيْثُ مَن رَآهم قالَ لا تَرْكُضُوا ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ مِنَ النِّعَمِ والتَّلَذُّذِ والإتْرافُ إبْطارُ النِّعْمَةِ وفي ظَرْفِيَّةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُها سَبَبِيَّةً ﴿ومَساكِنِكُمْ﴾ الَّتِي كُنْتُمْ تَفْتَخِرُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ تَقْصِدُونَ لِلسُّؤالِ والتَّشاوُرِ والتَّدْبِيرِ في المُهِمّاتِ والنَّوازِلِ أوْ تَسْألُونَ عَمّا جَرى عَلَيْكم ونَزَلَ بِأمْوالِكم ومَنازِلِكم فَتُجِيبُوا السّائِلَ عَنْ عِلْمٍ ومُشاهَدَةٍ أوْ يَسْألُكم حَشَمُكم وعَبِيدُكم فَيَقُولُوا لَكم بِمَ تَأْمُرُونَ ماذا تَرْسُمُونَ وكَيْفَ نَأْتِي ونَذَرَ كَما كُنْتُمْ مِن قَبْلُ أوْ يَسْألُكُمُ الوافِدُونَ نَوالَكم إمّا لِأنَّهم كانُوا أسْخِياءَ يُنْفِقُونَ أمْوالَكم رِئاءَ النّاسِ وطَلَبَ الثَّناءِ أوْ كانُوا بُخَلاءَ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَهَكُّمًا إلى تَهَكُّمٍ، وقِيلَ عَلى الرِّوايَةِ المُتَقَدِّمَةِ المَعْنى لَعَلَّكم تَسْألُونَ صُلْحًا أوْ جِزْيَةً أوْ أمْرًا تَتَّفِقُونَ مَعَ المَلِكِ عَلَيْهِ، وقِيلَ المُرادُ بِمَساكِنِهِمُ النّارُ فَيَكُونُ المُرادُ بِارْجِعُوا إلى مَساكِنِكُمُ ادْخُلُوا النّارَ تَهَكُّمًا، والمُرادُ بِالسُّؤالِ السُّؤالُ عَنِ الأعْمالِ أوِ المُرادُ بِهِ العَذابُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ بِذِكْرِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبِّبِ أيِ ادْخُلُوا النّارَ كَيْ تُسْألُوا أوْ تُعَذَّبُوا عَلى ظُلْمِكم وتَكْذِيبِكم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى.

21:14Page 323

قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ١٤

They said, "O woe to us! Indeed, we were wrongdoers."

﴿قالُوا﴾ لَمّا يَئِسُوا مِنَ الخَلاصِ بِالهَرَبِ وأيْقَنُوا اسْتِيلاءَ العَذابِ ﴿يا ويْلَنا﴾ يا هَلاكَنا ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى مُسْتَوْجَبِينَ لِلْعَذابِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِالظُّلْمِ واسْتِتْباعُهُ لِلْعَذابِ ونَدَمٌ عَلَيْهِ حِينَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ، وقِيلَ عَلى الرِّوايَةِ السّالِفَةِ إنَّ هَذا النَّدَمَ والِاعْتِرافَ كانَ مِنهم حِينَ أخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ ونادى مُنادٍ

صفحة 17

مِنَ السَّماءِ يا لَثاراتِ الأنْبِياءِ

21:15Page 323

فَمَا زَالَت تِّلۡكَ دَعۡوَىٰهُمۡ حَتَّىٰ جَعَلۡنَٰهُمۡ حَصِيدًا خَٰمِدِينَ ١٥

And that declaration of theirs did not cease until We made them [as] a harvest [mowed down], extinguished [like a fire].

﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ أيْ فَما زالُوا يُرَدِّدُونَ تِلْكَ الكَلِمَةَ، وتَسْمِيَتُها دَعْوى بِمَعْنى الدَّعْوَةِ فَإنَّهُ يُقالُ دَعا دَعْوى ودَعْوَةً لِأنَّ المَوْلُولَ كَأنَّهُ يَدْعُو الوَيْلَ قائِلًا يا ويْلُ تَعالَ فَهَذا أوانُكَ.

وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ كَوْنَ ( تِلْكَ ) اسْمَ زالَ ( ودَعْواهم ) خَبَرَها والعَكْسُ، قالَ أبُو حَيّانَ: وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَبْلَهُمُ الزَّجّاجُ وأمّا أصْحابُنا المُتَأخِّرُونَ فَعَلى أنَّ اسْمَ كانَ وخَبَرَها مُشَبَّهٌ بِالفاعِلِ والمَفْعُولِ فَكَما لا يَجُوزُ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ إذا أوْقَعَ ذَلِكَ في اللَّبْسِ لِعَدَمِ ظُهُورِ الإعْرابِ لا يَجُوزُ في بابِ كانَ ولَمْ يُنازِعْ فِيهِ أحَدٌ إلّا أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ الحاجِّ مِن نُبَهاءِ تَلامِيذِ الشَّلُوبِينَ اهَـ.

وقالَ الفاضِلُ الخَفاجِيُّ: إنَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ الحاجِّ في كِتابِ المَدْخَلِ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ التِباسٌ وأنَّهُ مِن عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ الِالتِباسِ وهو أنْ يُفْهَمَ مِنهُ خِلافُ المُرادِ والإجْمالِ وهو أنْ لا يَتَعَيَّنَ فِيهِ أحَدُ الجانِبَيْنِ. ولِأجْلِ هَذا جَوَّزَهُ، وما ذَكَرَهُ مَحَلُّ كَلامٍ وتَدَبُّرٍ.

وفِي حَواشِيِّ الفاضِلِ البَهْلَوانِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ إنَّ هَذا في الفاعِلِ والمَفْعُولِ وفي المُبْتَدَأِ والخَبَرِ إذا انْتَفى الإعْرابُ، والقَرِينَةُ مُسَلَّمٌ مُصَرَّحٌ بِهِ، وأمّا في بابِ كانَ وأخَواتِها فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ اهَـ.

والظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ بابِ كانَ وغَيْرِها مِمّا ذُكِرَ وإنْ سُلِّمَ عَدَمُ التَّصْرِيحِ لِاشْتِراكِ ما ذَكَرُوهُ عِلَّةً لِلْمَنعِ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ إلى الِالتِباسِ أقْرَبُ مِنهُ إلى الإجْمالِ لا سِيَّما في الآيَةِ في رَأْيٍ فافْهَمْ ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ أيْ إلى أنْ جَعَلْناهم بِمَنزِلَةِ النَّباتِ المَحْصُودِ والنّارِ الخامِدَةِ في الهَلاكِ قالَهُ العَلّامَةُ الثّانِي في شَرْحِ المِفْتاحِ ثُمَّ قالَ في ذَلِكَ اسْتِعارَتانِ بِالكِنايَةِ بِلَفْظٍ واحِدٍ وهو ضَمِيرُ ﴿جَعَلْناهُمْ﴾ حَيْثُ شُبِّهَ بِالنَّباتِ وبِالنّارِ وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ وأُرِيدَ بِهِ المُشَبَّهُ بِهِما أعْنِي النَّباتَ والنّارَ ادِّعاءً بِقَرِينَةِ أنَّهُ نُسِبَ إلَيْهِ الحَصادُ الَّذِي هو مِن خَواصِّ النَّباتِ والخُمُودُ الَّذِي هو مِن خَواصِّ النّارِ، ولا يُجْعَلُ مِن بابِ التَّشْبِيهِ مِثْلِ هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ لِأنَّ جَمْعَ ( خامِدِينَ ) جَمْعَ العُقَلاءِ يُنافِي التَّشْبِيهَ إذْ لَيْسَ لَنا قَوْمٌ خامِدُونَ يُعْتَبَرُ تَشْبِيهَ أهْلِ القَرْيَةِ بِهِمْ إذِ الخُمُودُ مِن خَواصِّ النّارِ بِخِلافِ الصَّمَمِ مَثَلًا فَإنَّهُ يُجْعَلُ بِمَنزِلَةِ هم كَقَوْمٍ صُمٍّ وكَذا يُعْتَبَرُ ﴿حَصِيدًا﴾ بِمَعْنى مَحْصُودِينَ عَلى اسْتِواءِ الجَمْعِ والواحِدِ في فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ لِيُلائِمَ ﴿خامِدِينَ﴾ نَعَمْ يَجُوزُ تَشْبِيهُ هَلاكِ القَوْمِ بِقَطْعِ النَّباتِ وخُمُودِ النّارِ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً تَبَعِيَّةً في الوَصْفَيْنِ انْتَهى، وكَذا في شَرْحِ المِفْتاحِ لِلسَّيِّدِ السَّنَدِ بَيْدَ أنَّهُ جُوِّزَ أنْ يُجْعَلَ ﴿حَصِيدًا﴾ فَقَطْ مِن بابِ التَّشْبِيهِ بِناءً عَلى ما في الكَشّافِ أيْ جَعَلْناهم مِثْلَ الحَصِيدِ كَما تَقُولُ جَعَلْناهم رَمادًا أيْ مِثْلَ الرَّمادِ، وجَعْلَ غَيْرُ واحِدٍ إفْرادَ الحَصِيدِ لِهَذا التَّأْوِيلِ فَإنَّ مَثَلًا لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ وهو الخَبَرُ حَقِيقَةً في التَّشْبِيهِ البَلِيغِ ويَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ صِحَّةُ الرِّجالُ أسَدٌ وهو كَما تَرى، واعْتُرِضَ عَلى قَوْلِ الشّارِحَيْنِ: إذْ لَيْسَ لَنا إلَخْ بِأنَّ فِيهِ بَحْثًا مَعَ أنَّ مَدارَ ما ذَكَراهُ مِن كَوْنِ ( خامِدِينَ ) لا يَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ جَمْعُهُ جَمْعَ العُقَلاءِ المانِعُ مِن أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلنّارِ حَتّى لَوْ قِيلَ خامِدَةً كانَ تَشْبِيهًا، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ الشَّرِيفُ في حَواشِيهِ لَكِنَّهُ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ لِأنَّهُ لَمّا صَحَّ الحَمْلُ في التَّشْبِيهِ ادِّعاءً فَلِمَ لا يَصِحُّ جَمْعُهُ لِذَلِكَ ولَوْلاهُ لَما صَحَّتِ الِاسْتِعارَةُ أيْضًا وذَهَبَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ والفاضِلُ اليَمَنِيُّ إلى التَّشْبِيهِ في المَوْضِعَيْنِ فَفي الآيَةِ أرْبَعَةُ احْتِمالاتٍ فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذَلِكَ و( خامِدِينَ ) مَعَ حَصِيدًا في حَيِّزِ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْجَعْلِ كَجَعَلْتُهُ حُلْوًا حامِضًا، والمَعْنى جَعَلْناهم جامِعِينَ لِلْحَصادِ والخُمُودِ أوْ لِمُماثَلَةِ الحَصِيدِ والخامِدِ أوْ لِمُماثَلَةِ الحَصِيدِ والخُمُودِ أوْ جَعَلْناهم هالِكِينَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَلا يُرادُ أنَّ الجَعْلَ نَصَبَ ثَلاثَةَ مَفاعِيلَ

صفحة 18

هُنا وهو مِمّا يَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ أوْ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿جَعَلْناهُمْ﴾ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِ في ﴿حَصِيدًا﴾ أوْ هو صِفَةٌ لَحَصِيدًا وهو مُتَعَدِّدُ مَعْنًى، واعْتَرَضَ بَعْضُهم بِأنَّ كَوْنَهُ صِفَةً لَهُ مَعَ كَوْنِهِ تَشْبِيهًا أُرِيدَ بِهِ ما لا يَعْقِلُ يَأْباهُ كَوْنُهُ لِلْعُقَلاءِ.

21:16Page 323

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ١٦

And We did not create the heaven and earth and that between them in play.

﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ أيْ ما سَوَّيْنا هَذا السَّقْفَ المَرْفُوعَ وهَذا المِهادَ المَوْضُوعَ وما بَيْنَهُما مِن أصْنافِ الخَلائِقِ مَشْحُونَةً بِضُرُوبِ البَدائِعِ والعَجائِبِ كَما تُسَوِّي الجَبابِرَةُ سُقُوفَهم وفُرُشَهم وسائِرَ زَخارِفِهِمْ لِلَّهْوِ واللَّعِبِ وإنَّما سَوَّيْناها لِلْفَوائِدِ الدِّينِيَّةِ والحِكَمِ الرَّبّانِيَّةِ كَأنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلِاعْتِبارِ ودَلِيلًا لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ مَنافِعَ لا تُحْصى وحِكَمٍ لا تُسْتَقْصى، وحاصِلُهُ ما خَلَقْنا ذَلِكَ خالِيًا عَنِ الحِكَمِ والمَصالِحِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاللَّعِبِ وهو كَما قالَ الرّاغِبُ الفِعْلُ الَّذِي لا يُقْصَدُ بِهِ مَقْصِدٌ صَحِيحٌ لِبَيانِ كَمالِ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنِ الخَلْقِ الخالِي عَنِ الحِكْمَةِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما لا يَرْتابُ أحَدٌ في اسْتِحالَةِ صُدُورِهِ عَنْهُ سُبْحانَهُ، وهَذا الكَلامُ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى أنَّ تَكْوِينَ العالَمِ وإبْداعَ بَنِي آدَمَ مُؤَسَّسٌ عَلى قَواعِدِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْغاياتِ الجَلِيلَةِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما حُكِيَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِأهْلِ القُرى مِن مُقْتَضَياتِ تِلْكَ الحِكَمِ ومُتَفَرِّعاتِها حَسَبَ اقْتِضاءِ أعْمالِهِمْ إيّاهُ مَعَ التَّخَلُّصِ إلى وعِيدِ المُخاطَبِينَ، وفي الكَشْفِ أنَّ الآياتِ لِإثْباتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ ونَفْيِ تِلْكَ المَطاعِنِ السّابِقَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ الإمامُ وهو الحَقُّ لِأنَّهُ قَدْ تُكَرَّرَ في الكِتابِ العَزِيزِ أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العِبادَةُ والمَعْرِفَةُ وجَزاءُ مَن قامَ بِهِما ومَن لَمْ يَقُمْ ولَنْ يَتِمَّ ذَلِكَ إلّا بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَمُنْكِرُ الرِّسالَةِ جاعِلُ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ لَعِبًا تَعالى خالِقُهُما وخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ وعَنْ كُلِّ نَقْصٍ عُلُوًّا كَبِيرًا، ومُنْكِرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ جَعَلَ إظْهارَ المُعْجِزَةِ عَلى يَدَيْهِ مِن بابِ العَبَثِ واللَّعِبِ فَفِيهِ إثْباتُ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفَسادُ تِلْكَ المَطاعِنِ كُلِّها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском