Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:95–99
21:95Page 330
وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٩٥
And it is prohibited to [the people of] a city which We have destroyed that they will [ever] return1
﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ﴾ أيْ عَلى أهْلِ قَرْيَةٍ. فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوِ القَرْيَةُ مَجازٌ عَنْ أهْلِها. والحَرامُ مُسْتَعارٌ لِلْمُمْتَنِعِ وجُودُهُ بِجامِعِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ مَرْجُوِّ الحُصُولِ، وقالَ الرّاغِبُ: الحَرامُ المَمْنُوعُ مِنهُ إمّا بِتَسْخِيرٍ إلَهِيٍّ وإمّا بِمَنعٍ قَهْرِيٍّ وإمّا بِمَنعٍ مِن جِهَةِ العَقْلِ أوْ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ أوْ مِن جِهَةِ مَن يَرْتَسِمُ أمْرُهُ، وذُكِرَ أنَّهُ قَدْ حُمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّحْرِيمِ بِالتَّسْخِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ [القَصَصَ: 12] وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍ و في رِوايَةٍ (وحِرْمٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ اهَـ.
صفحة 91
وقَرَأ قَتادَةُ ومَطَرُ الوَرّاقُ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍ و بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ (وحُرِمٌ ) الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ والتَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ أيْضًا وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ أيْضًا بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ بِخِلافٍ عَنْهُما وأبُو العالِيَةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِضَمِّ الرّاءِ وفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ أيْضًا، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ الحاءِ والرّاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ أيْضًا.
وقَرَأ اليَمانِيُّ ( وحُرِّمَ ) بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ مُشَدَّدَةً وفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
﴿أهْلَكْناها﴾ أيْ قَدَّرْنا هَلاكَها أوْ حَكَمْنا بِهِ في الأزَلِ لِغايَةِ طُغْيانِهِمْ وعُتُوِّهِمْ فِيما لا يَزالُ.
وقَرَأ السِّلْمِيُّ وقَتادَةُ (أهْلَكْتُها ) بِتاءِ المُتَكَلِّمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ في تَأْوِيلِ اسْمٍ مَرْفُوعٍ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ (حَرامٌ ) قالَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ: ويَجِبُ حِينَئِذٍ تَقْدِيمُهُ لِما تَقَرَّرَ في النَّحْوِ مِن أنَّ الخَبَرَ عَنْ أنْ يَجِبَ تَقْدِيمُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (حَرامٌ ) مُبْتَدَأً و(أنَّهم ) فاعِلٌ لَهُ سَدَّ مَسَدَّ خَبَرِهِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلى نَفْيٍ أوِ اسْتِفْهامٍ بِناءً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ فَإنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في ذَلِكَ الِاعْتِمادُ خِلافًا لِلْجُمْهُورِ كَما هو المَشْهُورُ.
وذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ رَفْعَ الوَصْفِ الواقِعِ مُبْتَدَأً لِمُكْتَفًى بِهِ عَنِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ اعْتِمادٍ جائِزٌ بِلا خِلافٍ وإنَّما الخِلافُ في الِاسْتِحْسانِ وعَدَمِهِ فَسِيبَوَيْهِ يَقُولُ: هو لَيْسَ بِحَسَنٍ والأخْفَشُ يَقُولُ: هو حَسَنٌ وكَذا الكُوفِيُّونَ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ والجُمْلَةُ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ وما في أنَّ مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ مُعْتَبَرٌ في النَّفْيِ المُسْتَفادِ في ( حَرامٌ ) لا في المَنفِيِّ أيْ مُمْتَنِعٌ البَتَّةَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا لِلْجَزاءِ لا أنَّ عَدَمَ رُجُوعِهِمُ المُحَقَّقِ مُمْتَنِعٌ، وتَخْصِيصُ امْتِناعِ عَدَمِ رُجُوعِهِمْ بِالذِّكْرِ مَعَ شُمُولِ الِامْتِناعِ لِعَدَمِ رُجُوعِ الكُلِّ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ والرُّجُوعِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وهَذا المَعْنى مَحْكِيٌّ عَنْ أبِي مُسْلِمِ بْنِ بَحْرٍ، ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنْهُ لَكِنَّهُ قالَ: إنَّ الغَرَضَ مِنَ الجُمْلَةِ عَلى ذَلِكَ إبْطالُ قَوْلِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، وتَحْقِيقُ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ لا كُفْرانَ لِسَعْيِ أحَدٍ وأنَّهُ يُجْزى عَلى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وقالَ أبُو عُتْبَةَ: المَعْنى ومُمْتَنِعٌ عَلى قَرْيَةٍ قَدَّرْنا هَلاكَها أوْ حَكَمْنا بِهِ رُجُوعُهم إلَيْنا أيْ تَوْبَتُهم عَلى أنَّ (لا ) سَيْفٌ خَطِيبٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ [الأعْرافَ: 12] في قَوْلٍ، وقِيلَ ﴿حَرامٌ﴾ بِمَعْنى واجِبٌ كَما في قَوْلِ الخَنْساءِ:
وإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوَةٍ إلّا بَكَيْتُ عَلى صَخْرٍ
ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا﴾ [الأنْعامَ: 151] إلَخْ فَإنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ واجِبٌ، وعَلى هَذا قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ لا يَتُوبُونَ عَنِ الشِّرْكِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: لا يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا، والظّاهِرُ عَلى هَذا أنَّ المُرادَ بِأهْلَكْناها أوْجَدْنا إهْلاكَها بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِالهَلاكِ الهَلاكُ الحِسِّيُّ، ويَجُوزُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ عَدَمُ التَّوْبَةِ أنْ يُرادَ بِهِ الهَلاكُ المَعْنَوِيُّ بِالكُفْرِ والمَعاصِي. وقُرِئَ (إنَّهم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِما قَبْلَها فَحَرامٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ حَرامٌ عَلَيْها ذَلِكَ وهو ما ذُكِرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ المَشْفُوعِ بِالإيمانِ والسَّعْيِ المَشْكُورِ ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ عَماهم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ فَكَيْفَ لا يُمْتَنَعُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالفَتْحِ عَلى هَذا المَعْنى بِحَذْفِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ أيْ لِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ. والزَّجّاجُ قَدَّرَ المُبْتَدَأ في ذَلِكَ أنْ يُتَقَبَّلَ عَمَلُهم فَقالَ: المَعْنى وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ حَكَمْنا بِهَلاكِها أنْ يُتَقَبَّلَ عَمَلُهم لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ
صفحة 92
ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلُ: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ حَيْثُ إنَّ المُرادَ مِنهُ يُتَقَبَّلُ عَمَلُهُ
21:96Page 330
حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتۡ يَأۡجُوجُ وَمَأۡجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٖ يَنسِلُونَ ٩٦
Until when [the dam of] Gog and Magog has been opened and they, from every elevation, descend
و ( حَتّى ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ والكَلامُ بَعْدَها غايَةٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: يَسْتَمِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الهَلاكِ حَتّى إذا قامَتِ القِيامَةُ يَرْجِعُونَ إلَيْنا ويَقُولُونَ يا ويْلَنا إلَخْ أوْ غايَةٌ لِلْحُرْمَةِ أيْ يَسْتَمِرُّ امْتِناعُ رُجُوعِهِمْ إلى التَّوْبَةِ حَتّى إذا قامَتِ القِيامَةُ يَرْجِعُونَ إلَيْها وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الرُّجُوعُ أوْ غايَةٌ لِعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنِ الكُفْرِ أيْ لا يَرْجِعُونَ عَنْهُ حَتّى إذا قامَتِ القِيامَةُ يَرْجِعُونَ عَنْهُ وهو حِينَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ، وهَذا بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأقْوالِ في مَعْنى الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ والتَّوْزِيعُ غَيْرُ خَفِيٍّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ حَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( تَقَطَّعُوا ) إلَخْ قالَ أبُو حَيّانَ: وفِيهِ بُعْدٌ مِن كَثْرَةِ الفَصْلِ لَكِنَّهُ مِن جِهَةِ المَعْنى جَيِّدٌ، وحاصِلُهُ أنَّهم لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ غَيْرَ مُجْتَمِعِينَ عَلى دِينِ الحَقِّ إلى قُرْبِ مَجِيءِ السّاعَةِ فَإذا جاءَتِ السّاعَةُ انْقَطَعَ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ وعَلِمَ الجَمِيعُ أنَّ مَوْلاهُمُ الحَقَّ وأنَّ الدِّينَ المُنَجِّيَ كانَ دِينَ التَّوْحِيدِ، ونِسْبَةُ الفَتْحِ إلى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مَجازٌ وهي حَقِيقَةٌ إلى السَّدِّ أوِ الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ وهو السَّدُّ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( فَتَّحَتْ ) بِالتَّشْدِيدِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ﴿وهُمْ﴾ أيْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، وقِيلَ النّاسُ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿مِن كُلِّ حَدَبٍ﴾ أيْ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ كَجَبَلٍ وأكْمَةَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (جَدَثٍ ) بِالجِيمِ والثّاءِ المُثَلَّثَةِ وهو القَبْرُ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى النّاسِ، وقُرِئَ بِالجِيمِ والفاءِ وهي بَدَلُ الثّاءِ عِنْدَ تَمِيمٍ ولا يَخْتَصُّ إبْدالُها عِنْدَهم في آخِرِ الكَلِمَةِ فَإنَّهم يَقُولُونَ مَغْثُورٌ مَكانَ مَغْفُورٌ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ، وأصْلُ النَّسَلانِ بِفَتْحَتَيْنِ مُقارَبَةُ الخَطْوِ مَعَ الإسْراعِ، وقِيلَ ويَخْتَصُّ وضْعًا بِالذِّئابِ وعَلَيْهِ يَكُونُ مَجازًا هُنا. وقَرَأ ابْنُ إسْحاقَ وأبُو السِّمالِ بِضَمِّ السِّينِ
21:97Page 330
وَٱقۡتَرَبَ ٱلۡوَعۡدُ ٱلۡحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَٰخِصَةٌ أَبۡصَٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَٰوَيۡلَنَا قَدۡ كُنَّا فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا بَلۡ كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٩٧
And [when] the true promise [i.e., the resurrection] has approached; then suddenly the eyes of those who disbelieved will be staring [in horror, while they say], "O woe to us; we had been unmindful of this; rather, we were wrongdoers."
﴿واقْتَرَبَ﴾ أيْ قَرُبَ، وقِيلَ هو أبْلَغُ في القُرْبِ مِن قَرُبَ ﴿الوَعْدُ الحَقُّ﴾ وهو ما بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ لا النَّفْخَةِ الأُولى، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ﴾ ثُمَّ إنَّ هَذا الفَتْحَ في زَمَنِ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ وبَعْدَ قَتْلِهِ الدَّجّالَ عِنْدَ بابِ لَدِّ الشَّرْقِيِّ، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهَ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يُوحِي إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ يَقْتُلَ الدَّجّالَ أنِّي قَدْ أخْرَجْتُ عِبادًا مِن عِبادِي لا يُدانُ لَكَ بِقِتالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبادِيَ إلى الطَّوْرِ فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وهم كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فَيَرْغَبُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ نَغْفًا في رِقابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ مَوْتًى كَمَوْتِ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَيَهْبِطُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُهُ فَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا كَأعْناقِ البَخْتِ فَتَحْمِلُهم فَتَطْرَحُهم حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى ويُرْسِلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَطَرًا لا يَكُنْ مِنهُ نَبْتُ مَدَرٍ ولا وبَرٍ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَيَغْسِلُ الأرْضَ حَتّى يَتْرُكَها زُلْفَةً ويُقالُ لِلْأرْضِ انْبُتِي ثَمَرَتَكِ فَيَوْمَئِذٍ يَأْكُلُ النَّفَرُ مِنَ الرِّمايَةِ ويَسْتَظِلُّونَ بِقَحْفِها ويُبارَكُ في الرُّسُلِ حَتّى إنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإبِلِ لَتَكْفِي الفِئامَ مِنَ النّاسِ واللِّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ تَكْفِي الفَخْذَ والشّاةَ مِنَ الغَنَمِ تَكْفِي البَيْتَ فَبَيْنَما هم عَلى ذَلِكَ إذْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى رِيحًا طَيِّبَةً تَحْتَ آباطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُسْلِمٍ ويَبْقى شِرارُ النّاسِ يَتَهارَجُونَ تَهارُجَ الحُمُرِ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ السّاعَةُ»» وجاءَ مِن حَدِيثٍ رَواهُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ ««إنَّ السّاعَةَ بَعْدَ أنْ يَهْلِكَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ كالحامِلِ المُتِمِّ لا يَدْرِي أهْلُها حَتّى تَفْجَأُهم بِوِلادِها لَيْلًا أوْ نَهارًا»» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ
صفحة 93
النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لَوْ نَتَجَتْ فَرَسٌ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ ما رُكِبَ فَلُوُّها حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ»» وهَذا مُبالَغَةٌ في القُرْبِ كالخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ.
﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، وإذا لِلْمُفاجَأةِ وهي تَسُدُّ مَسَدَّ الفاءِ الجَزائِيَّةِ في الرَّبْطِ ولَيْسَتْ عِوَضًا عَنْها فَمَتى كانْتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الواقِعَةُ جَزاءً مُقْتَرِنَةً بِها لَمْ تَحْتَجْ إلى الفاءِ نَحْوُ ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الرُّومَ: 36] وإذا جِيءَ بِهِما مَعًا كَما هُنا يَتَقَوّى الرَّبْطُ، والضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ والشَّأْنِ وهو مُبْتَدَأٌ و( شاخِصَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و( أبْصارُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الضَّمِيرِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( شاخِصَةٌ ) الخَبَرَ و(أبْصارُ ) مَرْفُوعًا بِهِ لِأنَّ خَبَرَ الضَّمِيرِ الشَّأْنِ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً مُصَرَّحًا بِجُزْأيْها، وأجازَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ كَوْنَهُ مُفْرَدًا فَيَجُوزُ ما ذُكِرَ عِنْدَهُ.
وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ ( هي ) ضَمِيرُ الأبْصارِ فَهو ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما في حَيِّزِ خَبَرِهِ وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً في مِثْلِ ذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَ ابْنِ مالِكٍ. وغَيْرِهِ كَما في ضَمِيرِ الشَّأْنِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: هو الجِدُّ حَتّى تَفْضُلَ العَيْنُ أُخْتَها بَلْ نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ مَتى دَلَّ الكَلامُ عَلى المَرْجِعِ وذُكِرَ بَعْدَهُ ما يُفَسِّرُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في حَيِّزِ خَبَرِهِ لا يَضُرُّ تَقَدُّمُهُ، وأنْشَدَ قَوْلَهُ:
فَلا وأبِيها لا تَقُولُ خَلِيلَتِي ألا فَرَّ عَنِّي مالِكُ بْنُ أبِي كَعْبٍ
ونُقِلَ عَنْهُ أيْضًا أنَّ ( هي ) ضَمِيرُ فَصْلٍ وعِمادٍ يَصْلُحُ مَوْضِعَهُ هو وأنْشَدَ قَوْلَهُ:
بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودِرْهَمٍ ∗∗∗ فَهَلْ هو مَرْفُوعٌ بِما ها هُنا رَأْسُ
وهَذا لا يَتَمَشّى إلّا عَلى أحَدِ قَوْلَيِ الكِسائِيِّ مِن إجازَتِهِ تَقْدِيمَ الفَصْلِ مَعَ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ وقَوْلِ مَن أجازَ كَوْنَهُ قَبْلَ خَبَرِ نَكِرَةٍ، وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيْ فَإذا هي أيِ السّاعَةُ حاصِلَةٌ أوْ بارِزَةٌ أوْ واقِعَةٌ ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ ﴿شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهو وجْهٌ مُتَكَلَّفٌ مُتَنافِرُ التَّرْكِيبِ، وقِيلَ: جَوابُ الشَّرْطِ ( اقْتَرَبَ ) والواوُ سَيْفُ خَطِيبٍ. ونُقِلَ ذَلِكَ في مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ الفَرّاءِ. ونُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ البَصْرِيِّينَ لا يُجَوِّزُونَ زِيادَةَ الواوِ وأنَّ الجَوابَ عِنْدَهم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا ويْلَنا﴾ أيِ القَوْلُ المُقَدَّرُ قَبْلَهُ فَإنَّهُ بِتَقْدِيرِ قالُوا يا ويْلَنا، ومَن جَعَلَ الجَوابَ ما تَقَدَّمَ قَدَّرَ القَوْلَ ها هُنا أيْضًا وجَعَلَهُ حالًا مِنَ المَوْصُولِ يَقُولُونَ أوْ قائِلِينَ (يا ويْلَنا ) وجُوِّزَ كَوْنُ جُمْلَةِ يَقُولُونَ يا ويْلَنا اسْتِئْنافًا، وشُخُوصُ الأبْصارِ رَفْعُ أجْفانِها إلى فَوْقٍ مِن دُونَ أنْ تَطْرِفَ وذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، وأرادُوا مِن نِداءِ الوَيْلِ التَّحَسُّرَ وكَأنَّهم قالُوا: يا ولِيَّنا تَعالَ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ ﴿قَدْ كُنّا﴾ في الدُّنْيا ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ تامَّةٍ ( مِن ) هَذا الَّذِي دَهَمَنا مِنَ البَعْثِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْجَزاءِ، وقِيلَ: مِن هَذا اليَوْمِ ولَمْ نَعْلَمْ أنَّهُ حَقٌّ ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ إضْرابٌ عَنْ وصْفِ أنْفُسِهِمْ بِالغَفْلَةِ أيْ لَمْ نَكُنْ في غَفْلَةٍ مِنهُ حَيْثُ نَبَّهَنا عَلَيْهِ بِالآياتِ والنُّذُرِ بَلْ كُنّا ظالِمِينَ بِتَرْكِ الآياتِ والنُّذُرِ مُكَذِّبِينَ بِها أوْ ظالِمِينَ لِأنْفُسِنا بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ بِالتَّكْذِيبِ.
21:98Page 330
إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ ٩٨
Indeed, you [disbelievers] and what you worship other than Allāh are the firewood of Hell. You will be coming to [enter] it.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ خِطابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ وتَصْرِيحٌ بِمَآلِ أمْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ مُبالَغَةً في الإنْذارِ وإزاحَةِ الأعْذارِ، فَما عِبارَةُ عَنْ أصْنامِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِما عَلى بابِهِ لِأنَّها عَلى المَشْهُورِ لِما لا يَعْقِلُ فَلا يَرِدُ أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ
صفحة 94
عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ الحُكْمَ لا يَشْمَلُهم وشاعَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزِّبْعَرِيِّ القُرَشِيَّ اعْتَرَضَ بِذَلِكَ قَبْلَ إسْلامِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا غُلامُ ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ لِأنِّي قُلْتُ ( وما تَعْبُدُونَ ) وما لِما لَمْ يَعْقِلْ ولَمْ أقُلْ ومَن تَعْبُدُونَ»» .
وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ بِأنَّهُ أشْهَرُ عَلى ألْسِنَةِ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ العَجَمِ وفي كُتُبِهِمْ وهو لا أصْلَ لَهُ ولَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ مُسْنَدًا ولا غَيْرَ مُسْنَدٍ والوَضْعُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ والعَجَبُ مِمَّنْ نَقَلَهُ مِنَ المُحَدِّثِينَ انْتَهى، ويُشَكَّلُ عَلى ما قُلْنا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ إلَخْ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ وقالُوا: أتَشْتُمُ آلِهَتَنا فَقالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: أنا أخْصِمُ لَكم مُحَمَّدًا ادْعُوهُ لِي فَدُعِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ هَذا شَيْءٌ لِآلِهَتِنا خاصَّةً أمْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَ: بَلْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: خُصِمْتَ ورَبِّ هَذِهِ البِنْيَةِ» . يَعْنِي الكَعْبَةَ. ألَسْتَ تَزْعُمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ عِيسى عَبْدٌ صالِحٌ وأنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صالِحٌ وأنَّ المَلائِكَةَ صالِحُونَ ؟ قالَ: بَلى قالَ: فَهَذِهِ النَّصارى تَعْبُدُ عِيسى وهَذِهِ اليَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا وهَذِهِ بَنُو مَلِيحٍ تَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَضَجَّ أهْلُ مَكَّةَ وفَرِحُوا فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ إلَخْ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزُّخْرُفَ: 57] إلَخْ، وجاءَ في رِواياتٍ أُخَرَ ما يُعَضِّدُهُ فَإنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ أنَّ ما هُنا شامِلٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ. وأُجِيبَ بِأنَّ الشُّمُولَ لِلْعُقَلاءِ الَّذِي ادَّعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كانَ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ بِجامِعِ الشَّرِكَةِ في المَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَلَمّا أشارَ ﷺ إلى عُمُومِ الآيَةِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ اعْتَرَضَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ بِما اعْتَرَضَ وتَوَهَّمَ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ الغَرَضَ فَتَوَلّى اللَّهُ تَعالى الجَوابَ بِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةَ، وحاصِلُهُ تَخْصِيصُ العُمُومِ المَفْهُومِ مِن دَلالَةِ النَّصِّ بِما سِوى الصُّلَحاءِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى فَيَبْقى الشَّياطِينُ الَّذِينَ عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ داخِلِينَ في الحُكْمِ بِحُكْمِ دَلالَةِ النَّصِّ فَيُفِيدُ النَّصُّ بَعْدَ هَذا التَّخْصِيصَ عِبارَةَ ودَلالَةَ حُكْمِ الأصْنامِ والشَّياطِينِ ويَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ ما تَعُمُّ العُقَلاءَ وغَيْرَهم وهو مَذْهَبُ جُمْهُورِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي في التَّلْوِيحِ ودَلِيلُ ذَلِكَ النَّصُّ والإطْلاقُ والمَعْنى، أمّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [اللَّيْلَ: 3] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشَّمْسَ: 5] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافِرُونَ: 3] وأمّا الإطْلاقُ فَمِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ أنَّ ما قَدْ تُطْلَقُ بِمَعْنى الَّذِي بِاتِّفاقِ أهْلِ اللُّغَةِ والَّذِي يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى مَن يَعْقِلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمُ الَّذِي جاءَ زَيْدٌ فَما كَذَلِكَ، الثّانِي أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ ما في دارِي مِنَ العَبِيدِ أحْرارٌ، وأمّا المَعْنى فَمِن وجْهَيْنِ أيْضًا، الأوَّلُ أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَما جاءَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ اعْتَرَضُوا بِعِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وهم مِن فُصَحاءِ العَرَبِ فَلَوْ لَمْ يَفْهَمُوا العُمُومَ لَما اعْتَرَضُوا، الثّانِي أنَّ ما لَوْ كانَتْ مُخْتَصَّةً بِغَيْرِ العالِمِ لَما احْتِيجَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن دُونِ اللَّهِ ) وحَيْثُ كانَتْ بِعُمُومِها مُتَناوِلَةً لَهُ عَزَّ وجَلَّ احْتِيجَ إلى التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ( مِن دُونِ اللَّهِ ) وحِينَئِذٍ تَكُونُ الآيَةُ شامِلَةً عِبادَةً لِأُولَئِكَ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَكُونُ الجَوابُ الَّذِي تَوَلّاهُ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ جَوابًا بِالتَّخْصِيصِ، وفي ذَلِكَ حُجَّةٌ لِلشّافِعِيِّ في قَوْلِهِ بِجَوازِ تَخْصِيصِ العامِّ بِكَلامٍ مُسْتَقِلٍّ مُتَراخٍ خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وأُجِيبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ النُّصُوصِ والإطْلاقاتِ فَغايَتُهُ جَوازُ إطْلاقِ ما عَلى مَن يَعْلَمُ لا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ
صفحة 95
أنْ تَكُونَ ظاهِرَةً فِيهِ أوْ فِيما يَعُمُّهُ بَلْ هي ظاهِرَةٌ في غَيْرِ العالِمِ لا سِيَّما هُنا لِأنَّ الخِطابَ مَعَ عَبَدَةِ الأصْنامِ وإذا كانَتْ ظاهِرَةً فِيما لا يَعْقِلُ وجَبَ تَنْزِيلُها عَلَيْهِ، وما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ في المَعْنى فَلَيْسَ بِنَصٍّ في أنَّ المُعْتَرِضِينَ إنَّما اعْتَرَضُوا لِفَهْمِهِمُ العُمُومَ مِن ما وضْعًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِفَهْمِهِمْ إيّاهُ مِن دَلالَةِ النَّصِّ كَما مَرَّ، وما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ الثّانِي مِن عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن دُونِ اللَّهِ ) فَإنَّما يَصِحُّ أنْ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ، وفائِدَتُهُ مَعَ التَّأْكِيدِ تَقْبِيحُ ما كانُوا عَلَيْهِ، وإنْ سَلَّمْنا أنَّ ما حَقِيقَةٌ فِيمَن يَعْقِلُ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ بَيانَ التَّخْصِيصِ لَمْ يَكُنْ مُقارِنًا لِلْآيَةِ فَإنَّ دَلِيلَ العَقْلِ صالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ خِلافًا لِطائِفَةٍ شاذَّةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، والعَقْلُ قَدْ دَلَّ عَلى امْتِناعِ تَعْذِيبٍ أحَدٍ بِجُرْمٍ صادِرٍ مِن غَيْرِهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ راضِيًا بِجُرْمِ ذَلِكَ الغَيْرِ، وأحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ رِضا المَسِيحِ وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعِبادَةِ مَن عَبَدَهم وما مِثْلُ هَذا الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ فَلا نُسَلِّمُ عَدَمَ مُقارَنَتِهِ لِلْآيَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةَ فَإنَّما ورَدَ تَأْكِيدًا بِضَمِّ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْ أصْلِهِ أمّا أنْ يَكُونَ هو المُسْتَقِلُّ بِالبَيانِ فَلا، وعَدَمُ تَعَرُّضِهِ ﷺ لِلدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لَمْ يَكُنْ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَلْ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا رَآهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ وأعْرَضُوا عَنْهُ فاعْتَرَضُوا بِما اعْتَرَضُوا مَعَ ظُهُورِهِ انْتَظَرَ ما يُقَوِّيهِ مِنَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ أوْ لِأنَّ الوَحْيَ سَبَقَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتِ الآيَةُ قَبْلَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهم تَعَنَّتُوا بِنَوْعٍ مِنَ المَجازِ فَنَزَلَ ما يَدْفَعُهُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا خَبَرٌ لا تَكْلِيفَ فِيهِ والِاخْتِلافُ في جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ مَخْصُوصٌ بِما فِيهِ تَكْلِيفٌ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ الكَمالِ: لا خِلافَ بَيْنَنا وبَيْنَ الشّافِعِيِّ في قَصْرِ العامِّ عَلى بَعْضِ ما يَتَناوَلُهُ بِكَلامٍ مُسْتَقِلٍّ مُتَراخٍ إنَّما الخِلافُ في أنَّهُ تَخْصِيصٌ حَتّى يَصِيرَ العامُّ بِهِ ظَنِّيًّا في الباقِي أوْ نُسِخَ حَتّى يَبْقى عَلى ما كانَ فَلا وجْهَ لِلِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الثّابِتَ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ التَّمامِ قَصْرُ العامِّ بِالمُتَراخِي والخِلافُ فِيما وراءَهُ والدَّلِيلُ قاصِرٌ عَنْ بَيانِهِ ولا لِلْجَوابِ بِأنَّ تَعْبُدُونَ لا يَتَناوَلُ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا لِأنَّ ما لِغَيْرِ العُقَلاءِ لِما أنَّهُ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ بَلْ لِأنَّهم ما عُبِدُوا حَقِيقَةً عَلى ما أفْصَحَ عَنْهُ ﷺ حِينَ قالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: ألَيْسَ اليَهُودُ عَبَدُوا عُزَيْرًا والنَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وبَنُو مَلِيحٍ عَبَدُوا المَلائِكَةَ بِقَوْلِهِ ﷺ: بَلْ هم عَبَدُوا الشَّياطِينَ الَّتِي أمَرَتْهم بِذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ الآيَةَ لِدَفْعِ ذَهابِ الوَهْمِ إلى التَّناوُلِ لَهم نَظَرًا إلى الظّاهِرِ.
وجَوابُهُ ﷺ بِذَلِكَ مِمّا رَواهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وفِيهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ الآيَةَ، وعَلى وفْقِ هَذا ورَدَ جَوابُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سَبَأ: 4، 41] والجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوايَةِ والرِّوايَةِ السّابِقَةِ أنَّهُ ﷺ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ لِابْنِ الزِّبْعَرِيِّ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ وقالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: ألَيْسَ اليَهُودُ إلَخْ ذَكَرَ عَدَمَ تَناوُلِها المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يُشارِكُوا الأصْنامَ في المَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ أمْرِهِمْ ولا رِضاهم بِما كانَ الكَفَرَةُ يَفْعَلُونَ، ولَعَلَّ فِيهِ رَمْزًا خَفِيًّا إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَلى عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ تَأْكِيدًا لِعَدَمِ التَّناوُلِ، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ إنْ صَحَّتْ تَقْتَضِي أنْ لا تَكُونَ الأصْنامُ مَعْبُودَةً أيْضًا لِأنَّها لَمْ تَأْمُرْهم بِالعِبادَةِ فَلا تَكُونُ ما مُطْلَقَةً عَلَيْها بَلْ عَلى الشَّياطِينِ بِناءً عَلى أنَّها هي الآمِرَةُ الرّاضِيَةُ بِذَلِكَ فَهي مَعْبُوداتُهم، ولِذا قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ [مَرْيَمَ: 44] مَعَ أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ ظاهِرًا.
صفحة 96
ووَجْهُ إطْلاقِها عَلَيْها بِناءً عَلى أنَّها لَيْسَتْ لِذَوِي العُقُولِ أنَّها أُجْرِيَتْ مُجْرى الجَماداتِ لِكُفْرِها، وفي قَوْلِهِ ﷺ الَّتِي أمَرَتْهم دُونَ الَّذِينَ أمَرُوهم إشارَةٌ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ في عَدَمِ تَناوُلِ الآيَةِ الأصْنامَ هُنا مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لَمْ تَثْبُتْ، ولِمَوْلانا أبِي السُّعُودِ كَلامٌ مَبْناهُ خَبَرُ أنَّهُ ﷺ رَدَّ عَلى ابْنِ الزِّبَعْرَيِّ بِقَوْلِهِ ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ إلَخْ، وقَدْ عَلِمْتَ ما قالَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِيهِ وهو وأمْثالُهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِمْ في أمْثالِ ذَلِكَ فَلا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِذِكْرِهِ في أحْكامِ الآمِدِيِّ وشَرْحِ المَواقِفِ وفُصُولِ البَدائِعِ لِلْفَنارَيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً فَماءٌ ولا كَصِداءٍ ومَرْعًى ولا كالسَّعْدانِ. وأُورِدَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ العُمُومَ بِدَلالَةِ النَّصِّ والتَّخْصِيصَ بِما نَزَلَ بَعْدَ حَدِيثِ الخِلافِ في التَّخْصِيصِ بِالمُسْتَقِلِّ المُتَراخِي ويُعْلَمُ الجَوابُ عَنْهُ مِمّا تَقَدَّمَ، وقِيلَ هُنا زِيادَةً عَلى ذَلِكَ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن تَخْصِيصِ العامِ المُخْتَلَفِ فِيهِ لِأنَّ العامَ هُناكَ هو اللَّفْظُ الواحِدُ الدّالُّ عَلى مُسَمَّيَيْنِ فَصاعِدًا مُطْلَقًا مَعًا وهو ظاهِرٌ فِيما فِيهِ الدَّلالَةُ عِبارَةً والعُمُومُ هُنا إنَّما فُهِمَ مِن دَلالَةِ النَّصِّ، ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ المانِعَ مِنَ التَّأْخِيرِ ظاهِرٌ في عَدَمِ الفَرْقِ فَتَدَبَّرْ فالمَقامُ حَرِيٌّ بِهِ، والحَصَبُ ما يُرْمى بِهِ وتُهَيَّجُ بِهِ النّارُ مِن حَصَبَهُ إذا رَماهُ بِالحَصْباءِ وهي صِغارُ الحِجارَةِ فَهو خاصٌّ وضْعًا عامٌّ اسْتِعْمالًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الحَطَبُ بِالزِّنْجِيَّةِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وأُبَيُّ وعائِشَةُ وابْنُ الزُّبَيْرِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم (حَطَبُ ) بِالطّاءِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي السَّمَيْقَعِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ومَحْبُوبٌ وأبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ بَشِيرٍ (حَصْبُ ) بِإسْكانِ الصّادِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ (حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ المَفْتُوحَةِ، وجاءَ عَنْهُ أيْضًا إسْكانُها وبِهِ قَرَأ كُثَيِّرُ عَزَّةَ، ومَعْنى الكُلِّ واحِدٌ وهو مَعْنى الحَصَبِ بِالصّادِ ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ أوْ بَدَلٌ مِن ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وتُبْدَلُ الجُمْلَةُ مِنَ المُفْرَدِ ولا يَضُرُّ كَوْنُهُ في حُكْمِ النَّتِيجَةِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالًا مِن ( جَهَنَّمَ ) وهو كَما تَرى، واللّامُ مُعَوَّضَةٌ مِن عَلى لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ وأنَّ وُرُودَهم لِأجْلِها وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعَدّى الوُرُودَ إلى ذَلِكَ بِعَلى كَما أشارَ إلَيْهِ في القامُوسِ بِتَفْسِيرِهِ بِالإشْرافِ عَلى الماءِ وهو في الِاسْتِعْمالِ كَثِيرٌ وإلّا فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَدُوها﴾ فاللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ لِكَوْنِ المَعْمُولِ مُقَدَّمًا والعامِلُ فَرْعِيٌّ، وقِيلَ إنَّ اللّامَ بِمَعْنى إلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزَّلْزَلَةَ: 5] ولَيْسَ بِذَلِكَ.
والظّاهِرُ أنَّ الوُرُودَ هُنا وُرُودُ دُخُولٍ والخِطابُ لِلْكَفَرَةِ وما يَعْبُدُونَ تَغْلِيبًا
21:99Page 330
لَوۡ كَانَ هَٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةٗ مَّا وَرَدُوهَاۖ وَكُلّٞ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٩٩
Had these [false deities] been [actual] gods, they would not have come to it, but all are eternal therein.
﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً﴾ كَما تَزْعُمُونَ أيُّها العابِدُونَ إيّاها ما ﴿ورَدُوها﴾ وحَيْثُ تَبَيَّنَ وُرُودُهم إيّاها عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَيْثُ إنَّهم حَصَبُ جَهَنَّمَ امْتَنَعَ كَوْنُهم آلِهَةً بِالضَّرُورَةِ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ مِمّا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لا الشَّياطِينَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ إثْباتُ نَقِيضِ ما يَدَّعُونَهُ وهم يَدَّعُونَ إلَهِيَّةَ الأصْنامِ لا إلَهِيَّتَها حَتّى يُحْتَجَّ بِوُرُودِها النّارَ عَلى عَدَمِها، نَعَمِ الشَّياطِينُ الَّتِي تُعْبَدُ داخِلَةٌ في حُكْمِ النَّصِّ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ فَلا تَغْفُلْ.
﴿وكُلٌّ﴾ مِنَ العَبَدَةِ والمَعْبُودِينَ ﴿فِيها خالِدُونَ﴾ باقُونَ إلى الأبَدِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences