Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:47–52
23:47Page 345
فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ٤٧
They said, "Should we believe two men like ourselves while their people are for us in servitude?"
﴿فَقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى (اِسْتَكْبَرُوا ) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرَّرٌ لِلِاسْتِكْبارِ، والمُرادُ فَقالُوا فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ المُناصَحَةِ ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ ثَنّى البَشَرَ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مَرْيَمُ: 17] ويُطْلِقُ عَلى الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ [مَرْيَمُ: 26] ولَمْ يُثَنَّ مِثْلَ نَظَرًا إلى كَوْنِهِ في حُكْمُ المَصْدَرِ، ولَوْ أفْرَدَ البَشَرَ لَصَحَّ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ، وكَذا لَوْ ثَنّى المَثَلَ فَإنَّهُ جاءَ مُثَنًّى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ﴾ ومَجْمُوعًا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ نَظَرًا إلى أنَّهُ في تَأْوِيلِ الوَصْفِ إلّا أنَّ المُرَجَّحَ لِتَثْنِيَتِهِ الأوَّلُ وإفْرادُهُ الثّانِي الإشارَةُ بِالأوَّلِ إلى قِلَّتِهِما وانْفِرادِهِما عَنْ قَوْمِهِما مَعَ كَثْرَةِ المَلَإ واجْتِماعِهِمْ وبِالثّانِي إلى شِدَّةِ تَماثُلِهِمْ حَتّى كَأنَّهم مَعَ البَشَرَيْنِ شَيْءٌ واحِدٌ وهو أدَلُّ عَلى ما عَنَوْهُ.
وهَذِهِ القِصَصُ كَما تَرى تَدَلُّ عَلى أنَّ مَدارَ شِبْهِ المُنْكِرِينَ لِلنُّبُوَّةِ قِياسُ حالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أحْوالِهِمْ بِناءً عَلى جَهْلِهِمْ بِتَفاصِيلِ شُؤُونِ الحَقِيقَةِ البَشَرِيَّةِ وتَبايُنِ طَبَقاتِ أفْرادِها في مَراقِي الكَمالِ ومَهاوِي النُّقْصانِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَعْضُها في أعْلى عِلِّيِّينَ وهُمُ المُخْتَصُّونَ بِالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ المُؤَيِّدُونَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ المُتَعَلِّقُونَ لِصَفاءِ جَواهِرِهِمْ بِكِلا العالَمَيْنِ اللَّطِيفِ والكَثِيفِ فَيَتَلَقَّوْنَ مِن جانِبٍ ويُلْقُونَ إلى جانِبٍ ولا يَعُوقُهُمُ التَّعَلُّقُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ عَنِ التَّبَتُّلِ إلى حَضْرَةِ الحَقِّ وبَعْضُها في أسْفَلِ سافِلِينَ وهم كَأُولَئِكَ الجَهَلَةُ الَّذِينَ هم كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا.
ومِنَ العَجَبِ أنَّهم لَمْ يَرْضَوْا لِلنُّبُوَّةِ بِبَشَرٍ، وقَدْ رَضِيَ أكْثَرُهم لِلْإلَهِيَّةِ بِحَجَرٍ فَقاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى ما أجْهَلَهُمْ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ أيْ لا نُؤْمِنُ لَبِشَرَّيْنِ مِثْلِنا ﴿وقَوْمُهُما﴾ يَعْنُونَ سائِرَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿لَنا عابِدُونَ﴾ خادِمُونَ مُنْقادُونَ لَنا كالعَبِيدِ فَفي ﴿عابِدُونَ﴾ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ نَظَرًا إلى مُتَعارَفِ اللُّغَةِ.
ونَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ صَرَّحَ بِأنَّ العابِدَ بِمَعْنى الخادِمِ حَقِيقَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ لِلْمَلِكِ عابِدًا، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ الحَمْلَ عَلى حَقِيقَةِ العِبادَةِ فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ فادَّعى لِلنّاسِ العِبادَةَ عَلى الحَقِيقَةِ.
واعْتَرَضَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ المَلَإ وهو يَأْبى ذَلِكَ، وكَوْنُهم قالُوهُ عَلى لِسانِ فِرْعَوْنَ كَما يَقُولُ خَواصُّ مَلِكٍ: نَحْنُ ذَوُو رَعِيَّةٍ كَثِيرَةٍ ومُلْكٍ طَوِيلٍ عَرِيضٍ ومُرادُهم أنَّ مَلِكَنا ذُو رَعِيَّةٍ إلَخْ خِلافَ الظّاهِرِ، وقِيلَ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ القائِلُ فِرْعَوْنُ: لا يَلْزَمُ مِنِ ادِّعائِهِ الإلَهِيَّةِ عِبادَةَ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ أوْ كَوْنُهُ يَعْتَقِدُ أوْ يَدَّعِي عِبادَتَهم عَلى الحَقِيقَةِ لَهُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مَتى سَلَّمَ أنَّ القائِلَ فِرْعَوْنُ وأنَّهُ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ لا يَقْدَحُ
صفحة 37
فِي إرادَتِهِ حَقِيقَةُ العِبادِ عَدَمُ اعْتِقادِهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الآثارِ كَثِيرًا ما يَظْهَرُ خِلافَ ما يُبْطِنُ حَتّى أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ دَعْواهُ الإلَهِيَّةَ مِن ذَلِكَ، نَعَمِ، الأُولى تَفْسِيرٌ ﴿عابِدُونَ﴾ بِخادِمُونَ وهو مِمّا يَصِحُّ إسْنادُهُ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، وكَأنَّهم قَصَدُوا بِذَلِكَ التَّعْرِيضِ بِشَأْنِ الرَّسُولَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ وحَطَّ رُتْبَتَهُما العَلِيَّةَ عَنْ مَنصِبِ الرِّسالَةِ مِن وجْهٍ آخَرَ غَيْرِ البَشَرِيَّةِ، واللّامُ في ﴿لَنا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِعابِدُونَ قَدَّمَتْ عَلَيْهِ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، وقِيلَ لِلْحَصْرِ أيْ لَنا عابِدُونَ لا لَهُما، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ( نُؤْمِنُ ) مُؤَكِّدَةٌ لِإنْكارِ الإيمانِ لَهُما بِناءً عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ المُؤَسِّسِ عَلى قِياسِ الرِّياسَةِ الدِّينِيَّةِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الدّائِرَةِ عَلى التَّقَدُّمِ في نَيْلِ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنَ المالِ والجاهِ كَدَأْبِ قُرَيْشٍ حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفُ: 31] وجَهْلُهم بِأنَّ مَناطَ الِاصْطِفاءِ لِلرِّسالَةِ هو السَّبْقُ في حِيازَةِ النُّعُوتِ العَلِيَّةِ والمَلِكاتِ السُّنِّيَّةِ الَّتِي يَتَفَضَّلُ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ.
23:48Page 345
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡلَكِينَ ٤٨
So they denied them and were of those destroyed.
﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ فاسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِما وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا ﴿فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ بِالغَرَقِ في بَحْرِ القُلْزُمِ، والتَّعْقِيبُ بِاعْتِبارِ آخِرِ زَمانِ التَّكْذِيبِ الَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: تَعْقِيبُ التَّكْذِيبِ بِذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ، وقِيلَ: الفاءُ المَحْضُ السَّبَبِيَّةُ أيْ فَكانُوا بِسَبَبِ تَكْذِيبِ الرَّسُولَيْنِ مِنَ المُهْلِكِينَ.
23:49Page 345
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٤٩
And We certainly gave Moses the Scripture that perhaps they1 would be guided.
﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ وإنْجاءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مَمْلَكَتِهِمْ ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةُ، وحَيْثُ كانَ إيتاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاها لِإرْشادِ قَوْمِهِ إلى الحَقِّ كَما هو شَأْنُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ جَعَلُوا كَأنَّهم أُوتُوها فَقِيلَ: ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ أيْ إلى طَرِيقِ الحَقِّ عِلْمًا وعَمَلًا لِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الِاعْتِقادِيّاتِ والعَمَلِيّاتِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ أتَيْنا قَوْمَ مُوسى وضَمِيرُ ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ عائِدٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ أُرِيدَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمَهُ كَما يُقالُ تَمِيمٌ وثَقِيفٌ لِلْقَبِيلَةِ وتَعَقَّبَ بِأنَّ المَعْرُوفَ في مَثَلِهِ إطْلاقُ أبِي القَبِيلَةِ عَلَيْهِمْ وإطْلاقُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى قَوْمِهِ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ وإنْ كانَ لا مانِعَ مِنهُ، ولَمْ يَجْعَلْ ضَمِيرَ ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ لِظُهُورِ أنَّ التَّوْراةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ إغْراقِهِمْ لِبَنِي إسْرائِيلَ وقَدْ يَسْتَشْهِدُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القِصَصُ: 43] بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالقُرُونِ الأُولى ما يَعُمُّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ ومَن قَبْلَهم مِنَ المُهْلَكِينَ كَقَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ لا ما يَخُصُّ مِن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمُ المُهْلَكِينَ لِأنَّ تَقْيِيدَ الأخْبارِ بِإتْيانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابُ بِأنَّهُ بَعْدَ إهْلاكِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ مَعْلُومٌ فَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ كَما قِيلَ، ولَمْ يَذْكُرْ هارُونُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ اقْتِصارًا عَلى مَن هو كالأصْلِ في الإيتاءِ، وقِيلَ لِأنَّ الكِتابَ نَزَلَ بِالطَّوْرِ وهارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ غائِبًا مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ.
23:50Page 345
وَجَعَلۡنَا ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةٗ وَءَاوَيۡنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبۡوَةٖ ذَاتِ قَرَارٖ وَمَعِينٖ ٥٠
And We made the son of Mary and his mother a sign and sheltered them within a high ground having level [areas] and flowing water.
﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ أيْ آيَةٍ دالَّةٍ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِنا بِوِلادَتِهِ مِنها مِن غَيْرِ مَسِيسِ بَشَرٍ فالآيَةُ أمْرٌ واحِدٌ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُما فَلِذا أُفْرِدَتْ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ جَعَلْنا حالَ ابْنِ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً أوْ جَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ذَوِي آيَةٍ وأنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ آيَةٍ مِنَ الأوَّلِ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ أوْ بِالعَكْسِ أيْ جَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً لَمّا ظَهَرَ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الخَوارِقِ كَتَكَلُّمِهِ في المَهْدِ بِما تَكَلَّمَ صَغِيرًا وإحْيائِهِ المَوْتى وإبْرائِهِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وغَيْرِ ذَلِكَ كَبِيرًا وجَعْلْنا أُمَّهُ آيَةً بِأنْ ولَدَتْ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّها عَلَيْها
صفحة 38
السَّلامُ تَكَلَّمَتْ في صِغَرِها أيْضًا حَيْثُ قالَتْ:
﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهِ يَرْزُقُ مِن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آلُ عِمْرانَ: 37] ولَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا قَطُّ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّما يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهِ إفْرادِ الآيَةِ بِما ذَكَرَ إذا أُرِيدَ أنَّها آيَةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى المُعْجِزَةِ أوِ الإرْهاصِ فَلا لِأنَّها إنَّما هي لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِنُبُوَّتِهِ دُونَ مَرْيَمَ اهْـ. ولا يَخْفى ما فِيهِ والوَجْهُ عِنْدِي ما تَقَدَّمَ، والتَّعْبِيرُ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِابْنِ مَرْيَمَ وعَنْ مَرْيَمَ بِأُمِّهِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِحَيْثِيَّةِ كَوْنِهِما آيَةً فَإنَّ نِسْبَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْها مَعَ أنَّ النِّسَبَ إلى الآباءِ دالَّةٌ عَلى أنْ لا أبَ لَهُ أيْ جَعْلِنا ابْنِ مَرْيَمَ وحْدَها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أبٌ وأُمُّهُ الَّتِي ولَدَتْهُ خاصَّةً مِن غَيْرِ مُشارِكَةِ الأبِ آيَةً، وتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأصالَتِهِ فِيما ذَكَرَ مِن كَوْنِهِ آيَةً كَما قِيلَ أنَّ تَقْدِيمَ أُمِّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءُ: 91] لِأصالَتِها فِيما نُسِبَ إلَيْها مِنَ الإحْصانِ والنَّفْخِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الَّذِي أجْمَعَ عَلَيْهِ الإسْلامِيُّونَ أنَّهُ لَيْسَ لِمَرْيَمَ ابْنٌ سِوى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وزَعَمَ بَعْضُ النَّصارى قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّها بَعْدَ أنْ ولَدَتْ عِيسى تَزَوَّجَتْ بِيُوسُفَ النَّجّارِ ووَلَدَتْ مِنهُ ثَلاثَةَ أبْناءٍ، والمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَهم أنَّها كانَتْ في حالِ الصِّغَرِ خَطِيبَةَ يُوسُفَ النَّجّارِ وعَقَدَ عَلَيْها ولَمْ يَقْرُبْها ولَمّا رَأى حَمْلَها بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهم بِتَخْلِيَتِها فَرَأى في المَنامِ مَلَكا أوْقَفَهُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ فَلَمّا ولَدَتْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ مَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَعَلَ يُرَبِّيهِ ويَتَعَهَّدُهُ مَعَ أوْلادٍ لَهُ مِن زَوْجَةٍ غَيْرِها فَأمّا هي فَلَمْ يَكُنْ يَقْرُبُها أصْلًا، والمُسْلِمُونَ لا يُسَلِّمُونَ أنَّها كانَتْ مَعْقُودًا عَلَيْها لِيُوسُفَ ويُسَلِّمُونَ أنَّها كانَتْ خَطِيبَتُهُ وأنَّهُ تَعَهَّدَها وتَعَهَّدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقُولُونَ: كانَ ذَلِكَ لِقَرابَتِهِ مِنها ﴿وآوَيْناهُما﴾ أيْ جَعَلْناهُما يَأْوِيانِ ﴿إلى رَبْوَةٍ﴾ هي ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ دُونَ الجَبَلِ.
واخْتَلَفَ في المُرادِ هُنا فَأخْرَجَ وكِيعٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى رَبْوَةٍ﴾ أُنْبِئْنا أنَّها دِمَشْقُ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وعَنْ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ الصَّحابِيِّ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وعَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهم قالُوا: الرَّبْوَةُ هي دِمَشْقُ، وفي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي أمامَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: هي الرَّمْلَةُ مِن فِلَسْطِينَ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ مَرْدُويَهَ مِن حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا،
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وجَماعَةٌ عَنْ مُرَّةَ البَهَزِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الرَّبْوَةُ الرَّمَلَةُ»، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: هي بَيْتُ المَقْدِسِ، وأخْرَجَ هو وغَيْرُهُ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّ الرَّبْوَةَ بَيْتُ المَقْدِسِ، وذَكَرُوا عَنْ كَعْبٍ أنَّ أرْضَهُ كَبِدُ الأرْضِ وأقْرَبُها إلى السَّماءِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مَيْلًا ولِذا كانَ المِعْراجُ ورَفْعُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ، وهَذا القَوْلُ أوْفَقُ بِإطْلاقِ الرَّبْوَةِ عَلى ما سَمِعْتَ مِن مَعْناها، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنْ وهَبٍ وابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ الرَّبْوَةَ مِصْرَ، ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ: هي الإسْكَنْدِرِيَّةُ، وذَكَرُوا أيَّ قُرى مِصْرَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها عَلى رَبْوَةٍ مُرْتَفِعَةٍ لِعُمُومُ النِّيلِ في زِيادَتِهِ جَمِيعِ أرْضِها فَلَوْ لَمْ تَكُنِ القُرى عَلى الرُّبى لَغَرِقَتْ، وذَكَرَ أنَّ سَبَبَ هَذا الإيواءِ أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ عَزَمَ عَلى قَتْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَفَرَّتْ بِهِ أُمُّهُ إلى أحَدِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي ذَكَرَتْ كَذا في البَحْرِ، ورَأيْتُ في إنْجِيلِ مَتّى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا وُلِدَ في بَيْتِ لَحْمٍ في أيّامِ هِيرُودُسِ المِلْكِ وافى جَماعَةً مِنَ
صفحة 39
المَجُوسِ مِنَ المَشْرِقِ إلى أُورْشَلِيمَ يَقُولُونَ: أيْنَ المَوْلُودُ مِلْكُ اليَهُودِ فَقَدْ رَأيْنا نَجْمَةً في المَشْرِقِ وجِئْنا لِنَسْجُدَ لَهُ فَلَمّا سَمِعَ هِيرُودُسِ اضْطَرَبَ وجَمَعَ رُؤَساءَ الكَهَنَةِ وكَتَبَةَ الشَّعْبِ فَسَألَهم أيْنَ يُولَدُ المَسِيحُ؟ فَقالُوا: في بَيْتِ لَحْمٍ فَدَعا المَجُوسَ سِرًّا وتَحَقَّقَ مِنهُمُ الزَّمانُ الَّذِي ظَهَرَ لَهم فِيهِ النَّجْمُ وأرْسَلَهم إلى بَيْتِ لَحْمٍ وقالَ لَهُمُ: اجْهَدُوا في البَحْثِ عَنْ هَذا المَوْلُودِ فَإذا وجَدْتُمُوهُ فَأخْبَرُونِي لِأسْجُدَ لَهُ مَعَكم فَذَهَبُوا فَوَجَدُوهُ مَعَ مَرْيَمَ فَسَجَدُوا وقَرَّبُوا القَرابِينَ ورَأوْا في المَنامِ أنْ لا يَرْجِعُوا إلى هِيرُودْسْ فَذَهَبُوا إلى كُورَتِهِمْ ورَأى يُوسُفُ في المَنامِ مَلِكًا يَقُولُ لَهُ قُمْ فَخُذِ الطِّفْلَ وأُمَّهُ واهْرُبْ إلى مِصْرَ وكُنْ هُناكَ حَتّى أقُولَ لَكَ فَإنَّ هِيرُدُوسْ قَدْ عَزَمَ عَلى أنْ يَطْلُبَ الطِّفْلَ لِيُهْلِكَهُ فَقامَ وأخَذَ الطِّفْلَ وأمَّهُ لَيْلًا ومَضى إلى مِصْرَ وكانَ هُناكَ وفاةُ هِيرُودُسْ فَلِما تُوُفِّيَ رَأى يُوسُفُ المَلَكَ في المَنامِ يَقُولُ لَهُ: قُمْ فَخُذِ الطِّفْلَ وأُمَّهُ واذْهَبْ إلى أرْضِ إسْرائِيلَ فَقَدْ ماتَ مَن يَطْلُبُ نَفْسَ الطِّفْلِ فَقامَ وأخَذَهُما وجاءَ إلى أرْضِ إسْرائِيلَ فَلَمّا سَمِعَ أنْ أرْشَلاوُسْ قَدْ مَلَكَ عَلى اليَهُودِيَّةِ بَعْدَ أبِيهِ هِيرُودُسْ خافَ أنْ يَذْهَبَ هُناكَ فَأُخْبِرَ في المَنامِ وذَهَبَ إلى تُخُومُ الجَلِيلِ فَسَكَنَ في مَدِينَةٍ تُدْعى ناصِرَةَ اْهْـ، فَإنْ صَحَّ هَذا كانَ الظّاهِرُ أنَّ الرَّبْوَةَ في أرْضِ مِصْرَ أوْ ناصِرَةَ مِن أرْضِ الشّامِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ «رُبْوَةٌ» بِضَمُ الرّاءِ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ.
وقَرَأ أبُو إسْحاقَ السُّبَيْعِيِّ «رِبْوَةٌ» بِكَسْرِها، وابْنُ أبِي إسْحاقَ «رُباةٌ» بِضَمُ الرّاءِ وبِالألِفِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأشْهَبُ العَقِيلِيُّ والفَرَزْدَقُ والسِّلْمِيُّ في نَقْلِ صاحِبِ اللَّوامِحِ بِفَتْحِها وبِالألِفِ. وقُرِئَ بِكَسْرِها وبِالألِفِ ﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أيْ مُسْتَقِرٍّ مِن أرْضٍ مُنْبَسِطَةٍ، والمُرادُ أنَّها في وادٍ فَسِيحٍ تَنْبَسِطُ بِهِ نَفْسُ مَن يَأْوِي إلَيْهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ذاتُ ثِمارٍ وزُرُوعٍ، والمُرادُ أنَّها مَحَلٌّ صالِحٌ لِقَرارِ النّاسِ فِيهِ لِما فِيهِ مِنَ الزُّرُوعِ والثِّمارِ وهو أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَعِينٍ﴾ أيْ وماءٌ مَعِينٌ أيْ جارٍ، ووَزْنُهُ فَعِيلٌ عَلى أنَّ المِيمَ أصْلِيَّةٌ مِن مَعْنى جَرى، وأصْلُهُ الإبْعادُ في الشَّيْءِ ومِنهُ أمْعَنَ النَّظَرَ.
وفِي البَحْرِ مَعَنَ الشَّيْءَ مَعانَةً كَثُرَ أوْ مِنَ الماعُونِ، وإطْلاقُهُ عَلى الماءِ الجارِي لِنَفْعِهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ وزْنُهُ مَفْعُولَ كَمَخِيطٍ عَلى أنَّ المِيمَ زائِدَةٌ مِن عانَهُ أدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ كَرَكْبِهِ إذا ضَرَبَهُ بِرُكْبَتِهِ وإطْلاقُهُ عَلى الماءِ الجارِي لِما أنَّهُ في الأغْلَبِ يَكُونُ ظاهِرًا مُشاهَدًا بِالعَيْنِ، ووَصَفَ الماءَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ الجامِعُ لِانْشِراحِ الصَّدْرِ وطِيبِ المَكانِ وكَثْرَةِ المَنافِعِ.
23:51Page 345
يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١
[Allāh said], "O messengers, eat from the good foods and work righteousness. Indeed I, of what you do, am Knowing.
﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ حِكايَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى وجْهِ الإجْمالِ لِما خُوطِبَ بِهِ كُلُّ رَسُولٍ في عَصْرِهِ جِيءَ بِها إثْرَ حِكايَةِ إيواءِ عِيسى وأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ إلى الرَّبْوَةِ إيذانًا بِأنَّ تَرْتِيبَ مَبادِي النِّعَمِ لَمْ تَكُنْ مِن خَصائِصِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ إباحَةُ الطَّيِّباتِ شَرْعٌ قَدِيمٌ جَرى عَلَيْهِ جَمِيعُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ووَصَّوْا بِهِ أيْ وقُلْنا لِكُلِّ رَسُولِ كُلْ مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلْ صالِحًا فَعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الأوامِرِ المُتَعَدِّدَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرُّسُلِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ عِنْدَ الحِكايَةِ إجْمالًا لِلْإيجازِ أوْ حِكايَةً لِما ذُكِرَ لِعِيسى وأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ عِنْدَ إيوائِهِما إلى الرَّبْوَةِ لِيَقْتَدِيا بِالرُّسُلِ في تَناوُلِ ما رُزِقا كَأنَّهُ قِيلَ آوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ وقُلْنا أوْ قائِلِينَ لَهُما هَذا أيْ أعْلَمْناهُما أوْ مُعَلِّمِيهِما أنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم خُوطِبُوا بِهَذا فَكُلا واعْمَلا اقْتِداءً بِهِمْ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نِداءً لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأمْرًا لَهُ بِأنْ يَأْكُلَ مِنَ الطَّيِّباتِ،
فَقَدْ جاءَ في حَدِيثٍ مُرْسَلٍ عَنْ حَفْصِ
صفحة 40
ابْنِ أبِي جَبْلَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ﴾ إلَخْ: ذاكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ»، وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسَّدِّيِّ والكَلْبِيِّ أنَّهُ نِداءٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وخِطابٌ لَهُ والجُمَعُ لِلتَّعْظِيمِ واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ النَّيْسابُورِيُّ، وما وقَعَ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ تَبَعًا لِلرَّضِيِّ مِن أنَّ قَصْدَ التَّعْظِيمِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ في غَيْرِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لَمْ يَقَعْ في الكَلامُ القَدِيمِ خَطَأٌ لِكَثْرَتِهِ في كَلامُ العَرَبِ مُطْلَقًا بَلْ في جَمِيعِ الألْسِنَةِ وقَدْ صَرَّحَ بِهِ الثَّعالِبِيُّ في فِقْهِ اللُّغَةِ، والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ عَلى ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وغَيْرُهُ ما يُسْتَطابُ ويُسْتَلَذُّ مِن مُباحاتِ المَأْكَلِ والفَواكِهِ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِأنَّ السِّياقَ يَقْتَضِيهِ والأمْرُ عَلَيْهِ لِلْإباحَةِ والتَّرْفِيهِ وفِيهِ إبْطالٌ لِلرَّهْبانِيَّةِ الَّتِي ابْتَدَعَتْها النَّصارى، وقِيلَ المُرادُ بِالطَّيِّباتِ ما حَلَّ والأمْرُ تَكْلِيفِيٌّ، وأيَّدَ بِتَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ أيْ عَمَلًا صالِحًا، وقَدْ يُؤَيِّدُ بِما
أخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُويَهٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ أُخْتُ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها بَعَثَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ عِنْدَ فِطْرِهِ وهو صائِمٌ فَرَدَّ إلَيْها رَسُولَها أنّى لَكِ هَذا اللَّبَنُ؟ قالَتْ: مِن شاةٍ لِي فَرَدَّ إلَيْها رَسُولُها أنّى لَكِ الشّاةُ؟ فَقالَتِ: اشْتَرَيْتُها مِن مالِي فَشَرِبَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ أتَتْهُ أمُّ عَبْدِ اللَّهِ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ بَعَثْتُ إلَيْكَ بِلَبَنٍ فَرَدَدْتَ إلَيَّ الرَّسُولَ فِيهِ فَقالَ ﷺ لَها: «بِذَلِكَ أُمِرَتِ الرُّسُلُ قَبْلِي أنْ لا تَأْكُلُ إلّا طَيَّبا ولا تَعْمَلُ إلّا صالِحًا»»
وكَذا بِما
أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ تَعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا وإنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ المُسْلِمِينَ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ وقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البَقَرَةُ: 172] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ ومَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبَهُ حَرامٌ ومَلْبَسُهُ حَرامٌ وغُذِّيَ بِالحَرامِ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ يا رَبِّ يا رَبِّ فَأنّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ»»
وتَقْدِيمُ الأمْرِ بِأكْلِ الحَلالِ لِأنَّ أكْلَ الحَلالِ مُعِينٌ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ.
وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ عِبادَةَ مَن في جَوْفِهِ لُقْمَةٌ مِن حَرامٍ، وصَحَّ «أيَّما لَحْمٍ نَبَتَ مِن سُحْتٍ فالنّارُ أوْلى بِهِ». ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الأمْرِ الأوَّلِ عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ الطَّيِّبِ عَلى ما يُسْتَلَذُّ مِنَ المُباحاتِ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ وفي الأمْرِ بَعْدَهُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ حَثَّ عَلى الشُّكْرِ.
﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ ﴿عَلِيمٌ﴾ فَأُجازِيكم عَلَيْهِ، وفي البَحْرِ أنَّ هَذا تَحْذِيرٌ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في الظّاهِرِ والمُرادُ أتْباعُهم.
23:52Page 345
وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ ٥٢
And indeed this, your religion, is one religion,1 and I am your Lord, so fear Me."
﴿وإنَّ هَذِهِ﴾ أيِ المِلَّةُ والشَّرِيعَةُ، وأُشِيرُ إلَيْها بِهَذِهِ لِلْإشارَةِ إلى كَمالِ ظُهُورِ أمْرِها في الصِّحَّةِ والسَّدادِ وانْتِظامِها بِسَبَبِ ذَلِكَ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ أيْ مِلَّتِكم وشَرِيعَتِكم والخِطابُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ وقِيلَ عامٌّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْمُجاهِدٍ، والجُمْلَةُ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فالواوُ مِنَ المَحْكِيِّ، وقِيلَ هي مِنَ الحِكايَةِ وقَدْ عَطَفْتُ قَوْلًا عَلى قَوْلٍ، والتَّقْدِيرُ قُلْنا يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا إلَخْ وقُلْنا لَهم إنَّ هَذِهِ أمَتُّكم ولا يَخْفى بَعْدَهُ.
وقِيلَ: الواوُ لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ والجُمْلَةُ بَعْدَها مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى ما قَبْلَها وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ حالٌ مَبْنِيَّةٌ مِنَ الخَبَرِ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ أيْ أُشِيرُ إلَيْها في حالِ كَوْنِها شَرِيعَةً مُتَّحِدَةً
صفحة 41
فِي الأُصُولِ الَّتِي لا تَتَبَدَّلُ بِتَبَدُّلِ الأعْصارِ وقِيلَ ﴿هَذِهِ﴾ إشارَةٌ إلى الأُمَمِ الماضِيَةِ لِلرُّسُلِ، والمَعْنى أنَّ هَذِهِ جَماعَتُكم جَماعَةٌ واحِدَةٌ مُتَّفِقَةٌ عَلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ في العِبادَةِ ﴿وأنا رَبُّكُمْ﴾ أيْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي شَرِيكٌ في الرُّبُوبِيَّةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ «إنَّ هَذِهِ» إلَخِ المَعْطُوفَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ وهُما داخِلانِ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ، ولَعَلَّ المُرادَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ ما يَشْمَلُ العَقائِدَ الحَقَّةَ والأعْمالَ الصَّحِيحَةَ، واقْتِضاءُ المُجازاةِ والرُّبُوبِيَّةِ لِذَلِكَ ظاهِرٌ وأمّا اقْتِضاءُ اتِّحادِ الشَّرِيعَةِ في الأُصُولِ الَّتِي لا تَتَبَدَّلُ لِذَلِكَ فَبِاعْتِبارِ أنَّهُ دَلِيلُ حَقِيَةِ العَقائِدِ وحَقِيقَتُها تَقْتَضِي الإتْيانَ بِها والإتْيانُ بِها يَقْتَضِي الإتْيانَ بِغَيْرِها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بَلْ قِيلَ لا يَصِحُّ الِاعْتِقادُ مَعَ تَرْكِ العَمَلِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُونِ﴾ كالتَّصْرِيحِ بِالنَّتِيجَةِ فَيَكُونُ الكَلامُ نَظِيرَ قَوْلِكَ: العالَمُ حادِثٌ لِأنَّهُ مُتَغَيْرٌ وكُلُّ مُتَغَيْرٍ حادِثٌ فالعالَمُ حادِثٌ.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ ضَمِيرَ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّكُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاتَّقُونِ﴾ لِلرُّسُلِ والأُمَمِ جَمِيعًا عَلى أنَّ الأمْرَ في حَقِّ الرُّسُلِ لِلتَّهْيِيجِ والإلْهابِ وفي حَقِّ الأُمَّةِ لِلتَّحْذِيرِ والإيجابِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ أوْ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ عَلى ما قَبْلِهِ مِنِ اخْتِصاصِ الرُّبُوبِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ واتِّحادِ الأُمَّةِ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما مُوجَبٌ لِلِاتِّقاءِ حَتْمًا، والمَعْنى فاتَّقُونِ في شَقِّ العَصا والمُخالَفَةِ بِالإخْلالِ بِمُوجَبِ ما ذَكَرَ.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو «وأنَّ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ النُّونِ، وخَرَجَ عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ ولِأنَّ هَذِهِ إلَخْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِاتَّقُونِ، قالَ الخَفاجِيُّ: والكَلامُ في الفاءِ الدّاخِلَةِ عَلَيْهِ كالكَلامِ في فاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ وهي لِلسَّبَبِيَّةِ ولِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَهُ وهو ( اعْمَلُوا ) والمَعْنى اتَّقُونِي لِأنَّ العُقُولَ مُتَّفِقَةٌ عَلى رُبُوبِيَّتِي والعَقائِدُ الحَقَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّقْوى انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ ( إنَّ هَذِهِ ) إلَخْ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَعْطُوفًا عَلى ما ﴿تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى إنِّي عَلِيمٌ بِما تَعْمَلُونَ وبِأنَّ هَذِهِ أمَتُّكم أُمَّةٌ واحِدَةٌ إلَخْ فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ المَعْلُومِ. وضَعَّفَ بِأنَّهُ لا جَزالَةَ في المَعْنى عَلَيْهِ، وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ واعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ أمَتُّكم إلَخْ وهَذا المَحْذُوفُ مَعْطُوفٌ عَلى «اعْمَلُوا» ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ خِلافُ الظّاهِرِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «وأنَّ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ النُّونِ عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ ويَعْلَمُ تَوْجِيهَ الفَتْحِ مِمّا ذَكَرْنا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences