Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:78–81, continued
كَرامَةً أوْ سِحْرًا لَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ هي بِأسْبابٍ عادِيَّةٍ لَكِنَّها خَفِيَّةٌ عَلى أكْثَرِ النّاسِ لا دَخْلَ لِتَأْثِيرِ النُّفُوسِ فِيها أصْلًا. نَعَمْ قَدْ يَكُونُ مِنَ النَّبِيِّ أوِ الوَلِيِّ ما يَكُونُ مِنَ الكِيماوِيِّ مِن غَيْرِ مُعاطاةِ تِلْكَ الأسْبابِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَرامَةً أوْ مُعْجِزَةً، وكَوْنُ مَنحى كَلامِ بَعْضِ الحُكَماءِ فِيها مَنحى كَلامِهِمْ في الأُمُورِ السِّحْرِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّها مِن أنْواعِ السِّحْرِ أوْ تَوابِعِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن إلْغازِهِمْ لِأمْرِها، وقَدْ تَفَنَّنُوا في الإلْغازِ لَها وسَلَكُوا في ذَلِكَ كُلَّ مَسْلَكٍ، فَوَضَعَ بَلِيناسُ كِتابَهُ فِيها عَلى الأفْلاكِ والكَواكِبِ، ومِنهم مَن تَكَلَّمَ عَلَيْها بِالأمْثالِ ومِنهم مَن تَكَلَّمَ عَلَيْها بِالحِكاياتِ الَّتِي هي أشْبَهُ شَيْءٍ بِالخُرافاتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ هي صَنْعَةٌ قَلَّ مَن يَعْرِفُها جِدًّا، وأعَدَّ الِاشْتِغالَ بِها والتَّصَدِّيَ لِمَعْرِفَتِها مَن كَتَبَها مِن غَيْرِ حَكِيمٍ عارِفٍ بِرُمُوزِها كَما يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ المُنْتَحِلِينَ لَها اليَوْمَ مَحْضُ جُنُونٍ، وكَوْنُ أصْلِها الوَحْيَ الإلَهِيَّ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ هو الَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ، وقَدْ أوْرَدَ الطُّغْرائِيُّ في كُتُبِهِ كَجامِعِ الأسْرارِ وغَيْرِهِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ عَنْ هُرْمُسَ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلى شَيْثِ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ أنِ ازْرَعِ الذَّهَبَ في الأرْضِ البَيْضاءِ النَّقِيَّةِ واسْقِهِ ماءَ الحَياةِ، وقالَتْ مارِيَةُ: إنِّي لَسْتُ أقُولُ لَكم مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، ولَكِنِّي أقُولُ لَكم ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأعْلَمَهُ أنَّ الحَجَرَ النَّسْطَرِيسَ هو الَّذِي يُمْسِكُ الصَّبْغَ وقالَ بِنِسْبَتِها إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذُوسِيمُوسُ وأرْسٌ، وذَكَرَ أرْسٌ أنَّ العَمَلَ بِها كانَ طَوْعَ اليَهُودِ بِمِصْرَ، وكانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أوَّلُ مَن دَخَلَ مِصْرَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَعْرِفُ ذَلِكَ فَأكْرَمَهُ فِرْعَوْنُ لِحِكْمَتِهِ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاها، وذَكَرَ أيْضًا فَصْلًا مَرْمُوزًا فِيها نَسَبَهُ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقالَ الطَّرَسُوسِيُّ في كِتابِهِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أهْبَطَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ عَوَّضَهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وكانَ عِلْمُ الصَّنْعَةِ مِمّا عَلَّمَهُ، وانْتَقَلَ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ كَما انْتَقَلَتِ العُلُومُ الأُخَرُ إلى أيّامِ هُرْمُسَ الأوَّلِ، وقالَ أيْضًا: حَدَّثُونا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ بِإسْنادٍ لَهُ مُتَّصِلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««زُوِيَتْ لِي الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وأُعْطِيتُ الكِبْرِيتُ الأبْيَضُ والأحْمَرُ»».
ورَوى جابِرٌ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في ذَلِكَ رِواياتٍ كَثِيرَةً حَتّى أنَّهُ أسْنَدَ إلَيْهِ عِدَّةً مَن كُتُبِهِ ولا أُحَقِّقُ قَوْلَهُ ولا أُكَذِّبُهُ وأُجِلُّهُ لِمَوْضِعِهِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ عَنِ الِافْتِراءِ عَلى الأئِمَّةِ، ورُوِيَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: ما تَقُولُ فِيما خاضَ النّاسُ فِيهِ مِن عِلْمِ الكِيمْياءِ؟ فَأطْرَقَ مَلِيًّا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قالَ: سَألْتُمُونِي عَنْ أُخْتِ النُّبُوَّةِ وتَوْأمِ المُرُوَّةِ لَقَدْ كانَ وإنَّهُ لَكائِنٌ وما مِن شَجَرَةٍ ولا مَدَرَةٍ ولا شَيْءٍ إلّا وفِيهِ أصْلٌ وفَرْعٌ أوْ أصْلٌ أوْ فَرْعٌ قِيلَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أما تَعْلَمُهُ؟ قالَ: واللَّهِ تَعالى أنا أعْلَمُ بِهِ مِنَ العالِمِينَ لَهُ لِأنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِالعِلْمِ عَلى ظاهِرِهِ دُونَ باطِنِهِ وأنا أعْلَمُ العِلْمَ ظاهِرَهُ وباطِنَهُ، قِيلَ: فاذْكُرْ لَنا مِنهُ شَيْئًا نَأْخُذْهُ مِنكَ، قالَ: واللَّهِ تَعالى لَوْلا أنَّ النَّفْسَ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ لَقُلْتُ: قِيلَ: فَما كانَ تَقُولُ؟ قالَ: إنِّي أعْلَمُ أنَّ في الزِّئْبَقِ الرَّجْراجِ والذَّهَبِ الوَهّاجِ والحَدِيدِ المُزَعْفَرِ وزِنْجارِ النُّحاسِ الأخْضَرِ لَكُنُوزًا لا يُؤْتى عَلى آخِرِها يُلَقَّحُ بَعْضُها بِبَعْضٍ فَتَفْتَرُّ عَنْ ذَهَبٍ كامِنٍ، قِيلَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما نَعْلَمُ هَذا، قالَ: هو ماءٌ جامِدٌ وهَواءٌ راكِدٌ ونارٌ حائِلَةٌ وأرْضٌ سائِلَةٌ قالُوا: ما نَفْقَهُ هَذا، قالَ: لَوْ حَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الحِكْمَةِ أنْ يُكَلِّمُوا النّاسَ عَلى غَيْرِ هَذا لَعَلِمَهُ الصِّبْيانُ في المَكاتِبِ اهـ كَلامُ الطُّغْرائِيِّ بِاخْتِصارٍ.
صفحة 120
وذَكَرَ في كِتابِهِ مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ ومَصابِيحُ الحِكْمَةِ عَنْ سِتِّينَ نَبِيًّا وحَكِيمًا أنَّهم قالُوا بِحَقِّيَّةِ هَذا العِلْمِ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ شَيْءٌ، والأغْلَبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ لَوْ كانَ في الكِيمْياءِ خَبَرٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ المُحْدَثِينَ لَشاعَ ولَمّا أنْكَرَها مَن هو مِن أجِلَّتِهِمْ كَشَيْخِ الإسْلامِ تَقِيِّ الدِّينِ أحْمَدَ بْنِ تَيْمِيَّةَ فَإنَّهُ كانَ يُنْكِرُ ثُبُوتَها وألَّفَ رِسالَةً في إنْكارِها، ولَعَلَّ رَدَّ الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ ابْنِ أبِي الذَّرِّ البَغْدادِيِّ وتَزْيِيفَهُ ما قالَهُ فِيها كَما زَعَمَ الصَّفَدِيُّ إنَّما كانَ فِيما هو مِن بابِ الِاسْتِدْلالاتِ العَقْلِيَّةِ فَإنَّ الرَّجُلَ في بابِ النَّقْلِيّاتِ مِمّا لا يُجارِيهِ نَجْمُ الدِّينِ المَذْكُورُ وأمْثالُهُ وهو في بابِ العَقْلِيّاتِ وإنْ كانَ جَلِيلًا أيْضًا إلّا أنَّهُ دُونَهُ في النَّقْلِيّاتِ، والمَطْلَبُ دَقِيقٌ حَتّى أنَّ بَعْضَ مَن تُعْقَدُ عَلَيْهِ الخَناصِرُ اضْطَرَبَ في أمْرِها فَأنْكَرَها تارَةً وأقَرَّ بِها أُخْرى، فَهَذا شَيْخُ الحُكَماءِ ورَئِيسُهم أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا سَمِعْتَ ما نُقِلَ عَنْهُ أوَّلًا، وحُكِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وعَلى جَوْدَةِ ذِهْنِهِ وعُلُوِّ كَعْبِهِ في الحِكْمَةِ بِأقْسامِها لَمْ يَقِفْ عَلى حَقِيقَةِ عَمَلِها حَتّى قالَ الطُّغْرائِيُّ في تَراكِيبُ الأنْوارِ ما يَنْقَضِي عَجَبِي مِن أبِي عَلِيِّ بْنِ سِينا كَيْفَ اسْتَجازَ وضْعَ رِسالَةٍ في هَذا الفَنِّ فَضَحَ بِها نَفْسَهُ وخالَفَ الأُصُولَ الَّتِي عِنْدَهُ وقَصَّرَ فِيها عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الحَشْوِيَّةِ الطَّغامِ المُظْلِمَةِ الأذْهانِ الكَلِيلَةِ الأفْهامِ.
وقالَ في جامِعِ الأسْرارِ: إنَّ الشَّيْخَ أبا عَلِيِّ بْنَ سِينا لِفَرْطِ شَغَفِهِ بِهَذا العِلْمِ وحَدْسِهِ القَوِيِّ بِأنَّهُ حَقٌّ صَنَّفَ رِسالَةً فِيهِ فَأحْسَنَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الطَّبِيعِيّاتِ ولِخَفاءِ طَرِيقِ القَوْمِ واسْتِعْمائِها دُونَهُ لَمْ يَذْكُرْ في التَّدابِيرِ المُخْتَصَّةِ بِعِلْمِنا لَفْظَةً صَحِيحَةً ولا أشارَ إلى ذِكْرِ المِزاجِ الحَقِّ والأوْزانِ والتَّراكِيبِ المَكْتُومَةِ والنَّيِّرانِ وطَبَقاتِها والآلَةِ الَّتِي لا يَتِمُّ العَمَلُ إلّا بِها وهي أحَدُ الشَّرائِطِ العَشَرَةِ، ولَمْ يَتَجاوَزْ ما عِنْدَ الحَشْوِيَّةِ مِن تَدابِيرِ الزَّوابِقِ والكَبارِيتِ والدَّفْنِ في زَبْلِ الخَيْلِ والتَّشاغُلِ بِهَذِهِ القاذُوراتِ ولَوْلا آفَةُ الإعْجابِ وحُسْنُ ظَنِّ الإنْسانِ بِعِلْمِهِ وحِرْصُهُ عَلى أنْ لا يَشِذَّ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ المَعارِفِ لَكانَ مِنَ الواجِبِ عَلى مِثْلِهِ مَعَ غَزارَةِ عِلْمِهِ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِ في الأبْحاثِ الحَقِيقِيَّةِ أنْ يَكْتَفِيَ بِما عِنْدَهُ، ولا يَتَعَرَّضَ لِما لا يَعْلَمُهُ، وقَدْ تَأدّى إلَيْنا مِن تَدابِيرِهِ عَنْ أصْحابِهِ الَّذِينَ شاهَدُوها أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ عِلْمِنا، وقَدْ رَأيْنا بِخَطِّهِ مِنِ التَّعالِيقِ المُلْتَقَطَةِ مِن كَلامِ جابِرِ بْنِ حَيّانَ، وخالِدِ بْنِ يَزِيدَ ما يَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا، والكَلامُ في هَذا المَطْلَبِ طَوِيلٌ وفِيما ذَكَرْنا كِفايَةٌ لِمَن أحَبَّ الِاطِّلاعَ عَلى شَيْءٍ مِمّا قِيلَ في ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ، ثُمَّ إنَّ القَوْلَ بِأنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ في الآيَةِ عِلْمُ اسْتِخْراجِ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ هَذا العِلْمِ، وأهْلُ عِلْمِ الحِرَفِ وعِلْمِ الطَّلْسَماتِ يَقُولُونَ بِهِ ولَهم في ذَلِكَ كَلامٌ طَوِيلٌ والعَقْلُ يُجَوِّزُ ثُبُوتَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِثُبُوتِهِ في نَفْسِ الأمْرِ.
﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِن القُرُونِ مِن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ ذَلِكَ وتَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ وعِلْمِهِ بِذَلِكَ مِنَ التَّوْراةِ أوْ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِن كُتُبِ التَّوارِيخِ أوْ مِن (القُصّاصِ)، والقُوَّةُ تَحْتَمِلُ القُوَّةَ الحِسِّيَّةَ والمَعْنَوِيَّةَ، والجَمْعُ يَحْتَمِلُ جَمْعَ المالِ وجَمْعَ الرِّجالِ، والمَعْنى ألَمْ يَقِفْ عَلى ما يُفِيدُهُ العِلْمَ ولَمْ يَعْلَمْ ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِمَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً حِسًّا أوْ مَعْنًى وأكْثَرَ مالًا أوْ جَماعَةً يَحُوطُونَهُ ويَخْدُمُونَهُ حَتّى لا يَغْتَرَّ بِما اغْتَرَّ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةً عَلى مُقَدَّرٍ، وجُمْلَةُ أوَلَمْ يَعْلَمْ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْإنْكارِ ودالَّةٌ عَلى انْتِفاءِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِكَ: أتَدَّعِي الفِقْهَ وأنْتَ لا تَعْرِفُ شُرُوطَ الصَّلاةِ، والمُرادُ رَدُّ ادِّعائِهِ العِلْمَ والتَّعَظُّمُ بِهِ بِنَفْيِ هَذا العِلْمِ عَنْهُ أيْ أعَلِمَ ما ادَّعاهُ ولَمْ يَعْلَمْ هَذا حَتّى يَقِيَ بِهِ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ، وقِيلَ: إنَّ (لَمْ
صفحة 121
يَعْلَمْ) عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ ونَفْيُ العِلْمِ عَنْهُ لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى مُوجِبِهِ ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ وأنَّ ضَمِيرَ ذُنُوبِهِمْ لِلْمُجْرِمِينَ، وفاعِلُ السُّؤالِ إمّا اللَّهُ تَعالى أوِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمُرادُ بِالسُّؤالِ المَنفِيِّ هُنا، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: 39] عَلى ما قِيلَ: سُؤالُ الِاسْتِعْلامِ، ونَفْيُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ظاهِرٌ، وبِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّهم مُطَّلِعُونَ عَلى صَحائِفِهِمْ أوْ عارِفُونَ إيّاهم بِسِيماهم كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: 41].
والمُرادُ بِالسُّؤالِ المُثْبَتِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحِجْرِ: 92] سُؤالُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ فَلا تَناقُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى والنَّفْيُ والإثْباتُ بِاعْتِبارِ مَوْضِعَيْنِ أوْ زَمانَيْنِ، والمَواقِفُ يَوْمَ القِيامَةِ كَثِيرَةٌ واليَوْمُ طَوِيلٌ فَلا تَناقُضَ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ غَيْرُ داخِلَةٍ في حَيِّزِ العِلْمِ، ولَعَلَّ وجْهَ اتِّصالِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ قارُونَ بِذِكْرِ إهْلاكِ مَن قَبْلَهُ مِن أضْرابِهِ في الدُّنْيا أرْدَفَ ذَلِكَ بِما فِيهِ تَهْدِيدُ كافَّةِ المُجْرِمِينَ بِما هو أشْنَعُ وأشْنَعُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَإنَّ عَدَمَ سُؤالِ المُذْنِبِ مَعَ شِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِ يُؤْذِنُ بِالإيقاعِ بِهِ لا مَحالَةَ، وجَعْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الجُمْلَةَ تَذْيِيلًا لِما قَبْلَها، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا.
والمُرادُ أنَّهُ تَعالى أهْلَكَ مَن أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ عَنْ عِلْمٍ مِنهُ سُبْحانَهُ بِذُنُوبِهِمْ فَلَمْ يَحْتَجْ عَزَّ وجَلَّ إلى مَسْألَتِهِمْ عَنْها، وقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ ذُنُوبِهِمْ لِمَن هو أشَدُّ قُوَّةً وهو المُهْلَكُ مِنَ القُرُونِ، والإفْرادُ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى، والمَعْنى ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِ أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ، ويُعْلَمُ أنَّهُ لا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ مَن لَمْ يُجْرِمْ بِالأُولى لِما بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ العَداوَةِ فَمَآلُ المَعْنى لا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِ المُهْلَكِينَ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ ومِمَّنْ لَمْ يُجْرِمْ، بَلْ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، ورُبَّما يَخْتَلِجُ في ذِهْنِكَ عَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ أوْ جَعْلُها حالًا مِن فاعِلِ أهْلَكَ أوْ مِن مَفْعُولِهِ لَكِنْ إذا تَأمَّلْتَ أدْنى تَأمُّلٍ أخْرَجْتَهُ مِن ذِهْنِكَ وأبَيْتَ حَمْلَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلَ عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ «ولا تَسْألْ» بِتاءِ الخِطابِ والجَزْمِ «المُجْرِمِينَ» بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وابْنُ سِيرِينَ (ولا تَسْئَلْ) كَذَلِكَ ولَمْ نَدْرِ أنَصَبا المُجْرِمِينَ كَأبِي جَعْفَرٍ أمْ رَفَعاهُ كَما هو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، وجَوَّزَ صاحِبُ اللَّوامِحِ الثّانِيَ، وذَكَرَ لَهُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ذُنُوبِهِمْ لِلْمُهْلَكِينَ مِنَ القُرُونِ وارْتِفاعُ المُجْرِمِينَ بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ أيْ هُمُ المُجْرِمُونَ، والثّانِي أنْ يَكُونَ المُجْرِمُونَ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ذُنُوبِهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّ أصْلَهُ الرَّفْعُ لِأنَّ إضافَةَ ذُنُوبِ إلَيْهِ بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ الفاعِلِ وأوْرَدَ عَلى هَذا أنَّ ذُنُوبَ جَمْعٌ فَإنْ كانَ جَمْعٌ مَصْدَرٌ فَفي إعْمالِهِ خِلافٌ.
28:79Page 395
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ فِي زِينَتِهِۦۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا يَٰلَيۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٧٩
So he came out before his people in his adornment. Those who desired the worldly life said, "Oh, would that we had like what was given to Qārūn. Indeed, he is one of great fortune."
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى قالَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ خَرَجَ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ كائِنًا في زِينَتِهِ. قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا أنَّهُ خَرَجَ هو وحَشَمُهُ عَلى أرْبَعَةِ آلافِ دابَّةٍ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ حُمْرٌ مِنها ألْفُ بَغْلَةٍ بَيْضاءَ وعَلى دَوابِّهِمْ قَطائِفُ الأُرْجُوانِ. وقالَ السُّدِّيُّ: خَرَجَ في جَوارٍ بِيضٍ عَلى سُرُوجٍ مِن ذَهَبٍ عَلى قَطْفِ أُرْجُوانٍ وهُنَّ عَلى بِغالٍ بِيضٍ عَلَيْهِنَّ ثِيابٌ حُمْرٌ وحُلِيٌّ ذَهَبٌ، وقِيلَ: خَرَجَ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها الأُرْجُوانُ وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافِ خادِمٍ عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ وعَلى يَمِينِهِ ثَلاثُمِائَةِ غُلامٍ وعَلى يَسارِهِ ثَلاثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِنَّ الحُلِيُّ والدِّيباجُ.
صفحة 122
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ خَرَجَ في سَبْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ، وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ يَوْمٍ في الأرْضِ رُئِيَتِ المُعَصْفَراتُ فِيهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ، وكانَ ذَلِكَ الخُرُوجُ عَلى ما قِيلَ يَوْمَ السَّبْتَ ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ قِيلَ: كانُوا جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقالُوا ذَلِكَ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ مِنَ الرَّغْبَةِ في السَّعَةِ واليَسارِ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّهم تَمَنَّوْا ذَلِكَ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ويُنْفِقُوهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ، ولَعَلَّ إرادَتَهُمُ الحَياةَ الدُّنْيا لِيَتَوَصَّلُوا بِها لِلْآخِرَةِ لا لِذاتِها فَإنَّ إرادَتَها لِذاتِها لَيْسَتْ مِن شَأْنِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ:
كانُوا كُفّارًا ومُنافِقِينَ، وتَمَنِّيهِمْ مِثْلَ ما أُوتِيَ دُونَهُ نَفْسِهِ مِن بابِ الغَبْطِ ولا ضَرَرَ فِيهِ عَلى المَشْهُورِ، وقِيلَ: ضَرَرُهُ دُونَ ضَرَرِ الحَسَدِ
««فَقَدْ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلْ يَضُرُّ الغَبْطُ؟ فَقالَ: لا إلّا كَما يَضُرُّ العِضاهَ الخَبْطُ»»
وفِي الكَشْفِ الظّاهِرِ أنَّهُ نَفْيٌ لِلضَّرَرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَإنَّ الشَّجَرَ رُبَّما يَنْتَفِعُ بِالخَبْطِ فَضْلًا عَنِ التَّضَرُّرِ، وفِيهِ أنَّهُ قَدْ يُفْضِي إلى الضَّرَرِ إشارَةً إلى مُتَعَلِّقِ الغَبْطِ مِن دِينِيٍّ أوْ دُنْيَوِيٍّ، وقائِلُ ذَلِكَ إنْ كانَ الكَفَرَةُ فَفِيهِ مِن ذَمِّ الحَسَدِ ما فِيهِ ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: أيُّ دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، وقِيلَ نَصِيبٌ كَثِيرٌ مِنَ الدُّنْيا، والحَظُّ البَخْتُ والسَّعْدُ، ويُقالُ: فُلانٌ ذُو حَظٍّ وحَظِيظٌ ومَحْظُوظٌ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِتَمَنِّيهِمْ وتَأْكِيدٌ لَهُ
28:80Page 395
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَيۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّمَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗاۚ وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّٰبِرُونَ ٨٠
But those who had been given knowledge said, "Woe to you! The reward of Allāh is better for he who believes and does righteousness. And none are granted it except the patient."
﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ بِأحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما يَنْبَغِي ومِنهم يُوشَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما لَمْ يُوصَفُوا بِإرادَةِ ثَوابِ الآخِرَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العِلْمَ بِأحْوالِ النَّشْأتَيْنِ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنِ الأُولى والإقْبالَ عَلى الأُخْرى حَتْمًا، وأنَّ تَمَنِّيَ المُتَمَنِّينَ لَيْسَ إلّا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِما كَما يَنْبَغِي.
وقِيلَ: المُرادُ بِالعِلْمِ مَعْرِفَةُ الثَّوابِ والعِقابِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ التَّوَكُّلِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ الأخْبارِ، وما تَقَدَّمَ أوْلى ﴿ويْلَكُمْ﴾ دُعاءٌ بِالهَلاكِ بِحَسَبِ الأصْلِ ثُمَّ شاعَ اسْتِعْمالُهُ في الزَّجْرِ عَمّا لا يُرْتَضى، والمُرادُ بِهِ هُنا الزَّجْرُ عَنِ التَّمَنِّي وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مِن مَعْناهُ ﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ في الآخِرَةِ ﴿خَيْرٌ﴾ مِمّا تَتَمَنَّوْنَهُ ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فَلا يَلِيقُ بِكم أنْ تَتَمَنَّوْهُ غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِثَوابِهِ عَزَّ وجَلَّ، هَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُتَمَنِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ أوْ فَآمِنُوا لِتَفُوزُوا بِثَوابِهِ تَعالى الَّذِي هو خَيْرٌ مِن ذَلِكَ، وتَقْدِيرُ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ ما تَتَمَنَّوْهُ لِاقْتِضاءِ المَقامِ إيّاهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ عامًّا ويَدْخُلَ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أيْ خَيْرٌ مِنِ الدُّنْيا وما فِيها ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ هَذِهِ المَقالَةَ أوِ الكَلِمَةَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها العُلَماءُ، والمُرادُ بِها المَعْنى اللُّغَوِيُّ أوِ الثَّوابُ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ بِمَعْنى المَثُوبَةِ أوِ الجَنَّةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الثَّوابِ، وقِيلَ: الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، والتَّأْنِيثُ والإفْرادُ بِاعْتِبارِ أنَّهُما بِمَعْنى السِّيرَةِ أوِ الطَّرِيقَةِ، ومَعْنى تَلَقِّيها إمّا فَهْمُها أوِ التَّوْفِيقُ لِلْعَمَلِ بِها ﴿إلا الصّابِرُونَ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي والشَّهَواتِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِالصّابِرِينَ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ المُتَّصِفُونَ بِالصَّبْرِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَتَدَبَّرْ
28:81Page 395
فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٖ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِينَ ٨١
And We caused the earth to swallow him and his home. And there was for him no company to aid him other than Allāh, nor was he of those who [could] defend themselves.
﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ رَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ قارُونَ كانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ يَتَّبِعُ العِلْمَ حَتّى جَمَعَ عِلْمًا فَلَمْ يَزَلْ في ذَلِكَ حَتّى بَغى عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحَسَدَهُ، فَقالَ مُوسى: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي أنْ آخُذَ الزَّكاةَ فَأبى
صفحة 123
فَقالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُرِيدُ أنْ يَأْكُلَ أمْوالَكم جاءَكم بِالصَّلاةِ وجاءَكم بِأشْياءَ فاحْتَمَلْتُمُوها فَتَحْتَمِلُوهُ أنْ تُعْطُوهُ أمْوالَكُمْ؟ قالُوا: لا نَحْتَمِلُ فَما تَرى؟ فَقالَ لَهُمْ: أرى أنْ أُرْسِلَ إلى (بَغِيٍّ) مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنُرْسِلَها إلَيْهِ فَتَرْمِيَهُ بِأنَّهُ أرادَها عَلى نَفْسِها فَأرْسَلُوا إلَيْها فَقالُوا لَها: نُعْطِيكِ حُكْمَكِ عَلى أنْ تَشْهَدِي عَلى مُوسى أنَّهُ فَجَرَ بِكِ. قالَتْ: نَعَمْ. فَجاءَ قارُونُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ فَأخْبِرْهم بِما أمَرَكَ رَبُّكَ. قالَ: نَعَمْ فَجَمَعَهم فَقالُوا لَهُ: بِما أمَرَكَ رَبُّكَ؟ قالَ: أمَرَنِي أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأنْ تَصِلُوا الرَّحِمَ وكَذا وكَذا، وقَدْ أمَرَنِي في الزّانِي إذا زَنى وقَدْ أُحْصِنَ أنْ يُرْجَمَ.
قالُوا: وإنْ كُنْتَ أنْتَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالُوا: فَإنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ. قالَ: أنا؟ فَأرْسَلُوا إلى المَرْأةِ فَجاءَتْ، فَقالُوا: ما تَشْهَدِينَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؟ فَقالَ لَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْشُدُكِ بِاللَّهِ تَعالى إلّا ما صَدَقْتِ، فَقالَتْ: أمّا إذْ أنْشَدْتَنِي بِاللَّهِ تَعالى فَإنَّهم دَعَوْنِي وجَعَلُوا لِي جَعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي وأنا أشْهَدُ أنَّكَ بَرِيءٌ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَخَرَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ساجِدًا يَبْكِي فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ ما يُبْكِيكَ؟ قَدْ سَلَّطْناكَ عَلى الأرْضِ فَمُرْها تُطِعْكَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى أعْقابِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى فَقالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى رُكَبِهِمْ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى فَقالَ: خُذِيهِمْ فَغَيَّبَتْهم فَأوْحى اللَّهُ تَعالى يا مُوسى سَألَكَ عِبادِي وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ فَلَمْ تُجِبْهم وعِزَّتِي لَوْ أنَّهم دَعَوْنِي لَأجَبْتُهم وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ جَعَلَ (لِلْبَغِيِّ) ألْفَ دِينارٍ، وقِيلَ: طَسْتًا مِن ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا،
وفِي بَعْضٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في سُجُودِهِ: يا رَبِّ إنْ كُنْتُ رَسُولَكَ فاغْضَبْ لِي فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ مُرِ الأرْضَ بِما شِئْتَ فَإنَّها مُطِيعَةٌ لَكَ، فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَنِي إلى قارُونَ كَما بَعَثَنِي إلى فِرْعَوْنَ فَمَن كانَ مَعَهُ فَلْيَلْزَمْ ومَن كانَ مَعِي فَلْيَعْتَزِلْ فاعْتَزَلُوا جَمِيعًا غَيْرَ رَجُلَيْنِ. ثُمَّ قالَ: يا أرْضُ خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الرَّكْبِ ثُمَّ إلى الأوْساطِ ثُمَّ إلى الأعْناقِ وهم يَتَضَرَّعُونَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُناشِدُونَهُ الرَّحِمَ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَلْتَفِتُ إلى قَوْلِهِمْ لِشِدَّةِ غَضَبِهِ ويَقُولُ: خُذِيهِمْ حَتّى انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى يا مُوسى ما أفَظَّكَ! اسْتَغاثُوا بِكَ مِرارًا فَلَمْ تَرْحَمْهم أما وعِزَّتِي لَوْ إيّايَ دَعَوْا مَرَّةً واحِدَةً لَوَجَدُونِي قَرِيبًا مُجِيبًا.
وفِي رِوايَةٍ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْحى إلَيْهِ ما أشَدَّ قَلْبَكَ وعِزَّتِي وجَلالِي لَوْ بِي اسْتَغاثَ لَأغَثْتُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبِّ غَضَبًا لَكَ فَعَلْتُ.
ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: إنَّما فَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ ذَلِكَ لِيَرِثَهُ، فَدَعا اللَّهَ تَعالى حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ.
وفِي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ في زَمانٍ واحِدٍ، وكانَتْ دارُهُ فِيما قِيلَ: مِن صَفائِحِ الذَّهَبِ وجاءَ في عِدَّةِ آثارٍ أنَّهُ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ قامَةً وأنَّهُ يَتَجَلْجَلُ في الأرْضِ لا يَبْلُغُ قَعْرَها إلى يَوْمِ القِيامَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، بَلْ هو مُشْكِلٌ إنْ صَحَّ ما قالَهُ الفَلاسِفَةُ في مِقْدارِ قُطْرِ الأرْضِ ولَمْ يَقُلْ بِأنَّ لَها حَرَكَةً أصْلًا، وأمّا الخَسْفُ فَلا شَكَّ في إمْكانِهِ الذّاتِيِّ والوُقُوعِيِّ وسَبَبُهُ العادِيُّ مُبَيَّنٌ في مَحَلِّهِ ﴿فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ﴾ أيْ جَماعَةٍ مُعَيَّنَةٍ مُشْتَقَّةٍ مِن فَأوْتُ قَلْبَهُ إذا مَيَّلْتَهُ، وسُمِّيَتِ الجَماعَةُ بِذَلِكَ لِمَيْلِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ وهو مَحْذُوفُ اللّامِ ووَزْنُهُ فِعَةٌ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّهُ مَحْذُوفُ العَيْنِ فَوَزْنُهُ فِلَةٌ وأنَّهُ مِنَ الفَيْءِ وهو الرُّجُوعُ لِأنَّ بَعْضَ الجَماعَةِ يَرْجِعُ إلى بَعْضٍ (ومِن) صِلَةٌ أيْ فَما كانَ لَهُ فِئَةٌ ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهُ ﴿وما كانَ﴾ أيْ بِنَفْسِهِ ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أيِ المُمْتَنِعِينَ عَنْ عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ، يُقالُ: نَصَرَهُ مِن عَدُوِّهِ فانْتَصَرَ أيْ مَنَعَهُ فامْتَنَعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ بِأعْوانِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences