Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:4
24:4Page 350
وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤
And those who accuse chaste women and then do not produce four witnesses - lash them with eighty lashes and do not accept from them testimony ever after. And those are the defiantly disobedient,
﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حُكْمِ مَن نَسِبَ الزِّنا إلى غَيْرِهِ بَعْدَ بَيانِ حُكْمِ مَن فَعَلَهُ، والمَوْصُولُ عَلى ما اخْتارَهُ العَلّامَةُ الثّانِي في التَّلْوِيحِ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ فِعْلُ الأمْرِ بَعْدَ عَلَيْهِ أيِ اجْلِدُوا الَّذِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ ولا يَخْفى عَلَيْكَ خَبَرُهُ والآيَةُ نَزَلَتْ في امْرَأةِ عُوَيْمِرٍ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ قِصَّةِ الإفْكِ والرَّمْيِ مَجازًا عَنِ الشَّتْمِ.
وجُرْحُ اللِّسانِ كَجُرْحِ اليَدِ والمُرادُ الرَّمْيُ بِالزِّنا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ إيرادُ ذَلِكَ عُقَيْبِ الزَّوانِي مَعَ جَعْلِ المَفْعُولِ ﴿المُحْصَناتِ﴾ الدّالُّ عَلى النَّزاهَةِ عَنِ الزِّنا وهَذا كالصَّرِيحِ في ذَلِكَ، ورُبَّما يُدْعى أنَّ اشْتِراطَ أرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهُودِ يَشْهَدُونَ بِتَحَقُّقٍ ما رُمِيَ بِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ قَرِينَةٌ عَلى المُرادِ بِناءً عَلى العِلْمِ بِأنَّهُ لا شَيْءَ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ بِالشَّهادَةِ عَلى شَهادَةِ أرْبَعَةٍ إلّا الزِّنا، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ النِّساءُ المُحْصَناتُ وعَلَيْهِ يَكُونُ ثُبُوتُ وُجُوبِ جَلْدِ رامِي المُحْصَنِ بِدَلالَةِ النَّصِّ لِلْقَطْعِ بِإلْغاءِ الفارِقِ وهو صِفَةُ
صفحة 89
الأُنُوثَةِ واسْتِقْلال دَفَعَ عارَ ما نُسِبَ إلَيْهِ بِالتَّأْثِيرِ بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ فَهْمُهُ عَلى ثُبُوتِ أهْلِيَّةِ الِاجْتِهادِ، وكَذا ثُبُوتُ وُجُوبِ جَلْدِ رامِيَةِ المُحْصَنِ أوِ المُحْصَنَةِ بِتِلْكَ الدَّلالَةِ وإلّا فالَّذِينَ يَرْمُونَ لِلْجَمْعِ المُذَكَرِ، وتَخْصِيصُ الذُّكُورِ في جانِبٍ الرّامِي والإناثِ في جانِبِ المَرْمِيِّ لِخُصُوصِ الواقِعَةِ، وقِيلَ المُرادُ الفُرُوجُ المُحْصَناتُ وفِيهِ أنَّ إسْنادَ الرَّمْيِ يَأْباهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّوْصِيفِ بِالمُحْصَناتِ مِن مُخالَفَةِ الظّاهِرِ.
وقالَ ابْنُ حَزْمٍ وحَكاهُ الزَّهْراوِيُّ: المُرادُ الأنْفُسُ المُحْصَناتُ واسْتَدَلَّ لَهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النِّساءُ: 24] فَإنَّهُ لَوْلا أنَّ المُحْصَناتِ صالِحٌ لِلْعُمُومِ لَمْ يُقَيِّدْ وتَعَقَّبْ بِأنَّ مِنَ النِّساءِ هُناكَ قَرِينَةً عَلى العُمُومِ ولا قَرِينَةَ هُنا، وجَعَلَ كَوْنَ حُكْمِ الرِّجالِ كَذَلِكَ قَرِينَةً لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ فالأوْلى الِاعْتِمادُ عَلى ما تَقَدَّمَ والإحْصانُ هُنا، وجَعَلَ كَوْنَ حُكْمِ الرِّجالِ كَذَلِكَ قَرِينَةً لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ فالأوْلى الِاعْتِمادُ عَلى ما تَقَدَّمَ والإحْصانُ هُنا لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِتَحَقُّقِ العِفَّةِ عَنِ الزِّنا وهو مَعْناهُ المَشْهُورُ وبِالحَرِيَّةِ والبُلُوغِ والعَقْلِ والإسْلامِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: ولا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ الفُقَهاءِ في ذَلِكَ، ولَعَلَّ غَيْرَهُ عَلَّمَ كَما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وثُبُوتُهُ بِإقْرارِ القاذِفِ أوْ شَهادَةِ رَجُلَيْنِ أوْ رَجُلٍ واِمْرَأتَيْنِ خِلافًا لِزَفَرٍ، ووَجْهُ اعْتِبارِ العِفَّةِ عَنِ الزِّنا ظاهِرٌ لَكِنَّ في شَرْحِ الطَّحاوِيِّ في الكَلامِ عَلى العِفَّةِ عَدَمُ الِاقْتِصارِ عَلى كَوْنِها عَنِ الزِّنا حَيْثُ قالَ فِيها: بِأنَّ لَمْ يَكُنْ وطِئَ امْرَأةً بِالزِّنا ولا بِشُبْهَةٍ ولا بِنِكاحٍ فاسِدٍ في عُمْرِهِ فَإنْ كانَ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً يُرِيدُ النِّكاحَ الفاسِدَ تَسْقُطُ عَدالَتُهُ ولا حَدَّ عَلى قاذِفِهِ، وكَذا لَوْ وطِئَ في غَيْرِ المِلْكَ كَما إذا وطِئَ جارِيَةً مُشْتَرِكَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ سَقَطَتْ عَدالَتُهُ، ولَوْ وطِئَ في المِلْكِ إلّا أنَّهُ مُحَرَّمٌ فَإنَّهُ يَنْظُرُ إنْ كانَتِ الحُرْمَةُ مُؤَقَّتَةً لا تَسْقُطُ عَدالَتُهُ كَما إذا وطِئَ امْرَأتَهُ في الحَيْضِ أوْ أُمَّتَهُ المَجُوسِيَّةَ، وإنْ كانَتْ مُؤَبَّدَةً سَقَطَتْ عَدالَتُهُ كَما إذا وطِئَ أمَّتَهُ وهي أُخْتُهُ مِنَ الرَّضاعَةِ.
ولَوْ مَسَّ امْرَأةً أوْ نَظَرَ إلى فَرْجِها بِشَهْوَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَ بِنْتَها فَدَخَلَ بِها أوْ أُمِّها لا يَسْقُطُ إحْصانُهُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وعِنْدَهُما يَسْقُطُ، ولَوْ وطِئَ امْرَأةً بِالنِّكاحِ ثُمَّ تَزَوَّجَ بِها سَقَطَ إحْصانُهُ انْتَهى.
والمَذْكُورُ في غَيْرِ كِتابٍ أنَّ أبا حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ في سُقُوطِ الحَدِّ عَنْ قاذِفِ الواطِئِ في الحُرْمَةِ المُؤَبَّدَةِ كَوْنُ تِلْكَ الحُرْمَةِ ثابِتَةً بِحَدِيثٍ مَشْهُورٍ كَحُرْمَةِ وطْءِ المَنكُوحَةِ بِلا شُهُودِ الثّابِتَةِ
بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لا نِكاحَ إلّا بِشُهُودٍ»»
وهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ أوْ ثابِتَةٌ بِالإجْماعِ كَمَوْطُوءَةِ أبِيهِ بِالنِّكاحِ أوْ بِمِلْكِ اليَمِينِ لَوْ تَزَوَّجَها الِابْنُ أوِ اشْتَراها فَوَطِئَها، ومِثْلُ ذَلِكَ عِنْدَهُ وطْءُ مَزْنِيَّتِهِ فَإنَّهُ لا يُعْتَبَرُ الخِلافُ عِنْدَ ثُبُوتِ الحُرْمَةِ بِالنَّصِّ وهُنا قَدْ ثَبَتَتْ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النِّساءُ: 22] وإنَّما يَعْتَبِرُهُ إذا ثَبَتَتْ بِقِياسٍ أوِ احْتِياطٍ كَثُبُوتِها بِالنَّظَرِ إلى الفَرْجِ والمَسِّ بِشَهْوَةٍ فَإنَّ ثُبُوتَها فِيما ذَكَرَ لِإقامَةِ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبِّبِ احْتِياطًا، ومِن هَذا يَعْلَمُ حالَ فُرُوعٍ كَثِيرَةٍ فَلْيَحْفَظْ، وما ذَكَرَ مِن سُقُوطِ إحْصانِ مَن وطِئَ أمَتَهُ وهي أُخْتُهُ مِنَ الرِّضاعِ فِيهِ خِلافُ الكَرْخِيِّ فَإنَّهُ قالَ: لا يَسْقُطُ الإحْصانُ بِوَطْئِها وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ وأحْمَدَ لِقِيامِ المَلِكِ فَكانَ كَوَطْءِ أُمَّتِهِ المَجُوسِيَّةِ، وفِيهِ أنَّ الحُرْمَةَ في وطْءِ المَجُوسِيَّةِ يُمْكِنُ ارْتِفاعُها فَتَكُونُ مُؤَقَّتَةً وحُرْمَةُ الرِّضاعِ لا يُمْكِنُ ارْتِفاعُها فَلَمْ يَكُنِ المَحَلُّ قابِلًا لِلْحَلِّ أصْلًا، واشْتَرَطَ في المَلِكِ أنْ لا يَظْهَرُ فَسادَهُ بِالِاسْتِحْقاقِ فَلَوِ اشْتَرى جارِيَةً فَوَطِئَها ثُمَّ اسْتَحَقَّتْ فَقَذَفَهُ إنْسانٌ لا يَحُدُّ. وفي كافِي
الحاكِمِ والقَهْسَتانِيِّ والفَتْحِ أنَّ الوَطْءَ في الشِّراءِ الفاسِدِ يَسْقُطُ
صفحة 90
الحَدَّ عَنِ القاذِفِ وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى ما ذَكَرْنا، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: كَما يُشْتَرَطُ العِفَّةُ عَنِ الزِّنا يُشْتَرَطُ السَّلامَةُ عَنْ تُهْمَتِهِ ويَحْتَرِزُ بِهِ عَنْ قَذْفِ ذاتِ ولَدٍ لَيْسَ لَهُ أبٌ مَعْرُوفٌ فَإنَّهم ذَكَرُوا أنَّهُ لا يَحُدُّ قاذِفُها لِمَكانِ التُّهْمَةِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الحَصَكْفِيُّ في بابِ اللِّعانِ مَن شَرْحِ تَنْوِيرِ الأبْصارِ، ولا تُقاسُ اللُّواطَةُ عَلى الزِّنا فَلَوْ قُذِفَ بِها لا يَحِدُّ القاذِفُ خِلافًا لِأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وقَدِ اخْتَلَفا في أحْكامٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها زَيْنُ الدِّينِ في بَحْرِهِ، وأمّا اعْتِبارُ الحُرِّيَّةِ فَلِأنَّها يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ الإحْصانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالمُحْصَناتِ فِيهِ الحَرائِرُ فالرَّقِيقُ لَيْسَ مُحْصَنًا بِهَذا المَعْنى وكَوْنُهُ مُحْصَنًا بِمَعْنًى آخَرَ كالإسْلامِ وغَيْرِهِ فَيَكُونُ مُحْصَنًا مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ وذَلِكَ شُبْهَةٌ في إحْصانِهِ فَوَجَبَ دَرْءَ الحَدِّ عَنْ قاذِفِهِ فَلا يَحِدُّ حَتّى يَكُونَ مُحْصَنًا بِجَمِيعِ المَفْهُوماتِ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْها لَفْظُ الإحْصانِ إلّا ما أجْمَعَ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِهِ في تَحَقُّقِ الإحْصانِ وهو كَوْنُ المَقْذُوفَةِ زَوْجَةً أوْ كَوْنِ المَقْذُوفِ زَوْجًا فَإنَّهُ جاءَ بِمَعْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النِّساءُ: 24] أيِ المُتَزَوِّجاتِ ولا يُعْتَبَرُ في إحْصانِ القَذْفِ بَلْ في إحْصانِ الرَّجْمِ، ثُمَّ لا شَكَّ في أنَّ الإحْصانَ أُطْلِقَ بِمَعْنى الحُرِّيَّةِ كَما سَمِعْتُ وبِمَعْنى الإسْلامِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ [النِّساءُ: 25] قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ:
أسْلَمْنَ وهَذا يَكْفِي في إثْباتِ اعْتِبارِ الإسْلامِ في الإحْصانِ، وعَنْ داوُدَ عَدَمُ اشْتِراطِ الحُرِّيَّةِ وأنَّهُ يَحُدُّ قاذِفَ العَبْدِ وأمّا اعْتِبارُ العَقْلِ والبُلُوغِ فَفِيهِ إجْماعٌ إلّا ما رُوِيَ عَنْ أحْمَدَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِن أنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي يُجامِعُ مِثْلَهُ مُحْصَنٌ فَيَحُدُّ قاذِفُهُ، والأصَحُّ عَنْهُ مُوافَقَةُ الجَماعَةِ، وقَوْلُ مالِكٍ في الصَّبِيَّةِ الَّتِي يُجامِعُ مِثْلَها يَحُدُّ قاذِفَها خُصُوصًا إذا كانَتْ مُراهِقَةً فَإنَّ الحَدَّ لِعِلَّةِ إلْحاقِ العارِ ومِثْلُها يَلْحَقُهُ العارُ، وكَذا قَوْلُهُ وقَوْلُ اللَّيْثِ: إنَّهُ يَحُدُّ قاذِفَ المَجْنُونِ لِذَلِكَ والجَماعَةُ يَمْنَعُونَ كَوْنَ الصَّبِيِّ والمَجْنُونُ يُلْحِقُهُما العارُ بِنِسْبَتِهِما إلى الزِّنا بَلْ رُبَّما يُضْحِكُ مَن ناسَبَهُما إلَيْهِ إمّا لِعَدَمِ صِحَّةِ قَصْدِهِ مِنهُما وإمّا لِعَدَمِ مُخاطَبَتِهِما بِالمُحَرَّماتِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، ولَوْ فَرَضْنا لُحُوقَ عارٍ بِالمُراهِقِ فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلى الكَمالِ فَيَنْدَرِئُ الحَدُّ، ومِثْلُ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ في أنَّهُ رُبَّما يَضْحَكُ مِن نِسْبَةِ الزِّنا إلَيْهِما الرَّتْقاءُ والمَجْبُوبُ بَلْ هُما أوْلى بِذَلِكَ لِعَدَمِ تَصَوُّرِهِ فِيهِما ولِذا لا يَحِدُّ بِقَذْفِهِما، وإلّا ما رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ وابْنِ أبِي لَيْلى مِن أنَّهُ يَحُدُّ بِقَذْفِ الذِّمِّيَّةِ إذا كانَ لَها ولَدٌ مُسْلِمٌ، وكَذا ما قِيلَ: إنَّهُ يَحُدُّ بِقَذْفِها إذا كانَتْ تَحْتَ مُسْلِمٍ، ثُمَّ إنَّ الإسْلامَ والحُرِّيَّةَ إذا لَمْ يَكُونا مَوْجُودَيْنِ وقْتَ الزِّنا المَقْذُوفِ بِهِ بَلْ كانا مَوْجُودَيْنِ وقْتَ القَذْفِ لا يُفِيدانِ شَيْئًا فَلَوْ قَذَفَ امْرَأةً مُسْلِمَةً زَنَتْ في نَصْرانِيَّتِها أوْ رَجُلًا مُسْلِمًا زَنى في نَصْرانِيَّتِهِ وقالَ: زَنَيْتِ وأنْتِ كافِرَةٌ أوْ زَنَيْتَ وأنْتَ كافِرٌ أوْ قَذَفَ مُعَتَقًا زَنى وهو عَبْدٌ أوْ مُعَتَّقَةً زَنَتْ وهي أمَةٌ وقالَ: زَنَيْتِ أوْ زَنَيْتَ وأنْتَ عَبْدٌ أوْ أنْتِ أمَةٌ لا يَحُدُّ، وكَذا المَكاتِبُ والمُكاتِبَةُ والكافِرُ الحَرْبِيُّ إذا زَنى في دارِ الحَرْبِ ثُمَّ أسْلَمَ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أنَّ البُلُوغَ والعَقْلَ كالإسْلامِ والحُرِّيَّةِ في ذَلِكَ، فَقَدْ صَرَّحُوا فِيما إذا قالَ: زَنَيْتِ وأنْتِ صَغِيرَةٌ أوْ زَنَيْتَ وأنْتَ مَجْنُونٌ بِأنَّهُ لا يَحُدُّ، وكانَ المَدارُ في دَرْءِ الحَدِّ الصِّدْقُ في كُلِّ ذَلِكَ، ومِن هُنا قالَ في المَبْسُوطِ: إنَّ المَوْطُوءَةَ إذا كانَتْ مُكْرَهَةً يَسْقُطُ إحْصانُها ولا يَحُدُّ قاذِفُها كَما يَسْقُطُ إحْصانُ المُكْرَهِ الواطِئِ ولا يَحِدُّ قاذِفَهُ لِأنَّ الإكْراهَ يُسْقِطُ الإثْمَ ولا يُخْرِجُ الفِعْلُ بِهِ مِن أنْ يَكُونَ زِنًى، لَكِنْ ذَكَرَ فِيهِ أنَّ مَن قَذَفَ زانِيًا لا حَدَّ عَلَيْهِ سَواءً قَذَفَهُ بِذَلِكَ الزِّنا بِعَيْنِهِ أوْ بِزِنًى آخَرَ مِن جِنْسِهِ أوْ أبْهَمَ في حالَةِ القَذْفِ، ووَجَّهَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الحَدَّ عَلى مَن رَمى المُتَّصِفَ بِالإحْصانِ وبِالزِّنا لا يَبْقى إحْصانٌ فَلا يَثْبُتُ الحَدُّ خِلافًا لِإبْراهِيمَ وابْنِ أبِي لَيْلى، نَعَمْ إذا كانَ القَذْفُ بِزِنا تابَ عَنْهُ المَقْذُوفُ يُعَزَّرُ القاذِفُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَحْتاجُ سُقُوطَ الحَدِّ في المَسائِلِ السّابِقَةِ إلى التَّقْيِيدِ
صفحة 91
فَلْيَتَأمَّلْ، ولَوْ تَزَوُّجَ مَجُوسِيٌّ بِأُمِّهِ أوْ بِنْتِهِ ثُمَّ أسْلَمَ فَفَسَخَ النِّكاحَ فَقَذَفَهُ مُسْلِمٌ في حالِ إسْلامِهِ يَحِدُّ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِناءً عَلى ما يَراهُ مِن أنَّ أنْكِحَةَ المَجُوسِ لَها حُكْمُ الصِّحَّةِ. وقالَ الإمامانِ: لا يَحِدُّ بِناءً عَلى أنَّ لَيْسَ لَها حُكْمُ الصِّحَّةِ وهو قَوْلُ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ، ولا يُعْلَمُ خِلافٌ بَيْنِ مَن يَعْتَبِرُ الحُرِّيَّةَ في الإحْصانِ في أنَّهُ لا حَدَّ عَلى مَن قَذَفَ مُكاتِبًا ماتَ وتَرَكَ وفاءً لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ في شَرْطِ الحَدِّ وهو الإحْصانُ لِاخْتِلافِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في أنَّهُ ماتَ حُرًّا أوْ عَبْدًا وذَلِكَ يُوجِبُ دَرْءَ الحَدِّ ولِأنَّهُ يَدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، لا يَحِدُّ مَن قَذَفَ أخْرَسَ فَإنَّ هُناكَ احْتِمالَ أنْ يُصَدِّقَهُ لَوْ نَطَقَ ولا يُعَوِّلَ عَلى إشارَتِهِ هُنا وإنْ قالُوا: إنَّها تَقُومُ مَقامَ عِبارَتِهِ في بَعْضِ الأحْكامِ لِقِيامِ الِاحْتِمالِ فِيها، واشْتَرَطُوا أيْضًا أنْ يُوجَدَ الإحْصانُ وقْتَ الحَدِّ حَتّى لَوِ ارْتَدَّ المَقْذُوفُ سَقَطَ الحَدُّ ولَوْ أسْلَمَ بَعْدُ، وكَذا لَوْ زَنى أوْ وطِئَ وطَّأ حَرامًا أوْ صارَ مَعْتُوهًا أوْ أخْرَسَ وبَقِيَ ذَلِكَ لَمْ يَحُدَّ كَما في كافِي الحاكِمِ، واشْتَرَطُوا أيْضًا أنْ لا يَمُوتُ قَبْلَ أنْ يَحِدَّ القاذِفُ لِأنَّ الحَدَّ لا يُوَرَّثُ، وأنْ لا يَكُونَ المَقْذُوفُ ولَدَ القاذِفِ أوْ ولَدَ ولَدِهِ فَلا يَحُدُّ مِن قَذْفِ أحَدِهِما إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا سَتَعْلَمُ بَعْضَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولَمْ يُصَرِّحْ أكْثَرُ الفُقَهاءِ بـ ِشُرُوطِ القاذِفِ، ويُفْهَمْ مِن كَلامِهِمْ أنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ- بالِغًا- فَلا يَحُدُّ الصَّبِيُّ إذا قَذَفَ ويُعَزَّرُ- عاقِلًا- فَلا يُحَدُّ المَجْنُونُ ولا لِسَكْرانٍ إلّا إذا سَكِرَ بِمُحَرَّمٍ- ناطِقًا- فَلا يَحِدُّ الأخْرَسُ لِعَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالزِّنا، وصَرَّحَ بِهَذا ابْنُ الشَّلَبِي عَنِ النِّهايَةِ- طائِعًا- فَلا يُحَدُّ المُكْرَهُ- قاذِفًا- في دارِ العَدْلِ. فَلا يُحَدُّ القاذِفُ في دارِ
الحَرْبِ أوِ البَغْيِ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى بَعْضِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَدَّ مِنَ الشُّرُوطِ كَوْنُهُ عالِمًا بِالحُرْمَةِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا بِأنْ يَكُونَ ناشِئًا في دارِ الإسْلامِ، لَكِنَّ في كافَيِ الحاكِمِ حَرْبِيٍّ دَخَلَ دارَ الإسْلامِ بِأمانٍ فَقَذَفَ مُسْلِمًا يَحُدُّ في قَوْلِهِ الأخِيرِ وهو قَوْلُ صاحِبَيْهِ، وظاهِرُهُ أنَّهُ يَحُدُّ ولَوْ كانَ قَذْفُهُ في فَوْرِ دُخُولِهِ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ الزِّنا حَرامٌ في كُلِّ مِلَّةٍ فَيُحَرِّمُ القَذْفَ بِهِ أيْضًا فَلا يُصَدَّقُ بِالجَهْلِ، ويُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ القَذْفُ بِصَرِيحِ الزِّنا بِأيِّ لِسانٍ كانَ كَما صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ الفُقَهاءِ وألْحَقُوا بِهِ بَعْضَ ألْفاظٍ ثَبَتَ الحَدُّ بِها بِالأثَرِ والإجْماعِ فَيَحُدُّ بِقَوْلِهِ: زَنَيْتُ أوْ زانِي بِياءٍ ساكِنَةٍ وكَذا يا زانِئُ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ خِلافًا لِمُحَمَّدٍ فَلا يَحُدُّ بِذَلِكَ عِنْدَهُ لِأنَّهُ حَقِيقَةٌ عِنْدَهُ في الصُّعُودِ. وتَعَقَّبَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يُفْهَمُ مِنهُ إذا ذَكَرَ مَقْرُونًا بِمَحَلِّ الصُّعُودِ، عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المَذْهَبُ أنَّهُ لَوْ قِيلَ مَعَ ذِكْرِ مَحَلِّ الصُّعُودِ في حالَةِ الغَضَبِ والسِّبابِ يَكُونُ قَذْفًا، فَقَدْ جَزَمَ في المَبْسُوطِ بِالحَدِّ فِيما إذا قالَ: زَنَأتْ في الجَبَلِ أوْ عَلى الجَبَلِ في حالَةِ الغَضَبِ ولَوْ قالَ لِاِمْرَأةٍ: يا زانِي حِدَّ اتِّفاقًا، وعَلَّلْهُ في الجَوْهَرَةِ بِأنَّ الأصْلَ في الكَلامِ التَّذْكِيرُ، ولَوْ قالَ لِلرَّجُلِ: يا زانِيَةُ لا يَحُدُّ عِنْدَ الإمامِ وأبِي يُوسُفَ لِأنَّهُ أحالَ كَلامَهُ فَوَصَفَ الرَّجُلَ بِصِفَةِ المَرْأةِ، وقالَ مُحَمَّدٌ: يَحُدُّ لِأنَّ الهاءَ تَدْخُلُ لِلْمُبالِغَةِ كَما في عَلّامَةٍ، وأُجِيبُ بِأنَّ كَوْنَها لِلْمُبالَغَةِ مَجازًا بَلْ هي لَمّا عَهِدَ لَها مِنَ التَّأْنِيثِ ولَوْ كانَتْ في ذَلِكَ حَقِيقَةً فالحَدُّ لا يَجِبُ لِلشَّكِّ، ويَحُدُّ بِقَوْلِهِ: أنْتَ أزَنى مِن فُلانٍ أوْ مِنِّي عَلى ما في الظَّهِيرِيَّةِ وهو الظّاهِرُ، لَكِنَّ في الفَتْحِ عَنِ المَبْسُوطِ أنَّهُ لا حَدَّ في أنْتَ أزَنى مِن فُلانٍ أوْ أزَنى النّاسِ، وعَلَّلَهُ في الجَوْهَرَةِ بِأنَّ مَعْناهُ أنْتَ أقْدَرُ عَلى الزِّنا، وفي الفَتْحِ بِأنَّ أفْعَلُ في مَثَلِهِ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّرْجِيحِ في العِلْمِ فَكَأنَّهُ قالَ: أنْتَ أعْلَمُ بِالزِّنا، ولا يُخْفى أنَّ قَصْدَ ذَلِكَ في حالَةِ السِّبابِ بَعِيدٌ، وفي الخانِيَةِ في أنْتَ أزَنى النّاسِ أوْ أزَنى مِن فُلانٍ الحَدُّ، وفي أنْتَ أزَنى مِنِّي لا حَدَّ، ولا يَخْفى أنَّ التَّفْرِقَةَ غَيْرُ ظاهِرَةٍ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ: أنْتَ أزَنى مِن فُلانٍ فِيهِ نِسْبَةُ فُلانٍ إلى الزِّنا وتَشْرِيكُ المُخاطَبِ مَعَهُ في ذَلِكَ بِخِلافِ أنْتَ أزَنى مِنِّي لِأنَّ فِيهِ نِسْبَةَ نَفْسِهِ
صفحة 92
إلى الزِّنا وذَلِكَ غَيْرُ قَذْفٍ فَلا يَكُونُ قَذْفًا لِلْمُخاطِبِ لِأنَّهُ تَشْرِيكٌ لَهُ فِيما لَيْسَ بِقَذْفٍ، ويَحُدُّ بِلَسْتَ لِأبِيكَ لِما فِيهِ مِن نِسْبَةِ الزِّنا إلى الأُمِّ ولِما جاءَ في الأثَرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لا حَدَّ إلّا في قَذْفِ مُحْصَنَةٍ أوْ نَفْيِ رَجُلٍ مِن أبِيهِ، وقَيَّدَ بِكَوْنِهِ في حالَةِ الغَضَبِ إذْ هو في حالَةِ الرِّضا يُرادُ بِهِ المُعاتَبَةُ بِنَفْيِ مُشابَهَتِهِ لَهُ، وذَكَرَ أنَّ مُقْتَضى القِياسِ أنْ لا حَدَّ بِهِ مُطْلَقًا لِجَوازِ أنْ يُنْفى النَّسَبُ مِن أبِيهِ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ الأُمُّ زانِيَةً مِن كُلِّ وجْهٍ بِأنْ تَكُونَ مَوْطُوءَةً بِشُبْهَةٍ وُلِدَتْ في عِدَّةِ الواطِئِ لَكِنَّ تَرْكَ ذَلِكَ لِلْأثَرِ، ولا حَدَّ بِالتَّعْرِيضِ كَأنْ يَقُولَ ما أنا بِزانٍ أوْ لَيْسَتْ أُمِّي زانِيَةً وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وابْنُ شُبْرُمَةَ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ وهو الرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ عَنْ أحْمَدَ، وقالَ مالِكٌ وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ: يَحُدُّ بِالتَّعْرِيضِ لِما رَوى الزَّهْرِيُّ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَضْرِبُ الحَدَّ بِالتَّعْرِيضِ،
وعَنْ عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ جَلَدَ رَجُلًا بِالتَّعْرِيضِ، ولِأنَّهُ إذا عَرَفَ المُرادُ بِدَلِيلِهِ مِنَ القَرِينَةِ صارَ كالصَّرِيحِ، ولِلْجَماعَةِ أنَّ الشّارِعَ لَمْ يُعْتَبَرْ مِثْلُهُ فَإنَّهُ حَرَّمَ صَرِيحَ خُطْبَةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها في العِدَّةِ وأباحَ التَّعْرِيضَ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البَقَرَةُ: 235] وقالَ تَعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ أوْ أكْنَنْتُمْ﴾ [البَقَرَةُ: 235] فَإذا ثَبَتَ مِنَ الشَّرْعِ عَدَمُ اتِّحادِ حُكْمِهِما في غَيْرِ الحَدِّ لَمْ يَجُزْ أنْ يُعْتَبَرَ مِثْلَهُ عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الحَدَّ المُحْتاطَ في دَرْئِهِ، وهو أوْلى مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِأنَّهُ ﷺ لَمْ يَلْزَمِ الحَدَّ لِلَّذِي قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ امْرَأتِي ولَدَتْ غُلامًا أسْوَدَ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ لِأنَّ إلْزامَ حَدِّ القَذْفِ مُتَوَقِّفٌ عَلى الدَّعْوى والمَرْأةِ لَمْ تَدْعُ ذَلِكَ، ولا حَدَّ بِوَطْئِكَ فُلانٍ وطَأ حَرامًا أوْ جامَعَكَ حَرامًا أوْ فَجَرْتَ بِفُلانَةٍ أوْ يا حَرامَ زادَهُ أوِ اذْهَبْ فَقُلْ لِفُلانٍ: إنَّكَ زانٍ فَذَهَبَ الرَّسُولُ فَقالَ لَهُ ذَلِكَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: فُلانٌ يَقُولُ إنَّكَ زانٍ لا إذا قالَ لَهُ: إنَّكَ زانٍ فَإنَّهُ يَحِدُّ الرَّسُولَ حِينَئِذٍ، واسْتِيفاءُ ما فِيهِ حَدٌّ وما لا حَدَّ فِيهِ في كُتُبِ الفِقْهِ، وقَوْلُنا في كَذا حَدٌّ عَلى إرادَةٍ إذا تَحَقَّقَ الشَّرْطُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا﴾ إلَخْ، واشْتَرَطَ الإتْيانَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ تَشْدِيدًا عَلى القاذِفِ، ويُشْتَرَطُ كَوْنُهم رِجالًا لِما صَرَّحُوا بِهِ مِن أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِشَهادَةِ النِّساءِ في الحُدُودِ، وظاهِرُ إتْيانِ التّاءِ في العَدَدِ مُشْعِرٌ بِاشْتِراطِ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ، ولا يُشْتَرَطُ فِيهِمُ العَدالَةَ لِيُلْزِمَ مِن عَدَمِ الإتْيانِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ عُدُولِ الجَلْدِ لِما صَرَّحَ بِهِ في المُلْتَقَطِ مِن أنَّهُ لَوْ أتى بِأرْبَعَةِ فُسّاقٍ فَشَهِدُوا أنَّ الأمْرَ كَما قالَ دَرِئَ الحَدُّ عَنِ القاذِفِ والمَقْذُوفِ والشُّهُودِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ في الفاسِقِ نَوْعُ قُصُورٍ وإنْ كانَ مَن أهْلِ الأداءِ والتَّحَمُّلِ ولِذا لَوْ قَضى بِشَهادَتِهِ نَفَّذَ عِنْدَنا فَيُثْبِتُ بِشَهادَتِهِمْ شُبْهَةَ الزِّنا فَيَسْقُطُ الحَدُّ عَنْهم وعَنِ القاذِفِ وكَذا عَنِ المَقْذُوفِ لِاشْتِراطِ العَدالَةِ في الثُّبُوتِ، ولَوْ كانُوا عُمْيانًا أوْ عَبِيدًا أوْ مَحْدُودِينَ في قَذْفٍ فَإنَّهم يَحِدُّونَ لِلْقَذْفِ دُونَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ أهْلِيَّةِ الشَّهادَةِ فِيهِمْ كَما قِيلَ.
والظّاهِرُ أنَّ القاذِفَ يَحِدُّ أيْضًا لِأنَّ الشُّهُودَ إذا حَدُّوا مَعَ أنَّهم إنَّما تَكَلَّمُوا عَلى وجْهِ الشَّهادَةِ دُونَ القَذْفِ فَحَدُّ القاذِفِ أوْلى، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلى مَن رُمِيَ بِأنَّهُ زَنًى، والمُتَبادِرُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ مُعايَنَةٍ لَكِنْ قالَ في الفَتْحِ: لَوْ شَهِدَ رَجُلانِ أوْ رَجُلٌ واِمْرَأتانِ عَلى إقْرارِ المَقْذُوفِ بِالزِّنا يَدْرَأُ عَنِ القاذِفِ الحَدَّ وكَذا عَنِ الثَّلاثَةِ أيِ الرَّجُلِ والمَرْأتَيْنِ لِأنَّ الثّابِتَ بِالبَيِّنَةِ كالثّابِتِ فَكَأنّا سَمِعْنا إقْرارَهُ بِالزِّنا انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ البَيِّنَةَ عَلى الإقْرارِ لا تُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى حَدِّ المَقْذُوفِ لِأنَّهُ إنْ كانَ مُنْكِرًا فَقَدْ رَجَعَ بِالإنْكارِ عَنِ الإقْرارِ وهو مُوجِبٌ لِدَرْءِ الحَدِّ فَتَلْغُو البَيِّنَةَ، وإنْ أقَرَّ بِشَرْطِهِ لا تَسْمَعُ فَإنَّها إنَّما تَسْمَعُ مَعَ الإقْرارِ في سَبْعَةِ
صفحة 93
مَواضِعَ لَيْسَ هَذا المَوْضِعُ مِنها، ويُشْتَرَطُ اجْتِماعُ شُهُودِ الزِّنا في مَجْلِسِ الحاكِمِ بِأنْ يَأْتُوا إلَيْهِ مُجْتَمِعِينَ أوْ فُرادى ويَجْتَمِعُوا فِيهِ ويَقُومَ مِنهم إلى الحاكِمِ واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ فَإنْ لَمْ يَأْتُوا كَذَلِكَ بِأنْ أتَوْا مُتَفَرِّقِينَ أوِ اجْتَمَعُوا خارِجَ مَجْلِسِ الحاكِمِ ودَخَلُوا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ لَمْ تُعْتَبَرْ شَهادَتُهم وحَدُّوا حَدَّ القَذْفِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدُ الشُّهُودِ زَوْجَ المَقْذُوفَةِ لِانْدِراجِهِ في أرْبَعَةِ ﴿شُهَداءَ﴾ وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: يُلاعِنُ الزَّوْجُ وتَحُدُّ الثَّلاثَةُ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ إذا لَمْ يَأْتِ القاذِفُ بِتَمامِ العِدَّةِ بِأنْ أتى بِاثْنَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ مِنها جَلْدُ وحْدَهُ ولا يَجْلِدُ الشّاهِدُ إلّا أنَّ المَأْثُورَ جَلْدُهُ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ شَهِدَ عَلى المُغِيرَةِ بِالزِّنا شِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ البَجْلِيِّ وأبُو بَكْرَةَ وأخُوهُ نافِعٌ وتَوَقَّفَ زِيادٌ فَحَدَّ الثَّلاثَةَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ولَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ وهم هم وفي كَلِمَةِ ﴿ثُمَّ﴾ إشْعارٌ بِجَوازِ تَأْخِيرِ الإتْيانِ بِالشُّهُودِ كَما أنَّ في كَلِمَةِ ﴿لَمْ﴾ إشارَةٌ إلى تَحَقُّقِ العَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِهِمْ وتُقَرِّرُهُ. وفي غَيْرِ كِتابٍ مِن كُتُبِ الفُرُوعِ لِأصْحابِنا أنَّ القاذِفَ إذا عَجَزَ عَنِ الشُّهُودِ لِلْحالِ واسْتَأْجَلَ لِإحْضارِهِمْ زاعِمًا أنَّهم في المُصِرِّ يُؤَجِّلُ مِقْدارَ قِيامِ الحاكِمِ مِن مَجْلِسِهِ فَإنْ عَجَزَ حَدٌّ ولا يَكْفُلُ لِيَذْهَبَ لِطَلَبِهِمْ بَلْ يُحْبَسُ ويُقالُ: ابْعَثْ إلَيْهِمْ مَن يُحْضِرُهم عِنْدَ الإمامِ، وأبِي يُوسُفَ في أحَدِ قَوْلَيْهِ لِأنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الحَدِّ ظَهَرَ عِنْدَ الحاكِمِ فَلا يَكُونُ لَهُ أنْ يُؤَخِّرَ الحَدَّ لِتَضَرُّرِ المَقْذُوفِ بِتَأْخِيرِ دَفْعِ العارِ عَنْهُ والتَّأْخِيرُ مِقْدارُ قِيامِهِ مِنَ المَجْلِسِ قَلِيلٌ لا يَتَضَرَّرُ بِهِ، وفي قَوْلِ أبِي يُوسُفَ الآخَرِ وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ يَكْفُلُ أيْ بِالنَّفْسِ إلى ثَلاثَةِ أيّامٍ.
وكانَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ يَقُولُ: مُرادُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ الحاكِمَ لا يُجْبِرُهُ عَلى إعْطاءِ الكَفِيلِ فَأمّا إذا سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِهِ فَلا بَأْسَ لِأنَّ تَسْلِيمَ نَفْسِهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ والكَفِيلُ بِالنَّفْسِ إنَّما يُطالِبُ بِهَذا القَدْرِ، وذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَن يَأْتِي بِالشُّهُودِ يَبْعَثُ مَعَهُ الحاكِمُ واحِدًا لِيَرُدَّهُ عَلَيْهِ، والأمْرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاجْلِدُوهُمْ﴾ لِوُلاةِ الأمْرِ ونُوّابِهِمْ.
والظّاهِرُ وُجُوبُ الجَلْدِ إنْ لَمْ يُطالِبِ المَقْذُوفُ وبِهِ قالَ ابْنُ لَيْلى، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: لا يَحُدُّ إلّا بِمُطالَبَتِهِ. وقالَ مالِكٌ: كَذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ الإمامُ سَمِعَهُ يَقْذِفُهُ فَيَحُدُّهُ إنْ كانَ مَعَ الإمامِ شُهُودٌ عُدُولٌ وإنْ لَمْ يُطالِبِ المَقْذُوفُ كَذا قالَ أبُو حَيّانَ ولِلْمَقْذُوفِ المُطالَبَةُ وإنْ كانَ آمِرًا لِلْقاذِفِ بِقَذْفِهِ لِأنَّ بِالأمْرِ لا يَسْقُطُ الحَدُّ كَما نَقَلَ الحَصَكْفِيُّ ذَلِكَ عَنْ شَرْحِ التَّكْمِلَةِ ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ القاذِفَ لا يَحُدُّ إلّا بِمُطالَبَةِ المَقْذُوفِ ظاهِرٌ في أنَّ الحَدَّ حَقُّ العَبْدِ ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ ذَكَرَها أصْحابُنا. مِنها أنَّهُ لا تَبْطُلُ الشَّهادَةُ عَلى ما يُوجِبُهُ بِالتَّقادُمِ، ومِنها أنَّهُ لا يَدْفَعُهُ الرُّجُوعُ عَنِ الإقْرارِ بِمُوجِبِهِ. ومِنها أنَّهُ يُقامُ عَلى المُسْتَأْمِنِ وإنَّما يُؤاخِذُ المُسْتَأْمِنُ بِما هو مِن حُقُوقِ العِبادِ، ومِنها أنَّهُ يُقَدِّمُ اسْتِيفاؤُهُ عَلى اسْتِيفاءِ حَدِّ الزِّنا وحَدِّ السَّرِقَةِ وشُرْبِ الخَمْرِ ومِنها أنَّهُ يُقِيمُهُ القاضِي بِعِلْمِهِ إذا عَلِمَهُ في أيّامِ قَضائِهِ ولِذا لَوْ قَذَفَ بِحَضْرَتِهِ يَحُدُّهُ.
وعِنْدَنا أحْكامٌ تَشْهَدُ بِأنَّهُ حَقُّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. مِنها أنَّ اسْتِيفاءَهُ إلى الإمامِ وهو إنَّما يَتَعَيَّنُ نائِبًا في اسْتِيفاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى وأمّا حَقُّ العَبْدِ فاسْتِيفاؤُهُ إلَيْهِ. ومِنها أنَّهُ لا يَحْلِفُ القاذِفَ إذا أنْكَرَ سَبَبَهُ وهو القَذْفُ ولَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ. ومِنها أنَّهُ لا يَنْقَلِبُ مالًا عِنْدَ السُّقُوطِ. ومِنها أنَّهُ يَتَّصِفُ بِالرِّقِّ كَسائِرِ العُقُوباتِ الواجِبَةِ
صفحة 94
حَقًّا لَهُ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ ابْنُ الهُمامِ أنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ فِيهِ حَقَّ اللَّهِ تَعالى وحَقَّ العَبْدِ إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ مالَ إلى تَغْلِيبِ حَقِّ العَبْدِ بِاعْتِبارِ حاجَتِهِ وغِنى الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى ونَحْنُ صِرْنا إلى تَغْلِيبِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ ما لِلْعَبْدِ مِنَ الحُقُوقِ يَتَوَلّى اسْتِيفاءَهُ مَوْلاهُ فَيَصِيرُ حَقُّ العَبْدِ مُوجِبًا لِتَغْلِيبِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى لا مُهْدَرًا ولا كَذَلِكَ عَكْسُهُ أيْ لَوْ غَلَبَ حَقُّ العَبْدِ لَزِمَ أنْ لا يَسْتَوْفِيَ حَقَّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا بِأنْ يَجْعَلَ وِلايَةَ اسْتِيفائِهِ إلَيْهِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا بِدَلِيلٍ يَنْصِبُهُ الشَّرْعُ عَلى إنابَةِ العَبْدِ في الِاسْتِيفاءِ ولَمْ يُثْبِتْ ذَلِكَ بَلِ الثّابِتُ هو اسْتِنابَةُ الإمامِ حَتّى كانَ هو الَّذِي يَسْتَوْفِيهِ كَسائِرِ الحُدُودِ الَّتِي هي حَقُّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. ويَتَفَرَّعُ عَلى الخِلافِ أنَّ مَن ثَبَتَ أنَّهُ قَذَفَ فَماتَ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلى القاذِفِ لا يُورِثُ عَنْهُ إقامَةَ الحَدّ عِنْدَنا إذِ الإرْثُ يَجْرِي في حُقُوقِ العِبادِ بِشَرْطِ كَوْنِها مالًا أوْ ما يَتَّصِلُ بِالمالِ أوْ ما يَنْقَلِبُ إلَيْهِ وتُورَثُ عِنْدَهُ، وأنَّ الحَدَّ لا يَسْقُطُ عِنْدَنا بَعْدَ ثُبُوتِهِ إلّا أنْ يَقُولَ المَقْذُوفُ: لَمْ يَقْذِفْنِي أوْ كَذِبَ شُهُودِي وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أنَّ القَذْفَ لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا لِلْحَدِّ لا أنَّهُ وقَعَ ثُمَّ سَقَطَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ وهو كَما إذا صَدَّقَهُ المَقْذُوفُ، وقالَ زَيْنُ الدِّينِ: إنَّ المَقْذُوفَ إذا عَفا لَمْ يَكُنْ لِلْإمامِ اسْتِيفاءُ الحَدِّ
لِعَدَمِ الطَّلَبِ فَإذا عادَ وطَلَبَ يُقِيمُهُ ويَلْغُو العَفْوَ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَصِحُّ العَفْوُ وعَنْ أبِي يُوسُفَ مِثْلُهُ، وكَأنَّ المُرادَ أنَّهُ إذا عَفا سَقَطَ الحَدُّ ولا يَنْفَعُ العَوْدُ إلى المُطالَبَةِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ الِاعْتِياضُ عَنْهُ عِنْدَنا وبِهِ قالَ مالِكٌ، وعِنْدَهُ يَجُوزُ وهو قَوْلُ أحْمَدَ وأنَّهُ يَجْرِي فِيهِ التَّداخُلُ عِنْدَنا لا عِنْدُهُ وبِقَوْلِنا قالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ والشَّعْبِيُّ والنَّخْعِيُّ والزَّهْرِيُّ وقَتادَةُ وطاوُسٌ وحَمّادٌ وأحْمَدُ في رِوايَةٍ حَتّى إذا حَدَّ إلّا سَوْطًا فَقَذَفَ آخَرُ فَإنَّهُ يَتِمُّ الأوَّلُ ولا شَيْءَ لِلثّانِي.
وكَذا إذا قَذَفَ واحِدًا مَرّاتٍ أوْ جَماعَةً بِكَلِمَةٍ مِثْلِ أنْتُمْ زُناةٌ أوْ بِكَلِماتٍ مِثْلِ أنْتِ يا زَيْدُ زانٍ وأنْتَ يا عَمْرُو زانٍ وأنْتَ يا بِشْرُ زانٍ في يَوْمٍ أوْ أيّامٍ يَحِدُّ حَدًّا واحِدًا إذا لَمْ يَتَخَلَّلْ حَدٌّ بَيْنَ القَذْفَيْنِ.
ووافَقَنا الشّافِعِيُّ في الحَدِّ الواحِدِ لِقاذِفِ جَماعَةٍ بِكَلِمَةٍ مَرَّةً واحِدَةً، وفي الظَّهِيرِيَّةِ مَن قَذَفَ إنْسانًا فَحَدَّ ثُمَّ قَذَفَهُ ثانِيًا لَمْ يَحُدَّ، والأصْلُ فِيهِ ما رُوِيَ أنَّ أبا بَكَرَةَ لَمّا شَهِدَ عَلى المُغِيِرَةِ فَحَدَّ لَمّا سَمِعْتُ كانَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ في المَحافِلِ: أشْهَدُ إنَّ المُغَيِّرَةَ لِزانٍ فَأرادَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنْ يَحُدَّهُ ثانِيًا فَمَنَعَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَرَجَعَ إلى قَوْلِهِ وصارَتِ المَسْألَةُ إجْماعًا اهْـ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا فِيما إذا قَذَفَهُ ثانِيًا بِالزِّنا الأوَّلِ أوْ أطْلَقَ لِحَمْلِ إطْلاقِهِ عَلى الأوَّلِ لِأنَّ المَحْدُودَ بِالقَذْفِ يُكَرِّرُ كَلامَهُ لِإظْهارِ صِدْقِهِ فِيما حَدَّ بِهِ كَما فَعَلَ أبُو بَكَرَةَ فَإنَّهُ لَمْ يَرُدَّ أنَّ المُغِيرَةَ لَزانٍ أنَّهُ زانٍ غَيْرُ الزِّنا الأوَّلِ، أمّا إذا قَذَفَهُ بَعْدَ الحَدِّ بِزِنا آخَرَ فَإنَّهُ يَحُدُّ بِهِ كَما في الفَتْحِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences