Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:18–22
23:18Page 343
وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ ١٨
And We have sent down rain from the sky in a measured amount and settled it in the earth. And indeed, We are Able to take it away.
﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ ماءً هو المَطَرُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والمُرادُ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ أوِ السَّحابُ أوْ مَعْناها المَعْرُوفُ ولا يَعْجِزُ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، وكانَ الظّاهِرُ عَلى هَذا- مِنها- بَدَلُ ( السَّماءِ ) لِيَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الطَّرائِقِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى الإضْمارِ لِأنَّ الإنْزالَ مِنها لا يُعْتَبَرُ فِيهِ كَوْنُها طَرائِقَ بَلْ مُجَرَّدَ كَوْنِها جِهَةَ العُلُوِّ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِقَدَرٍ﴾ صِفَةُ ماءٍ أيْ أنْزَلَنا ماءً مُتَلَبِّسًا بِمِقْدارِ ما يَكْفِيهِمْ في حاجِهِمْ ومَصالِحِهِمْ أوْ بِتَقْدِيرٍ لائِقٍ لِاسْتِجْلابِ مَنافِعِهِمْ ودَفْعِ مُضارِّهِمْ، وجَوَّزَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنْزالًا مُتَلَبِّسًا بِذَلِكَ، وقِيلَ: في الجارِّ والمَجْرُورِ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلْناهُ ثابِتًا قارًّا فِيها ومِن ذَلِكَ ماءُ العُيُونِ ونَحْوُها، ومُعْظَمُ الفَلاسِفَةِ يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ الماءَ مِنِ انْقِلابِ البُخارِ المُحْتَبَسِ في الأرْضِ ماءٍ إذا مالَ إلى جِهَةٍ مِنها وبَرْدٍ ولَيْسَ لِماءِ المَطَرِ دَخْلٌ فِيهِ، وكَوْنُهُ مِنَ السَّماءِ بِاعْتِبارِ أنَّ لِأشِعَّةِ الكَواكِبِ الَّتِي فِيها مُدْخَلًا فِيهِ مِن حَيْثُ الفاعِلِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ سِينا في نَجاتِهِ: هَذِهِ الأبْخِرَةُ المُحْتَبِسَةُ في الأرْضِ إذا انْبَعَثَ عُيُونًا أمَدَّتِ البِحارَ بِصَبِّ الأنْهارِ إلَيْها ثُمَّ ارْتَفَعَ مِنَ البِحارِ والبَطائِحِ وبُطُونِ الجِبالِ خاصَّةً أبْخِرَةً أُخْرى ثُمَّ قُطِّرَتْ ثانِيًا إلَيْها فَقامَتْ بَدَلَ ما يَتَحَلَّلُ مِنها عَلى الدَّوْرِ دائِمًا. وما في الآيَةِ يُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو البَرَكاتِ البَغْدادِيُّ مِنهم فَقَدْ قالَ في المُعْتَبَرِ: إنَّ السَّبَبَ في العُيُونِ والقَنَواتِ وما يَجْرِي مَجْراها هو ما يُسِيلُ مِنَ الثُّلُوجِ ومِياهِ الأمْطارِ لِأنّا نَجِدُها تَزِيدُ بِزِيادَتِها وتَنْقُصُ
صفحة 19
بِنُقْصانِها وإنَّ اسْتِحالَةَ الأهْوِيَةِ والأبْخِرَةِ المُنْحَصِرَةِ في الأرْضِ لا مَدْخَلَ لَها في ذَلِكَ فَإنَّ باطِنَ الأرْضِ في الصَّيْفِ أشَدُّ بَرْدًا مِنهُ في الشِّتاءِ فَلَوْ كانَ ذَلِكَ سَبَبَ اسْتِحالَتِها لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العُيُونُ والقَنَواتُ ومِياهُ الآبارِ في الصَّيْفِ أزْيَدُ وفي الشِّتاءِ أنْقَصُ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ التَّجْرِبَةُ انْتَهى، واخْتارَ القاضِي حُسَيْنٌ المُبِيدِيُّ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ مَدْخَلًا، واعْتَرَضَ عَلى دَلِيلِ أبِي البَرَكاتِ بِأنَّهُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى نَفْيِ كَوْنِ تِلْكَ الِاسْتِحالَةِ سَبَبًا تامًّا وأمّا عَلى أنَّها لا مَدْخَلَ لَها أصْلًا فَلا.
والحُقُّ ما يَشْهَدُ لَهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى فَهو سُبْحانُهُ أعْلَمُ بِخَلْقِهِ، وكُلُّ ما يَذْكُرُهُ الفَلاسِفَةُ في أمْثالِ هَذِهِ المَقاماتِ لا دَلِيلَ لَهم عَلَيْهِ يُفِيدُ اليَقِينَ كَما أشارَ إلَيْهِ شارِحُ حِكْمَةِ العَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الماءِ ماءُ أنْهارٍ خَمْسَةٍ،
فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ خَمْسَةَ أنْهارٍ سَيِّحُونَ وهو نَهْرُ الهِنْدِ وجِيحُونُ وهو نَهْرُ بِلَخٍ ودِجْلَةُ والفُراتُ وهُما نَهْرا العِراقِ والنِّيلُ وهو نَهْرُ مِصْرَ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى مِن عَيْنٍ واحِدَةٍ مِن عُيُونِ الجَنَّةِ مِن أسْفَلِ دَرَجَةٍ مِن دَرَجاتِها عَلى جَناحَيْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَوْدَعَها الجِبالَ وأجْراها في الأرْضِ»»
وجَعَلَها مَنافِعَ لِلنّاسِ في أصْنافِ مَعايِشِهِمْ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ ماءً ﴿بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ فَإذا كانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَرَفَعَ مِنَ الأرْضِ القُرْآنَ والعِلْمَ كُلَّهُ والحَجَرَ مِن رُكْنِ البَيْتِ ومَقامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتابُوتَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما فِيهِ وهَذِهِ الأنْهارَ الخَمْسَةَ فَيَرْفَعُ كُلَّ ذَلِكَ إلى السَّماءِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ فَإذا رُفِعَتْ هَذِهِ الأشْياءُ مِنَ الأرْضِ فَقَدْ أهَلَها خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. ولا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ أنَّ هَذا الخَبَرَ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُويَهٍ والخَطِيبُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، نَعَمْ حَدِيثُ أرْبَعَةِ أنْهارٍ مِنَ الجَنَّةِ سَيْحانَ وجِيحانَ وهُما غَيْرُ سَيْحُونَ وجِيحُونَ لِأنَّهُما نَهْرانِ بِالعَواصِمِ عِنْدَ المُصِيصَةِ وطَرْسُوسَ وسِيحُونَ وجِيحُونَ نَهْرا الهِنْدِ وبِلَخٍ كَما سَمِعْتَ عَلى ما قالَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ والفُراتُ والنِّيلُ صَحِيحٌ لَكِنَّ الكَلامَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ بِذَلِكَ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ حَمَلَ الماءَ عَلى ما يَعُمُّ ماءَ المَطَرِ وماءَ البَحْرِ وقالَ لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا وهو مِنَ السَّماءِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوْفَقَ بِالأخْبارِ وبِما يَذْكُرُ بَعْدُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَوْنُ المُرادُ بِهِ ما عَدا ماءُ البَحْرِ.
﴿وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ أيْ عَلى إزالَتِهِ بِإخْراجِهِ عَنِ المائِيَّةِ أوْ بِتَغْوِيرِهِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ اسْتِخْراجُهُ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ ﴿لَقادِرُونَ﴾ كَما كُنّا قادِرِينَ عَلى إنْزالِهِ، فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ وفي تَنْكِيرِ ﴿ذَهابٍ﴾ إيماءٌ إلى كَثْرَةِ طَرْقِهِ لِعُمُومُ النَّكِرَةِ وإنْ كانَتْ في الإثْباتِ وبِواسِطَةِ ذَلِكَ تُفْهَمُ المُبالِغَةُ في الإثْباتِ، وهَذِهِ الآيَةُ أكْثَرُ مُبالَغَةً مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [المُلْكُ: 30] .
وذَكَرَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وجْهًا لِلْأبْلَغِيَّةِ، الأوَّلُ أنَّ ذَلِكَ عَلى الفُرُوضِ والتَّقْدِيرِ، وهَذا الجَزْمُ عَلى مَعْنى أنَّهُ أدَلُّ عَلى تَحْقِيقِ ما أُوعِدُ بِهِ وإنْ لَمْ يَقَعِ، الثّانِي التَّوْكِيدُ بِأنَّ الثّالِثَ اللّامُ في الخَبَرِ الرّابِعِ أنَّ هَذِهِ في مُطْلَقِ الماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ وتِلْكَ في ماءٍ مُضافٍ إلَيْهِمُ الخامِسُ أنَّ الغائِرَ قَدْ يَكُونُ باقِيًا بِخِلافِ الذّاهِبِ السّادِسُ ما في تَنْكِيرِ ﴿ذَهابٍ﴾ مِنَ المُبالَغَةِ السّابِعُ إسْنادُهُ هاهُنا إلى مَذْهَبٍ بِخِلافِهِ تَمُتُّ حَيْثُ قِيلَ ﴿غَوْرًا﴾ . الثّامِنُ ما في ضَمِيرِ المُعَظِّمِ نَفْسِهِ مِنَ الرَّوْعَةِ التّاسِعُ ما في «قادِرُونَ» مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ والفِعْلُ الواقِعُ مِنَ القادِرِ أبْلَغُ. العاشِرُ ما في جَمْعِهِ. الحادِيُ عَشَرَ ما في لَفْظِ ﴿بِهِ﴾ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما يُمْسِكُهُ
صفحة 20
فَلا مُرْسَلَ لَهُ، الثّانِي عَشَرَ إخْلاؤُهُ مِنَ التَّعْقِيبِ بِأطْماعٍ وهُنالِكَ ذَكَرَ الإتْيانَ المَطْمَعَ. الثّالِثَ عَشَرَ تَقْدِيمُ ما فِيهِ الإيعادُ وهو الذَّهابُ عَلى ما هو كالمُتَعَلِّقِ لَهُ أوْ مُتَعَلِّقَةٍ عَلى المَذْهَبَيْنِ البَصَرِيِّ والكُوفِيِّ. الرّابِعَ عَشَرَ ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ الِاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ مِنَ التَّفاوُتِ ثَباتًا وغَيْرِهِ.
الخامِسَ عَشَرَ ما في لَفْظِ «أصْبَحَ» مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِانْتِقالِ والصَّيْرُورَةِ. السّادِسُ عَشَرَ أنَّ الإذْهابَ هاهُنا مُصَرَّحٌ بِهِ.
وهُنالِكَ مَفْهُومٌ مِن سِياقِ الِاسْتِفْهامِ. السّابِعَ عَشَرَ أنَّ هُنالِكَ نَفْيَ ماءٍ خاصٌّ أعْنِي المُعِينَ بِخِلافِهِ هاهُنا. الثّامِنَ عَشَرَ اعْتِبارُ مَجْمُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي يَكْفِي كُلٌّ مِنها مُؤَكَّدًا. ثُمَّ قالَ: هَذا ما يَحْضُرُنا الآنَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ اْهْـ. وفي النَّفْسِ مَن عَدَّ الأخِيرَ وجْهًا شَيْءٌ.
وقَدْ يُزادُ عَلى ذَلِكَ فَيُقالُ: التّاسِعَ عَشَرَ إخْبارُهُ تَعالى نَفْسُهُ بِهِ مِن دُونِ أمْرٍ لِلْغَيْرِ هاهُنا بِخِلافِهِ هُنالِكَ فَإنَّهُ سُبْحانُهُ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ. العِشْرُونَ عَدَمُ تَخْصِيصِ مُخاطِبٍ هاهُنا وتَخْصِيصُ الكَفّارِ بِالخِطابِ هُنالِكَ. الحادِي والعِشْرُونَ التَّشْبِيهُ المُسْتَفادُ مِن جَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا كَما أشَرْنا إلَيْهِ فَإنَّهُ يُفِيدُ تَحْقِيقَ القُدْرَةِ ولا تَشْبِيهَ ثُمَّتَ. الثّانِي والعِشْرُونَ إسْنادُ القُدْرَةِ إلَيْهِ تَعالى مَرَّتَيْنِ، وقَدْ زادَ بَعْضُ أجِلَّةِ أهْلِ العَصْرِ المُعاصِرِينَ سُلافَ التَّحْقِيقِ مِن كَرَمِ أذْهانِهِمُ الكَرِيمَةِ أكْرَمَ عَصْرٍ أعْنِي بِهِ ثالِثَ الرّافِعِيِّ والنَّواوِيَّ أخِي المُلّا مُحَمَّدٍ أفَنْدِيٍّ الزَّهاوِيُّ فَقالَ: الثّالِثُ والعِشْرُونَ تَضْمِينُ الإيعادِ هُنا إيعادُهم بِالإبْعادِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ ذَهَبَ بِهِ يَسْتَلْزِمُ مُصاحِبَةَ الفاعِلِ المَفْعُولِ وذَهابُ اللَّهِ تَعالى عَنْهم مَعَ الماءِ بِمَعْنى ذَهابِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ عَنْهم ولَعْنِهِمْ وطَرْدِهِمْ عَنْها ولا كَذَلِكَ ما هُناكَ. الرّابِعُ والعِشْرُونَ أنَّهُ لَيْسَ الوَقْتُ لِلذَّهابِ مُعَيَّنًا هُنا بِخِلافِهِ في ﴿إنْ أصْبَحَ﴾ فَإنَّهُ يَفْهَمُ مِنهُ أنَّ الصَّيْرُورَةَ في الصُّبْحِ عَلى أحَدِ اسْتِعْمالَيْ أصْبَحَ ناقِصًا. الخامِسُ والعِشْرُونَ أنَّ جِهَةَ الذَّهابِ بِهِ لَيْسَتْ مُعَيَّنَةً بِأنَّها السُّفْلَ. السّادِسُ والعِشْرُونَ أنَّ الإيعادَ هُنا بِما لَمْ يُبْتَلَوْا بِهِ قَطُّ بِخِلافِهِ بِما هُنالِكَ. السّابِعُ والعِشْرُونَ إنَّ المَوْعِدَ بِهِ هُنا إنْ وقَعَ فَهم هالِكُونَ البَتَّةَ. الثّامِنُ والعِشْرُونَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ هُنا لَهم مُتَشَبِّثٌ ولَوْ ضَعِيفًا في تَأْمِيلِ امْتِناعِ المَوْعِدِ بِهِ وهُناكَ حَيْثُ أسْنَدَ الإصْباحَ غَوْرًا إلى الماءِ ومَعْلُومٌ أنَّ الماءَ لا يُصْبِحُ غَوْرًا بِنَفْسِهِ كَما هو تَحْقِيقُ مَذْهَبِ الحَكِيمِ أيْضًا احْتَمَلَ أنْ يَتَوَهَّمَ الشُّرْطِيَّةَ مَعَ صِدْقِها مُمْتَنِعَةَ المُقَدَّمِ فَيَأْمَنُوا وُقُوعَهُ. التّاسِعُ والعِشْرُونَ أنَّ المَوْعِدَ بِهِ هُنا يَحْتَمِلُ في بادِي النَّظَرِ وُقُوعَهُ حالًا بِخِلافِهِ هُناكَ فَإنَّ المُسْتَقْبَلَ مُتَعَيِّنٌ لِوُقُوعِهِ لِمَكانِ ( إنْ ) وظاهِرٌ أنَّ التَّهْدِيدَ بِمُحْتَمَلِ الوُقُوعِ في الحالِ أهْوَلُ ومُتَعَيِّنُ الوُقُوعِ في الِاسْتِقْبالِ أهْوَنُ. الثَّلاثُونَ أنَّ ما هُنا لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الإيعادِ بِخِلافِ ما هُناكَ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ ولَوْ عَلِمَ بَعْدَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الِامْتِنانَ بِأنَّهُ ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ فَلا يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، ويُؤَيِّدُهُ ما سَنَّ بَعْدَهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ رَبُّنا ورَبُّ العالَمِينَ انْتَهى فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ واللَّهُ تَعالى الهادِي لِأسْرارِ كِتابِهِ.
واخْتِيرَتِ المُبالَغَةُ هاهُنا عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِيها إذْ هو لِتَعْدادِ آياتِ الآفاقِ والأنْفُسِ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ الدَّلالَةَ عَلى القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ مَعَ كَمالِ عَظَمَةِ المُتَّصِفِ بِهِما ولِذا ابْتُدِئَ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِخِلافِ ما تَمَّتْ فَإنَّهُ تَتْمِيمٌ لِلْحَثِّ عَلى العِبادَةِ والتَّرْغِيبِ فِيها وهو كافٍ في ذَلِكَ.
23:19Page 343
فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ١٩
And We brought forth for you thereby gardens of palm trees and grapevines in which for you are abundant fruits and from which you eat.
﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ الماءِ وهو ظاهِرٌ فِيما عَلَيْهِ السَّلَفُ، وقالَ الخَلَفُ: المُرادُ أنْشَأْنا عِنْدَهُ ﴿جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ قَدَّمَهُما لِكَثْرَتِهِما وكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِهِما لا سِيَّما في الحِجازِ والطّائِفِ والمَدِينَةِ ﴿لَكم فِيها﴾ أيْ في الجَنّاتِ ﴿فَواكِهُ كَثِيرَةٌ﴾
صفحة 21
تَتَفَكَّهُونَ بِها وتَتَنَعَّمُونَ زِيادَةً عَلى المُعْتادِ مِنَ الغِذاءِ الأصْلِيِّ، والمُرادُ بِها ما عَدا ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ.
﴿ومِنها﴾ أيْ مِنَ الجَنّاتِ والمُرادُ مِن زُرُوعِها وثِمارِها، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ وقِيلَ إنَّها تَبْعِيضِيَّةٌ ومَضْمُونُها مَفْعُولٌ ﴿تَأْكُلُونَ﴾ والمُرادُ بِالأكْلِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَنِ العَيْشِ مُطْلَقًا أيْ ومِنها تُرْزَقُونَ وتَحْصُلُونَ مَعايِشَكم مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَتِهِ، وجَوَّزَ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرانِ لِلنَّخِيلِ والأعْنابِ أيْ لَكم في ثَمَراتِها أنْواعٌ مِنَ الفَواكِهِ الرُّطَبِ والعِنَبِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ والدِّبْسِ مِن كُلٍّ مِنهُما وغَيْرِ ذَلِكَ وطَعامٍ تَأْكُلُونَهُ فَثَمَرَتُها جامِعَةٌ لِلتَّفَكُّهِ والغِذاءِ بِخِلافِ ثَمَرَةِ ما عَداهُما وعَلى هَذا تَكُونُ الفاكِهَةُ مُطْلَقَةً عَلى ثَمَرَتِهِما.
وذَكَرَ الرّاغِبُ في الفاكِهَةِ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ أنَّها الثِّمارُ كُلُّها، والثّانِي أنَّها ما عَدا العِنَبُ والرُّمّانُ، وصاحِبُ القامُوسِ اخْتارَ الأوَّلَ وقالَ: قَوْلُ مُخْرِجِ التَّمْرِ والرُّمّانِ مِنها مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرَّحْمَنُ: 68] باطِلٌ مَرْدُودٌ، وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ مَبْسُوسًا في اللّامِعِ المُعَلِّمُ العُجابِ اْهْـ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ لِلْفُقَهاءِ خِلافًا في الفاكِهَةِ فَذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّها التُّفّاحُ والبِطِّيخُ والمِشْمِشُ والكُمِّثْرى ونَحْوُها لا العِنَبُ والرُّمّانُ والرُّطَبُ، وقالَ صاحِباهُ:
المُسْتَثْنَياتُ أيْضًا فاكِهَةٌ وعَلَيْهِ الفَتْوى، ولا خِلافَ كَما في القَهِسْتانِيِّ نَقْلًا عَنِ الكَرْمانِيِّ في أنَّ اليابِسَ مِنها كالزَّبِيبِ والتَّمْرِ وحَبِّ الرُّمّانِ لَيْسَ بِفاكِهَةٍ.
وفِي الدُّرِّ المُخْتارِ أنَّ الخِلافَ بَيْنَ الإمامِ وصاحِبَيْهِ خِلافُ عَصْرٍ فالعِبْرَةُ فِيمَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ الفاكِهَةَ العُرْفَ فَيَحْنَثُ بِأكْلِ ما يُعَدُّ فاكِهَةً عَرَفا ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّمَنِيُّ وأقَرَّهُ الغُزِيُّ، ولا يَخْفى أنَّ شَيْئًا واحِدًا يُقالُ لَهُ فاكِهَةً في عُرْفِ قَوْمٍ ولا يُقالُ لَهُ ذَلِكَ في عُرْفِ آخَرِينَ، فَفي النَّهْرِ عَنِ المُحِيطِ ما رُوِيَ مِن أنَّ الجَوْزَ واللَّوْزَ فاكِهَةٌ فَهو في عُرْفِهِمْ أمّا في عُرْفِنا فَإنَّهُ لا يُؤْكَلُ لِلتَّفَكُّهِ اْهْـ، ثُمَّ إنِّي لَمْ أرَ أحَدًا مِنَ اللُّغَوِيِّينَ ولا مِنَ الفُقَهاءِ عَدَّ الدِّبْسَ فاكِهَةً فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.
23:20Page 343
وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ ٢٠
And [We brought forth] a tree issuing from Mount Sinai which produces oil and food [i.e., olives] for those who eat.
﴿وشَجَرَةً﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى ﴿جَنّاتٍ﴾، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والأوْلى تَقْدِيرُهُ مُقَدَّمًا أيْ أنْشَأْنا لَكم شَجَرَةً ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ وهو جَبَلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي ناجى رَبَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَهُ وهو بَيْنَ مِصْرَ وأيَلَةَ، ويُقالُ لَها اليَوْمَ العَقَبَةُ، وقِيلَ بِفِلَسْطِينَ مِن أرْضِ الشّامِ، ويُقالُ لَهُ طُورُ سِينِينَ، وجُمْهُورُ العَرَبِ عَلى فَتْحِ سِينِ سَيْناءَ والمَدُّ. وبِذَلِكَ قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ويَعْقُوبُ وأكْثَرُ السَّبْعَةِ هو اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ والطُّورُ اسْمٌ لِلْجَبَلِ المَخْصُوصِ أوْ لِكُلِّ جَبَلٍ وهو مُضافٌ إلى ﴿سَيْناءَ﴾ كَما أجْمَعُوا عَلَيْهِ، ويُقْصَدُ تَنْكِيرُهُ عَلى الأوَّلِ كَما في سائِرِ الأعْلامِ إذا أُضِيفَتْ وعَلى الثّانِي يَكُونُ طُورُ سَيْناءَ كَمَنارَةِ المَسْجِدِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ كامْرِئِ القَيْسِ بِمَعْنى أنَّهُ جَعَلَ مَجْمُوعَ المُضافِ والمُضافَ إلَيْهِ عِلْمًا عَلى ذَلِكَ العِلْمِ، وقِيلَ سَيْناءُ اسْمٌ لِحِجارَةٍ بِعَيْنِها أُضِيفَ الجَبَلُ إلَيْها لِوُجُودِها عِنْدَهُ. ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وفي الصِّحاحِ طُورُ سَيْناءَ جَبَلٌ بِالشّامِ وهو طُورٌ أُضِيفَ إلى سَيْناءَ وهو شَجَرٌ وقِيلَ هو اسْمُ الجَبَلِ والإضافَةُ مِن إضافَةِ العامُ الى الخاصِّ كَما في جَبَلِ أُحُدٍ.
وحُكِيَ هَذا القَوْلُ في البَحْرِ عَنِ الجُمْهُورِ لَكِنْ صُحِّحَ القَوْلُ بِأنَّهُ اسْمُ البُقْعَةِ وهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْألِفِ
صفحة 22
المَمْدُودَةِ فَوَزْنُهُ فَعْلاءُ كَصَحْراءَ، وقِيلَ: مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقِيلَ: لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ بِتَأْوِيلِ البُقْعَةِ ووَزْنُهُ فَيُعالُ لا فَعِلالَ إذْ لا يُوجَدُ هَذا الوَزْنِ في غَيْرِ المُضاعَفِ في كَلامُ العَرَبِ إلّا نادِرًا كَخَزْعالٍ لِظَلْعِ الإبِلِ حَكاهُ الفِراءُ ولَمْ يُثْبِتْهُ أبُو البَقاءِ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ بَلْ هو إمّا نَبَطِيٌّ أوْ حَبَشِيٌّ وأصْلُ مَعْناهُ الحَسَنُ أوِ المُبارَكُ، وجَوَّزَ بَعْضٌ أنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا مِنَ السَّناءِ بِالمَدِّ وهو الرِّفْعَةُ أوِ السِّنا بِالقَصْرِ وهو النُّورُ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المادَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتانِ لِأنَّ عَيْنَ السَّناءِ أوِ السِّنا نُونٌ وعَيْنُ سَيْناءَ ياءٌ. ورَدَّ بِأنَّ القائِلَ بِذَلِكَ يَقُولُ إنَّهُ فَيُعالُ ويَجْعَلُ عَيْنَهُ النُّونَ وياءَهُ مَزِيدَةً وهَمْزَتَهُ مُنْقَلِبَةً عَنْ واوٍ، الحُرْمَيانُ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ «سِيناءُ» بِكَسْرِ السِّينِ والمَدِّ وهي لُغَةٌ لِبَنِي كِنانَةَ وهو أيْضًا مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْألِفِ المَمْدُودَةِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ لِأنَّهم يُثْبِتُونَ أنَّ هَمْزَةَ فَعْلاءَ تَكُونُ لِلتَّأْنِيثِ: وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ أوِ العَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ لِأنَّ ألِفَ فَعْلاءَ عِنْدِهِمْ لا تَكُونُ لِلتَّأْنِيثِ بَلْ لِلْإلْحاقِ بِفَعْلالٍ كَعِلْباءَ وحِزْباءَ وهو مُلْحَقٌ بِقِرْطاسٍ وسَرْداحٍ وهَمْزَتُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ أوْ ياءٍ لِأنَّ الإلْحاقَ يَكُونُ بِهِما، وقالَ أبُو البَقاءِ: هَمْزَةُ سِيناءَ بِالكَسْرِ أصْلٌ مِثْلُ حِمْلاقٍ ولَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ إذْ لَيْسَ في الكَلامِ مِثْلَ حَمْراءَ والياءُ أصْلٌ إذْ لَيْسَ في الكَلامِ سَناءٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ فَيْعالًا كَدِيماسٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ «سِينا» بِالفَتْحِ والقَصْرِ، وقُرِئَ «سَناءُ» بِالكَسْرِ والقَصْرِ فَألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ إنْ لَمْ يَكُنْ أعْجَمِيًّا، والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأشْجارِ لِاسْتِقْلالِها بِمَنافِعَ مَعْرُوفَةٍ. وقَدْ قِيلَ هي أوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ وتُعَمَّرُ كَثِيرًا، فَفي التَّذْكِرَةِ أنَّها تَدُومُ ألْفَ عامٍ ولا تَبْعُدُ صِحَّتَهُ لَكِنَّ عِلَلَهُ بِقَوْلِهِ: لِتَعَلُّقِها بِالكَوْكَبِ العالِي وهو بَعِيدُ الصِّحَّةِ. وفي تَفْسِيرِ الخازِنِ قِيلَ تَبْقى ثَلاثَةَ آلافِ سَنَةً وتَخْصِيصُها بِالوَصْفِ بِالخُرُوجِ مِنَ الطُّورِ مَعَ خُرُوجِها مِن سائِرِ البِقاعِ أيْضًا وأكْثَرُ ما تَكُونُ في المَواضِعِ الَّتِي زادَ عَرْضُها عَلى مَيْلِها واشْتَدَّ بَرْدُها وكانَتْ جَبَلِيَّةً ذا تُرْبَةٍ بَيْضاءَ أوْ حَمْراءَ لِتَعْظِيمِها أوْ لِأنَّهُ المَنشَأُ الأصْلِيُّ لَها. ولَعَلَّ جَعْلَهُ لِلتَّعْظِيمِ أوْلى فَيَكُونُ هَذا مَدْحًا لَها بِاعْتِبارِ مَكانِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ مَدْحًا لَها بِاعْتِبارِ ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِها، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والمُصاحَبَةِ مِثْلِها في قَوْلِكَ: جاءَ بِثِيابِ السَّفَرِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ الشَّجَرَةِ أيْ تُنْبِتُ مُلْتَبِسَةٌ بِالدُّهْنِ وهو عُصارَةُ كُلِّ ما فِيهِ دَسَمٌ، والمُرادُ بِهِ هُنا الزَّيْتُ ومُلابَسَتُها بِهِ بِاعْتِبارِ مُلابَسَةِ ثَمَرِها فَإنَّهُ المَلابِسُ لَهُ في الحَقِيقَةِ.
وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ مُتَعَلِّقَةً بِالفِعْلِ مَعِدِيَّةً لَهُ كَما في قَوْلِكَ: ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ كَأنَّهُ قِيلَ: تَنْبُتُ الدُّهْنَ بِمَعْنى تَتَضَمَّنُهُ وتُحَصِّلُهُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا وإنْ صَحَّ إلّا أنَّ إنْباتَ الدُّهْنِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ في الِاسْتِعْمالِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وسَلامٌ وسَهْلٌ ورُوَيْسٌ والجَحْدَرِيُّ «تُنْبِتُ» بِضَمُ التّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ وكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مِن بابِ الأفْعالِ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مِن أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ فالهَمْزَةُ فِيهِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ وقَدْ جاءَ كَذَلِكَ في قَوْلِ زُهَيْرٍ:
رَأيْتُ ذَوِي الحاجاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قِطَّيْنا لَهم حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلَ
وأنْكَرَ ذَلِكَ الأصْمَعِيُّ وقالَ: إنَّ الرِّوايَةَ في البَيْتِ نَبْتٌ بِدُونِ هَمْزَةٍ مَعَ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَمْزَةً أنْبُتُ فِيهِ إنْ كانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ بِتَقْدِيرِ مَفْعُولٍ أيْ أنْبَتَ البَقْلُ ثَمَرَهُ أوْ ما يَأْكُلُونَ، ومِنهم مَن خَرَجَ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ وقالَ: التَّقْدِيرُ تُنْبِتُ زَيْتُونَها بِالدُّهْنِ، والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى هَذا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ
صفحة 23
المُسْتَتِرِ في الفِعْلِ وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَةُ: 195] ونِسْبَةُ الإنْباتِ إلى الشَّجَرَةِ بَلْ وإلى الدُّهْنِ مَجازِيَّةٌ قالَ الخَفاجِيُّ: ويُحْتَمَلُ تَعْدِيَةُ أنْبُتُ بِالباءِ لِمَفْعُولٍ ثانٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ والزَّهْرِيُّ وابْنُ هُرْمُزَ «تُنْبِتُ» بِضَمِّ أوَّلِهِ وفَتْحِ ما قَبْلَ آخِرِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ «تُنْبِتُ» مِنَ الأفْعالِ «الدُّهْنِ» بِالنَّصْبِ وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ والأشْهَبُ «بِالدِّهانِ» جَمْعُ دُهْنٍ كَرِماحٍ جَمْعُ رُمْحٍ، وما رَوَوْا مِن قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ تُخْرِجُ الدُّهْنَ وقِراءَةُ أُبَيٍّ تُثْمِرُ بِالدُّهْنِ مَحْمُولٌ عَلى التَّفْسِيرِ ما في البَحْرِ لِمُخالَفَتِهِ سَوادِ المُصْحَفِ المُجَمَعِ عَلَيْهِ ولِأنَّ الرِّوايَةَ الثّابِتَةَ عَنْهُما كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
﴿وصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الدُّهْنِ، ومُغايَرَتُهُ لَهُ الَّتِي يَقْتَضِيها العَطْفُ بِاعْتِبارِ المَفْهُومِ وإلّا فَذاتُهُما واحِدَةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ جاءَ كَثِيرًا تَنْزِيلُ تَغايُرِ المَفْهُومَيْنِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنُ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثُ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحِمِ
والمَعْنى تَنْبُتُ بِالشَّيْءِ الجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ دُهْنٌ يُدْهَنُ بِهِ ويُسْرَجُ مِنهُ وكَوْنُهُ إدامًا يَصْبُغُ فِيهِ الخُبْزُ أيْ يَغْمِسُ لِلِائْتِدامِ قالَ في المَغْرِبِ يُقالُ: صَبَغَ الثَّوْبَ بِصَبْغٍ حَسَنٍ وصَبّاغٍ ومِنهُ الصَّبْغُ والصَّبّاغُ مِنَ الإدامِ لِأنَّ الخُبْزَ يَغْمِسُ فِيهِ ويُلَوَّنُ بِهِ كالخَلِّ والزَّيْتِ، وظاهِرُ هَذا اخْتِصاصُهُ بِكُلِّ إدامٍ مائِعٍ وبِهِ صَرْحٌ في المِصْباحِ. وصَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّ إطْلاقَ الصَّبْغِ عَلى ذَلِكَ مَجازٌ، ولَعَلَّ في كَلامُ المَغْرِبِ نَوْعُ إشارَةٍ إلَيْهِ ورَوِيٍّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: الدُّهْنُ الزَّيْتُ والصَّبْغُ الزَّيْتُونُ وعَلى هَذا يَكُونُ العَطْفُ مِن عَطْفِ المُتَغايِرَيْنِ ذاتًا وهو الأكْثَرُ في العَطْفِ، ولا بُدَّ أنْ يُقالَ عَلَيْهِ: إنَّ الصَّبْغَ الإدامُ مُطْلَقًا وهو ما يُؤْكَلُ تَبَعًا لِلْخُبْزِ في الغالِبِ مائِعًا كانَ أمْ جامِدًا والزَّيْتُونُ أكْثَرُ ما يَأْكُلُهُ الفُقَراءُ في بِلادِنا تَبَعًا لِلْخُبْزِ والأغْنِياءُ يَأْكُلُونَهُ تَبَعًا لِنَحْوِ الأُرْزِ وقَلَّما يَأْكُلُونَهُ تَبَعًا لِلْخُبْزِ، وأنا مَشْغُوفٌ بِهِ مُذُّ أنا يافِعٌ فَكَثِيرًا ما آكُلُهُ تَبَعًا واسْتِقْلالًا، وأمّا الزَّيْتُ فَلَمْ أرَ في أهْلِ بَغْدادَ مَنِ اصْطَبَغَ مِنهُ وشَذَّ مَن أكَلَ مِنهم طَعامًا وهو فِيهِ وأكْثَرُهم يَعْجَبُ مِمَّنْ يَأْكُلُهُ ومَنشَأُ ذَلِكَ قِلَّةُ وجُودِهِ عِنْدَهم وعَدَمُ الفَهْمِ لَهُ فَتَعافُهُ نُفُوسُهُمْ، وقَدْ كُنْتُ قَدِيمًا تَعافُهُ نَفْسِي وتَدْرِيجًا ألِفَتْهُ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى، فَقَدْ كانَ ﷺ يَأْكُلُهُ.
وصَحَّ «أنَّهُ ﷺ طُبِخَ لَهُ لِسانَ شاةٍ بِزَيْتٍ فَأكَلَ مِنهُ».
وأخْرَجَ أبُو نَعِيمٍ في الطِّبِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كُلُوا الزَّيْتَ وادَّهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ شِفاءٌ مِن سَبْعِينَ داءً مِنها الجُذامُ»»
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في الأطْعِمَةِ عَنْ عُمْرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا ««كُلُوا الزَّيْتَ وادْهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ يَخْرُجُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ»»
لَكِنْ قالَ بَعْضُهُمْ: هَذا الأمْرُ لِمَن قَدَرَ عَلى اسْتِعْمالِهِ ووافَقَ مِزاجَهُ وهو كَذَلِكَ فَلا اعْتِراضَ عَلى مَن لَمْ يُوافِقْ مِزاجَهُ في عَدَمِ اسْتِعْمالِهِ بَلِ الظّاهِرُ حُرْمَةُ اسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ إنْ أضَرَّ بِهِ كَما قالُوا بِحُرْمَةِ اسْتِعْمالِ الصَّفْراوِيِّ لِلْعَسَلِ ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الأكْلِ والِادِّهانِ فَإنَّ الادِّهانَ بِهِ قَدْ يَضُرُّ كالأكْلِ، قالَ ابْنُ القَيِّمِ: الدُّهْنُ في البِلادِ الحارَّةِ كالحِجازِ مِن أسْبابِ حِفْظِ الصِّحَّةِ وإصْلاحِ البَدَنِ وهو كالضَّرُورِيِّ لِأهْلِها وأمّا في البِلادِ البارِدَةِ فَضارٌّ وكَثْرَةُ دَهْنِ الرَّأْسِ بِالزَّيْتِ فِيها فِيهِ خَطَرٌ عَلى البَصَرِ انْتَهى.
وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «وصِباغًا» وهو بِمَعْنى صَبْغٍ كَما مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ ومِنهُ دَبْغٌ ودَبّاغٌ ونُصْبُهُ بِالعَطْفِ عَلى مَوْضِعِ ﴿بِالدُّهْنِ﴾ وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قِيسٍ ومَتاعًا لِلْآكِلِينَ وهو مَحْمُولٌ عَلى التَّفْسِيرِ.
23:21Page 343
وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٢١
And indeed, for you in livestock is a lesson. We give you drink from that which is in their bellies, and for you in them are numerous benefits, and from them you eat.
﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ بَيانٌ لِلنِّعَمُ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الحَيَوانِ إثْرَ بَيانِ النِّعَمُ الفائِضَةِ مِن جِهَةِ الماءِ والنَّباتِ وقَدْ بَيَّنَ أنَّها مَعَ كَوْنِها في نَفْسِها نِعْمَةٌ يَنْتَفِعُونَ بِها عَلى وُجُوهٍ شَتّى عِبْرَةً لا بُدَّ مِن أنْ
صفحة 24
يَعْتَبِرُوا بِها ويَسْتَدِلُّوا بِأحْوالِها عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وسابِغِ رَحْمَتِهِ ويَشْكُرُوهُ ولا يَكْفُرُوهُ، وخَصَّ هَذا بِالحَيَوانِ لِما أنَّ مَحَلَّ العِبْرَةِ فِيهِ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ تَفْصِيلٌ لِما فِيها مِن مَواقِعِ العِبَرِ. وما في بُطُونِها عِبارَةٌ إمّا عَنِ الألْبانِ فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ والمُرادُ بِالبُطُونِ الأجْوافُ فَإنَّ اللَّبَنَ في الضُّرُوعِ أوْ عَنِ العَلَفِ الَّذِي يَتَكَوَّنُ مِنهُ اللَّبَنُ فَمِنِ ابْتِدائِيَّةٌ والبُطُونُ عَلى حَقِيقَتِها. وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ ﴿بُطُونِها﴾ لِلْأنْعامِ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ لا لِلْإناثِ مِنها عَلى اسْتِخْدامٍ لِأنَّ عُمُومَ ما بَعْدَهُ يَأْباهُ، وقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وبِالتّاءِ أيْ تَسْقِيكُمُ الأنْعامُ.
﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ غَيْرُ ما ذَكَرَ مِن أصْوافِها وأشْعارِها وأوْبارِها ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الأكْلَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ مِن أجْزاءِ الأنْعامِ ما لا يُؤْكَلُ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِلْفاصِلَةِ أوْ لِلْحَصْرِ الإضافِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلى الحَمِيرِ ونَحْوِها أوِ الحَصْرِ بِاعْتِبارِ ما في ( تَأْكُلُونَ ) مِنَ الدَّلالَةِ عَلى العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ، وكانَ هَذا بَيانٌ لِانْتِفاعِهِمْ بِأعْيانِها وما قَبْلَهُ بَيانٌ لِانْتِفاعِهِمْ بِمَرافِقِها وما يَحْصُلُ مِنها ويَجُوزُ عِنْدِي ولَمْ أرَ مَن صَرَّحَ بِهِ أنْ يَكُونَ الأكْلُ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَنِ التَّعَيُّشِ مُطْلَقًا كَما سَمِعْتُ قَبْلَ أيْ ومِنها تُرْزَقُونَ وتَحْصُلُونَ مَعايِشِكم.
23:22Page 343
وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٢٢
And upon them and on ships you are carried.
﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
فِي البَرِّ والبَحْرِ بِأنْفُسِكم وأثْقالِكم. وضَمِيرُ (علَيْها )
لِلْأنْعامِ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ أيْضًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَها بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِها الإبِلُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْدامِ لِأنَّها هي المَحْمُولُ عَلَيْها عِنْدَهم والمُناسِبَةُ لِلْفُلْكِ فَإنَّها سَفائِنُ البَرِّ قالَ ذُو الرُّمَّةِ في صَيْدَحَةٍ:
سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها وهَذا مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، وأمّا حَمْلُ الأنْعامِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الإبِلِ فَلا يُناسِبُ مَقامَ الِامْتِنانِ ولا سِياقَ الكَلامِ، وفي الجَمْعِ بَيْنَهُما وبَيْنَ الفُلْكِ في إيقاعِ الحَمْلِ عَلَيْها مُبالَغَةٌ في تَحَمُّلِها لِلْحَمْلِ، قِيلَ: وهَذا هو الدّاعِي إلى تَأْخِيرِ هَذِهِ المَنفَعَةِ مَعَ كَوْنِها مِنَ المَنافِعِ الحاصِلَةِ مِنها عَنْ ذِكْرِ مَنفَعَةِ الأكْلِ المُتَعَلِّقَةِ بِعَيْنِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences