Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:4, continued
وذَكَرَ صَدْرُ الإسْلامِ أبُو اليُسْرِ في مَبْسُوطِهِ الصَّحِيحِ أنَّ الغالِبَ في هَذا الحَدِّ حَقُّ العَبْدِ كَما قالَ الشّافِعِيُّ لِأنَّ أكْثَرَ الأحْكامِ تَدُلُّ عَلَيْهِ والمَعْقُولُ يَشْهَدُ لَهُ وهو أنَّ العَبْدَ يَنْتَفِعُ بِهِ عَلى الخُصُوصِ، وقَدْ نَصَّ مُحَمَّدٌ في الأصْلِ عَلى أنَّ حَدَّ القَذْفِ كالقَصاصِ حَقُّ العَبْدِ، وتَفْوِيضُهُ إلى الإمامِ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لا يَهْتَدِي إلى إقامَتِهِ ولِأنَّهُ رُبَّما يُرِيدُ المَقْذُوفُ مَوْتَهُ لِحِنْقِهِ فَيَقَعُ مُتْلِفًا، وإنَّما لا يُورِثُ لِأنَّهُ مُجَرَّدُ حَقٍّ لَيْسَ مالًا ولا بِمَنزِلَتِهِ فَهو كَخِيارِ الشَّرْطِ وحَقِّ الشُّفْعَةِ بِخِلافِ القَصاصِ فَإنَّهُ يَنْقَلِبُ إلى المالِ، وأيْضًا هو في مَعْنى مِلْكِ العَيْنِ لِأنَّ مَن لَهُ القَصاصُ يَمْلِكُ إتْلافَ العَيْنِ ومِلْكِ الإتْلافِ مِلْكُ العَيْنِ عِنْدَ النّاسِ فَصارَ مَن عَلَيْهِ القَصّاصُ كالمَلِكِ لِمَن لَهُ القَصاصُ فَيَمْلِكُهُ
صفحة 95
الوارِثُ في حَقِّ اسْتِيفاءِ القَصّاصِ، وإنَّما لا يَصِحُّ عَفْوُهُ لِأنَّهُ مُتَعَنِّتٌ فِيهِ لِأنَّهُ رَضا بِالعارِ والرِّضا بِالعارِ عارٌ ولا يُخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ الأبْحاثِ.
والشّافِعِيُّ يَسْتَدِلُّ بِالآيَةِ لِعَدَمِ التَّدَخُّلِ فَإنَّ مُقْتَضاها تَرَتُّبُ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُشْعِرِ بِالعَلِيَّةِ فَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ ويُجابُ بِأنَّ الإجْماعَ لِما كانَ عَلى دَفْعِ الحُدُودِ بِالشُّبَهاتِ كانَ مُقَيَّدًا لِما اقْتَضَتْهُ الآيَةُ مِنَ التَّكَرُّرِ عِنْدَ التَّكَرُّرِ بِالتَّكَرُّرِ الواقِعِ مِن بَعْدِ الحَدِّ الأوَّلِ بَلْ هَذا ضَرُورِيٌّ لِظُهُورِ أنَّ المُخاطِبِينَ بِالإقامَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوهُمْ﴾ هُمُ الحُكّامُ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ هَذا الخِطابُ إلّا بَعْدَ الثُّبُوتِ عِنْدَهم فَكانَ حاصِلُ الآيَةِ إيجابَ الحَدِّ إذا ثَبَتَ عِنْدَهُمُ السَّبَبُ وهو الرَّمْيُ وهو أعَمُّ مِن كَوْنِهِ بِوَصْفِ الكَثْرَةِ أوِ القِلَّةِ فَإذا ثَبَتَ وُقُوعُهُ مِنهُ كَثِيرًا كانَ مُوجِبًا لِلْجِلْدِ ثَمانِينَ لَيْسَ غَيْرَ فَإذا جَلَدَ ذَلِكَ وقَعَ الِامْتِثالُ، ثُمَّ هو عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ تَرْكُ مُقْتَضى التَّكَرُّرِ بِالتَّكَرُّرِ فِيما إذا قَذَفَ واحِدًا مَرَّةً ثُمَّ قَذَفَهُ ثانِيًا بِذَلِكَ الزِّنا فَإنَّهُ لا يَحُدُّ مَرَّتَيْنِ عِنْدَهُ أيْضًا، وكَذا في حَدِّ الزِّنا والشُّرْبِ فَإنَّهُ إذا زَنى ألْفَ مَرَّةٍ أوْ شَرِبَ كَذَلِكَ لا يَحُدُّ إلّا مَرَّةً، فالحَقُّ أنَّ اسْتِدْلالَهُ بِالآيَةِ لا يُخَلِّصُ فَإنَّهُ مَلْجِئٌ إلى تَرْكٍ مِنها مِن آيَةٍ أُخْرى وهي آيَةُ حَدِّ الزِّنا فَيَعُودُ إلى أنَّ هَذا حَقٌّ آدَمِيٌّ بِخِلافِ الزِّنا فَكانَ المَبْنِيُّ هو إثْباتُ أنَّهُ حَقُّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ حَقُّ العَبْدِ، والنَّظَرُ الدَّقِيقُ يَقْتَضِي أنَّ الغالِبَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَتَدَبَّرْ.
ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ الرَّمْيَ المُرادَ في الآيَةِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى حُضُورِ المَرْمِيِّ وخِطابِهِ ف َقَذْفُ المُحْصَنِ حاضِرًا أوْ غائِبًا لَهُ الحُكْمُ المَذْكُورُ كَما في التَّتارِخانِيَةٌ نَقْلًا عَنِ المُضْمِراتِ واعْتَمَدَهُ في الدُّرَرِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الغَيْبَةَ كالحُضُورِ حَدَّهُ ﷺ أهْلُ الإفْكِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يُشافِهْ أحَدٌ مِنهم بِهِ مَن نَزَّهَها اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَما في حاوِي الزّاهِدِيِّ سَمِعَ مِن أُناسٍ كَثِيرَةٍ أنَّ فُلانًا يَزْنِي بِفُلانَةٍ فَتَكَلَّمَ بِما سَمِعَهُ مِنهم مَعَ آخَرَ في غَيْبَةِ فُلانٍ لا يَجِبُ حَدُّ القَذْفِ لِأنَّهُ غَيْبَةٌ لا رَمْيَ وقَذْفَ بِالزِّنا لِأنَّ الرَّمْيَ والقَذْفَ بِهِ إنَّما يَكُونُ بِالخِطابِ كَقَوْلِهِ: يا زانِي يا زانِيَةَ ضَعِيفٍ لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ.
والظّاهِرُ أيْضًا أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ رَمْيِ الحَيِّ ورَمْيِ المَيِّتِ فَإذا قالَ: أبُوكُ زانٍ أوْ أُمُّكَ زانِيَةٌ كانَ قاذِفًا ويَحُدُّ عِنْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ لا لَوْ قالَ: جَدُّكَ زانٍ فَإنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْهِ لِما في الظَّهِيرِيَّةِ مِن أنَّهُ لا يَدْرِي أيُّ جَدٍّ هُوَ، وفي الفَتْحِ لِأنَّ في أجْدادِهِ مَن هو كافِرٌ فَلا يَكُونُ قاذِفًا ما لَمْ يُعَيِّنْ مُحْصَنًا. ويُطالِبُ بِحَدِّ القَذْفِ لِلْمَيِّتِ مَن يَقَعُ القَدْحُ في نَسَبِهِ بِالقَذْفِ وهو الوالِدُ وإنْ عَلا والوَلَدُ وإنْ سَفَلَ، ولا يُطالِبانِ عَنْ غائِبٍ خِلافًا لِابْنِ أبِي لَيْلى لِعَدَمِ اليَأْسِ عَنْ مُطالَبَتِهِ ولِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُصَدِّقَ القاذِفُ، ووَلَدُ البِنْتِ كَوَلَدِ الِابْنِ في هَذا الفَصْلِ خِلافًا لِما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وتُثْبِتُ المُطالَبَةُ لِلْمَحْرُومِ عَنِ المِيراثِ بِقَتْلٍ أوْ رِقٍّ أوْ كُفْرٍ، نَعَمْ لَيْسَ لِلْعَبْدِ أنْ يُطالِبَ مَوْلاهُ بِقَذْفِ أُمِّهِ الحُرَّةِ الَّتِي قَذَفَها في حالِ مَوْتِها، وعِنْدَ زَفْرٍ إذا كانَ الوَلَدُ عَبْدًا أوْ كافِرًا لا حَقَّ لَهُ فِيها مُطْلَقًا، وتُثْبِتُ لِلْأبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الأقْرَبِ فَيُطالِبُ ولَدُ الوَلَدِ مَعَ وُجُودِ الوَلَدِ خِلافًا لِزَفْرٍ ولَوْ عَفا بَعْضُهم كانَ لِغَيْرِهِ المُطالَبَةُ لِأنَّها لِدَفْعِ العارِ عَنْ نَفْسِهِ، والأُمُّ كالأبِ تُطالِبُ بِحَدِّ قَذْفِ ولَدِها لا أُمَّ الأُمِّ وأبُوها، ولا يُطالِبُ الِابْنُ أباهُ وجَدَّهُ وإنْ عَلا بِقَذْفِ أُمِّهِ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ ورِوايَةٍ عَنْ مالِكٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ أنَّ لِلِابْنِ أنْ يُطالِبَ الأبَ بِقَذْفِ الأُمِّ فَيُقِيمُ عَلَيْهِ الحَدَّ وهو قَوْلُ أبِي ثَوْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ لِعُمُومُ الآيَةِ أوْ إطْلاقِها ولِأنَّهُ حَدٌّ هو حَقُّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يَمْنَعُ مِن إقامَتِهِ قُرابَةَ الوِلادِ.
وأُجِيبُ بِأنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسْراءُ: 23] مانِعٌ مِن إقامَةِ الوَلَدِ الحَدِّ عَلى أبِيهِ ولا فائِدَةَ لِلْمُطالِبَةِ سِوى ذَلِكَ والمانِعُ مُقَدَّمٌ
وقَدْ صَحَّ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««لا يُقادُ الوالِدُ بِوَلَدِهِ ولا السَّيِّدِ بِعَبْدِهِ»»
وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَقْتَصُّ
صفحة 96
مِنهُ بِقَتْلِ ولَدِهِ ولا شَكَّ أنَّ إهْدارَ جِنايَتِهِ عَلى نَفْسِ الوَلَدِ تُوجِبُ إهْدارَها في عَرْضِهِ بِطَرِيقِ الأُولى مَعَ أنَّ القَصّاصَ مُتَيَقِّنٌ سَبَبُهُ والمُغَلِّبُ فِيهِ حَقُّ العَبْدِ بِخِلافِ حَدِّ القَذْفِ فِيهِما، ولا حَقَّ لِأخِي المَيِّتِ وعَمِّهِ وعَمَّتِهِ وخالِهِ وخالَتِهِ في المُطالَبَةِ بِحَدِّ قَذْفِهِ.
وعِنْدَ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ تَثْبُتُ المُطالِبَةُ لِكُلِّ وارِثٍ وهو رِوايَةٌ غَرِيبَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، ولِلشّافِعِيَّةِ فِيمَن يَرِثُهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، الأوَّلُ جَمِيعُ الوَرَثَةِ. والثّانِي غَيْرُ الوارِثِ بِالزَّوْجِيَّةِ. والثّالِثُ ذُكُورُ العَصِباتِ لا غَيْرَ. والظّاهِرُ أنَّ مُطالَبَةَ مَن لَهُ المُطالَبَةُ بِالحَدِّ غَيْرِ واجِبَةٍ عَلَيْهِ بَلْ في التَّتارِخانِيَةِ وحُسْنُ أنْ لا يَرْفَعُ القاذِفُ إلى القاضِي ولا يُطالِبُ بِالحَدِّ وحَسَّنَ مِنَ الإمامِ أنْ يَقُولَ لِلْمُطالَبِ أعْرَضَ عَنْهُ ودَّعَهُ اهْـ.
وكَأنَّهُ لا فَرْقَ في هَذا بَيْنَ أنْ يَعْلَمَ الطّالِبُ صِدْقَ القاذِفِ وأنْ يَعْلَمَ كَذِبَهُ وما نُقِلَ في القِنْيَةِ مِن أنَّ المَقْذُوفَ إذا كانَ غَيْرَ عَفِيفٍ في السِّرِّ لَهُ مُطالَبَةَ القاذِفِ دِيانَةً فِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الرّامِي حُرًّا وأنْ يَكُونَ عَبْدًا فَيَجْلِدُ كُلٌّ مِنهُما إذا قَذَفَ وتَحَقَّقَ الشَّرْطُ ثَمانِينَ جِلْدَةً، وبِذَلِكَ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ والأوْزاعِيُّ وجُمْهُورُ الأئِمَّةِ عَلى أنَّ العَبْدَ يُنْصَفُ لَهُ الحَدُّ لِما عَلِمْتُ أوَّلَ السُّورَةِ وإذا أُرِيدَ إقامَةُ الحَدِّ عَلى القاذِفِ لا يُجَرَّدُ مِن ثِيابِهِ إلّا في قَوْلِ مالِكٍ لِأنَّ سَبَبَهُ هو النِّسْبَةُ إلى الزِّنا كَذِبًا غَيْرِ مَقْطُوعٍ بِهِ لِجَوازِ كَوْنِهِ صادِقًا غَيْرَ أنَّهُ عاجِزٌ عَنِ البَيانِ.
نَعَمْ يَنْزِعُ عَنْهُ الفَرْوَ والثَّوْبَ المَحْشُوَّ لِأنَّهُما يُمْنَعانِ مِن وُصُولِ الألَمِ إلَيْهِ كَذا في عامَّةِ الكُتُبِ، ومُقْتَضاهُ أنَّهُ لَوْ كانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ ذُو بِطانَةٍ غَيْرُ مَحْشُوٍّ لا يُنْزَعُ، والظّاهِرُ كَما في الفَتْحِ أنَّهُ لَوْ كانَ هَذا الثَّوْبُ فَوْقَ قَمِيصٍ نُزِعَ لِأنَّهُ يَصِيرُ مَعَ القَمِيصِ كالمَحْشُوِّ أوْ قَرِيبًا مِن ذَلِكَ ويَمْنَعُ إيصالَ الألَمِ وكَيْفَ لا والضَّرْبُ هُنا أخَفُّ مِن ضَرْبِ الزِّنا، هَذا وقَرَأ أبُو زُرْعَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ «بِأرْبَعَةٍ» بِالتَّنْوِينِ فَشُهَداءُ بَدَلٌ أوْ صِفَةٌ، وقِيلَ حالٌ أوْ تَمْيِيزٌ ولَيْسَ بِذاكَ، وهي قِراءَةٌ فَصِيحَةٌ ورَجَّحَها ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِناءً عَلى إطْلاقِ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ إذا اجْتَمَعَ اسْمُ العَدَدِ والصِّفَةُ كانَ الإتْباعُ أجْوَدَ مِنَ الإضافَةِ.
وتَعَقَّبَ بِأنَّ ذاكَ إذا لَمْ تَجُرَّ الصِّفَةُ مَجْرى الأسْماءِ في مُباشَرَتِها العَوامِلِ وأمّا إذا جَرَتْ ذَلِكَ المَجْرى فَحُكْمُها حَكَمُها في العَدَدِ وغَيْرِهِ غايَةَ ما في البابِ أنَّهُ يَجُوزُ فِيها الإبْدالُ بَعْدَ العَدَدِ نَظَرًا إلى أنَّها غَيْرُ مُتَمَحِّضَةِ الِاسْمِيَّةِ ( وشُهَداءَ ) مِن ذَلِكَ القَبِيلِ. فَأرْبَعَةُ شُهَداءَ. بِالإضافَةِ أفْصَحُ مِن «أرْبَعَةِ شُهَداءَ» بِالتَّنْوِينِ والِاتِّباعِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
وسِيبَوَيْهُ يَرى أنَّ تَنْوِينَ العَدَدِ وتَرْكَ إضافَتِهِ إنَّما يَجُوزُ في الشِّعْرِ انْتَهى، وكَأنَّهُ أرادَ الطَّعْنَ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى هَذا القَوْلِ، وفِيهِ أنَّ سِيبَوَيْهَ إنَّما يَرى ذَلِكَ في العَدَدِ الَّذِي بَعْدَهُ اسْمَ نَحْوِ ثَلاثَةِ رِجالٍ دُونَ الَّذِي بَعْدَهُ صِفَةً فَإنَّهُ عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذُكِرَ كَما قالَ أبُو حَيّانَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ أيْ مُدَّةِ حَياتِهِمْ كَما هو الظّاهِرُ عَطْفٌ عَلى ﴿فاجْلِدُوا﴾ داخِلَ في حُكْمِهِ تَتِمَّةً لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فاجْلِدُوهم ورَدُّوا شَهادَتَهم أيْ فاجْمَعُوا لَهُمُ الجَلْدَ والرَّدَّ، ورَدُّ شَهادَتِهِمْ عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مُعَلَّقٌ بِاسْتِيفاءِ الجَلْدِ فَلَوْ شَهِدُوا قَبْلَ الجَلْدِ أوْ قَبْلَ تَمامِ اسْتِيفائِهِ قَبِلَتْ شَهادَتَهُمْ، وقِيلَ: تُرَدُّ إذا ضُرِبُوا سَوْطًا، وقِيلَ: تُرَدُّ إذا أُقِيمَ عَلَيْهِمُ الأكْثَرُ، ومِنَ الغَرِيبِ ما رَوى ابْنُ الهُمامِ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ لِلِابْنِ أنْ يُطالِبَ بِحَدِّ والِدِهِ إذا قَذَفَ أُمَّهُ قالَ: إنَّهُ إذا حَدَّ الأبُ سَقَطَتْ عَدالَةُ الِابْنِ
صفحة 97
لِمُباشَرَتِهِ سَبَبِ عُقُوبَةِ أبِيهِ أيْ وكَذا عَدالَةُ الأبِ وهَذا ظاهِرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مُبَيِّنٌ لِسُوءِ حالِهِمْ في حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ والفَسادِ أيْ أُولَئِكَ هُمُ المَحْكُومُ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ والخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ والتَّجاوُزِ عَنِ الحُدُودِ الكامِلُونَ فِيهِ كَأنَّهُمُ المُسْتَحِقُّونَ لِإطْلاقِ اسْمُ الفاسِقِ عَلَيْهِمْ لا غَيْرُهم مِنَ الفَسَقَةِ، ويَعْلَمُ مِمّا أشَرْنا إلَيْهِ أنَّهم فَسَقَةٌ عِنْدَ الشَّرْعِ الحاكِمِ بِالظّاهِرِ لا أنَّهم كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ وعِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ العالَمُ بِالسَّرائِرِ لِاحْتِمالِ صِدْقِهِمْ مَعَ عَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِالشُّهَداءِ كَما لا يَخْفى، وصَرَّحَ بِهَذا بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ الإخْبارَ عَنْ فِسْقِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفي عِلْمِهِ، ووَجَّهَهُ إذا كانُوا كاذِبِينَ ظاهِرٌ، وأمّا وجْهُهُ إذا كانُوا صادِقِينَ فَهو أنَّهم هَتَكُوا سِتْرَ المُؤْمِنِينَ وأوْقَعُوا السّامِعَ في الشَّكِّ مِن غَيْرِ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ بِذَلِكَ والعَرَضُ مِمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِصَوْنِهِ إذا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَتْكِهِ مَصْلَحَةٍ فَكانُوا فَسَقَةً غَيْرَ مُمْتَثِلِينَ أمْرَهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا يُخْفى حُسْنُ حَمْلِ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى وهو أوْفَقُ لِما ذَكَرَهُ الحَصْكَفِيُّ في شَرْحِ المُلْتَقى نَقْلًا عَنِ النَّجْمِ الغُزِيِّ مِن أنَّ الرَّمْيَ بِالزِّنا مِنَ الكَبائِرِ وإنْ كانَ الرّامِي صادِقًا ولا شُهُودَ لَهُ عَلَيْهِ ولَوْ مِنَ الوالِدِ لِوَلَدِهِ وإنْ لَمْ يَحُدَّ بِهِ بَلْ يُعَزِّرُ ولَوْ غَيْرُ مُحْصَنٍ وشَرْطُ الفُقَهاءِ الإحْصانُ إنَّما هو لِوُجُوبِ الحَدِّ لا لِكَوْنِهِ كَبِيرَةً،
وقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ واثِلَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مَن قَذَفَ ذِمِّيًّا حَدَّ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِسِياطٍ مِن نارٍ»»
وهَذِهِ مَسْألَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها، فَفي شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ لِلْعَلّامَةِ المَحَلِّيِّ قالَ الحَلِيمِيُّ:
قَذْفُ الصَّغِيرَةِ والمَمْلُوكَةُ والحُرَّةُ المُتَهَتِّكَةُ مِنَ الصَّغائِرِ لِأنَّ الإيذاءَ في قَذْفِهِنَّ دُونَهُ الحُرَّةُ الكَبِيرَةُ المُسْتَتِرَةُ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ: قَذْفُ المُحْصَنِ في خَلْوَةٍ بِحَيْثُ لا يَسْمَعُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى والحَفَظَةُ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ مُوجِبَةٍ لِلْحَدِّ لِانْتِفاءِ المَفْسَدَةِ أمّا قَذْفُ الرَّجُلِ زَوْجَتُهُ إذا أتَتْ بِوَلَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ فَمُباحٌ، وكَذا جُرْحُ الرّاوِي والشّاهِدِ بِالزِّنا إذا عَلِمَ بَلْ هو واجِبٌ انْتَهى، وظاهَرَ ما نَقَلَ عَنِ ابْنِ عَبْدِ السَّلامِ فَفي إيجابِ الحَدِّ لا نَفْيَ كَوْنِهِ كَبِيرَةً أيْضًا لِشُيُوعِ تَوَجُّهِ النَّفْيِ إلى القَيْدِ في مِثْلِهِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ هُنا لِنَفْيِ القَيْدِ والمُقَيَّدِ فَهو ظاهِرٌ كَما قالَ الزَّرْكَشِيُّ فِيما إذا كانَ صادِقًا لا فِيما إذا كانَ كاذِبًا لِجُرْأتِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى جَلَّ شَأْنُهُ فَهو كَبِيرَةٌ وإنْ كانَ في الخَلْوَةِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرَهُ مِن وُجُوبِ جُرْحِ الشّاهِدِ بِالزِّنا إذا عَلِمَ مُقَيِّدٍ بِما إذا قَدَرَ عَلى الإتْيانِ بِالشُّهُودِ، والأوْلى عِنْدِي فِيما إذا كانَ الضَّرَرُ في قَبُولِ شَهادَتِهِ عَلَيْهِ يَسِيرًا عَدَمُ الجَرْحِ بِذَلِكَ وإنْ قَدَرَ عَلى إثْباتِهِ، وما ذَكَرَهُ في جُرْحِ الرّاوِي لا يَتِمُّ فِيما أرى عَلى رَأْيِ مَن يَعْتَبِرُ الجُرْحَ المُجَرَّدَ عَنْ بَيانِ السَّبَبِ، ولا يَبْعُدُ القَوْلُ بِأنَّ الرَّمْيَ مِنهُ ما هو كُفْرٌ كَرَمْيِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها سَواءً كانَ جَهْرًا أوْ سِرًّا وسَواءٌ كانَ بِخُصُوصِ الَّذِي بَرَّأها اللَّهُ تَعالى مِنهُ أوْ بِغَيْرِهِ وكَذا رَمْيِ سائِرِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ وكَذا القَوْلُ في مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ، ومِنهُ ما هو كَبِيرَةٌ دُونَ الكُفْرِ ومِثالُهُ ظاهِرٌ، ومِنهُ ما هو صَغِيرَةٌ كَرَمْيِ المَمْلُوكَةِ والصَّغِيرَةِ، ومِنهُ ما هو واجِبٌ كَرَمْيِ شاهِدٍ عَلى مُسْلِمٍ مَعْصُومِ الدَّمِ بِما يَكُونُ سَبَبًا لِقَتْلِهِ لَوْ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ وعُلِمَ كَوْنُها زُورًا وتُعِينُ ذَلِكَ لِرَدِّ شَهادَتِهِ وصِيانَةِ ذَلِكَ المُسْلِمِ مِنَ القَتْلِ ولَوْ كانَ رَمْيُهُ مَعَ إقامَةِ البَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِالزِّنا مُوجِبًا لِرَجْمِهِ، ومِنهُ ما هو سَنَةٌ كَرَمْيٍ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ دُونَ مَصْلَحَةِ الرَّمْيِ الواجِبِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences