Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:13–17
22:13Page 333
يَدۡعُواْ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقۡرَبُ مِن نَّفۡعِهِۦۚ لَبِئۡسَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَلَبِئۡسَ ٱلۡعَشِيرُ ١٣
He invokes one whose harm is closer than his benefit - how wretched the protector and how wretched the associate.
﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ مَآلَ دُعائِهِ وعِبادَتِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى ويُقَرِّرُ كَوْنَ ذَلِكَ ضَلالًا بَعِيدًا مَعَ إزاحَةِ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِن نَفْيِ الضَّرَرِ عَنْ مَعْبُودِهِ بِطَرِيقِ المُباشَرَةِ ونَفْيِهِ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ أيْضًا فالدُّعاءُ هُنا بِمَعْنى القَوْلِ كَما في قَوْلِ عَنْتَرَةَ:
يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كَأنَّها أشْطانُ بِئْرٍ في لَبانِ الأدْهَمِ
واللّامُ داخِلَةٌ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ مَقُولًا لَهُ وهي لامُ الِابْتِداءِ ومَن مُبْتَدَأٌ و( ضَرُّهُ أقْرَبُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ صِلَةٌ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ واللّامُ فِيهِ جَوابِيَّةٌ وجُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابِهِ خَبَرٌ (مَن) أيْ يَقُولُ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِرَفْعِ صَوْتٍ وصُراخٍ حِينَ يَرى تَضَرُّرَهُ بِمَعْبُودِهِ ودُخُولَهُ النّارَ بِسَبَبِهِ ولا يَرى مِنهُ أثَرًا مِمّا كانَ يَتَوَقَّعُهُ مِنهُ مِنَ النَّفْعِ لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ تَحَقُّقًا مِن نَفْعِهِ: واللَّهِ لَبِئْسَ الَّذِي يُتَّخَذُ ناصِرًا ولَبِئْسَ الَّذِي يُعاشَرُ ويُخالَطُ فَكَيْفَ بِما هو ضَرَرٌ مَحْضٌ عارٍ عَنِ النَّفْعِ بِالكُلِّيَّةِ، وفي هَذا مِنَ المُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِ الصَّنَمِ والإمْعانِ في ذَمِّهِ ما لا يَخْفى، وهو سِرُّ إيثارِ مَن عَلى ما وإيرادِ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ، وهَذا الوَجْهُ مِنَ الإعْرابِ اخْتارَهُ السَّجاوَنْدِيُّ والمَعْنى عَلَيْهِ مِمّا لا إشْكالَ فِيهِ.
وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ أيْضًا جارُ اللَّهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( يَدْعُو ) هُنا إعادَةً لِيَدْعُو السّابِقِ تَأْكِيدًا لَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدُ مِن بَيانِ سُوءِ حالِ مَعْبُودِهِ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ عِبادَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذِكْرِ عِبادَةِ الكافِرِ ما لا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ يَدْعُو ذَلِكَ ثُمَّ قِيلَ لَمَن ضَرُّهُ بِكَوْنِهِ مَعْبُودًا أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ بِكَوْنِهِ شَفِيعًا واللَّهِ لَبِئْسَ المَوْلى إلَخْ، ولا تَناقُضَ عَلَيْهِ أيْضًا إذِ الضُّرُّ المَنفِيُّ ما يَكُونُ بِطَرِيقِ المُباشَرَةِ والمُثْبَتُ ما يَكُونُ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ، وكَذا النَّفْعُ المَنفِيُّ هو الواقِعِيُّ والمُثْبَتُ هو التَّوَقُّعِيُّ، قِيلَ ولِهَذا الإثْباتِ عَبَّرَ بِمَن فَإنَّ الضُّرَّ والنَّفْعَ مِن شَأْنِهِما أنْ يَصْدُرا عَنِ العُقَلاءِ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنْ يُرادَ كَلِمَةُ مَن وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ عَنْ سُوءِ حالِ مَعْبُودِ الكَفَرَةِ لِلتَّهَكُّمِ بِهِ. ولا مانِعَ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما في التَّقْدِيرِ الأوَّلِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِ الصَّنَمِ والإمْعانِ في ذَمِّهِ.
واعْتَرَضَ ابْنُ هِشامٍ عَلى هَذا الوَجْهِ بِأنَّ فِيهِ دَعْوى خِلافَ الأصْلِ مَرَّتَيْنِ إذِ الأصْلُ عَدَمُ التَّوْكِيدِ والأصْلُ أنْ لا يُفْصَلَ المُؤَكَّدُ عَنْ تَوْكِيدِهِ ولا سِيَّما في التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ( يَدْعُو ) بِمَعْنى يَقُولُ واللّامُ لِلِابْتِداءِ ومَن مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ صِلَتُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إلَهٌ أوْ إلَهِي، والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ الكافِرِ إنَّما يَكُونُ في الدُّنْيا وهو لا يَعْتَقِدُ فِيها أنَّ الأوْثانَ ضَرُّها أقْرَبُ مِن نَفْعِها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ إنْكارُ قَوْلِهِمْ بِأُلُوهِيَّةِ الأوْثانِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَبَّرَ عَنْها بِما ذَكَرَ لِلتَّهَكُّمِ. نَعَمِ الأوْلى أنْ يُقَدَّرَ الخَبَرُ مَوْلًى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ أدَلُّ عَلَيْهِ، ومَعَ هَذا لا يَخْفى بُعْدُ هَذا الوَجْهِ، وقِيلَ: ( يَدْعُو ) مُضَمَّنٌ مَعْنى يَزْعُمُ وهي مُلْحَقَةٌ بِأفْعالِ القُلُوبِ لِكَوْنِ الزَّعْمِ قَوْلًا مَعَ اعْتِقادٍ. واللّامُ ابْتِدائِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِلْفِعْلِ ومَن
صفحة 126
مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ كَما في الوَجْهِ السّابِقِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِيَدْعُو، وإلى هَذا الوَجْهِ أشارَ الفارِسِيُّ ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما فِيهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ اللّامَ دَخَلَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِها والتَّقْدِيرُ يَدْعُو مَن لَضُرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ فَمَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِيَدْعُو. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ ما في صِلَةِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: قِيلَ اللّامُ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ومَن مَفْعُولُ يَدْعُو ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ اللّامَ المَفْتُوحَةَ لا تُزادُ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ لَكِنْ قُوِّيَ القَوْلُ بِالزِّيادَةِ هُنا بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ( يَدْعُو مَن ضَرَّهُ ) بِإسْقاطِ اللّامِ، وقِيلَ ( يَدْعُو ) بِمَعْنى يُسَمِّي (ومَن) مَفْعُولُهُ الأوَّلُ ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ إلَهًا، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما فِيهِ، وقِيلَ إنَّ يَدْعُو لَيْسَتْ عامِلَةً فِيما بَعْدَها وإنَّما هي عامِلَةٌ في ذَلِكَ قَبْلَها وهو مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي، ونُقِلَ هَذا عَنِ الفارِسِيِّ أيْضًا، وهو عَلى بُعْدِهِ لا يَصِحُّ إلّا عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ إذْ يُجِيزُونَ في اسْمِ الإشارَةِ مُطْلَقًا أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا، وأمّا البَصْرِيُّونَ فَلا يُجِيزُونَ إلّا في ذا بِشَرْطِ أنْ يَتَقَدَّمَها الِاسْتِفْهامُ بِما أوْ مَن، وقِيلَ هي عامِلَةٌ في ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ راجِعٍ إلى ذَلِكَ أيْ دَعَوْهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْدِيرُ ( ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ ) مَدْعُوًّا وفِيهِ مَعَ بُعْدِهِ أنَّ ( يَدْعُو ) لا يُقَدَّرُ بِمَدْعُو وإنَّما يُقَدَّرُ بِداعِيًا والَّذِي يُقَدَّرُ بِمَدْعُو إنَّما هو يُدْعى المَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ، وقِيلَ ( يَدْعُو ) عُطِفَ عَلى يَدْعُو الأوَّلِ وأُسْقِطَ حَرْفُ العَطْفِ لِقَصْدِ تَعْدادِ أحْوالِ ذَلِكَ المُذَبْذَبِ واللّامُ زائِدَةٌ و(مَن) مَفْعُولُ ( يَدْعُو ) وهي واقِعَةٌ عَلى العاقِلِ والدُّعاءُ في المَوْضِعَيْنِ إمّا بِمَعْنى العِبادَةِ وإمّا بِمَعْنى النِّداءِ، والمُرادُ إمّا بَيانُ حالِ طائِفَةٍ مِنهم عَلى مَعْنى أنَّهم تارَةً يَدْعُونَ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ وتارَةً يَدْعُونَ مَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، وإمّا بَيانُ حالِ الجِنْسِ بِاعْتِبارِ ما تَحْتَهُ عَلى مَعْنى أنَّ مِنهم مَن يَدْعُو ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ومِنهم مَن يَدْعُو مَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ وهو كَما تَرى، وبِالجُمْلَةِ أحْسَنُ الوُجُوهِ أوَّلُها.
22:14Page 333
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ١٤
Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. Indeed, Allāh does what He intends.
﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَمالِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ العابِدِينَ لَهُ تَعالى وأنَّهُ تَعالى يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ إثْرَ بَيانِ غايَةِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ. وجُمْلَةُ ( تَجْرِي ) إلَخْ صِفَةٌ لِجَنّاتٍ فَإنْ أُرِيدَ بِها الأشْجارُ المُتَكاثِفَةُ السّائِرَةُ لِما تَحْتَها فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها وإنْ جُعِلَتْ عِبارَةً عَنْ مَجْمُوعِ الأرْضِ والأشْجارِ فاعْتِبارِ التَّحْتِيَّةِ بِالنَّظَرِ إلى الجُزْءِ الظّاهِرِ المُصَحِّحِ لِإطْلاقِ اسْمِ الجَنَّةِ عَلى الكُلِّ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَقْرِيرٌ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ أيْ هو تَعالى يَفْعَلُ البَتَّةَ كُلَّ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأفْعالِ المُتْقَنَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الرّائِقَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إثابَةُ مَن آمَنَ بِهِ وصَدَّقَ بِرَسُولِهِ ﷺ وعِقابُ مَن كَفَرَ بِهِ وكَذَّبَ بِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
22:15Page 333
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لۡيَقۡطَعۡ فَلۡيَنظُرۡ هَلۡ يُذۡهِبَنَّ كَيۡدُهُۥ مَا يَغِيظُ ١٥
Whoever should think that Allāh will not support him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] in this world and the Hereafter - let him extend a rope to the ceiling, then cut off [his breath],1 and let him see: will his effort remove that which enrages [him]?
﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ الضَّمِيرُ في ( يَنْصُرَهُ ) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ كَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ المُجادِلَ بِالباطِلِ وخِذْلانَهُ في الدُّنْيا لِأنَّهُ لا يُدْلِي بِحُجَّةٍ ما ضَرُورِيَّةٍ أوْ نَظَرِيَّةٍ أوْ سَمْعِيَّةٍ ولِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِنَ النَّكالِ، وفي الآخِرَةِ بِما هو أطَمُّ وأطَمُّ ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مُشايِعِيهِ وعَمَّمَ خَسارَهم في الدّارَيْنِ ذَكَرَ في مُقابِلِهِمُ المُؤْمِنِينَ وأتْبَعَهُ ذِكْرَ المُجادِلِ عَنْهم وعَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى بِالَّتِي هي أحْسَنُ وهو رَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبالَغَ في كَوْنِهِ مَنصُورًا بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، واخْتَصَرَ الكَلامَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ ﷺ العَلَمُ الَّذِي لا يُشْتَبَهُ وأنَّ الكَلامَ
صفحة 127
فِيهِ ولَهُ ومَعَهُ وإنْ ذُكِرَ غَيْرُهُ بِتَبَعِيَّةِ ذِكْرِهِ، فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى ناصِرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ في الدُّنْيا بِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ وفي الآخِرَةِ بِإعْلاءِ دَرَجَتِهِ وإدْخالِ مَن صَدَّقَهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والِانْتِقامِ مِمَّنْ كَذَّبَهُ وإذاقَتِهِ عَذابَ الحَرِيقِ لا يَصْرِفُهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ صارِفٌ ولا يَعْطِفُهُ عَنْهُ عاطِفٌ فَمَن كانَ يَغِيظُهُ ذَلِكَ مِن أعادِيهِ وحُسّادِهِ ويَظُنُّ أنْ لَنْ يَفْعَلَهُ تَعالى بِسَبَبِ مُدافَعَتِهِ بِبَعْضِ الأُمُورِ ومُباشَرَةِ ما يُرِيدُهُ مِنَ المَكائِدِ فَلْيُبالِغْ في اسْتِفْراغِ المَجْهُودِ ولْيَتَجاوَزْ في الجِدِّ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ فَقُصارى أمْرِهِ خَيْبَةُ مَساعِيهِ وعُقْمُ مُقَدِّماتِهِ ومَبادِيهِ وبَقاءُ ما يَغِيظُ عَلى حالِهِ ودَوامُ شَجْوِهِ وبَلْبالِهِ، وقَدْ وُضِعَ مَقامَ هَذا الجَزاءِ.
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ إلَخْ أيْ فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا ﴿إلى السَّماءِ﴾ أيْ إلى سَقْفِ بَيْتِهِ كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ لِيَخْتَنِقْ كَما فَسَّرَهُ بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن قَطَعَ إذا اخْتَنَقَ كانَ أصْلُهُ قَطَعَ نَفَسَهُ بِفَتْحَتَيْنِ أوْ أجَلَهُ ثُمَّ تُرِكَ المَفْعُولُ نَسْيًا مَنسِيًّا فَصارَ بِمَعْنى اخْتَنَقَ لازِمُ خَنَقَهُ، وذَكَرُوا أنَّ قَطَعَ النَّفَسَ كِنايَةً عَنِ الِاخْتِناقِ، وقِيلَ المَعْنى لِيَقْطَعَ الحَبْلَ بَعْدَ الِاخْتِناقِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ فَرْضُ القَطْعِ وتَقْدِيرُهُ كَما أنَّ المُرادَ بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ تَقْدِيرُ النَّظَرِ وتَصْوِيرُهُ وإلّا فَبَعْدَ الِاخْتِناقِ لا يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ أيْ فَلْيُقَدِّرْ في نَفْسِهِ النَّظَرَ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ غَيْظَهُ أوِ الَّذِي يَغِيظُهُ مِنَ النَّصْرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ فَلْيَنْظُرِ الآنَ أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ هَلْ يَذْهَبُ ما يَغِيظُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِالنَّظَرِ غَيْرَ المَأْمُورِ الأوَّلِ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنهُ النَّظَرُ، وأنْ يَكُونَ الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّهَكُّمِ كَما قِيلَ إنَّ تَسْمِيَةَ فِعْلِهِ ذَلِكَ كَيْدًا خارِجَةٌ هَذا المَخْرَجَ، وقالَ جَمْعٌ: إنَّ إطْلاقَ الكَيْدِ عَلى ذَلِكَ لِشِبْهِهِ بِهِ فَإنَّ الكائِدَ إذا كادَ أتى بِغايَةِ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ وذَلِكَ الفِعْلُ غايَةُ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ العَدُوُّ الحَسُودُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المَعْنى فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا إلى السَّماءِ المُظِلَّةِ ولْيَصْعَدْ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيَقْطَعِ الوَحْيَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِيَقْطَعِ المَسافَةَ حَتّى يَبْلُغَ عَنانَ السَّماءِ فَيَجْهَدْ في دَفْعِ نَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ النّازِلِ مِن جِهَتِها. وتَعَقَّبَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ بِأنَّهُ يَأْباهُ مَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ بَيانُ أنَّ الأُمُورَ المَفْرُوضَةَ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها وتَحَقُّقِها بِمَعْزِلٍ مِن إذْهابِ ما يَغِيظُ، ومِنَ البَيْنِ أنْ لا مَعْنى لِفَرْضِ وُقُوعِ الأُمُورِ المُمْتَنِعَةِ وتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالنَّظَرِ عَلَيْهِ لا سِيَّما قَطْعَ الوَحْيِ فَإنَّ فَرْضَ وُقُوعِهِ مُخِلٌّ بِالمَرامِ قَطْعًا، ونُوقِشَ في ذَلِكَ بِما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ، نَعَمِ المَعْنى السّابِقُ هو الأوْلى، وأيًّا ما كانَ فَمَن يَظُنُّ ذَلِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الحاسِدُونَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: أعْرابٌ مِن أسْلَمَ. وغَطَفانَ تَباطَؤُوا عَنِ الإسْلامِ وقالُوا: نَخافُ أنْ لا يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيَنْقَطِعَ ما بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِن يَهُودٍ فَلا يُقْرُونا ولا يُؤْوُونا، وقِيلَ: قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا لِشِدَّةِ غَيْظِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ يَسْتَبْطِئُونَ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ النَّصْرِ والمَعْنى عَلَيْهِ وكَذا عَلى سابِقِهِ إنْ قِيلَ إنَّ أُولَئِكَ الأعْرابَ كانُوا يَسْتَبْطِئُونَ النَّصْرَ أيْضًا مَنِ اسْتَبْطَأ نَصْرَ اللَّهِ تَعالى وطَلَبَهُ عاجِلًا فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ لِأنَّ لَهُ وقْتًا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ وُقُوعَهُ فِيهِ فَلا يَقَعُ في غَيْرِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ بُعْدَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ وأنَّ ثانِيَهُما أبْعَدُهُ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ضَمِيرِ يَنْصُرُهُ عائِدًا عَلى مَن لِأنَّهُ المَذْكُورُ وحَقُّ الضَّمِيرِ أنْ يَعُودَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم وفُسِّرَ النَّصْرُ بِالرِّزْقِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وقَفَ عَلَيْنا سائِلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ فَقالَ: مَن يَنْصُرُنِي نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى وقالُوا: أرْضٌ مَنصُورَةٌ أيْ مَمْطُورَةٌ، وقالَ الفَقْعَسِيُّ:
صفحة 128
وإنَّكَ لا تُعْطِي امْرَأً فَوْقَ حَقِّهِ ولا تَمْلِكُ الشَّيْءَ الَّذِي أنْتَ ناصِرُهُ
أيْ مُعْطِيهِ وكَأنَّهُ مُسْتَعارٌ مِنَ النَّصْرِ بِمَعْنى العَوْنِ فالمَعْنى أنَّ الأرْزاقَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى لا تُنالُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ فَلا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنَ الرِّضا بِقِسْمَتِهِ فَمَن ظَنَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى غَيْرُ رازِقِهِ ولَمْ يَصْبِرْ ولَمْ يَسْتَسْلِمْ فَلْيَبْلُغْ غايَةَ الجَزَعِ وهو الِاخْتِناقُ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْلِبُ القِسْمَةَ ولا يَرُدُّهُ مَرْزُوقًا والغَرَضُ الحَثُّ عَلى الرِّضا بِما قَسَمَ اللَّهُ تَعالى لا كَمَن يَعْبُدُهُ عَلى حَرْفٍ وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ عَقِيبَهم عَلى ما مَرَّ حَذَّرَهم عَنْ مِثْلِ حالِهِمْ لُطْفًا في شَأْنِهِمْ. ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ وإنْ كانَ رَبْطُ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْهِ قَرِيبًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمَن والنَّصْرِ عَلى المُتَبادَرِ مِنهُ والمَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ تَعالى فَيَغْتاظُ لِانْتِفاءِ نَصْرِهِ فَلْيَحْتَلْ بِأعْظَمِ حِيلَةٍ في نَصْرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ ولْيَسْتَفْرِغْ جُهْدَهُ في إيصالِ النَّصْرِ إلَيْهِ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ ذَلِكَ ما يَغِيظُهُ مِنَ انْتِفاءِ النَّصْرِ. ولا يَخْفى ما في وجْهِ الرَّبْطِ عَلى هَذا مِنَ الخَفاءِ.
ومَن كَما أشَرْنا إلَيْهِ شَرْطِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والفاءُ في خَبَرِها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ وهَلْ يُذْهِبَنَّ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِيَنْظُرُ، وذُكِرَ أنَّهُ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، وقَرَأ البَصْرِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ ووَرْشٌ ثُمَّ لِيَقْطَعْ بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ والباقُونَ بِسُكُونِها عَلى تَشْبِيهِ ثُمَّ بِالواوِ والفاءِ لِأنَّ الجَمِيعَ عَواطِفُ
22:16Page 334
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ ١٦
And thus have We sent it [i.e., the Qur’ān] down as verses of clear evidence and because Allāh guides whom He intends.
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ المُنْطَوِي عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ أيِ القُرْآنَ الكَرِيمَ كُلَّهُ ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى مَعانِيها الرّائِقَةِ فالمُشارُ إلَيْهِ الإنْزالُ المَذْكُورُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْزالَ الآياتِ السّابِقَةِ. وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ في جَمِيعِ أبْوابِهِ كامِلُ البَيانِ لا في أمْرِ البَعْثِ وحْدَهُ. ونُصِبَ ( آياتٍ ) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا إفادَةً لِلْحَصْرِ الإضافِيِّ أيْ ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي بِهِ ابْتِداءً أوْ يُثَبِّتُ عَلى الهُدى أوْ يَزِيدُ فِيهِ مَن يُرِيدُ هِدايَتَهُ أوْ ثَباتَهُ أوْ زِيادَتَهُ فِيها أنْزَلَهُ كَذَلِكَ أوْ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ والأمْرُ أنَّ اللَّهَ يَهْدِي إلَخْ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ مَفْعُولِ ( أنْزَلْناهُ ) أيْ وأنْزَلْناهُ أنَّ اللَّهَ يَهْدِي إلَخْ
22:17Page 334
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١٧
Indeed, those who have believed and those who were Jews and the Sabeans and the Christians and the Magians and those who associated with Allāh - Allāh will judge between them on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, over all things, Witness.1
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِما ذُكِرَ مِنَ المُنَزَّلِ بِهِدايَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُدْخَلَ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ﴾ هم عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ ويُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ ويَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ، وفي القامُوسِ هم قَوْمٌ يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى دِينِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِبْلَتُهم مِن مَهَبِّ الشَّمالِ عِنْدَ مُنْتَصَفِ النَّهارِ، وفي كِتابِ المِلَلِ والنِّحَلِ لِلشِّهْرِسْتانِيِّ أنَّ الصّابِئَةَ كانُوا عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُقالُ لِمُقابَلِيهِمُ الحُنَفاءُ وكانُوا يَقُولُونَ: إنّا نَحْتاجُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ طاعَتِهِ وأمْرِهِ وأحْكامِهِ جَلَّ شَأْنُهُ إلى مُتَوَسِّطٍ رُوحانِيٍّ لا جُسْمانِيٍّ.
ومَدارُ مَذاهِبِهِمْ عَلى التَّعَصُّبِ لِلرُّوحانِيّاتِ وكانُوا يُعَظِّمُونَها غايَةَ التَّعْظِيمِ ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْها ولَمّا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُمُ التَّقَرُّبُ إلى أعْيانِها والتَّلَقِّي مِنها بِذَواتِها فَزِعَتْ جَماعَةٌ إلى هَياكِلِها وهي السَّبْعُ السَّيّاراتُ وبَعْضُ الثَّوابِتِ، فَصابِئَةُ الرُّومِ مَفْزَعُها السَّيّاراتُ وصائِبَةُ الهِنْدِ مَفْزَعُها الثَّوابِتُ، ورُبَّما نَزَلُوا عَنِ الهَياكِلِ إلى الأشْخاصِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تُغْنِي شَيْئًا، والفِرْقَةُ الأُولى هم عَبَدَةُ الكَواكِبِ، والثّانِيَةُ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ. وقَدْ أفْحَمَ
صفحة 129
إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ كِلْتا الفِرْقَتَيْنِ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ.
وذُكِرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ ظُهُورَهم كانَ في أوَّلِ سَنَةٍ مِن مُلْكِ طَهْمُورَثَ مِن مُلُوكِ الفُرْسِ، ولَفْظُ الصّابِئَةِ عَرَبِيٌّ مِن صَبا كَمَنَعَ وكَرُمَ صَبًّا وصُبُوءًا خَرَجَ مِن دِينٍ إلى آخَرَ ﴿والنَّصارى والمَجُوسَ﴾ هم عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنِّيرانَ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى وصْفِهِمْ بِعِبادَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وآخَرُونَ عَلى وصْفِهِمْ بِعِبادَةِ النِّيرانِ. وقِيلَ: هم قَوْمٌ اعْتَزَلُوا النَّصارى ولَبِسُوا المُسُوحَ. وقِيلَ: قَوْمٌ أخَذُوا مِن دِينِ النَّصارى شَيْئًا ومِن دِينِ اليَهُودِ شَيْئًا وهم قائِلُونَ بِأنَّ لِلْعالَمِ أصْلَيْنِ نُورًا وظُلْمَةً. وفي كِتابِ المِلَلِ والنِّحَلِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم طَوائِفُ وأنَّهم كانُوا قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى وأنَّهم يَقُولُونَ بِالشَّرائِعِ عَلى خِلافِ الصّابِئَةِ وأنَّ لَهم شُبْهَةَ كِتابٍ وأنَّهم يُعَظِّمُونَ النّارَ، وفِيهِ أنَّ بُيُوتَ النِّيرانِ لِلْمَجُوسِ كَثِيرَةٌ فَأوَّلُ بَيْتٍ بَناهُ أفْرِيدُونَ بَيْتُ نارٍ بِطُوسَ، وآخَرُ بِمَدِينَةِ بُخارى هو بَرْدَسُونَ، واتَّخَذَ بَهْمَنُ بَيْتًا بِسِجِسْتانَ يُدْعى كَرْكُو، ولَهم بَيْتُ نارٍ بِبُخارى أيْضًا يُدْعى قَبادانَ وبَيْتُ نارٍ يُسَمّى كُونَشَهْ بَيْنَ فارِسَ وأصْفَهانَ بَناهُ كِيخَسْرَدَ.
وآخَرُ بِقُومَشَ يُسَمّى جَرِيرٌ. وبَيْتُ نارِ كَيْكَدَرَ بَناهُ في مَشْرِقِ الصِّينِ، وآخَرُ بِأرْجانَ مِن فارِسَ اتَّخَذَهُ أرْجانُ جَدُّ كَشْتاسِفَ، وكُلُّ هَذِهِ البُيُوتِ كانَتْ قَبْلَ زَرادُشْتَ. ثُمَّ جَدَّدَ زَرادُشْتُ بَيْتَ نارِ بَنِيسا بَعْدَ كَشْتاسِفَ أنْ تَطْلُبَ النّارُ الَّتِي كانَ يُعَظِّمُها جَمٌّ فَوَجَدُوها بِمَدِينَةِ خَوارِزْمَ فَنَقَلَها إلى دارابَجَرْدَ والمَجُوسُ يُعَظِّمُونَها أكْثَرَ مِن غَيْرِها وكَيْخَسَرْدَ، ولَمّا غَزا إفْراسِيابُ عَظَّمَها وسَجَدَ لَها. ويُقالُ: إنَّ أنُوشُرْوانَ هو الَّذِي نَقَلَها إلى كارَشانَ فَتَرَكُوا بَعْضَها هُناكَ وحَمَلُوا بَعْضَها إلى نَسا. وفي بِلادِ الرُّومِ عَلى بابِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ بَيْتُ نارٍ اتَّخَذَهُ شابُورُ بْنُ أزْدَشِيرَ فَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ إلى أيّامِ المَهْدِيِّ.
وبَيْتُ نارِ باسَفِيتا عَلى قُرْبِ مَدِينَةِ السَّلامِ لِبُورانَ بِنْتِ كِسْرى. وفي الهِنْدِ والصِّينِ بُيُوتُ نِيرانٍ أيْضًا والمَجُوسُ إنَّما يُعَظِّمُونَ النّارَ لَمَعانٍ. مِنها أنَّها جَوْهَرٌ شَرِيفٌ عُلْوِيٌّ يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ نارِ يَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يَدْرُوا أنَّ ذَلِكَ السَّبَبُ الأعْظَمُ لِعَذابِهِمُ اهَـ.
وفِيهِ ما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ التَّوارِيخَ. وفي القامُوسِ مَجُوسٌ كَصَبُورٍ رَجُلٌ صَغِيرُ الأُذُنَيْنِ وضَعَ دِينًا ودَعا إلَيْهِ مُعَرَّبُ مِيخَ وكُوشَ. وفي الصِّحاحِ المَجُوسِيَّةُ نِحْلَةٌ والمَجُوسِيُّ نِسْبَةٌ إلَيْها والجَمْعُ المَجُوسُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ النَّحْوِيُّ: المَجُوسُ واليَهُودُ إنَّما عُرِّفا عَلى حَدِّ يَهُودِيٍّ ويَهُودٍ ومَجُوسِيٍّ ومَجُوسٍ فَجُمِعَ عَلى قِياسِ شَعِيرَةٍ وشَعِيرٍ ثُمَّ عُرِّفَ الجَمْعُ بِالألِفِ واللّامِ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ الألِفِ واللّامِ عَلَيْهِما لِأنَّهُما مَعْرِفَتانِ مُؤَنَّثانِ فَجَرَيا في كَلامِهِمْ مَجْرى القِبْلَتَيْنِ ولَمْ يُجْعَلا كالحَيَّيْنِ في بابِ الصَّرْفِ. وأنْشَدَ:
أحارِ أُرِيكَ بَرْقًا هَبَّ وهْنًا كَنارِ مَجُوسَ تَسْتَعِرُ اسْتِعارا
انْتَهى. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مَجُوسَ مُعَرَّبُ مُوكُوشَ وأُطْلِقَ عَلى أُولَئِكَ القَوْمِ لِأنَّهم كانُوا يُرْسِلُونَ شُعُورَ رُؤُوسِهِمْ إلى آذانِهِمْ. ونُقِلَ في البَحْرِ أنَّ المِيمَ بَدَلٌ مِنَ النُّونِ، وأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِاسْتِعْمالِهِمُ النَّجاساتِ وهو قَوْلٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ المَشْهُورُ أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، وقِيلَ ما يَعُمُّهم وسائِرَ مَن عَبَدَ مَعَ اللَّهِ تَعالى إلَهًا آخَرَ مِن مَلَكٍ وكَوْكَبٍ وغَيْرِهِما مِمَّنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بِاسْمٍ خاصٍّ كالصّابِئَةِ والمَجُوسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِأنَّ السّابِقَةَ وأُدْخِلَتْ إنَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن
صفحة 130
جُزْأيِ الجُمْلَةِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِ جَرِيرٍ:
إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ
وقِيلَ: خَبَرُ إنَّ الأُولى مَحْذُوفٌ أيْ مُفْتَرِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ إلَخْ فَإنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا إنَّ عَمْرًا يَضْرِبُهُ رَدِيءٌ، والبَيْتُ لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ جَعْلُ الجُمْلَةِ المُقْتَرِنَةِ بِإنَّ خَبَرًا بَلْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً والخَبَرُ جُمْلَةُ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الرَّداءَةِ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ كالمِثالِ المَذْكُورِ لِطُولِ الفاصِلِ فِيها، قالَ في البَحْرِ: وحُسْنُ دُخُولِ إنَّ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا في الآيَةِ طُولُ الفَصْلِ بِالمَعاطِيفِ، وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا إنَّهُ قائِمٌ رَدِيءٌ وأنَّ هَذِهِ الآيَةُ إنَّما صَلُحَتْ بِتَقَدُّمِ المَوْصُولِ ولا فَرْقَ بَيْنَ المَوْصُولِ وغَيْرِهِ في بابِ إنَّ ولَيْسَ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ خِلافٌ في أنَّ إنَّ تَدْخُلُ عَلى كُلِّ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ فَعَلى هَذا لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنِ الوَجْهِ المُتَبادَرِ، والمُرادُ بِالفَصْلِ القَضاءُ أيْ إنَّهُ تَعالى يَقْضِي بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والفِرَقِ الخَمْسِ المُتَّفِقَةِ عَلى الكُفْرِ بِإظْهارِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ وتَوْفِيَةِ كُلٍّ مِنهُما حَقَّهُ مِنَ الجَزاءِ بِإثابَةِ المُؤْمِنِينَ وعِقابِ الفِرَقِ الآخَرِينَ بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِ أفْرادِ كُلٍّ مِنهُما، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى يَفْصِلُ بَيْنَ الفِرَقِ السِّتِّ في الأحْوالِ والأماكِنِ جَمِيعًا فَلا يُجازِيهِمْ جَزاءً واحِدًا بِلا تَفاوُتٍ بَلْ يَجْزِي المُؤْمِنِينَ بِما يَلِيقُ واليَهُودَ بِما يَلِيقُ بِهِمْ وهَكَذا ولا يَجْمَعُهم في مَوْطِنٍ واحِدٍ بَلْ يَجْعَلُ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ وكُلًّا مِنَ الفِرَقِ الكافِرَةِ في طَبَقَةٍ مِن طَبَقاتِ النّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الفَصْلِ أيْ إنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ومُراقِبٌ لِأحْوالِهِ ومِن قَضَيِّتِهِ الإحاطَةُ بِتَفاصِيلِ ما صَدَرَ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الفِرَقِ المَذْكُورَةِ وإجْراءُ جَزائِهِ اللّائِقِ بِهِ عَلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences