Al-AlusiAl‑Furqan · 25:66–71

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:66–71

25:66Page 365

إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٦٦

Indeed, it is evil as a settlement and residence."

﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ وهو تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ بِسُوءِ حالِها في نَفْسِها، وتَرْكُ العَطْفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُسْتَقِلٌّ بِالعِلِّيَّةِ، وقِيلَ: تَعْلِيلٌ لِما عُلِّلَ بِهِ أوَّلًا، وضَعَّفَهُ ابْنُ هِشامٍ في التَّذْكِرَةِ بِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ غَرامًا وكَوْنِهِ ساءَ مُسْتَقَرًّا.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ بِمُلاحَظَةِ اللُّزُومِ والمَقامِ؛ فَإنَّ المَقامَ مِن شَأْنِهِ اللُّزُومُ، وقِيلَ: كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مِن كَلامِهِ تَعالى ابْتِداءً عُلِّلَ بِهِما القَوْلُ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، أوْ عُلِّلَ ذَلِكَ بِأُولاهُما وعُلِّلَتِ الأوْلى بِالثّانِيَةِ، وجُوِّزَ كَوْنُ إحْداهُما مَقُولَةً والأُخْرى ابْتِدائِيَّةً والكُلُّ كَما تَرى.

وساءَتْ في حُكْمِ (بِئْسَتْ) والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرِهِ هِيَ، وهو الرّابِطُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِما هي خَبَرٌ عَنْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ ضَمِيرَ القِصَّةِ و(مُسْتَقَرًّا) تَمْيِيزٌ، وفِيها ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ عائِدٌ عَلى ( مُسْتَقَرًّا ) مُفَسَّرٌ بِهِ، وأُنِّثَ لِتَأْوِيلِ المُسْتَقَرِّ بِجَهَنَّمَ أوْ مُطابَقَةً لِلْمَخْصُوصِ، ألا تَرى إلى ذِي الرُّمَّةِ كَيْفَ أنَّثَ الزَّوْرَقَ عَلى تَأْوِيلِ السَّفِينَةِ حَيْثُ كانَ المَخْصُوصُ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ:

أوْ حُرَّةٍ عَيْطَلٍ ثَبْجاءَ مَجْفَرَةِ دَعائِمِ الزُّورِ نِعْمَتْ زَوْرَقِ البَلَدِ

قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿ساءَتْ﴾ بِمَعْنى أحْزَنَتْ فَهي فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ مُتَعَدٍّ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ (جَهَنَّمَ) ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أحْزَنَتْ أهْلَها وأصْحابَها و( مُسْتَقَرًّا ) تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ أوِ اسْمُ مَكانٍ، ولَيْسَ بِذاكَ.

والظّاهِرُ أنَّ ( مُسْتَقَرًّا ) ومَقامًا كَقَوْلِهِ:

وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا

وحَسَّنَهُ كَوْنُ المَقامِ يَسْتَدْعِي التَّطْوِيلَ أوْ كَوْنُهُ فاصِلَةً، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ لِلْعُصاةِ والمُقامُ لِلْكَفَرَةِ، وإنَّ في المَوْضِعَيْنِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «ومَقامًا»

صفحة 46

بِفَتْحِ المِيمِ أيْ مَكانَ قِيامٍ.

25:67Page 365

وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧

And [they are] those who, when they spend, do so not excessively or sparingly but are ever, between that, [justly] moderate

﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ أيْ: لَمْ يَتَجاوَزُوا حَدَّ الكَرَمِ ﴿ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ أيْ: ولَمْ يُضَيِّقُوا تَضْيِيقَ الشَّحِيحِ، وقالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجَبَلِيُّ: الإسْرافُ هو الإنْفاقُ في المَعاصِي، والقَتْرُ الإمْساكُ عَنْ طاعَةٍ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: الإسْرافُ أنْ تُنْفِقَ مالَ غَيْرِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ «يَقْتُرُوا» بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ، ومُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ التّاءِ، ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ التّاءِ، وقَرَأ العَلاءُ بْنُ سَبّابَةَ واليَزِيدِيُّ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ التّاءِ مُشَدَّدَةً، وكُلُّها لُغاتٌ في التَّضْيِيقِ، وأنْكَرَ أبُو حاتِمٍ لُغَةَ (أقْتَرَ) رُباعِيًّا هُنا، وقالَ: إنَّما يُقالُ أقْتَرَ إذا افْتَقَرَ ومِنهُ: ﴿وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وغابَ عَنْهُ ما حَكاهُ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ مِن (أقْتَرَ) بِمَعْنى ضَيَّقَ.

﴿وكانَ﴾ إنْفاقُهم ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ مِنَ الإسْرافِ والقَتْرِ ﴿قَوامًا﴾ وسَطًا وعَدْلًا، سُمِّيَ بِهِ لِاسْتِقامَةِ الطَّرَفَيْنِ وتَعادُلِهِما، كَأنَّ كُلًّا مِنهُما يُقاوِمُ الآخَرَ، كَما سُمِّيَ (سَواءٌ) لِاسْتِوائِهِما وقَرَأ حَسّانُ «قِوامًا» بِكَسْرِ القافِ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ وقِيلَ: هو بِالكَسْرِ ما يُقامُ بِهِ الشَّيْءُ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يُقامُ بِهِ الحاجَةُ لا يَفْضُلُ عَنْها ولا يَنْقُصُ، وهو خَبَرٌ ثانٍ لِـ(كانَ) مُؤَكِّدٌ لِلْأوَّلِ وهو ( بَيْنَ ذَلِكَ ) أوْ هو الخَبَرُ وبَيْنَ ذَلِكَ إمّا مَعْمُولٌ لِـ(كانَ) عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى أنَّ كانَ النّاقِصَةَ تَعْمَلُ في الظَّرْفِ، وإمّا حالٌ مِن ﴿قَوامًا﴾ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِهِ أوْ ( بَيْنَ ذَلِكَ ) هو الخَبَرُ وقَوامًا حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ ( بَيْنَ ذَلِكَ ) اسْمَ كانَ، وبُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ في قِراءَةِ مَن فَتَحَ المِيمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ حَمامَةٌ في غُصُونِ ذاتِ أوْقالِ

وتَعَقَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ مِن جِهَةِ الإعْرابِ لا بَأْسَ بِهِ ولَكِنَّ المَعْنى لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ الإسْرافِ والتَّقْتِيرِ قِوامٌ لا مَحالَةَ فَلَيْسَ في الخَبَرِ الَّذِي هو مُعْتَمِدُ الفائِدَةِ فائِدَةٌ.

وحاصِلُهُ أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ مِن بابِ (كانَ الذّاهِبُ جارِيَتُهُ صاحَبَها) وهو غَيْرُ مُفِيدٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ عَلى قِراءَةِ قِوامًا بِالكَسْرِ عَلى القَوْلِ الثّانِي فِيهِ وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ مُتَّجَهٌ.

وما قِيلَ مِن أنَّهُ مِن بابِ: (شِعْرِي شِعْرِي) والمَعْنى كانَ قَوامًا مُعْتَبَرًا مَقْبُولًا غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّهُ مَعَ بُعْدِهِ إنَّما ورَدَ فِيما اتَّحَدَ لَفْظُهُ، وما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وكَذا ما قِيلَ: إنَّ ( بَيْنَ ذَلِكَ ) أعَمُّ مِنَ القَوامِ - بِمَعْنى العَدْلِ - الَّذِي يَكُونُ نِسْبَةُ كُلِّ واحِدٍ مِن طَرَفَيْهِ إلَيْهِ عَلى السَّواءِ؛ فَإنَّ ما بَيْنَ الإقْتارِ والإسْرافِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قَوامًا بِهَذا المَعْنى، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُونَ الإسْرافِ بِقَلِيلٍ وفَوْقَ الإقْتارِ بِقَلِيلٍ، فَإنَّهُ تَكَلُّفٌ أيْضًا، إذْ ما بَيْنَهُما شامِلٌ لَحاقَ الوَسَطِ وما عَداهُ كالوَسَطِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ، ومِثْلُهُ لا يُسْتَعْمَلُ في المُخاطَباتِ لِإلْغازِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ جَوازِ الإخْبارِ عَنِ الأعَمِّ بِالأخَصِّ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مَدْحُهم بِمُراعاةِ لَحاقِ الوَسَطِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الحَرَجِ الَّذِي نُفِيَ عَنِ الإسْلامِ.

وفِيهِ أنَّهُ لا شَكَّ في جَوازِ الإخْبارِ عَنِ الأعَمِّ بِالأخَصِّ، نَحْوُ: الَّذِي جاءَنِي زَيْدٌ، والقائِلُ لَمْ يُرِدْ إلْحاقَ الحَقِيقِيِّ بَلِ التَّقْرِيبِيِّ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: بِقَلِيلٍ، ولا حَرَجَ في مِثْلِهِ، فَتَأمَّلْ.

ولَعَلَّ الإخْبارَ عَنْ إنْفاقِهِمْ بِما ذُكِرَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ المُسْتَلْزِمَ لِكَوْنِ

صفحة 47

إنْفاقِهِمْ كَذَلِكَ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ فِعْلَهم مِن خَيْرِ الأُمُورِ، فَقَدْ شاعَ: (خَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها) والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإنْفاقِ ما يَعُمُّ إنْفاقَهم عَلى أنْفُسِهِمْ وإنْفاقَهم عَلى غَيْرِها، والقَوامُ في كُلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ.

وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««مِن فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ في مَعِيشَتِهِ»».

وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««إنَّ مِنَ السَّرَفِ أنْ تَأْكُلَ كُلَّ ما اشْتَهَيْتَ»».

وحُكِيَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - حِينَ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فاطِمَةَ: ما نَفَقَتُكَ؟ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: الحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، ثُمَّ تَلا الآيَةَ.

وقَدْ مَدَحَ الشُّعَراءُ التَّوَسُّطَ في الأُمُورِ والِاقْتِصادَ في المَعِيشَةِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:

ولا تَغْلُ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ واقْتَصِدْ ∗∗∗ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ

وقَوْلُ حاتِمٍ:

إذا أنْتَ قَدْ أعْطَيْتَ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ ∗∗∗ وفَرْجَكَ نالا مُنْتَهى الذَّمِّ أجْمَعا

وقَوْلُ الآخَرِ:

إذا المَرْءُ أعْطى نَفْسَهُ كُلَّ ما اشْتَهَتْ ∗∗∗ ولَمْ يَنْهَها تاقَتْ إلى كُلِّ باطِلِ

وساقَتْ إلَيْهِ الإثْمَ والعارَ بِالَّذِي ∗∗∗ دَعَتْهُ إلَيْهِ مِن حَلاوَةِ عاجِلِ

إلى غَيْرِ ذَلِكَ

25:68Page 366

وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨

And those who do not invoke1 with Allāh another deity or kill the soul which Allāh has forbidden [to be killed], except by right, and do not commit unlawful sexual intercourse. And whoever should do that will meet a penalty.

﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ أيْ لا يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى، بِمَعْنى: حَرَّمَ قَتْلَها؛ لِأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالأفْعالِ دُونَ الذَّواتِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ مُبالَغَةً في التَّحْرِيمِ ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(لا يَقْتُلُونَ) والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأسْبابِ، أيْ: لا يَقْتُلُونَها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ المُزِيلِ لِحُرْمَتِها وعِصْمَتِها، كالزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ والكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لا يَقْتُلُونَها نَوْعًا مِنَ القَتْلِ إلّا قَتْلًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وأنْ يَكُونَ حالًا، أيْ: لا يَقْتُلُونَها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ.

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالقَتْلِ المَحْذُوفِ، والِاسْتِثْناءُ أيْضًا مِن أعَمِّ الأسْبابِ، أيْ: لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى قَتْلَها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغًا في الإثْباتِ لِاسْتِقامَةِ المَعْنى بِإرادَةِ العُمُومِ، أوْ لِكَوْنِ (حَرَّمَ) نَفْيًا مَعْنًى، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ ﴿ولا يَزْنُونَ﴾ ولا يَطَؤُونَ فَرْجًا مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ، والمُرادُ مِن نَفْيِ هَذِهِ القَبائِحِ العَظِيمَةِ التَّعْرِيضُ بِما كانَ عَلَيْهِ أعْداؤُهم مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وإلّا فَلا حاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ مِن حُسْنِ المُعامَلَةِ، وإحْياءِ اللَّيْلِ بِالصَّلاةِ، ومَزِيدِ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِظُهُورِ اسْتِدْعائِها نَفْيَ ما ذُكِرَ عَنْهُمْ، ومِنهُ يُعْلَمُ حَلُّ ما قِيلَ: الظّاهِرُ عَكْسُ هَذا التَّرْتِيبِ، وتَقْدِيمُ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ طَهَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى وبَرَّأهم سُبْحانَهُ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ وقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ - كالمَوْؤُدَةِ - والزِّنا.

وقِيلَ: إنَّ التَّصْرِيحَ بِنَفْيِ الإشْراكِ - مَعَ ظُهُورِ إيمانِهِمْ – لِهَذا، أوْ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ والإخْلاصِ وتَهْوِيلِ أمْرِ القَتْلِ والزِّنا بِنَظْمِهِما في سِلْكِهِ، وقَدْ صَحَّ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ تَعالى نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ».

صفحة 48

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: ««أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَدْ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا، وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةً، فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ، ونَزَلَتْ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ»».

وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ أنَّ ذِكْرَ هَذا بَعْدَ ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ المَوْصُوفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ قَدْ يَرْتَكِبُ هَذِهِ الأُمُورَ تَدَيُّنًا، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ المُكَلَّفَ لا يَصِيرُ بِتِلْكَ الخِلالِ وحْدَها مِن عِبادِ الرَّحْمَنِ حَتّى يَنْضافَ إلى ذَلِكَ كَوْنُهُ مُجانِبًا لِهَذِهِ الكَبائِرِ وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ في وجْهِ تَقْدِيمِ التَّحْلِيَةِ عَلى التَّخْلِيَةِ: كَوْنُ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ في التَّحْلِيَةِ أوْفَقَ بِالعُبُودِيَّةِ الَّتِي جُعِلَتْ عُنْوانَ المَوْضُوعِ لِظُهُورِ دَلالَتِها عَلى تَرْكِ الأنانِيَّةِ، ومَزِيدِ الِانْقِيادِ، والخَوْفِ والِاقْتِصادِ في التَّصَرُّفِ بِما أذِنَ المَوْلى بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ، ولا يَأْبى هَذا قَصْدَ التَّعْرِيضِ بِما ذُكِرَ في التَّخْلِيَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَصْدَ التَّعْقِيبُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ أيْ ومَن يَفْعَلْ ما ذُكِرَ يَلْقَ في الآخِرَةِ عِقابًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وتَفْسِيرُ الأثامِ بِالعِقابِ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ، وأنْشَدَ قَوْلَهُ:

جَزى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أمْسى عَقُوقًا والعُقُوقُ لَهُ جَزاءٌ

أخْرُجُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ لِنافِعِ بْنِ الأزْرَقِ بِالجَزاءِ، وأنْشَدَ قَوْلَ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ:

ورَوَيْنا الأسِنَّةَ مِن صَداهُ ∗∗∗ ولاقَتْ حِمْيَرُ مِنّا أثاما

والفَرْقُ يَسِيرٌ.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الأثامُ الإثْمُ، والكَلامُ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: جَزاءَ أثامٍ، أوْ هو مَجازٌ مِن ذِكْرِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبَّبِ، وقالَ الحَسَنُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ: اسْمُ بِئْرٍ فِيها، وقِيلَ: اسْمُ جَبَلٍ.

ورَوى جَماعَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرٍ، ومُجاهِدٍ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ مُجاهِدٌ: فِيهِ قَيْحٌ ودَمٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في (الزُّهْدِ) عَنْ شُفَيٍّ الأصْبَحِيِّ أنَّ فِيهِ حَيّاتٍ وعَقارِبَ في فَقارِ إحْداهُنَّ مِقْدارُ سَبْعِينَ قُلَّةً مِن سُمٍّ، والعَقْرَبُ مِنهُنَّ مِثْلُ البَغْلَةِ المُوَكَّفَةِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: اسْمٌ لِأوْدِيَةٍ في جَهَنَّمَ فِيها الزُّناةُ. وقُرِئَ: «يُلَقَّ» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ والقافِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ «يُلْقى» بِألِفٍ كَأنَّهُ نَوى حَذْفَ الضَّمَّةِ المُقَدَّرَةِ عَلى الألِفِ فَأُقِرَّتِ الألِفُ، وقَرَأ أبُو مَسْعُودٍ أيْضًا «أيّامًا» جَمْعَ يَوْمٍ يَعْنِي شَدائِدَ، واسْتِعْمالُ الأيّامِ بِهَذا المَعْنى شائِعٌ، ومِنهُ: يَوْمٌ ذُو أيّامٍ، وأيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِهِمْ ومُقاتَلَتِهِمْ.

25:69Page 366

يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا ٦٩

Multiplied for him is the punishment on the Day of Resurrection, and he will abide therein humiliated -

﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَدَلٌ مِن «يَلْقَ» بَدْلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وجاءَ الإبْدالُ مِنَ المَجْزُومِ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ:

مَتى تَأْتِنا تَلْمُمْ بِنا في دِيارِنا تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا

﴿ويَخْلُدْ فِيهِ﴾ أيْ في ذَلِكَ العَذابِ المُضاعَفِ ﴿مُهانًا﴾ ذَلِيلًا مُسْتَحْقَرًا، فَيَجْتَمِعُ لَهُ العَذابُ الجُسْمانِيُّ والرُّوحانِيُّ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ: (يُضَعَّفْ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وطَرْحِ الألِفِ والتَّضْعِيفِ.

وقَرَأ شَيْبَةُ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، وأبُو جَعْفَرٍ أيْضًا: (نُضَعِّفْ) بِالنُّونِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ العَيْنِ مُضَعَّفَةً و«العَذابَ» بِالنَّصْبِ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: «يُضاعِفْ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ و«العَذابَ» بِالنَّصْبِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: «وتَخْلُدُ» بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ المُنْبِئِ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ مَرْفُوعًا، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: «وتُخَلَّدْ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَ اللّامِ مَجْزُومًا، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنْهُ كَذَلِكَ مُخَفَّفًا، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: «يُضاعِفُ» «ويَخْلُدُ» بِالرَّفْعِ فِيهِما، وكَذا ابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «يُضاعَفُ» «ويُخْلَدُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مَرْفُوعًا مُخَفَّفًا، والأعْمَشُ

صفحة 49

بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا مَرْفُوعًا، وقَدْ عَرَفْتَ وجْهَ الجَزْمِ، وأمّا الرَّفْعُ فَوَجْهُهُ الِاسْتِئْنافُ، ويَجُوزُ جَعْلُ الجُمْلَةِ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَلْقَ﴾ والمَعْنى: يَلْقَ أثامًا مُضاعَفًا لَهُ العَذابُ، ومُضاعَفَتُهُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ قِيلَ لِانْضِمامِ المَعْصِيَةِ إلى الكُفْرِ، ويَدُلُّ

25:70Page 366

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠

Except for those who repent, believe and do righteous work. For them Allāh will replace their evil deeds with good. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا﴾ فَإنَّ اسْتِثْناءَ المُؤْمِنِ يَدُلُّ عَلى اعْتِبارِ الكُفْرِ في المُسْتَثْنى مِنهُ.

وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ تَكَرُّرَ لا النّافِيَةِ يُفِيدُ نَفْيَ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، بِمَعْنى: لا يُوقِعُونَ شَيْئًا مِنها، فَيَكُونُ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ بِمَعْنى: ومَن يَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ؛ لِيَتَّحِدَ مَوْرِدُ الإثْباتِ والنَّفْيِ، فَلا دَلالَةَ عَلى الِانْضِمامِ، والمُسْتَثْنى مَن جَمَعَ بَيْنَ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والتَّوْبَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَيَكُونُ المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرَ جامِعٍ لَها، فَلَعَلَّ الجَوابَ أنَّ المُضاعَفَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابٍ ما دُونُ المَذْكُوراتِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الجَوابَ المَذْكُورَ لا بَعْدَ فِيهِ - وإنْ لَمْ يُذْكَرْ ما دُونَها - إلّا أنَّ الإيرادَ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ تَعْرِيضٌ لِلْكَفَرَةِ، ومَن يَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ مِنهم فَقَدْ ضَمَّ مَعْصِيَتَهُ إلى كُفْرِهِ، ولَوْ لَمْ يُلاحِظْ ذَلِكَ - عَلى ما اخْتارَهُ - لَزِمَ أنَّ مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً يَكُونُ مُخَلَّدًا، ولا يَخْفى فَسادُهُ عِنْدَنا، وما ذُكِرَ مِنِ اتِّحادِ مَوْرِدِ الإثْباتِ والنَّفْيِ لَيْسَ بِلازِمٍ.

ثُمَّ إنَّ في الكَلامِ قَرِينَةً عَلى أنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ مَن جَمَعَ بَيْنَ أضْدادِها - كَما عَلِمْتَ - ولِذا جُمِعَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، مَعَ أنَّ العَمَلَ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ، فَذِكْرُهُ لِلْإشارَةِ إلى انْتِفائِهِ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ، ولِذا قَدَّمَ التَّوْبَةَ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ تَقْدِيمَها لِأنَّها تَخْلِيَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ المُرادُ بِالمُضاعَفَةِ المَذْكُورَةِ ضَمَّ قَدْرَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ مِنَ العَذابِ كُلٍّ مِنهُما بِقَدْرِ ما تَقْتَضِيهِ المَعْصِيَةُ، بَلِ المُرادُ لازِمُ ذَلِكَ، وهو الشِّدَّةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يُعَذَّبْ عَذابًا شَدِيدًا، ويَكُونُ ذَلِكَ العَذابُ الشَّدِيدُ جَزاءَ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأفْعالِ ومُماثِلًا لَهُ، والقَرِينَةُ عَلى المَجازِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ ونَحْوُهُ، ويُرادُ مِنَ الخُلُودِ المُكْثُ الطَّوِيلُ الصّادِقُ بِالخُلُودِ الأبَدِيِّ وغَيْرِهِ، ويَكُونُ لِمَن أشْرَكَ بِاعْتِبارِ فَرْدِهِ الأوَّلِ، ولِمَنِ ارْتَكَبَ إحْدى الكَبِيرَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ بِاعْتِبارِ فَرْدِهِ الآخِرِ وهو كَما تَرى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ مِن أنَّ المُضاعَفَةَ لِحِفْظِ ما تَقْتَضِيهِ المَعْصِيَةُ؛ فَإنَّ الأمْرَ الشَّدِيدَ إذا دامَ هانَ.

هَذا، والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ - عَلى ما هو الأصْلُ فِيهِ - وقالَ أبُو حَيّانَ: الأوْلى عِنْدِي أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَن تابَ ... إلَخْ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ عَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يُضاعَفُ لَهُ العَذابُ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَلا يُضاعَفُ لَهُ العَذابُ، ولا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفاءِ التَّضْعِيفِ بَقاءُ العَذابِ غَيْرِ المُضَعَّفِ، وفِيهِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى الآتِي ( فَأُوْلئِكَ ) إلَخْ، احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ ثُبُوتِ أصْلِ العَذابِ بِإفادَةِ أنَّهم لا يَلْقَوْنَهُ أصْلًا عَلى أكْمَلِ وجْهٍ، وقِيلَ - أيْضًا - في تَرْجِيحِ الِانْقِطاعِ: إنَّ الِاتِّصالَ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إيهامِهِ ثُبُوتَ أصْلِ العَذابِ، بَلْ وعَنْ إيهامِهِ الخُلُودَ غَيْرَ مُهانٍ - يُوهِمُ أنَّ مُضاعَفَةَ العَمَلِ الصّالِحِ شَرْطٌ لِنَفْيِ الخُلُودِ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

ثُمَّ أيَّةُ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلى أنْ يَرْتَكِبَ ما فِيهِ إيهامٌ، ثُمَّ يَتَشَبَّثُ بِأذْيالِ الِاحْتِراسِ، عَلى أنَّ الظّاهِرَ أنْ يُجْعَلَ (مَن) مُبْتَدَأً والجُمْلَةَ المَقْرُونَةَ بِالفاءِ خَبَرَهُ، وقُرِنَتْ بِذَلِكَ لِوُقُوعِها خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ، كَما في قَوْلِكَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وأنا أمِيلُ لِما مالَ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ لِمَجْمُوعِ ما ذُكِرَ، وذِكْرُ المَوْصُوفِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا﴾

صفحة 50

- مَعَ جَرَيانِ الصّالِحِ والصّالِحاتِ مَجْرى الِاسْمِ - لِلِاعْتِناءِ بِهِ والتَّنْصِيصِ عَلى مُغايَرَتِهِ لِلْأعْمالِ السّابِقَةِ.

﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، كَما أنَّ الإفْرادَ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، أيْ: فَأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ﴾ في الدُّنْيا ﴿سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ بِأنْ يَمْحُوَ سَوابِقَ مَعاصِيهِمْ بِالتَّوْبَةِ، ويُثْبِتَ مَكانَها لَواحِقَ طاعاتِهِمْ، كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ كَلامُ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّيِّئاتِ والحَسَناتِ مَلَكَتُهُما لِأنْفُسِهِما، أيْ: يُبَدِّلُ - عَزَّ وجَلَّ - بِمَلَكَةِ السَّيِّئاتِ ودَواعِيها في النَّفْسِ مَلَكَةَ الحَسَناتِ، بِأنْ يُزِيلَ الأوْلى ويَأْتِيَ بِالثّانِيَةِ، وقِيلَ: هَذا التَّبْدِيلُ في الآخِرَةِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئاتِ والحَسَناتِ العِقابُ والثَّوابُ مَجازًا مِن بابِ إطْلاقِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبَّبِ، والمَعْنى يَعْفُو - جَلَّ وعَلا - عَنْ عِقابِهِمْ ويَتَفَضَّلُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بَدَلَهُ بِالثَّوابِ، وإلى هَذا ذَهَبَ القَفّالُ، والقاضِي.

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، ومَكْحُولٍ أنَّ ذَلِكَ بِأنْ تُمْحى السَّيِّئاتُ نَفْسُها يَوْمَ القِيامَةِ مِن صَحِيفَةِ أعْمالِهِمْ ويُكْتَبَ بَدَلَها الحَسَناتُ، واحْتَجُّوا بِالحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ مُسْلِمٌ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُؤْتى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغارَ ذُنُوبِهِ ويُنَحّى عَنْهُ كِبارُها، فَيُقالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذا وكَذا كَذا وكَذا، وهو يُقِرُّ لا يُنْكِرُ، وهو مُشْفِقٌ مِنَ الكَبائِرِ، فَيُقالُ: أعْطُوهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمَلِها حَسَنَةً، فَيَقُولُ: إنَّ لِي ذُنُوبًا لَمْ أرَها هُنا، قالَ: ولَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ضَحِكَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ»».

ونَحْوُ هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««لَيَأْتِيَنَّ ناسٌ يَوْمَ القِيامَةِ ودُّوا أنَّهُمُ اسْتَكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، قِيلَ: مَن هُمْ؟ قالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ تَعالى سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ»» ويُسَمّى هَذا التَّبْدِيلُ كَرَمَ العَفْوِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ أبُو نُواسٍ:

تَعَضُّ نَدامَةً كَفَّيْكَ مِمّا تَرَكْتَ مَخافَةَ الذَّنْبِ السُّرُورا

ولَعَلَّ المُرادَ أنَّهُ تُغْفَرُ سَيِّئاتُهُ، ويُعْطى بَدَلَ كُلِّ سَيِّئَةٍ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ثَوابَ حَسَنَةٍ تَفَضُّلًا مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - وتَكَرُّمًا لا أنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أفْعالُ حَسَناتٍ لَمْ يَفْعَلْها ويُثابُ عَلَيْها.

وفِي كَلامِ أبِي العالِيَةِ ما هو ظاهِرٌ في إنْكارِ تَمَنِّي الِاسْتِكْثارِ مِنَ السَّيِّئاتِ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ أُناسًا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ أنْ يَسْتَكْثِرُوا مِنَ الذُّنُوبِ فَقالَ: ولِمَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: يَتَأوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ وكانَ أبُو العالِيَةِ إذا أُخْبِرَ بِما لا يَعْلَمُ قالَ: آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن كِتابِهِ، فَقالَ ذَلِكَ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ وكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّ ما تَلاهُ مُنافٍ لِما زَعَمُوهُ مِنَ التَّمَنِّي، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الآيَةُ يَكُونُ قَبْلَ الوُقُوفِ عَلى التَّبْدِيلِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ

25:71Page 366

وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١

And he who repents and does righteousness does indeed turn to Allāh with [accepted] repentance.

﴿ومَن تابَ﴾ أيْ: عَنِ المَعاصِي الَّتِي فَعَلَها بِتَرْكِها بِالكُلِّيَّةِ والنَّدَمِ عَلَيْها ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ يَتَلافى بِهِ ما فَرَطَ مِنهُ، أوْ: ومَن خَرَجَ عَنْ جِنْسِ المَعاصِي - وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ - ودَخَلَ في الطّاعاتِ ﴿فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ يَرْجِعُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ ﴿مَتابًا﴾ أيْ رُجُوعًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، مَرْضِيًّا عِنْدَهُ تَعالى، ماحِيًا لِلْعِقابِ، مُحَصِّلًا لِلثَّوابِ، أوْ فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ

صفحة 51

تَعالى ذِي اللُّطْفِ الواسِعِ الَّذِي يُحِبُّ التّائِبِينَ، ويَصْطَنِعُ إلَيْهِمْ، أوْ فَإنَّهُ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى ثَوابِهِ سُبْحانَهُ مَرْجِعًا حَسَنًا، وأيًّا ما كانَ فالشَّرْطُ والجَزاءُ مُتَغايِرانِ، وهَذا لِبَيانِ حالِ مَن تابَ مِن جَمِيعِ المَعاصِي، وما تَقَدَّمَ لِبَيانِ مَن تابَ مِن أُمَّهاتِها، فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском