Al-AlusiAl‑Hajj · 22:40–45

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:40–45

22:40Page 337

ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠

[They are] those who have been evicted from their homes without right - only because they say, "Our Lord is Allāh." And were it not that Allāh checks the people, some by means of others, there would have been demolished monasteries, churches, synagogues, and mosques in which the name of Allāh is much mentioned [i.e., praised]. And Allāh will surely support those who support Him [i.e., His cause]. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَوْصُولِ قَبْلُ أوْ بَيانٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، والجُمْلَةُ مَرْفُوعَةٌ عَلى المَدْحِ، والمُرادُ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ مِن مَكَّةَ ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالإخْراجِ أيْ أُخْرِجُوا بِغَيْرِ ما يُوجِبُ إخْراجَهم.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ أُخْرِجُوا إخْراجًا كائِنًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ كَوْنَهُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ كائِنِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ مُتَرَتِّبٍ عَلَيْهِمْ يُوجِبُ إخْراجَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ( حَقٍّ ) وأنْ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ بَدَلٌ مِنهُ لِما في غَيْرٍ مِن مَعْنى النَّفْيِ، وحاصِلُ المَعْنى لا مُوجِبَ لِإخْراجِهِمْ إلّا التَّوْحِيدُ وهو إذا أُرِيدَ بِالمُوجِبِ المُوجِبُ النَّفْسِ الأمْرِيُّ عَلى حَدِّ قَوْلِ النّابِغَةِ:

ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإبْدالُ مِن غَيْرٍ وفي أُخْرِجُوا مَعْنى النَّفْيِ أيْ لَمْ يُقَرُّوا في دِيارِهِمْ إلّا بِأنْ يَقُولُوا إلَخْ وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا وأوْجَبَهُ أبُو حَيّانَ أيْ ولَكِنْ أُخْرِجُوا بِقَوْلِهِمْ رَبُّنا اللَّهُ، وأوْجَبَ نَصْبَ ما بَعْدَ إلّا كَما أوْجَبُوهُ في قَوْلِهِمْ: ما زادَ إلّا ما نَقَصَ وما نَفَعَ إلّا ما ضَرَّ، ورُدَّ كَوْنُهُ مُتَّصِلًا وكَوْنُ ما بَعْدَ إلّا بَدَلًا مِن ( حَقٍّ ) بِما هو أشْبَهُ شَيْءٍ بِالمُغالَطَةِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِهِ جَوازُ أنْ تَكُونَ إلّا بِمَعْنى سِوى صِفَةً لِحَقٍّ أيْ أُخْرِجُوا بِغَيْرِ حَقٍّ سِوى التَّوْحِيدِ، وحاصِلُهُ أُخْرِجُوا بِكَوْنِهِمْ مُوَحِّدِينَ.

﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى القِتالِ المَأْذُونِ فِيهِ بِإفادَةِ أنَّهُ تَعالى أجْرى العادَةَ بِذَلِكَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ بِهِ الأمْرُ وتَقُومُ الشَّرائِعُ وتُصانُ المُتَعَبَّداتُ مِنَ الهَدْمِ فَكَأنَّهُ لِما قِيلَ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ إلَخْ قِيلَ فَلْيُقاتِلِ المُؤْمِنُونَ فَلَوْلا القِتالُ وتَسْلِيطُ اللَّهِ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ في كُلِّ عَصْرٍ وزَمانٍ لَهُدِّمَتْ مُتَعَبَّداتُهم ولَذَهَبُوا شَذَرَ مَذَرَ، وقِيلَ: المَعْنى لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ بِتَسْلِيطِ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى كُفّارِها لَهُدِّمَتِ المُتَعَبَّداتُ المَذْكُورَةُ إلّا أنَّهُ تَعالى سَلَّطَ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ فَبَقِيَتْ هَذِهِ المُتَعَبَّداتُ بَعْضُها لِلْمُؤْمِنِينَ وبَعْضُها لِمَن في حِمايَتِهِمْ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقالَ مُجاهِدٌ: أيْ لَوْلا دَفْعُ

صفحة 163

ظُلْمِ قَوْمٍ بِشَهادَةِ العُدُولِ ونَحْوِ ذَلِكَ لَهُدِّمَتْ إلَخْ.

وقالَ قَوْمٌ: أيْ لَوْلا دَفْعُ ظُلْمِ الظَّلَمَةِ بِعَدْلِ الوُلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أيْ لَوْلا دَفْعُ العَذابِ عَنِ الأشْرارِ بِدُعاءِ الأخْيارِ، وقالَ قُطْرُبٌ: أيْ لَوْلا الدَّفْعُ بِالقِصاصِ عَنِ النُّفُوسِ. وقِيلَ بِالنَّبِيِّينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنِ المُؤْمِنِينَ والكُلُّ مِمّا لا يَقْتَضِيهِ المَقامُ ولا تَرْتَضِيهِ ذَوُو الأفْهامِ. والصَّوامِعُ جَمْعُ صَوْمَعَةٍ بِوَزْنِ فَعَوْلَةٍ وهي بِناءٌ مُرْتَفِعٌ حَدِيدُ الأعْلى والأصْمَعُ مِنَ الرِّجالِ الحَدِيدُ القَوْلِ، وقالَ الرّاغِبُ: هي كُلُّ بِناءٍ مُتَصَمِّعِ الرَّأْسِ أيْ مُتَلاصِقُهُ والأصْمَعُ اللّاصِقَةُ أُذُنُهُ بِرَأْسِهِ وهو قَرِيبٌ مِن قَرِيبٍ، وكانَتْ قَبْلَ الإسْلامِ كَما قالَ قَتادَةُ مُخْتَصَّةٌ بِرُهْبانِ النَّصارى وبِعُبّادِ الصّابِئَةِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في مِئْذَنَةِ المُسْلِمِينَ، والمُرادُ بِها هُنا مُتَعَبَّدُ الرُّهْبانِ عِنْدَ أبِي العالِيَةِ ومُتَعَبَّدُ الصّابِئَةِ عِنْدَ قَتادَةَ ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَنْبَغِي إرادَةُ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ تَكُنِ الصّابِئَةُ ذاتَ مِلَّةٍ حَقَّةٍ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، والبِيَعُ واحِدُها بِيعَةٌ بِوَزْنِ فِعْلَةٍ وهي مُصَلّى النَّصارى ولا تَخْتَصُّ بِرُهْبانِهِمْ كالصَّوْمَعَةِ، قالَ الرّاغِبُ: فَإنْ يَكُنْ ذَلِكَ عَرَبِيًّا في الأصْلِ فَوَجْهُ التَّسْمِيَةِ بِهِ لِما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ، وقِيلَ هي كَنِيسَةُ اليَهُودِ.

وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ويَعْقُوبُ «ولَوْلا دِفاعُ» بِالألِفِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأيُّوبُ وقَتادَةُ وطَلْحَةُ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ والزَّعْفَرانِيِّ «لَهُدِمَتْ» بِالتَّخْفِيفِ، والتَّضْعِيفِ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ المَواضِعِ.

﴿وصَلَواتٌ﴾ جَمْعُ صَلاةٍ وهي كَنِيسَةُ اليَهُودِ. وقِيلَ: مَعْبَدٌ لِلنَّصارى دُونَ البِيعَةِ والأوَّلُ أشْهَرُ، وسُمِّيَتِ الكَنِيسَةُ بِذَلِكَ لِأنَّها يُصَلّى فِيها فَهي مَجازٌ مِن تَسْمِيَةِ المَحَلِّ بِاسْمِ الحالِّ، وقِيلَ: هي بِمَعْناها الحَقِيقِيِّ وهُدِّمَتْ بِمَعْنى عُطِّلَتْ أوْ في الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: ﴿صَلَواتٌ﴾ مُعَرَّبُ صَلُوثا بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ والقَصْرِ ومَعْناها بِالعِبْرانِيَّةِ المُصَلّى. ورُوِيَ عَنْ أبِي رَجاءٍ والجَحْدَرِيِّ وأبِي العالِيَةِ ومُجاهِدٍ أنَّهم قَرَؤُوا بِذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى هَذا القَوْلِ اسْمُ جِنْسٍ لا عَلَمٌ قَبْلَ التَّعْرِيبِ وبَعْدَهُ لَكِنْ ما رَواهُ هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو مِن عَدَمِ تَنْوِينِهِ ومَنعِ صَرْفِهِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَمُ جِنْسٍ إذْ كَوْنُهُ اسْمُ مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ كَما قِيلَ بَعِيدٌ فَعَلَيْهِ كانَ يَنْبَغِي مَنعُ صَرْفِهِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَلِذا قِيلَ إنَّهُ صُرِفَ لِمُشابَهَتِهِ لِلْجَمْعِ لَفْظًا فَيَكُونُ كَعَرَفاتٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ نُكِّرَ إذْ جُعِلَ عامًّا لِما عُرِّبَ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ القائِلَ بِهِ لا يُنَوِّنُهُ فَتَكَلُّفٌ قالَهُ الخَفاجِيُّ.

وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ﴿صَلَواتٌ﴾ بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ، وحَكى عَنْهُ ابْنُ خالَوَيْهِ بِكَسْرِ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ وحُكِيَتْ عَنِ الجَحْدَرِيِّ، وحُكِيَ عَنْهُ أيْضًا «صُلَواتٌ» بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ اللّامِ وحُكِيَتْ عَنِ الكَلْبِيِّ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ في رِوايَةٍ «صَلْواتٌ» بِفَتْحِ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ، وقَرَأ الحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ صُلُواتٌ بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ وحُكِيَتْ عَنِ الجَحْدَرِيِّ أيْضًا، وقَرَأ مُجاهِدٌ «صُلُوتا» بِضَمَّتَيْنِ وتاءٍ مُثَنّاةٍ بَعْدَها ألِفٌ، وقَرَأ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ «صُلُوثٌ» بِضَمَّتَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ وبِثاءٍ مُثَلَّثَةٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ «صِلْوِيثا» بِكَسْرِ الصّادِ وإسْكانِ اللّامِ وواوٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ بَعْدَها ثاءٌ مُثَلَّثَةٌ بَعْدَها ألِفٌ، وحُكِيَ عَنِ الجَحْدَرِيِّ أيْضًا «صُلْواثٌ» بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ وواوٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ألِفٌ بَعْدَها ثاءٌ مُثَلَّثَةٌ، وحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِكَسْرِ الصّادِ، وحَكى ابْنُ خالَوَيْهِ وابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الحَجّاجِ والجَحْدَرِيِّ «صُلُوبٌ» بِضَمَّتَيْنِ وباءٍ مُوَحِّدَةٍ عَلى أنَّهُ جَمْعُ صَلِيبٍ كَظَرِيفٍ وظُرُوفٍ وجَمْعُ فَعِيلٍ عَلى فُعُولٍ شاذٌّ فَهَذِهِ عِدَّةُ قِراءاتٍ قَلَّما يُوجَدُ مِثْلُها في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ ﴿ومَساجِدُ﴾ جَمْعُ مَسْجِدٍ وهو مَعْبَدٌ مَعْرُوفٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وخُصَّ بِهَذا الِاسْمِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ مِن حَيْثُ إنَّ السُّجُودَ أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ

صفحة 164

فِيهِ إلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: لِاخْتِصاصِ السُّجُودِ في الصَّلاةِ بِالمُسْلِمِينَ، ورُدَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي﴾ [آلَ عِمْرانَ: 43] مَعَ الرّاكِعِينَ وحَمْلُ السُّجُودِ فِيها عَلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ بَعِيدٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأسْماءُ المَذْكُورَةُ تَشْتَرِكُ الأُمَمُ في مُسَمَّياتِها إلّا البِيعَةُ فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالنَّصارى في عُرْفِ كُلِّ لُغَةٍ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ الصَّوامِعَ لِلرُّهْبانِ والبِيَعَ لِلنَّصارى والصَّلَواتِ لِلْيَهُودِ والمَساجِدَ لِلْمُسْلِمِينَ.

ولَعَلَّ تَأْخِيرَ ذِكْرِها مَعَ أنَّ الظّاهِرَ تَقْدِيمُها لِشَرَفِها لِأنَّ التَّرَتُّبَ الوُجُودِيَّ كَذَلِكَ أوْ لِتَقَعَ في جِوارِ مَدْحِ أهْلِها أوْ لِلتَّبْعِيدِ مِن قُرْبِ التَّهْدِيمِ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ ﴿صَلَواتٌ﴾ عَنْ ( بِيَعٌ ) مَعَ مُخالَفَةِ التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ لَهُ لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَها وبَيْنَ المَساجِدِ كَذا قِيلَ، وقِيلَ إنَّما جِيءَ بِهَذِهِ المُتَعَبَّداتِ عَلى هَذا النَّسَقِ لِلِانْتِقالِ مِن شَرِيفٍ إلى أشْرَفَ فَإنَّ البِيَعَ أشْرَفُ مِنَ الصَّوامِعِ لِكَثْرَةِ العُبّادِ فِيها فَإنَّها مَعْبَدٌ لِلرُّهْبانِ وغَيْرِهِمْ والصَّوامِعُ مَعْبَدٌ لِلرُّهْبانِ فَقَطْ وكَنائِسُ اليَهُودِ أشْرَفُ مِنَ البِيَعِ لِأنَّ حُدُوثَها أقْدَمُ وزَمانَ العِبادَةِ فِيها أطْوَلُ، والمَساجِدُ أشْرَفُ مِنَ الجَمِيعِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عُبِدَ فِيها بِما لَمْ يُعْبَدْ بِهِ في غَيْرِها ولَعَلَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ إلَخِ المُبالَغَةُ في ظُهُورِ الفَسادِ ووُقُوعِ الِاخْتِلالِ في أمْرِ العِبادِ لَوْلا تَسْلِيطُ اللَّهِ تَعالى المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ لا مُجَرَّدَ تَهْدِيمِ مُتَعَبَّداتٍ لِلْمِلِّيِّينَ ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَساجِدَ، وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْجَمِيعِ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، وكَوْنُ كَوْنِ بَيانِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في الصَّوامِعِ والبِيَعِ والكَنائِسِ بَعْدَ انْتِساخِ شَرْعِيَّتِها مِمّا لا يَقْتَضِيهِ المَقامُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الِانْتِساخَ لا يُنافِي بَقاءَها بِبَرَكَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فِيها مَعَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ عامٌّ لِما قَبْلَ الِانْتِساخِ كَما مَرَّ.

﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ وبِاللَّهِ أيْ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ تَعالى مَن يَنْصُرُ دِينَهُ أوْ مَن يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ ولَقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ حَيْثُ سَلَّطَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ عَلى صَنادِيدِ العَرَبِ وأكاسِرَةِ العَجَمِ وقَياصِرَةِ الرُّومِ وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ مِن مُراداتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نَصْرُهم ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يُمانَعُهُ شَيْءٌ ولا يُدافِعُهُ

22:41Page 337

ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١

[And they are] those who, if We give them authority in the land, establish prayer and give zakāh and enjoin what is right and forbid what is wrong. And to Allāh belongs the outcome of [all] matters.

﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ وصْفٌ لِلَّذِينِ أُخْرِجُوا مَقْطُوعٌ أوْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا، والتَّمْكِينُ السَّلْطَنَةُ ونَفاذُ الأمْرِ، والمُرادُ بِالأرْضِ جِنْسُها، وقِيلَ مَكَّةُ، والمُرادُ بِالصَّلاةِ الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ وبِالزَّكاةِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وبِالمَعْرُوفِ التَّوْحِيدُ وبِالمُنْكَرِ الشِّرْكُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

ولَعَلَّ الأوْلى في الأخِيرَيْنِ التَّعْمِيمُ، والوَصْفُ بِما ذُكِرَ كَما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ثَناءٌ قَبْلَ بَلاءٍ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أثْنى عَلَيْهِمْ قَبْلَ أنْ يُحْدِثُوا مِنَ الخَيْرِ ما أحْدَثُوا قالُوا: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ أمْرِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ وذَلِكَ عَلى ما في الكَشْفِ لِأنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالمُهاجِرِينَ لِأنَّهُمُ المُخْرَجُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ والمُمَكَّنُونَ في الأرْضِ مِنهُمُ الخُلَفاءُ دُونَ غَيْرِهِمْ فَلَوْ لَمْ تَثْبُتِ الأوْصافُ الباقِيَةُ لَزِمَ الخُلْفُ في المَقالِ تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ مِنهم يَلْزَمُهُ التَّوالِي لِعُمُومِ اللَّفْظِ، ولَمّا كانَ التَّمْكِينُ واقِعًا تَمَّ الِاسْتِدْلالُ دُونَ نَظَرٍ إلى اسْتِدْعاءِ الشَّرْطِيَّةِ الوُقُوعِ كالكَلامِ المَقْرُونِ بِلَعَلَّ وعَسى مِنَ العُظَماءِ فَإنَّ لُزُومَ التّالِي مُقْتَضى اللَّفْظِ لا مَحالَةَ ولَمّا وقَعَ المُقَدَّمُ لَزِمَ وُقُوعُهُ أيْضًا، وفي ثُبُوتِ التّالِي ثُبُوتُ حَقِّيَّةِ الخِلافَةِ البَتَّةَ وهي وارِدَةٌ عَلى صِيغَةِ

صفحة 165

الجَمْعِ المُنافِيَةِ لِلتَّخْصِيصِ بِعَلِيٍّ وحْدَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وعَنِ الحَسَنِ وأبِي العالِيَةِ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ والأوْلى عَلى هَذا أنْ يُجْعَلَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَنْصُرُهُ﴾ كَما أعْرَبَهُ الزَّجّاجُ، وكَذا يُقالُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي نُجَيْحٍ أنَّهُمُ الوُلاةُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَقامَ لا يَقْتَضِي إلّا الأوَّلَ ﴿ولِلَّهِ﴾ خاصَّةً ﴿عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ فَإنَّ مَرْجِعَها إلى حُكْمِهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ فَقَطْ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ بِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ أوْلِيائِهِ

22:42–44Page 337

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ ٤٢

And if they deny you, [O Muḥammad] - so, before them, did the people of Noah and ʿAad and Thamūd deny [their prophets],

وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ ٤٣

And the people of Abraham and the people of Lot

وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٤

And the inhabitants of Madyan. And Moses was denied, so I prolonged enjoyment for the disbelievers; then I seized them, and how [terrible] was My reproach.

﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ ﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ ﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصِيغَةُ المُضارِعِ في الشَّرْطِ مَعَ تَحَقُّقِ التَّكْذِيبِ لِما أنَّ المَقْصُودَ تَسْلِيَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى التَّكْذِيبِ مِنَ الحُزْنِ المُتَوَقَّعِ أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي تَحَقُّقُهُ وإلْحاقُ (كَذَّبَ ) تاءُ التَّأْنِيثِ لِأنَّ الفاعِلَ وهو ( قَوْمُ ) اسْمُ جَمْعٍ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأنِيثُهُ ولا حاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ بِالأُمَّةِ أوِ القَبِيلَةِ كَما فَعَلَ أبُو حَيّانَ ومَن تَبِعَهُ، وفي اخْتِيارِ التَّأْنِيثِ حَطٌّ لِقَدْرِ المُكَذِّبِينَ ومَفْعُولُ كَذَّبَ مَحْذُوفٌ لِكَمالِ ظُهُورِ المُرادِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ فَعَلَتِ التَّكْذِيبَ واسْتَغْنى في عادٍ وثَمُودَ عَنْ ذِكْرِ القَوْمِ لِاشْتِهارِهِمْ بِهَذا الِاسْمِ الأخْصَرِ والأصْلُ في التَّعْبِيرِ العِلْمُ فَلِذا لَمْ يَقُلْ قَوْمُ صالِحٍ وقَوْمُ هُودٍ ولا عِلْمَ لِغَيْرِ هَؤُلاءِ، ولَمْ يَقُلْ وقَوْمُ شُعَيْبٍ قِيلَ لِأنَّ قَوْمَهُ المُكَذِّبِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هم هَؤُلاءِ دُونَ أهْلِ الأيْكَةِ لِأنَّهم وإنْ أُرْسِلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُ أجْنَبِيُّونَ، وتَكْذِيبُ هَؤُلاءِ أيْضًا أسْبَقُ وأشَدُّ، والتَّخْصِيصُ لِأنَّ التَّسْلِيَةَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ أيْ وإنْ يُكَذِّبْكَ قَوْمُكَ فاعْلَمْ أنَّكَ لَسْتَ بِأوْحَدِيٍّ في ذَلِكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَ تَكْذِيبِ قَوْمِكَ إيّاكَ قَوْمُ نُوحٍ إلَخْ ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ المُكَذِّبُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هُمُ القِبْطُ ولَيْسُوا قَوْمَهُ بَلْ قَوْمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَنُو إسْرائِيلَ ولَمْ يُكَذِّبُوهُ بِأسْرِهِمْ ومَن كَذَّبَهُ مِنهم تابَ إلّا اليَسِيرَ وتَكْذِيبُ اليَسِيرِ مِنَ القَوْمِ كَلا تَكْذِيبَ ألا تَرى أنَّ تَصْدِيقَ اليَسِيرِ مِنَ المَذْكُورِينَ قَبْلُ عُدَّ كَلا تَصْدِيقَ ولِهَذا لَمْ يَقُلْ وقَوْمُ مُوسى كَما قِيلَ: ( قَوْمُ نُوحٍ وقَوْمُ إبْراهِيمَ ) وأمّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ والقِبْطُ بَلْ أُعِيدَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَلِلْإيذانِ بِأنَّ تَكْذِيبَهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في غايَةِ الشَّناعَةِ لِكَوْنِ آياتِهِ في كَمالِ الوُضُوحِ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ أمْهَلْتُهم حَتّى انْصَرَمَتْ حِبالُ آجالِهِمْ والفاءُ لِتَرْتِيبِ إمْهالِ كُلِّ فَرِيقٍ مِن فِرَقِ المُكَذِّبِينَ عَلى تَكْذِيبِ ذَلِكَ الفَرِيقِ لا لِتَرْتِيبِ إمْهالِ الكُلِّ عَلى تَكْذِيبِ الكُلِّ. ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ العائِدِ عَلى المُكَذِّبِينَ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ والتَّصْرِيحُ بِمُكَذِّبِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ لَمْ يُذْكَرُوا فِيما قَبْلُ تَصْرِيحًا ﴿ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ أيْ أخَذْتُ كُلَّ فَرِيقٍ مِن فَرِيقِ المُكَذِّبِينَ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ إمْلائِهِ وإمْهالِهِ. والأخْذُ كِنايَةً عَنِ الإهْلاكِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِتَغْيِيرِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والنِّعْمَةِ وعِمارَةِ البِلادِ وتَبْدِيلِهِ لِضِدِّهِ فَهو مَصْدَرٌ مِن نَكَرْتُ عَلَيْهِ إذا فَعَلْتَ فِعْلًا يَرْدَعُهُ بِمَعْنى الإنْكارِ كالنَّذِيرِ بِمَعْنى الإنْذارِ. وياءُ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْها مَحْذُوفَةٌ لِلْفاصِلَةِ وأثْبَتَها بَعْضُ القُرّاءِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ فَما أشَدَّ ما كانَ إنْكارِي عَلَيْهِمْ، وفي الجُمْلَةِ إرْهابٌ لِقُرَيْشٍ،

22:45Page 337

فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ ٤٥

And how many a city did We destroy while it was committing wrong - so it is [now] fallen into ruin1 - and [how many] an abandoned well and [how many] a lofty palace.2

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهْلَكْناها﴾ أيْ فَأهْلَكْنا كَثِيرًا مِنَ القُرى أهْلَكْناها، والجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ

صفحة 166

سُبْحانَهُ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ وجُمْلَةُ ( أهْلَكْناها ) خَبَرُهُ أيْ فَكَثِيرٌ مِنَ القُرى أهْلَكْناها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ: الأجْوَدُ في إعْرابِ (كَأيِّنْ ) أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً وكَوْنُها مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ قَلِيلٌ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وجَماعَةٌ «أهْلَكْتُها» بِتاءِ المُتَكَلِّمِ عَلى وفْقِ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ ثُمَّ أخَذْتُهم ونِسْبَةُ الإهْلاكِ إلى القُرى مَجازِيَّةٌ والمُرادُ إهْلاكُ أهْلِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وقِيلَ: الإهْلاكُ اسْتِعارَةٌ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِها بِإهْلاكِ أهْلِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن مَفْعُولِ أهْلَكْنا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ( أهْلَكْناها ) فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أوْ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى جُمْلَةِ (كَأيِّنْ ) إلَخِ الِاسْمِيَّةِ واخْتارَهُ بَعْضُهم لِقَضِيَّةِ التَّشاكُلِ، والفاءُ غَيْرُ مانِعَةٍ بِناءً عَلى تَرْتِيبِ الخَواءِ عَلى الإهْلاكِ لِأنَّهُ عَلى نَحْوِ زَيْدٌ أبُوكَ فَهو عَطُوفٌ عَلَيْكَ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ خَواءَها لَيْسَ في حالِ إهْلاكِ أهْلِها بَلْ بَعْدَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ ويَصِحُّ عَطْفُها عَلى الحالِ المُقارَنَةِ أوْ يُقالُ هي حالٌ مُقارَنَةٌ أيْضًا بِأنْ يَكُونَ إهْلاكُ الأهْلِ بِخَوائِها عَلَيْهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ كِلا الجَوّابَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ، والخَواءُ إمّا بِمَعْنى السُّقُوطِ مِن خَوى النَّجْمُ إذا سَقَطَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والمُرادُ بِالعُرُوشِ السُّقُوفُ، والمَعْنى فَهي ساقِطَةٌ حِيطانُها عَلى سُقُوفِها بِأنْ تَعَطَّلَ بُنْيانُها فَخَرَّتْ سُقُوفُها ثُمَّ تَهَدَّمَتْ حِيطانُها فَسَقَطَتْ فَوْقَ السُّقُوفِ، وإسْنادُ السُّقُوطِ عَلى العُرُوشِ إلَيْها لِتَنْزِيلِ الحِيطانِ مَنزِلَةَ كُلِّ البُنْيانِ لِكَوْنِها عُمْدَةً فِيهِ، وإمّا بِمَعْنى الخُلُوِّ مِن خَوَتِ الدّارُ تَخْوِي خَواءً إذا خَلَتْ مِن أهْلِها، ويُقالُ: خَوى البَطْنُ يَخْوِي خَوًى إذا خَلا مِنَ الطَّعامِ، وجَعَلَ الرّاغِبُ أصْلَ مَعْنى الخَواءِ هَذا وجَعَلَ خَوى النَّجْمُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: يُقالُ خَوى النَّجْمُ وأخْوى إذا لَمْ يَكُنْ مِنهُ عِنْدَ سُقُوطِهِ مَطَرٌ تَشْبِيهًا بِذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، و( عَلى ) بِمَعْنى مَعَ أيْ فَهي خالِيَةٌ مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها وسَلامَتِها، ويَجُوزُ عَلى تَفْسِيرِ الخَواءِ بِالخُلُوِّ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ أيْ فَهي خالِيَةٌ وهي عَلى عُرُوشِها أيْ قائِمَةٌ مُشْرِفَةٌ عَلى عُرُوشِها عَلى أنَّ السُّقُوفَ سَقَطَتْ إلى الأرْضِ وبَقِيَتِ الحِيطانُ قائِمَةً وهي مُشْرِفَةٌ عَلى السُّقُوفِ السّاقِطَةِ، وإسْنادُ الإشْرافِ إلى الكُلِّ مَعَ كَوْنِهِ حالَ الحِيطانِ لِما مَرَّ آنِفًا ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ( قَرْيَةٍ ) والبِئْرُ مِن بَأرْتُ أيْ حَفَرْتُ وهي مُؤَنَّثَةٌ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وقَدْ تُذَكَّرُ عَلى مَعْنى القَلِيبِ وتُجْمَعُ عَلى أبارٍ وآبارٍ وأبْؤُرٍ وآبَرٍ وبِيارٍ، وتَعْطِيلُ الشَّيْءِ إبْطالُ مَنافِعِهِ أيْ وكَمْ بِئْرٍ عامِرَةٍ في البَوادِي تُرِكَتْ لا يُسْقى مِنها لِهَلاكِ أهْلِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ وجَماعَةٌ «مُعْطَلَةٍ» بِالتَّخْفِيفِ مِن أعْطَلَهُ بِمَعْنى عَطَّلَهُ.

﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ أيْضًا أيْ وكَمْ قَصْرٍ مَرْفُوعِ البُنْيانِ أوْ مَبْنِيٍّ بِالشِّيدِ بِالكَسْرِ أيِ الجِصِّ أخْلَيْناهُ عَنْ ساكِنِيهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ ووَصْفُ البِئْرِ بِمُعَطَّلَةٍ قَبْلُ، وهَذا يُؤَيِّدُ كَوْنَ مَعْنى ( خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ) خالِيَةٌ مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها، وفي البَحْرِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ( بِئْرٍ ) .

﴿وقَصْرٍ﴾ مِن حَيْثُ عَطْفُها عَلى ( قَرْيَةٍ ) داخِلَيْنِ مَعَها في حَيِّزِ الإهْلاكِ مُخْبَرًا بِهِ عَنْهُما بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ أيْ وكَمْ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ أهْلَكْنا أهْلَهُما.

وزَعَمَ بَعْضُهم عَطْفَهُما عَلى ( عُرُوشِها ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وظاهِرُ التَّنْكِيرِ فِيهِما عَدَمُ إرادَةِ مُعَيَّنٍ مِنهُما، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ البِئْرَ كانَتْ لِأهْلِ عَدَنٍ مِنَ اليَمَنِ وهي الرَّسُّ، وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّ القَصْرَ بَناهُ عادٌ الثّانِي.

صفحة 167

وعَنِ الضَّحّاكِ وغَيْرِهِ أنَّ القَصْرَ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ بِحَضْرَمَوْتَ والبِئْرَ بِسَفْحِهِ وأنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ عَلَيْها مَعَ أرْبَعَةِ آلافِ نَفَرٍ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ ونَجّاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العَذابِ، وسُمِّيَتْ حَضْرَمَوْتَ بِفَتْحِ الرّاءِ والمِيمِ ويُضَمّانِ ويُبْنى ويُضافُ لِأنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ حَضَرَها ماتَ، وعِنْدَ البِئْرِ بَلْدَةٌ اسْمُها حاضُورا بَناها قَوْمُ صالِحٍ وأمَّرُوا عَلَيْها جَلْهَسَ بْنَ جُلاسٍ وأقامُوا بِها زَمانًا ثُمَّ كَفَرُوا وعَبَدُوا صَنَمًا وأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوانَ نَبِيًّا فَقَتَلُوهُ في السُّوقِ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ آخِرِهِمْ وعَطَّلَ سُبْحانَهُ بِئْرَهم وقَصْرَهم.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إرادَةُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ وفِيهِ بُعْدٌ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском