Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:8–10
27:8Page 377
فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨
But when he came to it, he was called, "Blessed is whoever is at the fire and whoever is around it. And exalted is Allāh, Lord of the worlds.
﴿فَلَمّا جاءَها﴾، أيِ: النّارَ الَّتِي قالَ فِيها: (إنِّي آنَسْتُ نارًا) وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلشَّجَرَةِ وهو كَما تَرى، وما ظَنَّهُ داعِيًا لَيْسَ بِداعٍ لِما أشَرْنا إلَيْهِ ﴿نُودِيَ﴾ أيْ: مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن جانِبِ الطُّورِ ﴿أنْ بُورِكَ﴾ مَعْناهُ: أيْ بُورِكَ عَلى أنَّ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ لِما في النِّداءِ مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (أنِ) المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، ومَنَعَهُ بَعْضُهم لِعَدَمِ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ بِـ(قَدْ) أوِ السِّينِ أوْ سَوْفَ أوْ حَرْفِ النَّفْيِ، وهو مِمّا لا بُدَّ مِنهُ إذا كانَتْ مُخَفَّفَةً؛ لِما في الحُجَّةِ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّها لَمّا كانَتْ لا يَلِيها إلّا الأسْماءُ اسْتَقْبَحُوا أنْ يَلِيَها الفِعْلُ مِن غَيْرِ فاصِلٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ اشْتِراطِ الفَصْلِ في مَواضِعَ، مِنها ما يَكُونُ الفِعْلُ فِيهِ دُعاءً، فَلَعَلَّ مَن جَوَّزَ كَوْنَها المُخَفِّفَةَ هاهُنا جَعَلَ (بُورِكَ) دُعاءً، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُدَّعى أنَّ الفَصْلَ بِإحْدى المَذْكُوراتِ في غَيْرِ ما اسْتُثْنِيَ أغْلَبِيٌّ لِقَوْلِهِ:
عَلِمُوا أنْ يُؤَمِّلُونَ فَجادُوا قَبْلَ أنْ يُسْألُوا بِأعْظَمِ سُؤْلٍ
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ النّاصِبَةَ لِلْأفْعالِ (وبُورِكَ) حِينَئِذٍ إمّا خَبَرٌ أوْ إنْشاءٌ لِلدُّعاءِ.
وادَّعى الرَّضِيُّ أنَّ (بُورِكَ) إذا جُعِلَ دُعاءً فَإنْ مُفَسِّرَةٌ لا غَيْرُ؛ لِأنَّ المُخَفَّفَةَ لا يَقَعُ بَعْدَها فِعْلٌ إنْشائِيٌّ إجْماعًا، وكَذا المَصْدَرِيَّةُ، وهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، ودَعْوى الإجْماعِ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ، والقَوْلُ بِأنْ يَفُوتَ مَعْنى الطَّلَبِ بَعْدَ التَّأْوِيلِ بِالمَصْدَرِ قَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ.
وفِي الكَشْفِ يَمْنَعُ عَنْ جَعْلِها مَصْدَرِيَّةً عَدَمُ سَدادِ المَعْنى لِأنَّ (بُورِكَ) إذْ ذاكَ لَيْسَ يَصْلُحُ بِشارَةً، وقَدْ قالُوا: إنَّ تَصْدِيرَ الخِطابِ بِذَلِكَ بِشارَةٌ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ قَدْ قُضِيَ لَهُ أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ مِنهُ في أرْضِ الشّامِ كُلِّها البَرَكَةُ، وهَذا بِخِلافِ ما إذا كانَ (بُورِكَ) تَفْسِيرًا لِلشَّأْنِ، اهـ، وفِيهِ نَظَرٌ.
وعَلى الوَجْهَيْنِ الكَلامُ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: نُودِيَ بِأنْ إلَخْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، ولَيْسَ نائِبَ الفاعِلِ، بَلْ نائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: هو نائِبُ الفاعِلِ ولا ضَمِيرَ.
وقالَ بَعْضُهم في الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا: إنَّ الضَّمِيرَ القائِمَ مَقامَ الفاعِلِ لَيْسَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ هو لِمَصْدَرِ الفِعْلِ، أيْ: نُودِيَ هُوَ، أيِ: النِّداءَ، وفُسِّرَ النِّداءُ بِما بَعْدَهُ، والأظْهَرُ في الضَّمِيرِ رُجُوعُهُ لِمُوسى، وفي أنْ أنَّها مُفَسِّرَةٌ وفي (بُورِكَ) أنَّهُ خَبَرٌ، وهو مِنَ البَرَكَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها، وقِيلَ هُنا: المَعْنى قُدِّسَ وطُهِّرَ وزِيدَ خَيْرًا.
﴿مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ ذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مُقَدَّرًا في مَوْضِعَيْنِ، أيْ: مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها، قالُوا: ومَكانُها البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها وهي البُقْعَةُ المُبارَكَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ وتَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ «تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها» واسْتُظْهِرَ عُمُومُ (مَن) لِكُلِّ (مَن) في ذَلِكَ الوادِي وحَوالَيْهِ مِن أرْضِ الشّامِ المَوْسُومَةِ بِالبَرَكاتِ؛ لِكَوْنِها مَبْعَثَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وكِفاتَهم أحْياءً وأمْواتًا، ولا سِيَّما تِلْكَ البُقْعَةُ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيها.
وقِيلَ: مَن في النّارِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن حَوْلَها المَلائِكَةُ الحاضِرُونَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ - فِيما نَقَلَ أبُو عَمْرٍو الدّانِي، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ -: «ومَن حَوْلَها مِنَ المَلائِكَةِ» وهي عِنْدَ كَثِيرٍ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ؛ لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ.
وقِيلَ: الأوَّلُ المَلائِكَةُ والثّانِي مُوسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - واسْتَغْنى بَعْضُهم عَنْ تَقْدِيرِ المُضافِ بِجَعْلِ الظَّرْفِيَّةِ مَجازًا عَنِ القُرْبِ التّامِّ، وذَهَبَ إلى القَوْلِ الثّانِي في المُرادِ
صفحة 161
بِالمَوْصُولَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِذَلِكَ بِشارَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى - عَلى ما قِيلَ -: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ تَعْجِيبٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ذَلِكَ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مُرِيدُهُ ومُكَوِّنُهُ رَبُّ العالَمِينَ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكائِنَ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ وعَظائِمِ الشُّؤُونِ، ومِن أحْكامِ تَرْبِيَتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ، أوْ خَبَرٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ مِن سَماعِ كَلامِهِ تَعالى التَّشْبِيهُ بِما لِلْبَشَرِ، أوْ طَلَبٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِذَلِكَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعَجُّبًا صادِرًا مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: وقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ... إلَخْ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو مِن كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَهُ لَمّا سَمِعَ النِّداءَ مِنَ الشَّجَرَةِ؛ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعالى عَنْ سِماتِ المُحَدَّثِينَ، وكَأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْضًا، وجَعَلَ المُقَدَّرَ عَطْفًا عَلى (نُودِيَ).
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ومَعْناهُ: وبُورِكَ مَن سَبَّحَ اللَّهَ تَعالى رَبَّ العالَمِينَ، وهَذا بَعِيدٌ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ جِدًّا، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِنَبِيِّنا ﷺ مُرادٌ بِهِ التَّنْزِيهُ، وجُعِلَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ما
27:9Page 377
يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٩
O Moses, indeed it is I - Allāh, the Exalted in Might, the Wise."
وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَإنَّهُ مُتَّصِلُ مَعْنًى بِذَلِكَ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنا اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والعَزِيزُ الحَكِيمُ نَعْتانِ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ مُمَهِّدَتانِ لِما أُرِيدَ إظْهارُهُ عَلى يَدِهِ مِنَ المُعْجِزَةِ، أيْ: أنا اللَّهُ القَوِيُّ القادِرُ عَلى ما لا تَنالُهُ الأوْهامُ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُ العَصا واليَدِ، الفاعِلُ كُلَّ ما أفْعَلُهُ بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وتَدْبِيرٍ رَصِينٍ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ) مُفَسِّرَةٌ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ وهو المُكَلِّمُ المُنادِي و(أنا) خَبَرٌ، أيْ: إنَّ مُكَلِّمَكَ المُنادِي لَكَ أنا، والِاسْمُ الجَلِيلُ عَطْفُ بَيانٍ لِـ(أنا) وتَجُوزُ البَدَلِيَّةُ عِنْدَ مَن جَوَّزَ إبْدالَ الظّاهِرِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بَدَلَ كُلٍّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أنا) تَوْكِيدًا لِلضَّمِيرِ و(اللَّهُ) الخَبَرُ.
وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ إرْجاعَ الضَّمِيرِ لِلْمُكَلِّمِ المُنادِي بِأنَّهُ إذا حُذِفَ الفاعِلُ وبُنِيَ فِعْلُهُ لِلْمَفْعُولِ لا يَجُوزُ عَوْدُ ضَمِيرٍ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ؛ لِأنَّهُ نَقْضٌ لِلْغَرَضِ مِن حَذْفِهِ، والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَكُونَ مُحَدَّثًا عَنْهُ، وفِيهِ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنَّهُ عائِدٌ عَلى الفاعِلِ المَحْذُوفِ، بَلْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، ولَوْ سُلِّمَ فَلا امْتِناعَ في ذَلِكَ إذا كانَ في جُمْلَةٍ أُخْرى.
وأيْضًا قَوْلُهُ: والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَكُونَ مُحَدَّثًا عَنْهُ غَيْرَ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُحَدَّثًا عَنْهُ ويُحْذَفُ لِلْعِلْمِ بِهِ وعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذِكْرِهِ، ثُمَّ إنَّ الحَمْلَ مُفِيدٌ مِن غَيْرِ رُؤْيَةٍ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلِمَهُ سُبْحانَهُ عِلْمَ اليَقِينِ بِما وقَرَ في قَلْبِهِ، فَكَأنَّهُ رَآهُ عَزَّ وجَلَّ.
هَذا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ إلَخْ أقْوالٌ أُخَرُ:
الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِمَن في النّارِ نُورُ اللَّهِ تَعالى، وبِمَن حَوْلَها المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ والزَّجّاجِ.
والثّانِي أنَّ المُرادَ بِمَن في النّارِ الشَّجَرَةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مَحَلًّا لِلْكَلامِ، وبِمَن حَوْلَها المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ – أيْضًا، ونُقِلَ هَذا عَنِ الجُبّائِيِّ، وفي ما ذُكِرَ إطْلاقُ (مَن) عَلى غَيْرِ العالِمِ.
والثّالِثُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ يَعْنِي تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ، كَأنَّ نُورَ رَبِّ العالَمِينَ في الشَّجَرَةِ، ومَن حَوْلَها يَعْنِي المَلائِكَةَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - واشْتُهِرَ عَنْهُ كَوْنُ المُرادِ بِمَن في النّارِ نَفْسَهُ تَعالى، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِما، كَما في البَحْرِ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الإمامُ بِأنّا نَقْطَعُ بِأنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْضُوعَةٌ مُخْتَلَقَةٌ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إذا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن ذُكِرَ أُوِّلَ عَلى حَذْفٍ، أيْ: بُورِكَ مَن قُدْرَتُهُ وسُلْطانُهُ في النّارِ، وذَهَبَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في رِسالَتِهِ (تَنْبِيهِ العُقُولِ عَلى تَنْزِيهِ الصُّوفِيَّةِ عَنِ اعْتِقادِ التَّجْسِيمِ والعَيْنِيَّةِ والِاتِّحادِ والحُلُولِ)
صفحة 162
إلى صِحَّةِ الخَبَرِ عَنِ الحَبْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعَدَمِ احْتِياجِهِ إلى التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ؛ فَإنَّ الَّذِي دَعا المُؤَوِّلِينَ أوِ الحاكِمِينَ بِالوَضْعِ إلى التَّأْوِيلِ أوِ الحُكْمِ بِالوَضْعِ ظَنُّ دَلالَتِهِ عَلى الحُلُولِ المُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ تَعالى، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ هو ظُهُورُهُ سُبْحانَهُ في النّارِ وتَجَلِّيهِ فِيها، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الحُلُولِ في شَيْءٍ، فَإنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ مُجَلًّى لِشَيْءٍ لَيْسَ كَوْنَهُ مُحِلًّا لَهُ، فَإنَّ الظّاهِرَ في المِرْآةِ مَثَلًا خارِجٌ عَنِ المِرْآةِ بِذاتِهِ قَطْعًا بِخِلافِ الحالِّ في مَحَلٍّ فَإنَّهُ حاصِلٌ فِيهِ، ثُمَّ إنَّ تَجَلِّيَهُ تَعالى وظُهُورَهُ في المَظاهِرِ يُجامِعُ التَّنْزِيهَ.
ومَعْنى الآيَةِ عِنْدَهُ: فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ - أيْ: قُدِّسَ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ - مَن تَجَلّى وظَهَرَ في صُورَةِ النّارِ لِما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ لِكَوْنِها مَطْلُوبَةً لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن حَوْلَها مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنهم ومِن مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ﴾ دَفْعٌ لِما يَتَوَهَّمُهُ التَّجَلِّي في مَظْهَرِ النّارِ مِنَ التَّشْبِيهِ، أيْ: وسُبْحانَ اللَّهِ عَنِ التَّقَيُّدِ بِالصُّورَةِ والمَكانِ والجِهَةِ - وإنْ ظَهَرَ فِيها بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ - لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ رَبِّ العالَمِينَ الواسِعِ القُدُّوسِ الغَنِيِّ عَنِ العالَمِينَ، ومَن هو كَذَلِكَ لا يَتَقَيَّدُ بِشَيْءٍ مِن صِفاتِ المُحْدَثاتِ، بَلْ هو - جَلَّ وعَلا - باقٍ عَلى إطْلاقِهِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ في حالِ تَجَلِّيهِ وظُهُورِهِ فِيما شاءَ مِنَ المَظاهِرِ.
ولِهَذا ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ««سُبْحانَكَ حَيْثُ كُنْتَ»» فَأثْبَتَ لَهُ تَعالى التَّجَلِّي في الحَيْثِ ونَزَّهَهُ عَنْ أنْ يَتَقَيَّدَ بِذَلِكَ «يا مُوسى» إنَّهُ: أيِ المُنادِي المُتَجَلِّي في النّارِ ﴿أنا اللَّهُ العَزِيزُ﴾ فَلا أتَقَيَّدُ بِمَظْهَرٍ لِلْعِزَّةِ الذّاتِيَّةِ لَكِنِّي الحَكِيمُ ومُقْتَضى الحِكْمَةِ الظُّهُورُ في صُورَةِ مَطْلُوبِكَ، وذُكِرَ أنَّ تَقْدِيرَ المُضافِ - كَما فَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ - عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ لِظَنِّ المَحْذُورِ فِيهِ، وقَدْ تَبَيَّنَ أنْ لا مَحْذُورَ فَلا حاجَةَ إلى العُدُولِ، انْتَهى.
وكَأنِّي بِكَ تَقُولُ: هَذا طَوْرُ ما وراءِ طَوْرِ العُقُولِ، ثُمَّ إنَّهُ لا مانِعَ عَلى أُصُولِ الصُّوفِيَّةِ أنْ يُرِيدُوا بِمَن حَوْلَها اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ – أيْضًا؛ إذْ لَيْسَ في الدّارِ عِنْدَهم غَيْرُهُ سُبْحانَهُ دَيّارٌ، ولا بُعْدَ في أنْ تَكُونَ الآيَةُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ - إنْ صَحَّ عَنْهُ ما ذُكِرَ - مِنَ المُتَشابَهِ، والمَذاهِبُ فِيهِ مَعْلُومَةٌ عِنْدَكَ، والأوْفَقُ بِالعامَّةِ التَّأْوِيلُ بِأنْ يُقالَ: المُرادُ: أنْ بُورِكَ مَن ظَهَرَ نُورُهُ في النّارِ، ولَعَلَّ في خَبَرِ الحَبْرِ السّابِقِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ.
وإضافَةُ النُّورِ إلَيْهِ تَعالى لِتَشْرِيفِ المُضافِ، وهو نُورٌ خاصٌّ كانَ مَظْهَرًا لِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، وسَمِعْتُ مِن بَعْضِ أجِلَّةِ المَشايِخِ يَقُولُ: إنَّ هَذا النُّورَ لَمْ يَكُنْ عَيْنًا ولا غَيْرًا، عَلى نَحْوِ قَوْلِ الأشْعَرِيِّ في صِفاتِهِ - عَزَّ وجَلَّ – الذّاتِيَّةِ، وهو أيْضًا مَنزَعٌ صُوفِيٌّ يَرْجِعُ بِالآخِرَةِ إلى حَدِيثِ التَّجَلِّي والظُّهُورِ كَما لا يَخْفى، فَتَأمَّلْ.
27:10Page 377
وَأَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰ لَا تَخَفۡ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٠
And [he was told], "Throw down your staff." But when he saw it writhing as if it were a snake, he turned in flight and did not return.1 [Allāh said], "O Moses, fear not. Indeed, in My presence the messengers do not fear.
﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ عَطْفٌ عَلى (بُورِكَ) مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ تَفْسِيرِ النِّداءِ، أيْ: نُودِيَ أنْ بُورِكَ وأنْ ألْقِ عَصاكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ بِتَكْرِيرِ (أنْ) فَإنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وهَذا ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ تَجْدِيدَ النِّداءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا مُوسى﴾ إلَخْ ... يَأْباهُ، ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِتَجْدِيدِ نِداءٍ؛ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ تَفْسِيرِ النِّداءِ المَذْكُورِ، وقِيلَ: لا يَأْباهُ؛ لِأنَّهُ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وفِيهِ بَحْثٌ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ (بُورِكَ) إخْبارٌ و(ألْقِ) إنْشاءٌ، ولا يُعْطَفُ الإنْشاءُ عَلى الإخْبارِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ العَطْفَ عَلى ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ (وقِيلَ لَهُ: ألْقِ) أوِ العَطْفَ عَلى مُقَدَّرٍ أيِ: (افْعَلْ ما آمُرُكَ وألْقِ) وفِيهِ إنَّهُ في مِثْلِ هَذا يَجُوزُ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ؛ لِكَوْنِ النِّداءِ في مَعْنى القَوْلِ، بَلْ أجازَ سِيبَوَيْهِ: (جاءَ زَيْدٌ ومَن عَمْرٌو ) بِالعَطْفِ.
ولا يَرِدُ هَذا أصْلًا عَلى مَن يَجْعَلُ «بُورِكَ» إنْشاءً، ويَرِدُ عَلى مَن جَعَلَ العَطْفَ عَلى أفْعَلَ مَحْذُوفًا، فَإنَّ الظّاهِرَ حِينَئِذٍ فَألْقِ بِالفاءِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ العَطْفِ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ولَمْ يُبالِ بِاخْتِلافِ
صفحة 163
الجُمْلَتَيْنِ اسْمِيَّةٍ وفِعْلِيَّةٍ وإخْبارِيَّةٍ وإنْشائِيَّةٍ؛ لِما ذُكِرَ أنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ اشْتِراطِ تَناسُبِ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ في ذَلِكَ لِما سَمِعْتَ آنِفًا عَنْ سِيبَوَيْهَ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ فَصِيحَةٌ، تُفْصِحُ عَنْ جُمْلَةٍ قَدْ حُذِفَتْ؛ ثِقَةً بِظُهُورِها ودَلالَةً عَلى سُرْعَةِ وُقُوعِ مَضْمُونِها، كَأنَّهُ قِيلَ: فَألْقاها فانْقَلَبَتْ حَيَّةً، فَلَمّا أبْصَرَها تَتَحَرَّكُ بِشِدَّةٍ اضْطَرَبَ، وجُمْلَةُ (تَهْتَزُّ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ رَأى فَإنَّها بَصَرِيَّةٌ - كَما أشَرْنا إلَيْهِ - لا عِلْمِيَّةٌ كَما قِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ في مَوْضِعِ حالٍ أُخْرى مِنهُ، أوْ هو حالٌ مِن ضَمِيرٍ (تَهْتَزُّ) عَلى طَرِيقَةِ التَّداخُلِ، والجانُّ الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ السَّرِيعَةُ الحَرَكَةِ، شَبَّهَها سُبْحانَهُ في شِدَّةِ حَرَكَتِها واضْطِرابِها - مَعَ عِظَمِ جُثَّتِها - بِصِغارِ الحَيّاتِ السَّرِيعَةِ الحَرَكَةِ، فَلا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ .
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عَنْها بِصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِاعْتِبارِ تَنَقُّلِها فِيها، وقَرَأ الحَسَنُ والزَّهْرِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: «جَأنٌ» بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ؛ هَرَبًا مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ كانَ عَلى حَدِّهِ كَما قِيلَ: دَأبَةٌ وشَأبَةٌ.
﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ أيِ: انْهَزَمَ ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ أيْ ولَمْ يَرْجِعْ عَلى عَقِبِهِ، مِن عَقَّبَ المُقاتِلُ إذا كَرَّ بَعْدَ الفِرارِ، قالَ الشّاعِرُ:
فَما عَقَّبُوا إذْ قِيلَ هَلْ مِن مُعَقِّبٍ ولا نَزَلُوا يَوْمَ الكَرِيهَةِ مَنزِلًا
وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ قَتادَةَ: (أيْ: لَمْ يَلْتَفِتْ) وهو الَّذِي ذَكَرَهُ الرّاغِبُ، وكانَ ذَلِكَ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِخَوْفٍ لَحِقَهُ، قِيلَ: لِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ؛ فَإنَّ الإنْسانَ إذْ رَأى أمْرًا هائِلًا جِدًّا يَخافُ طَبْعًا، أوْ لِما أنَّهُ ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ لِأمْرٍ أُرِيدَ وُقُوعُهُ بِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ﴾ أيْ: مِن غَيْرِي أيَّ مَخْلُوقٍ كانَ حَيَّةً أوْ غَيْرَها؛ ثِقَةً بِي واعْتِمادًا عَلَيَّ، أوْ: لا تَخْفَ مُطْلَقًا عَلى تَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وهَذا إمّا لِمُجَرَّدِ الإيناسِ دُونَ إرادَةِ حَقِيقَةِ النَّهْيِ، وإمّا لِلنَّهْيِ عَنْ مَنشَأِ الخَوْفِ وهو الظَّنُّ الَّذِي سَمِعْتَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ، وهو - عَلى ما قِيلَ - يُؤَيِّدُ أنَّ الخَوْفَ كانَ لِلظَّنِّ المَذْكُورِ، وأنَّ المُرادَ: لا تَخَفْ مُطْلَقًا، والمُرادُ مِن (لَدَيَّ) في حَضْرَةِ القُرْبِ مِنِّي، وذَلِكَ حِينَ الوَحْيِ.
والمَعْنى أنَّ الشَّأْنَ لا يَنْبَغِي لِلْمُرْسَلِينَ أنْ يَخافُوا حِينَ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، بَلْ لا يَخْطُرُ بِبالِهِمُ الخَوْفُ - وإنْ وُجِدَ ما يُخافُ مِنهُ - لِفَرْطِ اسْتِغْراقِهِمْ إلى تَلَقِّي الأوامِرِ وانْجِذابِ أرْواحِهِمْ إلى عالَمِ المَلَكُوتِ، والتَّقْيِيدُ بِـ(لَدَيَّ) لِأنَّ المُرْسَلِينَ في سائِرِ الأحْيانِ أخْوَفُ النّاسِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ ولا أعْلَمَ مِنهم بِاللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَخَفْ مِن غَيْرِي، أوْ لا تَخَفْ مُطْلَقًا؛ فَإنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَخافَ مِنهُ أمْثالُكَ المُرْسَلُونَ إنَّما هو سُوءُ العاقِبَةِ، وأنَّ الشَّأْنَ لا يَكُونُ لِلْمُرْسَلِينَ عِنْدِي سُوءُ عاقِبَةٍ لِيَخافُوا مِنهُ.
والمُرادُ بِسُوءِ العاقِبَةِ ما في الآخِرَةِ لا ما في الدُّنْيا؛ لِئَلّا يَرِدَ قَتْلُ بَعْضِ المُرْسَلِينَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُرادُ بِـ(لَدَيَّ) - عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ - عِنْدَ لِقائِي، وفي حُكْمِي - عَلى ما قالَ ابْنُ الشَّيْخِ - وأيًّا ما كانَ يَلْزَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ المُرْسَلِينَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا يَخافُونَ سُوءَ العاقِبَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى آمَنَهم مِن ذَلِكَ، فَلَوْ خافُوا لَزِمَ أنْ لا يَكُونُوا واثِقِينَ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهَذا هو الصَّحِيحُ - كَما في الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ - وظاهِرُ الآثارِ يَقْتَضِي أنَّهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كانُوا يَخافُونَ ذَلِكَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: ««يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ»
صفحة 169
فَقالَتْ لَهُ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - يَوْمًا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تُكْثِرُ أنْ تَدْعُوَ بِهَذا الدُّعاءِ فَهَلْ تَخْشى؟ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وما يُؤَمِّنُنِي يا عائِشَةُ وقُلُوبُ العِبادِ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ إذا أرادَ يُقَلِّبُ قَلْبَ عَبْدَهُ»».
وظاهِرُ بَعْضِ الآياتِ يَقْتَضِي ذَلِكَ أيْضًا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ وكَوْنُ اللَّهِ تَعالى آمَنَهم مِن ذَلِكَ إنْ أُرِيدَ بِهِ ما جاءَ في ضِمْنِ تَبْشِيرِهِمْ بِالجَنَّةِ، فَقَدْ صَحَّ أنَّ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - كانُوا يَخافُونَ مِن سُوءِ العاقِبَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِبِشارَتِهِ تَعالى إيّاهم بِالجَنَّةِ، ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الخَوْفَ يَجْتَمِعُ مَعَ البِشارَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عَدَمُ الوُثُوقِ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِأنَّهُ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ هُناكَ شَرْطٌ لَمْ يُظْهِرْهُ اللَّهُ تَعالى لَهم لِلِابْتِلاءِ ونَحْوِهِ مِنَ الحِكَمِ الإلَهِيَّةِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ ما كانَ بِصَرِيحِ آمَنتُكم مِن سُوءِ العاقِبَةِ كانَ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا أيْضًا فِيهِ، ويَحْصُلُ الخَوْفُ مِن ذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ ما اقْتَضاهُ جَعْلُهُ تَعالى إيّاهم مَعْصُومِينَ مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، ورُدَّ بِأنَّ المَلائِكَةَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مَعْصُومِينَ مِن ذَلِكَ أيْضًا، وهم يَخافُونَ.
فَفِي الأثَرِ: لَمّا مُكِرَ بِإبْلِيسَ بَكى جِبْرائِيلُ ومِيكائِيلُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُما: ما يُبْكِيكُما؟ قالا: يا رَبِّ ما نَأْمَنُ مَكْرَكَ، فَقالَ تَعالى: هَكَذا كُونا لا تَأْمَنا مَكْرِي.
ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ العِصْمَةَ عِنْدَنا عَلى ما يَقْتَضِيهِ أصْلُ اسْتِنادِ الأشْياءِ كُلِّها إلى الفاعِلِ المُخْتارِ ابْتِداءً - كَما في المَواقِفِ وشَرَحَهُ الشَّرِيفُ الشَّرِيفِيُّ - أنْ لا يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الشَّخْصِ ذَنْبًا، وعِنْدَ الحُكَماءِ - بِناءً عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنَ القَوْلِ بِالإيجابِ واعْتِبارِ اسْتِعْدادِ القَوابِلِ - مَلَكَةٌ تَمْنَعُ الفُجُورَ، وتَحْصُلُ ابْتِداءً بِالعِلْمِ بِمَثالِبِ المَعاصِي ومَناقِبِ الطّاعاتِ، وتَتَأكَّدُ بِتَتابُعِ الوَحْيِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي، وهي بِكِلا المَعْنَيَيْنِ لا تَقْتَضِي اسْتِحالَةَ الذَّنْبِ.
أمّا عَدَمُ اقْتِضائِها ذَلِكَ بِالمَعْنى الأوَّلِ فَلِأنَّ عَدَمَ خَلْقِهِ تَعالى إيّاهُ لَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَكُونَ خَلْقُهُ مُسْتَحِيلًا عَلَيْهِ تَعالى، ومَتى لَمْ يَكُنِ الخَلْقُ مُسْتَحِيلًا عَلَيْهِ تَعالى فَكَيْفَ يَحْصُلُ الأمْنُ مِنَ المَكْرِ.
وأمّا عَدَمُ اقْتِضائِها ذَلِكَ بِالمَعْنى الثّانِي فَلِأنَّ زَوالَ تِلْكَ المَلَكَةِ مُمْكِنٌ أيْضًا، واقْتِضاءُ العِلْمِ بِالمَثالِبِ والمَناقِبِ إيّاها ابْتِداءً وتَأكُّدُها بِتَتابُعِ الوَحْيِ لَيْسَ مِنَ الضَّرُوراتِ العَقْلِيَّةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لا يَحْصُلُ الأمْنُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ المَلَكَةِ، نَعَمْ، قالَ قَوْمٌ: العِصْمَةُ تَكُونُ خاصِّيَّةً في نَفْسِ الشَّخْصِ أوْ في بَدَنِهِ يَمْتَنِعُ بِسَبَبِها صُدُورُ الذَّنْبِ عَنْهُ، وقَدْ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ مَن يَقُولُ بِالأمْنِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ تَمّامُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى هَذا المَطْلَبِ فَهو في حَدِّ ذاتِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ.
فَفِي المَواقِفِ وشَرْحِهِ أنَّهُ يُكَذِّبُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ لَوْ كانَ صُدُورُ الذَّنْبِ مُمْتَنِعًا لَما اسْتَحَقَّ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - المَدْحَ بِتَرْكِ الذَّنْبِ؛ إذْ لا مَدْحَ بِتَرْكِ ما هو مُمْتَنَعٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ داخِلًا تَحْتَ الِاخْتِيارِ، وأيْضًا فالإجْماعُ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُكَلَّفُونَ بِتَرْكِ الذُّنُوبِ مُثابُونَ بِهِ، ولَوْ كانَ صُدُورُ الذَّنْبِ مُمْتَنَعًا عَنْهم لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ يَدُلُّ عَلى مُماثَلَتِهِمْ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِسائِرِ النّاسِ فِيما يَرْجِعُ إلى البَشَرِيَّةِ، والِامْتِيازُ بِالوَحْيِ، فَلا يَمْتَنِعُ صُدُورُ الذَّنْبِ عَنْهم كَما لا يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْ سائِرِ البَشَرِ اهـ.
وذَكَرَ الخَفاجِيُّ في شَرْحِ الشِّفاءِ عَنِ ابْنِ الهُمامِ أنَّهُ قالَ في التَّحْرِيرِ: العِصْمَةُ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلى المَعْصِيَةِ وخُلُقٌ مانِعٌ عَنْها غَيْرُ مُلْجِئٍ، ثُمَّ قالَ: وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِ الماتُرِيدِيُّ: العِصْمَةُ لا تُزِيلُ المِحْنَةَ، أيِ: الِابْتِلاءَ المُقْتَضِيَ لِبَقاءِ الِاخْتِيارِ، ومَعْناهُ - كَما في الهِدايَةِ - أنَّها لا تُجْبِرُهُ عَلى الطّاعَةِ ولا تُعْجِزُهُ عَنِ المَعْصِيَةِ، بَلْ هي لُطْفٌ مِنَ
صفحة 165
اللَّهِ تَعالى تَحْمِلُهُ عَلى فِعْلِهِ وتَزْجُرُهُ عَنِ الشَّرِّ، مَعَ بَقاءِ الِاخْتِيارِ وتَحْقِيقِ الِابْتِلاءِ، اهـ.
وهُوَ ظاهِرٌ عَلى عَدَمِ الِاسْتِحالَةِ الذّاتِيَّةِ لِصُدُورِ الذَّنْبِ، ولَعَلَّ ما وقَعَ في كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ مِنِ اسْتِحالَةِ وُقُوعِ الذَّنْبِ مِنهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِحالَةِ الشَّرْعِيَّةِ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ كَلامُ العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ في شَرْحِ الهَمْزِيَّةِ، وبِالجُمْلَةِ: الَّذِي تَقْتَضِيهِ الظَّواهِرُ ويَشْهَدُ لَهُ العَقْلُ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَخافُونَ ولا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ - وإنِ اسْتَحالَ صُدُورُ الذَّنْبِ عَنْهم شَرْعًا - لَكِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ عَقْلًا، بَلْ هو مِنَ المُمْكَناتِ الَّتِي يَصِحُّ تَعَلُّقُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِها، ومَعَ مُلاحَظَةِ إمْكانِهِ الذّاتِيِّ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وقِيامُ احْتِمالِ تَقْيِيدِ المُطْلَقِ بِما لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ لِحِكْمَةٍ كالمَشِيئَةِ لا يَكادُ يَأْمَنُ مَعْصُومٌ مَن مَكْرِ المَلِكِ الحَيِّ القَيُّومِ، فالأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ كُلُّهم خائِفُونَ، ومِن خَشْيَتِهِ سُبْحانَهُ - عَزَّ وجَلَّ - مُشْفِقُونَ، ولَيْسَ لَكَ أنْ تَخُصَّ خَوْفَهم بِخَوْفِ الإجْلالِ؛ إذِ الظّاهِرُ العُمُومُ، ولا دَلِيلَ عَلى الخُصُوصِ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ فُحُولِ الرِّجالِ.
نَعَمْ، قَدْ يُقالُ بِإمْكانِ حُصُولِ الأمْنِ مِنَ المَكْرِ وذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى عِلْمًا ضَرُورِيًّا في العَبْدِ بِعَدَمِ تَحَقُّقِ ما يَخافُ مِنهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أصْلًا؛ لِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَدَمَ تَحَقُّقِهِ كَذَلِكَ - وإنْ كانَ مُمْكِنًا ذاتِيًّا - ولَعَلَّهُ يَحْصُلُ لِأهْلِ الجَنَّةِ لِتَتِمَّ لَذَّتُهم فِيها، فَقَدْ قِيلَ:
فَإنْ شِئْتَ أنْ تَحْيا حَياةً هَنِيَّةً ∗∗∗ فَلا تَتَّخِذْ شَيْئًا تَخافُ لَهُ فَقْدًا
ولا يَبْعُدُ حُصُولُهُ لِمَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ يَوْمَ القِيامَةِ قَبْلَ دُخُولِها أيْضًا، ولَمْ تَقُمْ أمارَةٌ عِنْدِي عَلى حُصُولِهِ في هَذِهِ النَّشْأةِ لِأحَدٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، فَتَأمَّلْ، ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
ورَوى الإمامُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: إنِّي إذا أمَرْتُ المُرْسَلِينَ بِإظْهارِ مُعْجِزٍ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَخافُوا فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ ذَلِكَ، وإلّا فالمُرْسَلُ قَدْ يَخافُ لا مَحالَةَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences