Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:20–23
24:20Page 351
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٢٠
And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Kind and Merciful.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ الخِطابُ عَلى ما أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِمُسَطَّحٍ وحَسّانٍ وحَمْنَةَ أوْ لِمَن عَدا ابْنُ أبِيّ وأضْرابُهُ مِنَ المُنافِقِينَ الخائِضِينَ، وهَذا تَكْرِيرٌ لِلْمِنَّةِ بِتَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعِقابِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ عِظَمِ الجَرِيرَةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإشْعارِ بِاسْتِتْباعِ صِفَةِ الالُوهِيَّةِ لِلرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، وتَغْيِيرُ سَبْكِهِ وتَصْدِيرِهِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِما أنَّهُ المُرادُ بَيانُ اتِّصافِهِ تَعالى في ذاتِهِ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ الجَلِيلَتَيْنِ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ لا بَيانَ حُدُوثِ تَعَلُّقِهِما بِهِمْ كَما أنَّ المُرادَ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجَوابَ ( لَوْلا ) مَحْذُوفٌ كَما مَرَّ وهَذِهِ نَظِيرُ الآيَةِ المارَّةِ في آخِرِ حَدِيثِ اللِّعانِ إلّا أنَّ في التَّعْقِيبِ بِالرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ بَدَلُ التَّوّابِ الحَكِيمِ هُنالِكَ ما يُؤْذَنُ بِأنَّ الذَّنْبَ في هَذا أعْظَمُ وكَأنَّهُ لا يَرْتَفِعُ إلّا بِمَحْضِ رَأْفَتِهِ تَعالى وهو أعْظَمُ مِن أنْ يَرْتَفِعَ بِالتَّوْبَةِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَن خاضَ في حَدِيثِ الإفْكِ وتابَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ والغَرَضُ التَّغْلِيظُ فَلا تَغْفَلْ.
24:21Page 352
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١
O you who have believed, do not follow the footsteps of Satan. And whoever follows the footsteps of Satan - indeed, he enjoins immorality and wrongdoing. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, not one of you would have been pure, ever, but Allāh purifies whom He wills, and Allāh is Hearing and Knowing.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [النُّورُ: 21. 28] أيْ لا تَسْلُكُوا مَسالِكَهُ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذْرُوَنَ
صفحة 124
والكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ وامْتِثالِ وساوِسِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتْبَعُوا الشَّيْطانَ في شَيْءٍ مِنَ الأفاعِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إشاعَةُ الفاحِشَةِ وحُبُّها.
وقَرَأ نافِعٌ والبَزِيُّ في رِوايَةِ ابْنِ رَبِيعَةَ عَنْهُ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ «خُطْواتٌ» بِسُكُونِ الطّاءِ وقُرِئَ بِفَتْحِها وهو في جَمِيعِ ذَلِكَ جَمْعُ خُطْوَةٍ بِضَمِ الخاءِ وسُكُونِ الطّاءِ اسْمٌ لِما بَيْنَ القَدَمَيْنِ، وأمّا الخُطْوَةُ بِفَتْحِ الخاءِ فَهو مَصْدَرُ خَطا، والأصْلُ في الِاسْمِ إذا جَمَعَ أنَّ تَحَرُّكَ عَيْنِهِ فَرِقًّا بَيْنَهُ وبَيْنَ الصِّفَةِ فَيَضُمُّ اتِّباعًا لِلْفاءِ أوْ بِفَتْحٍ تَخْفِيفًا وقَدْ يَسْكُنُ ﴿ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ وُضِعَ الظّاهِرانِ مَوْضِعَ ضَمِيرِي الخُطُواتِ والشَّيْطانِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ ومَن يَتْبَعُها أوْ مَن يَتَّبِعُ خُطُواتِهِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والمُبالَغَةِ ﴿فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ هو ما أفْرَطَ قُبْحَهُ كالفاحِشَةِ ﴿والمُنْكَرِ﴾ هو ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، وضَمِيرُ إنَّهُ لِلشَّيْطانِ وقِيلَ لِلشَّأْنِ وجَوابُ الشَّرْطِ مُقَدَّرٌ سَدَّ ما بَعْدَ الفاءِ مَسَدَّهُ وهو في الأصْلِ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ وبَيانٌ لِعِلَّةِ النَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَتَّبِعُ الشَّيْطانَ ارْتَكَبَ الفَحْشاءَ والمُنْكَرَ فَإنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِهِما ومَن كانَ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ اتِّباعَهُ وطاعَتَهُ، وقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ النَّسْفِيُّ وابْنُ هِشامٍ في البابِ الخامِسِ مِنَ المُغْنِي. وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ ما نَصَّ عَلَيْهِ النُّحاةُ مِن أنَّ الجَوابَ لا يُحْذَفُ إلّا إذا كانَ الشَّرْطُ ماضِيًا حَتّى عَدُّوا مِنَ الضَّرُورَةِ قَوْلَهُ:
لَئِنْ تَكُ قَدْ ضاقَتْ عَلَيَّ بُيُوتُكم لِيَعْلَمَ رَبِّي أنَّ بَيْتِي أوْسَعُ
وأُجِيبُ بِأنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مِن قُبَيْلِ ما ذَكَرُوهُ في البَيْتِ فَإنَّهُ مِمّا حُذِفَ فِيهِ الجَوابُ رَأْسًا وهَذا مِمّا أُقِيمَ مَقامَهُ ما يَصِحُّ جَعَلَهُ جَوابًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مَنِ الشَّرْطِيَّةِ ولَمْ يُعْتَبَرْ في الكَلامِ حَذْفًا أصْلًا، والمَعْنى عَلى ذَلِكَ مِن يَتَّبِعُ الشَّيْطانَ فَإنَّهُ يَصِيرُ رَأْسًا في الضَّلالِ بِحَيْثُ يَكُونُ آمِرًا بِالفَحْشاءِ والمُنْكِرِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى اشْتِراطِ ضَمِيرٍ في جَوابِ الشَّرْطِ الِاسْمِيِّ يَعُودُ إلَيْهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما فِيهِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ بِما مَن جُمْلَتُهُ إنْزالُ هاتَيْكِ الآياتِ البَيِّناتِ والتَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ المُمَحِّصَةِ مِنَ الذُّنُوبِ وكَذا شَرْعُ الحُدُودِ المُكَفِّرِ لِما عَدا الرِّدَّةُ مِنها عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ وأجابُوا عَنْ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ السّابِقِ آنِفًا بِأنَّهُ كانَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ ﷺ بِذَلِكَ ( ما زَكّى ) أيْ ما طَهَّرَ مِن دَنَسِ الذُّنُوبِ.
وقَرَأ رُوحٌ والأعْمَشُ «ما زَكّى» بِالتَّشْدِيدِ والإمالَةِ، وكَتَبَ «زَكِيَ» المُخَفَّفِ بِالياءِ مَعَ أنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ وحَقُّها أنْ تُكْتَبَ بِالألْفِ، قالَ أبُو حَيّانَ: لِأنَّهُ قَدْ يُمالُ أوْ حَمَلا عَلى المُشَدِّدِ، ومِن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنكُمْ﴾ بَيانِيَّةٌ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن أحَدٍ﴾ سَيْفُ خَطِيبٍ ( وأحَدٍ ) في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى وفي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والفاعِلُ عَلَيْها ضَمِيرُهُ تَعالى أيْ ما زَكّى اللَّهُ تَعالى مِنكم أحَدًا ﴿أبَدًا﴾ لا إلى غايَةِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي﴾ يُطَهِّرُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ بِإفاضَةِ آثارِ فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلَيْهِ وحَمْلِهِ عَلى التَّوْبَةِ وقَبُولِها مِنهُ كَما فَعَلَ سُبْحانَهُ بِمَن سَلِمَ عَنْ داءِ النِّفاقِ مِمَّنْ وقَعَ في شَرَكِ الإفْكِ مِنكم.
﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ مُبالَغٌ في سَمْعِهِ الأقْوالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أظْهَرُوهُ مِنَ التَّوْبَةِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نِيّاتُهُمْ، وفِيهِ حَثٌّ لَهم عَلى الإخْلاصِ في التَّوْبَةِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإيذانِ بِاسْتِدْعاءِ
صفحة 125
الأُلُوهِيَّةِ لِلسَّمْعِ والعِلْمِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ الِاسْتِقْلالِ التَّذْيِيلِيِّ.
24:22Page 352
وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٢٢
And let not those of virtue among you and wealth swear not to give [aid] to their relatives and the needy and the emigrants for the cause of Allāh, and let them pardon and overlook. Would you not like that Allāh should forgive you? And Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿ولا يَأْتَلِ﴾ أيْ لا يَحْلِفُ افْتِعالَ مِنَ الآلِيَّةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ. واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ لا يُقَصِّرُ مِنَ الألْوِ بِوَزْنِ الدَّلْوِ والألْوُ بِوَزْنِ العُتُوِّ، قِيلَ: والأوَّلُ أوْفَقُ بِسَبَبِ النُّزُولِ وذَلِكَ أنَّهُ صَحَّ عَنْ عائِشَةَ وغَيْرِها أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَلَفَ لِما رَأى بَراءَةَ ابْنَتِهِ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مُسَطَّحٍ شَيْئًا أبَدًا وكانَ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا وكانَ ابْنَ خالَتِهِ، وقِيلَ: ابْنُ أُخْتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَنَزَلَتْ ﴿ولا يَأْتَلِ﴾ إلَخْ وهَذا هو المَشْهُورُ.
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّ أبا بَكْرٍ حَلَفَ لا يُنْفِقُ عَلى رَجُلَيْنِ كانا يَتِيمَيْنِ في حِجْرِهِ حَيْثُ خاضا في أمْرِ عائِشَةَ أحَدُهُما مُسَطَّحٌ فَنَزَلَتْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ أنَّهُ قَطَعَ جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَنافِعَهم عَمَّنْ قالَ في الإفْكِ وقالُوا: واللَّهِ لا نَصِلُ مَن تَكَلَّمَ فِيهِ فَنَزَلَتْ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ وأبُو جَعْفَرٍ مَوْلاهُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ «يَتالُ» مُضارِعُ تالى بِمَعْنى حَلَفَ، قالَ الشّاعِرُ:
تالى ابْنُ أوْسٍ حَلْفَةً لِيَرُدَّنِي إلى نِسْوَةٍ لِي كَأنَّهُنَّ مَقائِدُ
وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ المَعْنى الأوَّلِ لِيَأْتِلِ ﴿أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ أيِ الزِّيادَةِ في الدِّينِ ﴿والسَّعَةِ﴾ أيْ في المالِ ﴿أنْ يُؤْتُوا﴾ أيْ عَلى أنْ لا يُؤْتُوا أوْ كَراهَةَ أنْ يُؤْتُوا أوْ لا يُقَصِّرُوا في أنْ يُؤْتُوا.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ قَطِيبٍ وأبُو البَرْهَسِمِ «تُؤْتُوا» بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ.
﴿أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صِفاتٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ بِناءً عَلى ما عَلِمْتُ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى الصَّحِيحِ بِسَبَبِ حَلْفِ أبِي بَكْرٍ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مُسَطَّحٍ وهو مُتَّصِفٌ كَما سَمِعْتَ بِها فالعَطْفُ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ المَوْصُوفاتِ، والجَمْعُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا لِقَصْدِ العُمُومِ وعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِصِفَةٍ لِلْمُبالَغَةِ في إثْباتِ اسْتِحْقاقِ مُسَطَّحٍ ونَحْوِهِ الإيتاءِ فَإنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِواحِدَةٍ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ إذا اسْتَحَقَّهُ فَمَن جَمَعَها بِالطَّرِيقِ الأُولى، وقِيلَ: هي لِمَوْصُوفاتٍ أُقِيمَتْ هي مَقامَها وحَذَفَ المَفْعُولَ الثّانِي لِغايَةِ ظُهُورِهِ أيْ أنْ يُؤْتُوهم شَيْئًا ﴿ولْيَعْفُوا﴾ ما فَرَّطَ مِنهم ﴿ولْيَصْفَحُوا﴾ بِالإغْضاءِ عَنْهُ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وسُفْيانُ بْنُ الحُسَيْنِ وأسْماءُ بِنْتُ يَزِيدَ «ولْتَعْفُو ولْتَصْفَحُوا» بِتاءِ الخِطابِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ بِمُقابَلَةِ عَفْوِكم وصَفْحِكم وإحْسانِكم إلى مَن أساءَ إلَيْكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مُبالَغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى المُؤاخَذَةِ وكَثْرَةِ ذُنُوبِ العِبادِ الدّاعِيَةِ إلَيْها، وفِيهِ تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ في العَفْوِ ووَعْدٍ كَرِيمٍ بِمُقابَلَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم فَهَذا مِن مُوجِباتِهِ، وصَحَّ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا سَمِعَ الآيَةَ قالَ: بَلى واللَّهِ يا رَبَّنا إنّا لَنُحِبُّ أنْ تَغْفِرَ لَنا وأعادَ لَهُ نَفَقَتَهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ صارَ يُعْطِيهِ ضَعْفَيْ ما كانَ يُعْطِيهِ أوَّلًا، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ بَعْدَ أنْ أقْبَلَ مُسَطَّحٌ إلى أبِي بَكْرٍ مُعْتَذِرًا فَقالَ: جَعَلَنِي اللَّهُ تَعالى فَداكَ واللَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ما قَذَفْتُها وما تَكَلَّمْتُ بِشَيْءٍ مِمّا قِيلَ لَها أيْ خالٍ فَقالَ أبُو بَكْرٍ ولَكِنْ قَدْ ضَحِكْتَ وأعْجَبَكَ الَّذِي قِيلَ فِيها فَقالَ مُسَطَّحٌ لَعَلَّهُ يَكُونُ قَدْ كانَ بَعْضَ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ مِنَ الحَثِّ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ ما فِيها. واسْتَدَلَّ بِها عَلى فَضْلِ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأنَّهُ داخِلٌ في أُولِي الفَضْلِ قَطْعًا لِأنَّهُ وحْدَهُ أوْ مَعَ جَماعَةٍ سَبَبَ النُّزُولِ، ولا يُضَرُّ في ذَلِكَ عُمُومَ
صفحة 126
الحُكْمِ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ كَما هو الظّاهِرُ، ولا حاجَةَ إلى دَعْوى أنَّها فِيهِ خاصَّةً والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، وكَوْنُهُ مَخْصُوصًا بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَرْدُودٌ عَلى أنَّ فِيها مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ ما فِيها، وأجابَ الرّافِضَةُ بِأنَّ المُرادَ بِالفَضْلِ الزِّيادَةُ في المالِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والسَّعَةِ﴾ وادَّعى الإمامُ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّدِيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أفْضَلُ جَمِيعِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وبَيْنَ ذَلِكَ بِما هو بَعِيدٌ عَنْ فَضْلِهِ، وذَكَرَ أيْضًا دَلالَتَها عَلى وُجُوهِ مَن مَدَحَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأكْثَرَها لِلْبَحْثِ فِيها مَجالٌ، واسْتَدَلَّ بِها عَلى أنْ ما لا يَكُونُ رِدَّةً مِنَ المَعاصِي لا يُحْبِطُ العَمَلَ وإلّا لَما سَمّى اللَّهُ تَعالى مُسَطَّحًا مُهاجِرًا مَعَ أنَّهُ صَدَرَ مِنهُ ما صَدَرَ، وعَلى أنَّ الحَلِفَ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ تَعالى نَهى عَنْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يَأْتَلِ﴾ ومَعْناهُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ لا يَحْلِفُ، وظاهِرُ هَذا حَمْلُ النَّهْيِ عَلى التَّحْرِيمِ، وقِيلَ: هو لِلْكَراهَةِ، وقِيلَ: الحَقُّ أنَّ الحَلْفَ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ قَدْ يَكُونُ حَرامًا، وقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا، فالنَّهْيُ هُنا لِطَلَبِ التَّرْكِ مُطْلَقًا وفِيهِ بَحْثٌ.
وذَكَرَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ أنَّهُ «إذا حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» كَما جاءَ في الحَدِيثِ، وقالَ بَعْضُهم.
«إذا حَلَفَ فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ وذَلِكَ كَفّارَتُهُ» كَما جاءَ في حَدِيثٍ آخَرَ.
وتَعَقَّبَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الكَفّارَةِ في ذَلِكَ الحَدِيثِ تَكْفِيرُ الذَّنْبِ لا الكَفّارَةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي هي بِإحْدى الخِصالِ.
24:23Page 352
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٢٣
Indeed, those who [falsely] accuse chaste, unaware and believing women are cursed in this world and the Hereafter; and they will have a great punishment
﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها ﴿الغافِلاتِ﴾ عَمّا يَرْمِينَ بِهِ بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ لَهُنَّ بِبالٍ أصْلًا لِكَوْنِهِنَّ مَطْبُوعاتٍ عَلى الخَيْرِ مَخْلُوقاتٍ مِن عُنْصُرِ الطَّهارَةِ فَفي هَذا الوَصْفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ النَّزاهَةِ ما لَيْسَ في المُحْصَناتِ ﴿المُؤْمِناتِ﴾ أيِ المُتَّصِفاتِ بِالإيمانِ بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ مِنَ الواجِباتِ والمَحْظُوراتِ وغَيْرِها إيمانًا حَقِيقِيًّا تَفْصِيلِيًّا كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ تَأْخِيرُ المُؤْمِناتِ عَمّا قَبْلَها مَعَ أصالَةِ وصْفِ الإيمانِ فَإنَّهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِها المَعْنى الوَصْفِيَّ المُعْرَبَ عَمّا ذَكَرَ لا المَعْنى الِاسْمِيَّ المُصَحَّحَ لِإطْلاقِ الِاسْمِ في الجُمْلَةِ كَما هو المُتَبادِرُ عَلى تَقْدِيرِ التَّقْدِيمِ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ.
وفَرْعٌ عَلَيْهِ كَوْنُ المُرادِ بِذَلِكَ عائِشَةَ الصِّدِّيقَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ورُوِيَ ما ظاهِرُهُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ، والجَمْعُ عَلى هَذا بِاعْتِبارِ أنَّ رَمْيَها رَمْيٌ لِسائِرِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ لِاشْتِراكِ الكُلِّ في النَّزاهَةِ والِانْتِسابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ونَظِيرُ ذَلِكَ جَمْعُ «المُرْسَلِينَ» في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَراءُ: 105] وقِيلَ: المُرادُ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ فَيَدْخُلُ فِيهِنَّ الصِّدِّيقَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ورُوِيَ ما يُؤَيِّدُهُ عَنْ أبِي الجَوْزاءِ والضَّحّاكِ وجاءَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسِ ما يَقْتَضِيهِ، فَقَدْ أخْرَجَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنصُورٍ وابْنِ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيِّ وابْنِ مَرْدُويَهٍ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَرَأ سُورَةَ النُّورِ فَفَسَّرَها فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ إلَخْ قالَ: هَذِهِ في عائِشَةَ وأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَجْعَلْ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ تَوْبَةً وجَعَلَ لِمَن رَمى امْرَأةً مِنَ المُؤْمِناتِ مِن غَيْرِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ التَّوْبَةَ ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النُّورُ: 4. 5] الخَبَرُ، وظاهِرُهُ أنَّهُ لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ مَن قَذَفَ إحْدى الأزْواجِ الطّاهِراتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ.
وقَدْ جاءَ عَنْهُ في بَعْضِ الرِّواياتِ التَّصْرِيحُ بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ مَن خاضَ في أمْرِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِنهُ خارِجَ مَخْرَجِ المُبالِغَةِ في تَعْظِيمِ أمْرِ الإفْكِ كَما ذَكَرْنا أوَّلًا وإلّا فَظاهَرُ الآياتِ قَبُولُ تَوْبَتِهِ وقَدْ تابَ مَن تابَ مِنَ الخائِضِينَ كَمُسَطَّحٍ وحَسّانٍ وحَمْنَةَ ولَوْ عَلِمُوا أنَّ تَوْبَتَهم لا تُقْبَلُ لَمْ يَتُوبُوا، نَعَمْ ظاهِرُ
صفحة 127
هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما سَمِعْتُ مِنَ المُرادِ مِنَ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ كَفَّرَ قاذِفَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ رَتَّبَ عَلى رَمْيِهِنَّ عُقُوباتٍ مُخْتَصَّةً بِالكُفّارِ والمُنافِقِينَ فَقالَ سُبْحانَهُ ﴿لُعِنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ رَمْيِهِمْ إيّاهُنَّ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ حَيْثُ يَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ والمَلائِكَةُ في الدّارَيْنِ ﴿ولَهُمْ﴾ مَعَ ما ذَكَرَ مِنَ اللَّعْنِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ هائِلٌ لا يُقادِرُ قَدْرَهُ لِغايَةِ عَظُمَ ما اقْتَرَفُوهُ مِنَ الجِنايَةِ.
وكَذا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالًا مُخْتَصَّةً بِأُولَئِكَ فَقالَ عَزَّ وجَلَّ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences