Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:64–71
23:64Page 346
حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ ٦٤
Until when We seize their affluent ones with punishment,1 at once they are crying [to Allāh] for help.
﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ حَتّى عَلى ما في الكَشّافِ هي الَّتِي يَبْتَدِأُ بَعْدَها الكَلامُ وهي مَعَ ذَلِكَ غايَةٌ لِما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَزالُونَ يَعْمَلُونَ أعْمالَهم إلى حَيْثُ إذا أخَذَنا إلَخْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي ابْتِداءٌ لا غَيْرَ، ( وإذا ) الأُولى والثّانِيَةُ يَمْنَعانِ مِن أنْ تَكُونَ غايَةً لَعامِلُونَ وفِيهِ نَظَرٌ، ( وإذا ) شَرْطِيَّةٌ شَرْطُها ﴿أخَذْنا﴾ وهي مُضافَةٌ إلَيْهِ وجَزاؤُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ وهي مَعْمُولَةٌ لَهُ وإذا فِيهِ فُجائِيَّةٌ نائِبَةٌ مَنابَ الفاءِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: حَتّى غايَةٍ وهي عاطِفَةٌ وإذا ظَرْفٌ يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ وإذا الثّانِيَةُ في مَوْضِعِ جَوابِ الأُولى ومَعْنى الكَلامِ عامِلٌ في إذا الأُولى والعامِلُ في الثّانِيَةِ ﴿أخَذْنا﴾ انْتَهى.
وهُوَ كَلامٌ مُخَبَّطٌ يَبْعُدُ صُدُورُهُ مِن مِثْلِ هَذا الفاضِلِ، والمُتْرَفُ المُتَوَسِّعُ في النِّعْمَةِ، والمُرادُ بِالعَذابِ ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ، وقَدْ قُتِلَ وأُسِرَ في ذَلِكَ اليَوْمِ كَثِيرٌ مِن صَنادِيدِهِمْ ورُؤَسائِهِمْ والجُؤارِ مِثْلِ الخُوارِ يُقالُ جَأرَ الثَّوْرُ يَجْأرُ إذا صاحَ وجَأرَ الرَّجُلُ إلى
صفحة 48
اللَّهِ تَعالى إذا تَضَرَّعَ بِالدُّعاءِ كَما في الصِّحاحِ وفي الأساسِ جَأرَ الدّاعِي إلى اللَّهِ تَعالى ضَجَّ ورَفَعَ صَوْتَهُ والمُرادُ بِهِ الصُّراخُ إمّا مُطْلَقًا أوْ بِاسْتِغاثَةٍ.
وضَمِيرا الجَمْعِ راجِعانِ عَلى ما رَجَعَ إلَيْهِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ في ( مُتْرَفِيهِمْ ولَهم وقُلُوبُهم ) وغَيْرُها وهم كُفّارُ أهْلِ مَكَّةَ لَكِنْ بِإرادَةِ مَن بَقِيَ مِنهم بَعْدَ أخْذِ المُتْرَفِينَ بِالقَتْلِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ المُعَذَّبِينَ قَتْلى بَدْرٍ والَّذِينَ يَجْأرُونَ أهْلُ مَكَّةَ لِأنَّهم ناحُوا واسْتَغاثُوا، وفي إنْسانِ العُيُونِ أوْ قُرَيْشًا ناحُوا عَلى قَتْلاهم في بَدْرٍ شَهْرًا وجَزَّ نِساؤُهم شُعُورَهُنَّ وكُنَّ يَأْتِينَ بِفَرَسِ الرَّجُلِ أوْ راحِلَتِهِ ويَسْتُرْنَها بِالسُّتُورِ ويِنِحْنَ حَوْلَها ويَخْرُجْنَ بِها إلى الأزِقَّةِ إلى أنْ أُشِيرَ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ ذَلِكَ خَوْفَ الشَّماتَةِ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المُرادُ بِالجُؤارِ الجَزَعُ إذْ هو سَبَبُ الصُّراخِ وفِيهِ بَعْدٌ لِخَفاءِ قَرِينَةِ المَجازِ، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ عَذابُ الجُوعِ وذَلِكَ أنَّهُ ﷺ دَعا عَلَيْهِمْ
فَقالَ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ مِثْلَ سِنِي يُوسُفَ
فاسْتُجِيبَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأصابَتْهم سَنَةٌ أكَلُوا فِيها الجِيَفَ والجُلُودَ والعِظامَ المُحْرَقَةَ والعَلْهَزَ وفي الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ. وفِيها أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَبْلَها. ووُفِّقَ البَيْهَقِيُّ بِأنَّهُ لَعَلَّهُ كانَ مَرَّتَيْنِ، وسَيَأْتِي ذَلِكَ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وتَخْصِيصُ المُتْرَفِينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ إذا جاعَ المُتْرَفُ جاعَ غَيْرُهُ مِن بابِ أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ بِالعَذابِ عَذابُ الآخِرَةِ، وتَخْصِيصُ المُتْرَفِينَ بِما ذَكَرَ لِغايَةِ ظُهُورِ انْعِكاسِ حالِهِمْ وانْتِكاسِ أمْرِهِمْ وكَوْنِ ذَلِكَ أشَقَّ عَلَيْهِمْ ولِأنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَمَنِّعِينَ مَحْمِيِّينَ بِحِمايَةِ غَيْرِهِمْ مِنَ المَنَعَةِ والحَشَمِ لَقُوا ما لَقُوا مِنَ الحالَةِ الفَظِيعَةِ فَلِأنْ يَلْقاها مَن عَداهم مِنَ الحَماةِ والخَدَمِ أُولى وأقْدَمُ.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ هَذا القَوْلَ هو الحَقُّ لِأنَّ العَذابَ الأُخْرَوِيَّ هو الَّذِي يُفاجِئُونَ عِنْدَهُ الجُؤارَ فَيُجابُونَ بِالرَّدِّ والإقْناطِ مِنَ النَّصْرِ وأمّا عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ فَلَمْ يُوجَدْ لَهم عِنْدَهُ جُؤارٌ حَسْبَما يُنَبِّئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 76] فَإنَّ المُرادَ بِهَذا العَذابِ ما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ حَتْمًا وأمّا عَذابُ الجُوعِ فَإنَّ قُرَيْشًا وإنْ تَضَرَّعُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِالإقْناطِ حَيْثُ
رَوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعا بِكَشْفِهِ فَكُشِفَ عَنْهم ذَلِكَ
اِنْتَهى، وسَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما فِيهِ، نَعِمَ حَمْلِ العَذابِ عَلى ذَلِكَ أوْفَقُ بِجَعْلِ ما في حَيِّزِ ﴿حَتّى﴾ غايَةٌ لِما قَبْلَها.
23:65Page 346
لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥
Do not cry out today. Indeed, by Us you will not be helped.
﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ قُلْنا لَهم ذَلِكَ، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ مُسَوِّقٌ لِبَيانِ إقْناطِهِمْ وعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِجُؤارِهِمْ، والمُرادُ بِاليَوْمُ الوَقْتُ الحاضِرُ الَّذِي اعْتَراهم فِيهِ ما اعْتَراهُمْ، والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ إقْناطِهِمْ والمُبالَغَةُ في إفادَةِ عَدَمِ نَفْعِ جُؤارِهِمْ.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ ذَلِكَ التَّهْوِيلَ اليَوْمَ والإيذانَ بِتَفْوِيتِهِمْ وقْتَ الجُؤارِ والمُرادُ بِالقَوْلِ عَلى ما قِيلَ: ما كانَ بِلِسانِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قُطْنِيٌّ. وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ حَقِيقَةُ القَوْلِ وصُدُورُهُ إمّا مِنَ اللَّهِ تَعالى وإمّا مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والظّاهِرُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ القَوْلُ في الآخِرَةِ وكَوْنُهُ في الدُّنْيا مَعَ عَدَمِ إسْماعِهِمْ إيّاهُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وتَقْدِيرُهُ فِعْلُ الأمْرِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِهِ ﷺ أيْ قُلْ لَهم مِن قَبْلِنا لا تَجْأرُوا بَعِيدًا جِدًّا، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ القَوْلِ المُقَدَّرِ جَوابَ ﴿إذا﴾ الشَّرْطِيَّةَ وحِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ قَيْدًا لِلشَّرْطِ أوْ بَدَلًا مِن إذا الأُولى، وعَلى الأوَّلِ المَعْنى أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ وقْتَ جُؤارِهِمْ أوْ حالَ مُفاجَأتِهِمْ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ ﴿إذا﴾ ظَرْفِيَّةً أوْ فُجائِيَّةً حِينَئِذٍ، ولَمْ يُجَوِّزْ جَعْلَ النَّهْيِ المَذْكُورِ جَوابًا لِخُلُوِّهِ
صفحة 49
عَنِ الفاءِ اللّازِمَةِ فِيهِ إذا وقَعَ كَذَلِكَ. وتَعَقَّبَ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ هو الجَوابُ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى أنْ يَكُونَ مُفاجَأتَهُمُ الجُؤارَ غَيْرَ مَقْصُودٍ أصْلِيٍّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الجُؤارِ بِبَيانِ عَدَمِ نَفْعِهِ ومِنِ ابْتِدائِيَّةٍ أيْ لا يَلْحَقُكم مِنّا نُصْرَةٌ تُنْجِيكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مِن صِلَةِ النَّصْرِ وضِمْنِ مَعْنى المَنعِ أوْ تَجُوزُ بِهِ عَنْهُ أيْ لا تَمْنَعُونَ مِنّا.
وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ سَبّاقُ النَّظْمُ الكَرِيمِ لِأنَّ جُؤارَهم لَيْسَ إلى غَيْرِهِ تَعالى حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ مَنصُورِيَّتِهِمْ مِن قَبْلِهِ تَعالى ولا سِياقُهُ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى:
23:66Page 346
قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ ٦٦
My verses had already been recited to you, but you were turning back on your heels
﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾
إلى آخِرِهِ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ لُحُوقِ النَّصْرِ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ ولَوْ كانَ النَّصْرُ المَنفِيُّ مُتَوَهَّمًا مِنَ الغَيْرِ لِعِلَلٍ بِعَجْزِهِ أوْ بِعَزَّةِ اللَّهِ تَعالى وقُوَّتِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ شُرَكاؤُهم نُصْبَ أعْيُنِهِمْ ولَمْ يُقَيِّدِ الجُؤارَ بِكَوْنِهِ إلى اللَّهِ تَعالى وأمْرِ التَّعْلِيلِ سَهْلٌ، وقَدْ يُقالُ: المَعْنى عَلى هَذا الوَجْهِ دَعْوى الصُّراخِ فَإنَّهُ لا يَمْنَعُكم مَنّا ولا يَنْفَعُكم عِنْدَنا فَقَدِ ارْتَكَبْتُمْ أمْرًا عَظِيمًا وإثْمًا كَبِيرًا لا يَدْفَعُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ لا يَخْفى ما في كَلامُ المُتَعَقِّبِ بَعْدُ، والمُرادُ قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ مُتْرِفِيكُمُ العَذابَ ﴿فَكُنْتُمْ﴾ عِنْدَ تِلاوَتِها ﴿عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ أيْ تُعْرِضُونَ عَنْ سَمائِها أشَدَّ الإعْراضِ فَضْلًا عَنْ تَصْدِيقِها والعَمَلِ بِها، والنُّكُوصُ الرُّجُوعُ، والأعْقابُ جَمْعُ عَقْبٍ وهو مُؤَخَّرُ الرَّجُلِ ورُجُوعُ الشَّخْصِ عَلى عَقِبِهِ رُجُوعُهُ في طَرِيقِهِ الأوْلى كَما يُقالُ رَجَعَ عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ التَّقْيِيدَ بِالأعْقابِ مِن بابِ التَّأْكِيدِ كَما في بَصَرْتُهُ بِعَيْنِي بِناءً عَلى أنَّ النُّكُوصَ الرُّجُوعُ قَهْقَرى وعَلى الأعْقابِ، وأيًّا ما كانَ فَهو مُسْتَعارٌ لِلْإعْراضِ.
وقَرَأ عَلَيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «تَنْكُصُونَ» بِضَمِّ الكافِ
23:67Page 346
مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ٦٧
In arrogance regarding it,1 conversing by night, speaking evil.
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أيْ بِالبَيْتِ الحَرامِ. والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وسَوَّغَ هَذا الإضْمارَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يُجْرِ لَهُ ذَكْرُ اشْتِهارِ اسْتِكْبارِهِمْ وافْتِخارِهِمْ بِأنَّهم خُدّامُ البَيْتِ وقِوامُهُ وهَذا ما عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وقَرِيبٌ مِنهُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْحَرامِ، وقالَ في البَحْرِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ «تَنْكُصُونَ» وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا يُفِيدُ كَثِيرَ مَعْنى فَإنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِن جَعْلِ مُسْتَكْبِرِينَ حالًا. واعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِما فِيهِ بَحْثٌ، وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويُحَسِّنُهُ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ دَلالَةً عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والباءُ إمّا لِلتَّعْدِيَةِ عَلى تَضْمِينِ الِاسْتِكْبارِ مَعْنى التَّكْذِيبِ أوْ جَعْلِهِ مَجازًا عَنْهُ وإمّا لِلسَّبَبِيَّةِ لِأنَّ اسْتِكْبارَهم ظَهَرَ بِبَعْثَتِهِ ﷺ. وجَوَّزَ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنَ الآياتِ أوْ عَلَيْها بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِها بِهِ وأمْرُ الباءِ كَما سَمِعْتَ آنِفًا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سامِرًا﴾ أيْ تُسَمِّرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ والطَّعْنِ فِيهِ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يُسَمِّرُونَ وكانَتْ عامَّةُ سَمَرِهِمْ ذِكْرَ القُرْآنِ وتَسْمِيَتَهُ سِحْرًا وشِعْرًا، والمَعْنى عَلى ذاكَ وإنْ لَمْ يُعَلِّقْ بِهِ ( بِهِ ) ويَجُوزُ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِسامِرًا عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا يَجُوزُ كَوْنُ المَعْنى عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يُعَلِّقْ بِهِ، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِتَهْجُرُونَ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، ونَصْبُ «سامِرًا» عَلى الحالِ وهو اسْمُ جَمْعٍ كالحاجِّ والحاضِرِ والجامِلِ والباقِرِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ وقَعَ حالًا عَلى التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ فَهو
صفحة 50
يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ بِاعْتِبارِ أصْلِهِ ولا يَخْفى أنَّ مَجِيءَ المَصْدَرِ عَلى وزْنِ فاعِلٍ نادِرٌ ومِنهُ العافِيَةُ والعاقِبَةُ.
والسَّمَرُ في الأصْلِ ظَلَّ القَمَرُ وسُمِّيَ بِذَلِكَ عَلى ما في المَطْلَعِ لِسُمْرَتِهِ، وفي البَحْرِ هو ما يَقَعُ عَلى الشَّجَرِ مِن ضَوْءِ القَمَرِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو سَوادُ اللَّيْلِ ثُمَّ أطْلَقَ عَلى الحَدِيثِ بِاللَّيْلِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ السّامِرُ بِاللَّيْلِ المُظْلِمِ، وكَوْنُهُ هُنا بِهَذا المَعْنى وجَعْلُهُ مَنصُوبًا بِما بَعْدَهُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِكْرِمَةُ والزَّعْفَرانِيُّ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «سَمْرًا» بِضَمُ السِّينِ وشَدِّ المِيمِ مَفْتُوحَةً جَمْعُ سامَرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَجاءَ وأبُو نَهِيكٍ «سِمارًا» بِزِيادَةِ ألِفٍ بَعْدَ المِيمِ وهو جَمْعُ سامِرٍ أيْضًا وهُما جَمْعانِ مَقِيسانِ في مِثْلِ ذَلِكَ ﴿تَهْجُرُونَ﴾ مِنَ الهَجْرِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ بِمَعْنى القَطْعِ والتَّرْكِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ تارِكِينَ الحَقِّ أوِ القُرْآنِ أوِ النَّبِيِّ ﷺ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَهْجُرُونَ البَيْتَ ولا تُعَمِّرُونَهُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ العِبادَةِ. وجاءَ الهَجْرُ بِمَعْنى الهَذَيانِ كَما في الصِّحاحِ يُقالُ: هَجَرَ المَرِيضَ يَهْجُرُ هَجْرًا إذا هَذى، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلَيْهِ أيْ تُهْذُونَ في شَأْنِ القُرْآنِ أوِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أوْ ما يَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ.
وفِي الدُّرِّ المَصُونِ أنَّ ما كانَ بِمَعْنى الهَذَيانِ هو الهَجْرُ بِفُتْحَتَيْنِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الهَجْرِ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وهو الكَلامُ القَبِيحُ، قالَ الرّاغِبُ: الهَجْرُ الكَلامُ المَهْجُورُ لِقُبْحِهِ وهَجَرَ فُلانٌ إذا أتى بِهَجْرٍ مِنَ الكَلامِ عَنْ قَصْدٍ وأهْجَرَ المَرِيضُ إذا أتى بِذَلِكَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، وفي المِصْباحِ هَجَرَ المَرِيضُ في كَلامِهِ هَذى والهَجْرُ بِالضَّمِّ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الفُحْشِ مِن هَجْرٍ كَقَتْلٍ وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى اهْجُرْ بِالألْفِ وعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ ونافِعٍ وحَمِيدٍ «تَهْجُرُونَ» بِضَمُ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ وهي تَبْعُدُ كَوْنَ «تَهْجُرُونَ» في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مِنَ الهَجْرِ بِمَعْنى القَطْعِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عاصِمٍ بِالياءِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وعِكْرِمَةُ وأبُو نَهِيكٍ. وابْنُ مُحَيْصِنٍ أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ «﴿تَهْجُرُونَ﴾» بِضَمُ التّاءِ وفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِ الجِيمِ وشَدِّها عَلى أنَّهُ مِن مُضاعَفِ هَجْرٍ مِنَ الهَجْرِ بِالفَتْحِ أوْ بِالضَّمِّ فالمَعْنى تَقْطَعُونَ أوْ تُهْذُونَ أوْ تُفْحِشُونَ كَثِيرًا.
23:68Page 346
أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَآءَهُم مَّا لَمۡ يَأۡتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨
Then have they not reflected over the word [i.e., the Qur’ān], or has there come to them that which had not come to their forefathers?
﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أيِ افْعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ النُّكُوصِ والِاسْتِكْبارِ والهَجْرِ فَلَمْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ لِيَعْلَمُوا بِما فِيهِ مِن وُجُوهِ الإعْجازِ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ فَيُؤْمِنُوا بِهِ، و«أمْ» في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ مُنْقَطِعَةٌ، وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ بِما ذُكِرَ إلى التَّوْبِيخِ بِآخِرَ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ لا لِإنْكارِ الواقِعِ أيْ بَلْ أجاءَهم مِنَ الكِتابِ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ حَتّى اسْتَبْعَدُوهُ فَوَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ بِمَعْنى أنَّ مَجِيءَ الكُتُبِ مِن جِهَتِهِ تَعالى إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِيُنْذِرُوا بِها النّاسَ سُنَّةً قَدِيمَةً لَهُ تَعالى لا تَكادُ تُنْكِرُ وأنَّ مَجِيءَ القُرْآنِ عَلى طَرِيقَتِهِ فَمِمَّ يُنْكِرُونَهُ، وقِيلَ: المَعْنى أفَلَمْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ لِيَخافُوا عِنْدَ تَدَبُّرِ آياتِهِ وأقاصِيصِهِ مِثْلَ ما نَزَلْ بِمَن قَبْلَهم مِنَ المُكَذِّبِينَ أمْ جاءَهم مِنَ الأمْنِ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ حِينَ خافُوا اللَّهَ تَعالى فَآمَنُوا بِهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وأطاعُوهُ فالمُرادُ بِآبائِهِمُ المُؤْمِنُونَ كَإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدْنانَ وقَحْطانَ، وكَأنَّ وصْفَهم بِالأوَّلِينَ عَلى هَذا الإخْراجِ الأقْرَبِينَ.
صفحة 51
وفِي الخَبَرِ ««لا تَسُبُّوا مُضَرَ ورَبِيعَةَ فَإنَّهُما كانا مُسْلِمَيْنِ ولا تَسُبُّوا قَسًّا فَإنَّهُ كانَ مُسْلِمًا ولا تَسُبُّوا الحارِثَ بْنَ كَعْبٍ ولا أسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ ولا تَمِيمَ بْنَ مَرٍّ فَإنَّهم كانُوا عَلى الإسْلامِ وما شَكَكْتُمْ في شَيْءٍ فَلا تَشُكُّوا في أنَّ تَبَعًا كانَ مُسْلِمًا»»
ورُوِيَ أنَّ ضَبَّةَ بْنَ أدٍّ كانَ مُسَلِّمًا وكانَ عَلى شُرْطَةِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ.
وفِي الكَشْفِ أنَّ جَعْلَ فائِدَةِ التَّدَبُّرِ اسْتِعْقابُ العِلْمِ فالهَمْزَةُ في المُنْقَطِعَةِ لِلتَّقْرِيرِ وإثْباتِ أنَّهم مُصِرُّونَ عَلى التَّقْلِيدِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَدَبَّرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا، وإنْ جَعَلْتَ الِاعْتِبارَ والخَوْفَ فالهَمْزَةُ فِيها لِلْإنْكارِ أوِ التَّقْرِيرِ تَهَكُّمًا اهْـ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ إسْنادَ المَجِيءِ إلى الأمْنِ غَيْرُ ظاهِرٍ ظُهُورَ إسْنادِهِ إلى الكِتابِ وبِهَذا تَنْحَطُّ دَرَجَةُ هَذا الوَجْهِ عَنِ الوَجْهِ الأوَّلِ.
23:69Page 346
أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩
Or did they not know their Messenger, so they are toward him disacknowledging?
﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ بِما ذَكَرَ إلى التَّوْبِيخِ بِوَجْهٍ آخَرَ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ أيْضًا أيْ بَلْ ألَمْ يَعْرِفُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالأمانَةِ والصِّدْقِ وحُسْنِ الأخْلاقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الكِمالاتِ اللّائِقَةِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وقَدْ صَحَّ «أنَّ أبا طالِبٍ يَوْمَ نِكاحِ النَّبِيِّ ﷺ خَطَبَ بِمَحْضَرِ رُؤَساءِ مُضَرَ وقُرَيْشٍ فَقالَ: أحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي جَعَلَنا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وزَرْعِ إسْماعِيلَ وضَئْضِئْ مُعَدٍّ وعَنْصَرَ مُضِرُ وجَعَلَنا حِضْنَةَ بَيْتِهِ وسْواسَ حَرَمِهِ وجَعَلَ لَنا بَيْتًا مَحْجُوجًا وحَرَمًا آمِنًا وجَعَلَنا الحُكّامُ عَلى النّاسِ ثُمَّ إنَّ ابْنَ أخِي هَذا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لا يُوزَنُ بِرَجُلٍ إلّا رَجَحَ بِهِ فَإنْ كانَ في المالِ قُلْ فَإنَّ المالَ ظِلٌّ زائِلٌ وأمْرٌ حائِلٌ ومُحَمَّدٌ مَن قَدْ عَرَفْتُمْ قَرابَتَهُ وقَدْ خَطَبَ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وبَذَلَ لَها مِنَ الصَّداقِ ما آجِلُهُ وعاجِلُهُ مِن مالِي كَذا وهو واللَّهِ بَعْدَ هَذا لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ وخَطَرٌ جَلِيلٌ».
وفِي هَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّهم عَرَّفُوهُ ﷺ بِغايَةِ الكَمالِ وإلّا لَأنْكَرُوا قَوْلَ أبِي طالِبٍ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما قالَ.
﴿فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ الفاءُ سَبَبِيَّةٌ لِتَسَبُّبِ الإنْكارِ عَنْ عَدَمُ المَعْرِفَةِ فالجُمْلَةُ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ ومَآلِ المَعْنى هم عَرَّفُوهُ بِالكَمالِ اللّائِقِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَكَيْفَ يُنْكِرُونَهُ، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِلتَّخْصِيصِ أوِ الفاصِلَةِ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مُنْكِرُونَ لِدَعْواهُ أوْ لِرِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
23:70Page 346
أَمۡ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٠
Or do they say, "In him is madness"? Rather, he brought them the truth, but most of them, to the truth, are averse.
﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ انْتِقالٌ إلى تَوْبِيخٍ آخَرَ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ كالأوْلى أيْ بَلْ أيَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ أيْ جُنُونٍ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرْجَحُ النّاسِ عَقْلًا وأثْقَبُهم رَأيًا وأوْفَرُهم رَزانَةً، وقَدْ رُوعِيَ في هَذِهِ التَّوْبِيخاتِ الأرْبَعِ الَّتِي اثْنانِ مِنها مُتَعَلِّقانِ بِالقُرْآنِ والباقِيانِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى كَما يُبَيِّنُهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا في حَقِّ القُرْآنِ والرَّسُولِ ﷺ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ أيْ بِالصِّدْقِ الثّابِتِ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، والمُرادُ بِهِ التَّوْحِيدُ ودِينُ الإسْلامُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ.
﴿وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ لَمّا في جَبْلَتِهِمْ مِن كَمالِ الزَّيْغِ والِانْحِرافِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمائِرَ لِقُرَيْشٍ، وتَقْيِيدُ الحُكْمِ بِأكْثَرِهِمْ لِأنَّ مِنهم مَن أبى الإسْلامَ واتِّباعَ الحَقِّ حَذَرًا مِن تَعْيِيرِ قَوْمِهِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ لا كَراهَةَ لِلْحَقِّ مِن حَيْثُ هو حَقٌّ، فَلا يَرُدُّ ما قِيلَ: إنَّ مَن أحَبَّ شَيْئًا كَرَهَ ضِدَّهُ فَمَن أحَبَّ البَقاءَ عَلى الكُفْرِ فَقَدْ كَرَهَ
صفحة 52
الِانْتِقالَ إلى الإيمانِ ضَرُورَةً، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَحْمِلَ الأكْثَرَ عَلى الكُلِّ كَما حَمَلَ القَلِيلَ عَلى النَّفْيِ وفِيهِ بُعْدٌ، وكَذا ما اخْتارَهُ مِن كَوْنِ ضَمِيرِ ( أكْثَرُهم ) لِلنّاسِ كافَّةٍ لا لِقُرَيْشٍ فَيَكُونُ الكَلامُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يُوسُفُ: 103] وقَدْ يُقالُ: حَيْثُ كانَ المُرادُ إثْباتَ الكَراهَةِ لِلْحَقِّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ ويَتَّبِعُ الحَقَّ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَقْيِيدِ الحُكْمِ بِالأكْثَرِ، والظّاهِرُ بِناءً عَلى القاعِدَةِ الأغْلَبِيَّةِ في إعادَةِ المَعْرِفَةِ أنَّ الحَقَّ الثّانِيَ عَيْنُ الحَقِّ الأوَّلِ، وأظْهَرُ في مَقامُ الإضْمارِ لِأنَّهُ أظْهَرُ في الذَّمِّ والضَّمِيرِ رُبَّما يَتَوَهَّمُ عَوْدُهُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: اللّامُ في الأوَّلِ لِلْعَهْدِ وفي الثّانِي لِلِاسْتِغْراقِ أوْ لِلْجِنْسِ أيْ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ أيْ حَقٍّ كانَ لا لِهَذا الحَقِّ فَقَطْ كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ الإظْهارُ كارِهُونَ، وتَخْصِيصُ أكْثَرِهِمْ بِهَذا الوَصْفِ لا يَقْتَضِي إلّا عَدَمَ كَراهَةِ بَعْضِهِمْ لِكُلِّ حَقٍّ مِنَ الحُقُوقِ وذَلِكَ لا يُنافِي كَراهَتَهم لِهَذا الحَقِّ وفِيهِ بَحْثٌ إذْ لا يَكادُ يُسَلِّمُ أنَّ أكْثَرَهم كارِهُونَ لِكُلِّ حَقِّ، وكَذا الظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِالحَقِّ في قَوْلِهِ تَعالى:
23:71Page 346
وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ ٧١
But if the Truth [i.e., Allāh] had followed their inclinations, the heavens and the earth and whoever is in them would have been ruined. Rather, We have brought them their message,1 but they, from their message, are turning away.
﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾ الحَقَّ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وجَعَلَ الِاتِّباعَ حَقِيقِيًّا والإسْنادَ مَجازِيًّا، وقِيلَ ما آلَ المَعْنى لَوِ اتَّبَعَ النَّبِيُّ ﷺ أهْواءَهم فَجاءَهم بِالشِّرْكِ بَدَلَ ما أُرْسِلَ بِهِ ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ أيْ لِخَرِبَ اللَّهُ تَعالى العالَمَ وقامَتِ القِيامَةُ لِفَرْطِ غَضَبِهِ سُبْحانَهُ وهو فَرْضٌ مُحالٌ مِن تَبْدِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما أُرْسِلَ بِهِ مِن عِنْدِهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَقِّ الأمْرَ المُطابِقَ لِلْواقِعِ في شَأْنِ الأُلُوهِيَّةِ والِاتِّباعِ مَجازًا عَنِ المُوافَقَةِ أيْ لَوْ وافَقَ الأمْرُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ أهْواءَهم بِأنْ كانَ الشِّرْكُ حَقًّا لَفَسَدَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ حَسْبَما قَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءُ: 22] ولَعَلَّ الكَلامَ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم كَرِهُوا شَيْئًا لا يُمْكِنُ خِلافُهُ أصْلًا فَلا فائِدَةَ لَهم في هَذِهِ الكَراهَةِ. واعْتَرَضَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ وفِيهِ بَحْثٌ، وكَذا ما قِيلَ: إنَّ ما يُوافِقُ أهْواءَهم هو الشِّرْكُ في الأُلُوهِيَّةِ لِأنَّ قُرَيْشًا كانُوا وثَنِيَّةً وهو لا يَسْتَلْزِمُ الفَسادُ والَّذِي يَسْتَلْزِمُهُ إنَّما هو الشِّرْكُ في الرُّبُوبِيَّةِ كَما تَزْعُمُهُ الثَّنَوِيَّةُ وهم لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمانُ: 25، الزَّمْرُ: 38] .
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَوْ وافَقَ الحَقَّ مُطْلَقًا أهْواءَهم لَخَرَجَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ عَنِ الصَّلاحِ والِانْتِظامِ بِالكُلِّيَّةِ، والكَلامُ اسْتِطْرادٌ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ الحَقِّ مُطْلَقًا بِأنَّ السَّمَواتِ والأرْضَ ما قامَتْ ولا مِن فِيهِنَّ إلّا بِهِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هو اللَّهُ تَعالى.
وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ، وحَكاهُ بَعْضُهم عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ قَتادَةَ، والمَعْنى عَلَيْهِ لَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى يَتَّبِعُ أهْواءَهم ويَفْعَلُ ما يُرِيدُونَ فَيُشَرِّعُ لَهُمُ الشِّرْكَ ويَأْمُرُهم بِهِ لَمْ يَكُنْ سُبْحانَهُ إلَهًا فَتُفْسَدُ السَّمَواتُ والأرْضُ. وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ شَرْعَ الشِّرْكِ نَقْصٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ. وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الخَفاجِيُّ وذَكَرَ أنَّهُ قَدْ قامَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ عَلَيْهِ وأنَّهُ لا خِلافَ فِيهِ. ولَعَلَّ الكَلامَ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ أيْضًا لِلْإشارَةِ إلى عَدَمِ إمْكانِ إرْسالِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ بِخِلافِ ما جاءَ بِهِ مِمّا لا يَكْرَهُونَهُ فَكَراهَتُهم لِما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا تَجْدِيهِمْ نَفْعًا فالقَوْلُ بِأنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ مُقْتَضى المَقامِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ. وقِيلَ: المَعْنى عَلَيْهِ لَوْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ما يُوافِقُ أهْواءَهم لاخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ لَمّا أنَّ آراءَهم مُتَناقِضَةٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى فَسادِ عُقُولِهِمْ وأنَّهم لِذَلِكَ كَرِهُوا ما كَرِهُوهُ مِنَ الحَقِّ الَّذِي
صفحة 53
جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو كَما تَرى.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ «ولَوُ اتَّبَعَ» بِضَمِّ الواوِ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ انْتِقالٌ مِن تَشْنِيعِهِمْ بِكَراهَةِ الحَقِّ إلى تَشْنِيعِهِمْ بِالإعْراضِ عَمّا جُبِلَ عَلَيْهِ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ الرَّغْبَةِ فِيما فِيهِ خَيْرُها. والمُرادُ بِالذِّكْرِ القُرْآنُ الَّذِي هو فَخْرُهم وشَرَفُهم حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفُ: 44] أيْ بَلْ أتَيْناهم بِفَخْرِهِمْ وشَرَفِهِمُ الَّذِي كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَقْبَلُوا عَلَيْهِ أكْمَلَ إقْبالٍ ويَقْبَلُوا ما فِيهِ أكْمَلَ قَبُولٍ ( فَهم ) بِما فَعَلُوا مِنَ النُّكُوصِ ﴿عَنْ ذِكْرِهِمْ﴾ أيْ فَخْرِهِمْ وشَرَفِهِمْ خاصَّةً ( مُعْرِضُونَ ) لا عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الإقْبالَ عَلَيْهِ والِاعْتِناءَ بِهِ، وفي وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعُ الضَّمِيرِ مَزِيدُ تَشْنِيعٍ لَهم وتَقْرِيعٌ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِن إعْراضِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ عَلى ما قَبْلِها مِنَ الإتْيانِ بِذِكْرِهِمْ، ومَن فَسَّرَ (الحَقَّ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ قالَ هُنا: في إسْنادِ الإتْيانِ بِالذِّكْرِ إلى نُونِ العَظْمَةِ بَعْدَ إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ وتَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَثابَةٍ عَظِيمَةٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي إيرادِ القُرْآنِ الكَرِيمِ عِنْدَ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ ﷺ بِعُنْوانِ الحَقِّيَّةِ وعِنْدَ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ تَعالى بِعُنْوانِ الذِّكْرِ مِنَ النُّكْتَةِ السِّرِّيَّةِ والحِكْمَةِ العَبْقَرِيَّةِ ما لا يَخْفى فَإنَّ التَّصْرِيحَ بَحَقِّيَّتِهِ المُسْتَلْزَمَةِ لِحَقِيَّةِ مَن جاءَ بِهِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَقامُ حِكايَةِ ما قالَهُ المُبْطِلُونَ في شَأْنِهِ وأمّا التَّشْرِيفُ فَإنَّما يَلِيقُ بِهِ تَعالى لا سِيَّما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحَدُ المُشْرِفِينَ. وقِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِهِمْ ما تَمَنَّوْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ أتَيْناهُمُ الكِتابَ الَّذِي تَمَنَّوْهُ وعَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ الوَعْظِ.
وأيْدٍ بِقِراءَةِ عِيسى «بِذِكْراهُمْ» بِألِفِ التَّأْنِيثِ، ورَجَّحَ القَوْلانِ الأوَّلانِ بِأنَّ التَّشْنِيعَ عَلَيْهِما أشَدُّ فَإنَّ الإعْراضَ عَنْ وعْظِهِمْ لَيْسَ بِمَثابَةِ إعْراضِهِمْ عَنْ شَرَفِهِمْ وفَخْرِهِمْ أوْ عَنْ كِتابِهِمُ الَّذِي تَمَنَّوْهُ في الشَّناعَةِ والقَباحَةِ.
وقِيلَ: إنَّ الوَعْظَ فِيهِ بَيانُ ما يَصْلُحُ بِهِ حالُ مَن يُوعَظُ فالتَّشْنِيعُ بِالإعْراضِ عَنْهُ لا يُقَصِّرُ عَنِ التَّشْنِيعِ بِالإعْراضِ عَنْ أحَدِ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ المُكابَرَةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ويُونُسٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «بَلْ أتَيْتُهُمْ» بِتاءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ قَطِيبٍ وأبُو رَجاءَ «بَلْ أتَيْتُهُمْ» بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ ﷺ وأبُو عَمْرٍو وفي رِوايَةِ «أتَيْناهُمْ» بِالمَدِّ ولا حاجَةَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إلى ارْتِكابِ مَجازٍ أوْ دَعْوى حَذْفِ مُضافٍ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ الباءِ لِلْمُصاحَبَةِ وقَرَأ قَتادَةُ «نَذْكُرُهُمْ» بِالنُّونِ مُضارِعُ ذَكَرَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences