Al-AlusiAl‑Qasas · 28:46–48

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:46–48

28:46Page 391

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٦

And you were not at the side of the mount when We called [Moses] but [were sent] as a mercy from your Lord to warn a people to whom no warner had come before you that they might be reminded.

﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ أيْ وقْتَ نِدائِنا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ واسْتِنْبائِنا إيّاهُ وإرْسالِنا لَهُ إلى فِرْعَوْنَ ﴿ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ ولَكِنْ أرْسَلْناكَ بِالقُرْآنِ النّاطِقِ بِما ذَكَرَ وغَيْرِهِ لِرَحْمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لَكَ ولِلنّاسِ.

وقِيلَ أيْ عَلَّمْناكَ رَحْمَةً ولَعَلَّ الرَّحْمَةَ عَلَيْهِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِعَلَّمَ والمُرادُ بِها القُرْآنُ ولَيْسَتْ مَفْعُولًا لَهُ والمَفْعُولُ الثّانِي ما ذُكِرَ مِنَ القِصَّةِ لِما سَتَعْرِفُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأمّا جَعْلُها مَنصُوبَةً عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ فَحالُهُ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ والِالتِفاتُ إلى اسْمِ الرَّبِّ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مِن آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ وتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإضافَةِ وقَدِ اكْتَفى هاهُنا عَنْ ذِكْرِ المُسْتَدْرَكِ بِذِكْرِ ما يُوجِبُهُ مِن جِهَتِهِ تَعالى كَما اكْتَفى في الأوَّلِ بِذِكْرِ ما يُوجِبُهُ مِن جِهَةِ النّاسِ وصَرَّحَ بِهِ فِيما بَيْنَهُما تَنْصِيصًا عَلى ما هو المَقْصُودُ وإشْعارًا بِأنَّهُ المُرادُ فِيهِما أيْضًا ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُعَلَّلِ بِالرَّحْمَةِ وهو يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ الإرْسالُ بِالقُرْآنِ أوْ ما في مَعْناهُ كَتَعْلِيمِ القُرْآنِ دُونَ تَعْلِيمِ ما ذُكِرَ مِنَ القِصَّةِ إذْ لا يَظْهَرُ حَسَنُ تَعْلِيلِهِ بِالإنْذارِ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُسْتَدْرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى التَّنازُعِ.

وقَرَأ عِيسى، وأبُو حَيْوَةَ «رَحْمَةٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ ولَكِنْ هو أوْ هَذا أوْ هي أوْ هَذِهِ رَحْمَةٌ والضَّمِيرُ أوِ الإشارَةُ قِيلَ لِلْإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ والتَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ المَرْجِعِ والخَبَرِ والخِلافُ في الأُولى مَشْهُورٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ولَكِنْ أنْتَ رَحْمَةٌ ولِتُنْذِرَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مُتَعَلِّقٌ بِما هو صِفَةٌ لِـ رَحْمَةً وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ما ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ صِفَةٌ لِقَوْمًا (ومِن) الأُولى مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ 46) أيْ يَتَّعِظُونَ بِإنْذارِكَ تَعْلِيلٌ لِلْإنْذارِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّها لِلتَّرَجِّي حَقِيقَةً أوْ مَجازًا فَقِيلَ هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَقُولًا فِيهِمْ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ والمُرادُ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ قِيلَ العَرَبُ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهم لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولٌ قَبْلَ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْلًا ولَيْسَ بِمُرادٍ لِلِاتِّفاقِ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ وكَأنَّهُ لِتَطاوُلِ الأمَدِ بَيْنَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَعْثَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ بَيْنَهُما أكْثَرُ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ بِكَثِيرٍ وانْدِراسِ شَرْعِهِ وعَدَمِ وُقُوفِ

صفحة 88

الأكْثَرِينَ في أغْلَبِ هَذِهِ المُدَّةِ عَلى حَقِيقَتِهِ قِيلَ: ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِما صَرَّحُوا بِهِ مِن أنَّ حُكْمَ بَعْثَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ وأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ بَعْدَهُ نَبِيٌّ سِوى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (وسَلَّمَ) قالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في المِنَحِ المَكِّيَّةِ: مِنَ المُقَرَّرِ أنَّ العَرَبَ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ رَسُولٌ بَعْدَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ إسْماعِيلَ انْتَهَتْ رِسالَتُهُ بِمَوْتِهِ وادَّعى قُبَيْلَ هَذا الِاتِّفاقِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن بَعْدَهُ أيْ سِوى إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُرْسَلُوا لِلْعَرَبِ ورِسالَةُ إسْماعِيلَ إلَيْهِمُ انْتَهَتْ بِمَوْتِهِ اهـ، فَكَأنَّهُ لِقِلَّةِ لُبْثِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِمْ وانْقِطاعِ حُكْمِ رِسالَتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ فِيما بَيْنَهم وبَقائِهِمُ الأمَدَ الطَّوِيلَ بِغَيْرِ رَسُولٍ مَبْعُوثٍ فِيهِمْ نُفِيَ إتْيانُ النَّذِيرِ إيّاهم مِن قَبْلِهِ ﷺ.

وذَكَرَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في المِنَحِ أيْضًا ما يُفِيدُ أنَّ كُلَّ رَسُولٍ مِمَّنْ عَدا نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَنْقَطِعُ رِسالَتُهُ بِمَوْتِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ خاصًّا بِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ في أمالِيِّهِ أنَّ هَذا الِانْقِطاعَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ فَقَدْ قالَ: «فائِدَةٌ» كُلُّ نَبِيٍّ إنَّما أُرْسِلَ إلى قَوْمِهِ إلّا سَيِّدَنا مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعَلى هَذا يَكُونُ ما عَدا قَوْمَ كُلِّ نَبِيٍّ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ إلّا ذُرِّيَّةَ النَّبِيِّ السّابِقِ عَلَيْهِ فَإنَّهم مُخاطَبُونَ بِبَعْثَةِ السّابِقِ إلّا أنْ تَدْرُسَ شَرِيعَةُ السّابِقِ فَيَصِيرَ الكُلُّ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ اهـ. وهو وكَذا ما نَقَلْناهُ عَنِ العَلّامَةِ ابْنِ حَجْرٍ عِنْدِي الآنَ عَلى أعْرافِ الرَّدِّ والقَبُولِ، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يَشْرَحُ صَدْرِي بَعْدُ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ مُوسى، وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ كَما أُرْسِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ أُرْسِلا لِلْعَرَبِ فالمُرادُ بِنَفْيِ هَذا الإتْيانِ الفَتْرَةُ الَّتِي بَيْنَ عِيسى ونَبِيِّنا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِنها عَلى ما رَوى البُخارِيُّ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ وفي كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ أنَّهُ خَمْسُمِائَةٍ وخَمْسُونَ سَنَةً، ونَفْيُ إتْيانِ نَبِيٍّ بَيْنَ زَمانَيْ إتْيانِ نَبِيِّنا وإتْيانِ عِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ هو ما صَحَّحَهُ جَمْعٌ مِنَ العُلَماءِ لِحَدِيثِ: «لا نَبِيَّ بَيْنِي وبَيْنَ عِيسى». وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ بَيْنَهُما أرْبَعَةَ أنْبِياءَ ثَلاثَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وواحِدٌ مِنَ العَرَبِ وهو خالِدُ بْنُ سِنانٍ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، واخْتارَ البَعْضُ أنَّ المُرادَ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ العَرَبُ المُعاصِرُونَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ هُمُ الَّذِينَ يُتَصَوَّرُ إنْذارُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم دُونَ أسْلافِهِمُ الماضِينَ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، وعَدَمُ إتْيانِ نَذِيرٍ إيّاهم مِن قَبْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى القَوْلِ بِانْتِهاءِ حُكْمِ رِسالَةِ الرَّسُولِ سِوى نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَوْتِهِ ظاهِرٌ، وأمّا إذا قِيلَ: بِعَدَمِ انْتِهائِهِ بِذَلِكَ وبَقائِهِ حُكْمًا لِرِسالَةِ الرَّسُولِ يَجِبُ عَلى مَن عَلِمَهُ مِن ذَرارِيِّ المُرْسَلِ إلَيْهِمُ الأخْذُ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حُكْمٌ مِن أحْكامِ ذَلِكَ الرَّسُولِ إلى أنْ يَأْتِيَ رَسُولٌ آخَرُ فَيُؤْخَذُ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حُكْمٌ مِن أحْكامِهِ أوْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ فِيهِ مِنَ النِّسْبَةِ إلَيْهِ أوْ مِن نِسْبَتِهِ إلى مَن قَبْلَهُ أوْ يُتْرَكُ إنْ جاءَ الثّانِي ناسِخًا لَهُ فالمُرادُ بِعَدَمِ إتْيانِ النَّذِيرِ إيّاهم عَدَمُ وُصُولِ ما أتى بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ إلَيْهِمْ ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ العَرَبُ مُطْلَقًا ويُقالَ بِأنَّهم لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحَدٌ أصْلًا لِظُهُورِ بُطْلانِهِ ومُنافاتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطِرٍ: 24] والعَرَبُ أعْظَمُ أُمَّةٍ وكَذا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: 6] بِناءً عَلى أنَّ- ما- فِيهِ لَيْسَتْ نافِيَةً وهو عَلى القَوْلِ بِأنَّ ما فِيهِ نافِيَةٌ مُؤَوِّلٌ بِحَمْلِ الآباءِ عَلى الآباءِ الأقْرَبِينَ، ولا يَكادُ يَجُوزُ في ما هاهُنا ما جازَ فِيها مِنِ الِاحْتِمالِ في آيَةِ يس بَلِ المُتَعَيَّنُ فِيها النَّفْيُ لَيْسَ غَيْرُ، وتَكَلُّفُ غَيْرِهِ مِمّا لا يَنْبَغِي في كِتابِ اللَّهِ تَعالى والنَّذِيرُ بِمَعْنى المُنْذِرِ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ وتَغْيِيرُ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ بَيْنَ قَضاءِ الأمْرِ بِمَعْنى أحْكامِ أمْرِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ وإيتاءِ التَّوْراةِ وثَوائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في أهْلِ مَدْيَنَ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ والنِّداءُ

صفحة 89

لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِن ذَلِكَ بُرْهانٌ مُسْتَقِلٌّ عَلى أنَّ حِكايَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْقِصَّةِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الوُقُوعِيِّ، ونَفى أوَّلًا الثَّواءَ في أهْلِ مَدْيَنَ ونَفى ثانِيًا الحُضُورَ عِنْدَ النِّداءِ ونَفى ثالِثًا الحُضُورَ عِنْدَ قَضاءِ الأمْرِ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ الكُلَّ دَلِيلٌ واحِدٌ عَلى ما ذُكِرَ كَما مَرَّ في قِصَّةِ البَقَرَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ قَضاءَ الأمْرَ بِالِاسْتِنْباءِ والنِّداءَ بِالنِّداءِ لِأخْذِ التَّوْراةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مَرْيَمَ: 12] رِعايَةً لِلتَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ بَيْنَهُما وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَفُوتُ عَلَيْهِ التَّنْبِيهُ المَذْكُورُ مَعَ أنَّهُ بِهَذا القَدْرِ لا يَرْتَفِعُ تَغْيِيرُ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ بِالكُلِّيَّةِ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ لِأنَّ الثَّواءَ في أهْلِ مَدْيَنَ مُتَقَدِّمٌ عَلى القَضاءِ والنِّداءِ في الواقِعِ، وقَدْ وسَّطَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ بَيْنَهُما، وأيْضًا ما تَقَدَّمَ مِن تَفْسِيرِ كُلٍّ مِنَ القَضاءِ والنِّداءِ بِما فَسَّرَ أنْسَبُ بِما يَلِي كُلًّا مِنَ الِاسْتِدْراكِ، ومِمّا يُسْتَغْرَبُ أنَّ بَعْضَ مَن فَسَّرَ ما ذُكِرَ بِما يُوافِقُ التَّرْتِيبَ الوُقُوعِيَّ فَسَّرَ الشّاهِدِينَ بِالسَّبْعِينَ المُخْتارِينَ لِلْمِيقاتِ ولا يَكادُ يَتَسَنّى ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّهم إنَّما كانُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُعْطِيَ التَّوْراةَ فَكانَ عَلَيْهِ أنْ يُفَسِّرَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ عِدَّةُ تَفاسِيرَ لا يَأْبى شَيْءٌ مِنها تَفْسِيرَهُ ما ذُكِرَ بِما يُوافِقُ التَّرْتِيبَ الوُقُوعِيَّ، وجُوِّزَ عَلى التَّفْسِيرِ بِما يُوافِقُ كَوْنَ المُرادِ بِالشّاهِدِينَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ النّارِ فَإنَّ الآثارَ ناطِقَةٌ بِحُضُورِهِمْ حَوْلَها عِنْدَما أتاها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ [النَّمْلِ: 8] في قَوْلٍ، هَذا وفي الآياتِ تَفْسِيراتٌ أُخَرُ فَقالَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ ثاوِيًا﴾ إلَخْ أيْ وما كُنْتَ مُقِيمًا في أهْلِ مَدْيَنَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَراهُ وتَسْمَعُ كَلامَهُ وها أنْتَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ أيْ عَلى أُمَّتِكَ آياتِنا فَهو مُنْقَطِعٌ اهـ، ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ فِيهِ وهو أنَّ المَعْنى لَمْ تَشْهَدْ أهْلَ مَدْيَنَ فَتَقْرَأ عَلى أهْلِ مَكَّةَ خَبَرَهم ولَكِنّا أرْسَلْناكَ إلى أهْلِ مَكَّةَ وأنْزَلْنا إلَيْكَ هَذِهِ الأخْبارَ ولَوْلا ذَلِكَ ما عَلِمْتَ، وقالَ الضَّحّاكُ: يَقُولُ سُبْحانَهُ: إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لَمْ تَكُنِ الرَّسُولَ إلى أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ الكِتابِ وإنَّما كانَ غَيْرُكَ ولَكِنّا كُنّا مُرْسَلِينَ في كُلِّ زَمانٍ رَسُولًا فَأرْسَلْنا إلى أهْلِ مَدْيَنَ شُعَيْبًا وأرْسَلْناكَ إلى العَرَبِ لِتَكُونَ خاتَمَ الأنْبِياءِ اهـ. ولا يَخْفى أنَّ ما قَدَّمْنا أوْلى بِالِاعْتِبارِ.

وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّ النِّداءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ كانَ نِداءً فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى نَبِيِّها أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّحِيَّةِ وذَكَرُوا عِدَّةَ آثارٍ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ في ذَلِكَ: نُودُوا يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أعْطَيْتُكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي واسْتَجَبْتُ لَكم قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي.

وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.

وأخْرَجَ هو أيْضًا وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وأبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ في الإبانَةِ، والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ ما كانَ النِّداءُ وما كانَتِ الرَّحْمَةُ؟ قالَ: كِتابٌ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ بِألْفَيْ عامٍ ثُمَّ وضَعَهُ عَلى عَرْشِهِ ثُمَّ نادى يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي أعْطَيْتُكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي وغَفَرْتُ لَكم قَبْلَ أنْ تَسْتَغْفِرُونِي فَمَن لَقِيَنِي مِنكم يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدِي ورَسُولِي صادِقًا أدْخَلْتُهُ الجَنَّةَ».

وأخْرَجَ الخُتُلِّيُّ في الدِّيباجِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لَمّا قَرَّبَ اللَّهُ تَعالى مُوسى إلى طُورِ سَيْناءَ نَجِيًّا قالَ: أيْ رَبِّ هَلْ أجِدُ أكْرَمَ عَلَيْكَ مِنِّي؟ قَرَّبْتَنِي نَجِيًّا وكَلَّمْتَنِي تَكْلِيمًا. قالَ: نَعَمْ. مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْرَمُ (عَلَيَّ) مِنكَ.

صفحة 90

قالَ: فَإنْ كانَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْرَمَ عَلَيْكَ مِنِّي فَهَلْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ أكْرَمُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؟ فَلَقْتَ البَحْرَ لَهم وأنْجَيْتَهم مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ وأطْعَمْتَهُمُ المَنَّ والسَّلْوى. قالَ: نَعَمْ. أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْرَمُ (عَلَيَّ) مِن بَنِي إسْرائِيلَ. قالَ:

إلَهِي أرِنِيهِمْ. قالَ: إنَّكَ لَنْ تَراهم وإنْ شِئْتَ أسْمَعْتُكَ صَوْتَهم. قالَ: نَعَمْ إلَهِي. فَنادى رَبُّنا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أجِيبُوا رَبَّكم. قالَ: فَأجابُوا وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ وأرْحامِ أُمَّهاتِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالُوا: لَبَّيْكَ أنْتَ رَبُّنا حَقًّا ونَحْنُ عَبِيدُكَ حَقًّا. قالَ: صَدَقْتُمْ أنا رَبُّكم حَقًّا وأنْتُمْ عَبِيدِي حَقًّا قَدْ عَفَوْتُ عَنْكم قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي وأعْطَيْتُكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي فَمَن لَقِيَنِي مِنكم بِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ»».

. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أرادَ أنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِما أعْطاهُ وبِما أعْطى أُمَّتَهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا، واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ مَعْنًى لا يُناسِبُ المَقامَ ولا تَكادُ تَرْتَبِطُ الآياتُ عَلَيْهِ، ولا بُدَّ لِصِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ مِن دَلِيلٍ، وتَصْحِيحُ الحاكِمِ لا يَخْفى حالُهُ.

وقالَ بَعْضٌ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الأخْبارِ إنَّ المُرادَ وما كُنْتَ حاضِرًا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِجانِبِ الطُّورِ لِتَقِفَ عَلى أحْوالِهِ فَتُخْبِرَ بِها النّاسَ ولَكِنْ أرْسَلْناكَ بِالقُرْآنِ النّاطِقِ بِذَلِكَ وبِغَيْرِهِ رَحْمَةً مِنّا لَكَ ولِلنّاسِ، والتَّوْقِيتُ بِنِداءِ أُمَّتِهِ لَيْسَ لِكَوْنِ المُخْبَرِ بِهِ ما كانَ مِن ذَلِكَ بَلْ لِإدْخالِ المَسَرَّةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يَعُودُ إلَيْهِ وإلى أُمَّتِهِ وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِمّا يَكُونُ مِن أُمَّةِ الدَّعْوَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإباءِ عَنْ شَرِيعَتِهِ وتَلْوِيحِ ما إلى مَضْمُونِ ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنْعامِ: 89] وحِينَئِذٍ تَرْتَبِطُ الآياتُ بَعْضُها بِبَعْضٍ ارْتِباطًا ظاهِرًا فَتَأمَّلْ

28:47Page 391

وَلَوۡلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

And if not that a disaster should strike them for what their hands put forth [of sins] and they would say, "Our Lord, why did You not send us a messenger so we could have followed Your verses and been among the believers?"...1

﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ عُقُوبَةٌ وهي عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ عَذابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: عَذابُ الِاسْتِئْصالِ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ بِما اقْتَرَفُوا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ويُعَبِّرُ عَنْ كُلِّ الأعْمالِ وإنْ لَمْ تَصْدُرْ عَنِ الأيْدِي بِاجْتِراحِ الأيْدِي وتَقْدِيمِ الأيْدِي لِما أنَّ أكْثَرَ الأعْمالِ تُزاوَلُ بِها ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا﴾ أيْ هَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا مُؤَيَّدًا مِن عِنْدِكَ بِالآياتِ ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ الظّاهِرَةَ عَلى يَدِهِ ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ 47) بِما جاءَ بِهِ، ولَوْلا الثّانِيَةُ تَحْضِيضِيَّةٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ جَوابُها ولِكَوْنِ التَّحْضِيضِ طَلَبًا كالأمْرِ أُجِيبَتْ عَلى نَحْوِ ما يُجابُ، وأمّا الأوْلى فامْتِناعِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ لِما أرْسَلْناكَ، والفاءُ في ﴿فَيَقُولُوا﴾ عاطِفَةٌ لِيَقُولَ عَلى تُصِيبُهُمْ، والمَقْصُودُ بِالسَّبَبِيَّةِ لِانْتِفاءِ الجَوابِ والرُّكْنُ الأصِيلُ فِيها قَوْلُهم ذَلِكَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ، فالمَعْنى لَوْلا قَوْلُهم إذا عُوقِبُوا بِما اقْتَرَفُوا هَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَهُ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِما أرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ، وحاصِلُهُ سَبَبِيَّةُ القَوْلِ المَذْكُورِ لِإرْسالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِمْ قَطْعًا لِمَعاذِيرِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ ولَكِنَّ العُقُوبَةَ لَمّا كانَتْ هي السَّبَبَ لِلْقَوْلِ وكانَ وُجُودُهُ بِوُجُودِها جُعِلَتْ كَأنَّها سَبَبُ الإرْسالِ بِواسِطَةِ القَوْلِ فَأُدْخِلَتْ عَلَيْها لَوْلا وجِيءَ بِالقَوْلِ مَعْطُوفًا عَلَيْها بِالفاءِ المُعْطِيَةِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ، ونُكْتَةُ إيثارِ هَذا الأُسْلُوبِ وعَدَمِ جَعْلِ العُقُوبَةِ قَيْدًا مُجَرَّدًا أنَّهم لَوْ لَمْ يُعاقَبُوا مَثَلًا عَلى كُفْرِهِمْ وقَدْ عايَنُوا ما أُلْجِئُوا بِهِ إلى العِلْمِ اليَقِينِ لَمْ يَقُولُوا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا، وإنَّما السَّبَبُ في قَوْلِهِمْ هَذا هو العِقابُ لا غَيْرُ لا التَّأسُّفُ عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ بِخالِقِهِمْ، وفي هَذا مِنِ الشَّهادَةِ القَوِيَّةِ عَلى اسْتِحْكامِ كُفْرِهِمْ ورُسُوخِهِ فِيهِمْ ما لا يَخْفى كَقَوْلِهِ تَعالى:

صفحة 91

﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: 28] هَذا ما أرادَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، ولَيْسَ في الكَلامِ عَلَيْهِ تَقْدِيرُ مُضافٍ كَما هو الظّاهِرُ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَراهَةَ أنْ تُصِيبَهم إلَخْ، فالسَّبَبُ لِلْإرْسالِ إنَّما هو كَراهَةُ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن إلْزامِ الحُجَّةِ ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ، وهَذِهِ الكَراهَةُ مِمّا لا رَيْبَ في تَحَقُّقِها الَّذِي تَقْتَضِيهِ لَوْلا ودَفَعُوا بِهَذا التَّقْدِيرِ لُزُومَ تَحَقُّقِ الإصابَةِ والقَوْلِ المَذْكُورِ وانْتِفاءَ عَدَمِ الإرْسالِ كَما هو مُقْتَضى لَوْلا، وفي ذَلِكَ ما فِيهِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: التَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ لَوْلا لَيْسَتْ كَما قالَ النُّحاةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مَوْجُودٌ أوْ أنَّ جَوابَها مُمْتَنِعٌ والتَّحْرِيرَ في مَعْناها أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مانِعٌ مِن جَوابِها عَكْسَ لَوْ، ثُمَّ المانِعُ قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا وقَدْ يَكُونُ مَفْرُوضًا وما في الآيَةِ مِنَ الثّانِي فَلا إشْكالَ فِيها، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ قَوْلَ مَن لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِ رَسُولٌ أنْ عُذِّبَ: رَبِّي لَوْلا أرْسَلْتَ (إلَيَّ) رَسُولًا مِمّا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجاجِ وإلّا لَما صَلُحَ لِأنْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإرْسالِ وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العَقْلَ لا يُغْنِي عَنِ الرَّسُولِ، والبَحْثُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ، والكَلامُ فِيهِ كَثِيرٌ

28:48Page 391

فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَآ أُوتِيَ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ أَوَلَمۡ يَكۡفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ ٤٨

But when the truth came to them from Us, they said, "Why was he not given like that which was given to Moses?" Did they not disbelieve in that which was given to Moses before? They said, "[They are but] two works of magic supporting each other,1 and indeed we are, in both, disbelievers."

﴿فَلَمّا جاءَهُمُ﴾ أيْ أُولَئِكَ القَوْمَ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا أهْلُ مَكَّةَ المَوْجُودُونَ عِنْدَ البَعْثَةِ وضَمائِرُ الجَمْعِ الآتِيَةُ كُلُّها راجِعَةٌ إلَيْهِمْ.

﴿الحَقُّ مِن عِنْدِنا﴾ أيِ الأمْرُ الحَقُّ وهو القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قالُوا﴾ تَعَنُّتًا واقْتِراحًا ﴿لَوْلا أُوتِيَ﴾ يَعْنُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكِتابِ المُنَزَّلِ جُمْلَةً وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ وإظْهارٌ لِكَوْنِ ما قالُوهُ تَعَنُّتًا مَحْضًا لا طَلَبًا لِما يُرْشِدُهم إلى الحَقِّ (ومِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ يَكْفُرُوا وتَعَلُّقُهُ بِـ أُوتِيَ لا يَظْهَرُ لَهُ وجْهٌ لائِحٌ إذْ هو تَقْيِيدٌ بِلا فائِدَةٍ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ ما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ. نَعَمْ أمْرُ الرَّدِّ عَلَيْهِ عَلى حالِهِ أيْ ألَمْ يَكْفُرُوا مِن قَبْلِ هَذا القَوْلِ بِما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما كَفَرُوا بِهَذا الحَقِّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ كُفْرِهِمُ المُسْتَفادِ مِنَ الإنْكارِ السّابِقِ وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِحْرانِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هُما يَعْنُونَ ما أُوتِيَ نَبِيُّنا وما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ سِحْرانِ ﴿تَظاهَرا﴾ أيْ تَعاوَنا بِتَصْدِيقِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ وتَأْيِيدِهِ إيّاهُ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ بَعَثُوا رَهْطًا مِنهم إلى رُؤَساءِ اليَهُودِ في عِيدٍ لَهم فَسَألُوهم عَنْ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالُوا: إنّا نَجِدُهُ في التَّوْراةِ بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ فَلَمّا رَجَعَ الرَّهْطُ وأخْبَرُوهم بِما قالَتِ اليَهُودُ قالُوا ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا إنّا بِكُلٍّ﴾ أيْ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الكِتابَيْنِ ﴿كافِرُونَ﴾ تَصْرِيحٌ بِكُفْرِهِمْ بِهِما وتَأْكِيدٌ لِكُفْرِهِمُ المَفْهُومِ مِن تَسْمِيَتِهِما سِحْرًا وذَلِكَ لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ وقَرَأ الأكْثَرُونَ «ساحِرانِ» وأرادَ الكَفَرَةُ بِهِما نَبِيَّنا ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْمَشُ «(أظّاهَرا)» بِهَمْزَةِ الوَصْلِ وشَدِّ الظّاءِ وكَذا هي في حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ وأصْلُهُ تَظاهَرا فَلَمّا قُلِبَتِ التّاءُ ظاءً وأُدْغِمَتْ سُكِّنَتْ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِيُبْتَدَأ بِالسّاكِنِ، وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ الحَسَنِ، ويَحْيى بْنُ الحارِثِ الذِّمارِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو خَلّادٍ عَنِ اليَزِيدِيِّ تَظّاهَرا بِالتّاءِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وتَشْدِيدُهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ وإنَّما يُشَدَّدُ في المُضارِعِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: لا أعْرِفُ وجْهَهُ. وقالَ صاحِبُ الكامِلِ في القِراءاتِ لا مَعْنى لَهُ.

وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ حُذِفَتْ مِنهُ النُّونُ بِدُونِ ناصِبٍ

صفحة 92

أوْ جازِمٍ، وجاءَ حَذْفُها كَذَلِكَ في قَلِيلٍ مِنَ الكَلامِ وفي الشِّعْرِ، و«ساحِرانِ» خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وأصْلُ الكَلامِ أنْتُما ساحِرانِ تَتَظاهَرانِ فَحُذِفَ أنْتُما وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ وحُذِفَتِ النُّونُ ورُوعِيَ الخِطابُ ولَوْ قُرِئَ يُظاهِرا بِالياءِ حَمَلا عَلى مُراعاةِ ساحِرانِ أوْ عَلى تَقْدِيرِهِما لَكانَ لَهُ وجْهٌ وكَأنَّهم خاطَبُوا النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ وأرادُوهُ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْتُما عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، هَذا وتَفْسِيرُ الآيَةِ بِما ذُكِرَ مِمّا لا تَكَلُّفَ فِيهِ ولَعَلَّهُ هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الجَلِيلِ ويَقْتَضِيهِ اقْتِضاءُ ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском