Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
العنكبوت
Al-'Ankabut
The Spider · Meccan · 69 ayahs
سُورَةُ العَنْكَبُوتِ
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَ ذَلِكَ، ورُوِيَ القَوْلُ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ عَنِ الحَسَنِ وجابِرٍ وعِكْرِمَةَ وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها آخِرُ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. وفي البَحْرِ عَنِ الحَبْرِ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: 11] وذَكَرَ ذَلِكَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ ولَمْ يَعْزُهُ، وأنَّهُ لَمّا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ في سَبَبِ نُزُولِها ثُمَّ قالَ: قُلْتُ ويُضَمُّ إلى ذَلِكَ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ﴾ [العَنْكَبُوتِ: 60] الآيَةَ لِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في سَبَبِ نُزُولِها وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في ذَلِكَ وهي تِسْعٌ وسِتُّونَ آيَةً بِالإجْماعِ كَما قالَ الدّانِيُّ والطَّبَرْسِيُّ، وذَكَرَ الجَلالُ في وجْهِ اتِّصالِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ السّابِقَةِ عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ ﴿عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [القَصَصِ: 4] وافْتَتَحَ هَذِهِ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ فَتَنَهُمُ الكَفّارُ وعَذَّبُوهم عَلى الإيمانِ بِعَذابٍ دُونَ ما عَذَّبَ بِهِ فِرْعَوْنُ بَنِي إسْرائِيلَ بِكَثِيرٍ تَسْلِيَةً لَهم بِما وقَعَ لِمَن قَبْلَهم وحَثًّا عَلى الصَّبْرِ، ولِذا قِيلَ هُنا: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العَنْكَبُوتِ: 3] وأيْضًا لِما كانَ في خاتِمَةِ الأُولى الإشارَةُ إلى هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القَصَصِ: 85] عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، وفي خاتِمَةِ هَذِهِ الإشارَةِ إلى هِجْرَةِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ [العَنْكَبُوتِ: 56] ناسَبَ تَتالِيَهُما. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الم﴾ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ وفي نَظائِرِهِ ولَمْ يُجَوِّزْ بَعْضُهم هُنا ارْتِباطَ ما بَعْدَهُ بِهِ ارْتِباطًا أعْرابِيًّا لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مانِعٌ مِنهُ وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّ اللّازِمَ في الِاسْتِفْهامِ تَصَدُّرُهُ في جُمْلَتِهِ وهو لا يُنافِي وُقُوعَ
صفحة 133
تِلْكَ الجُمْلَةِ خَبَرًا ونَحْوَهُ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ هَلْ قامَ أبُوهُ؟ فَلَوْ قِيلَ هُنا المَعْنى المَتْلُوُّ
29:2Page 396
أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ ٢
Do the people think that they will be left to say, "We believe" and they will not be tried?
﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ صَحَّ فَلا يُقالُ أيْضًا إنَّ المانِعَ مِنهُ عَدَمُ صِحَّةِ ارْتِباطِهِ بِما قَبْلَهُ مَعْنًى. نَعَمِ الِارْتِباطُ خِلافُ الظّاهِرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَضامِينِ الجُمَلِ لِأنَّهُ مِنَ الأفْعالِ الدّاخِلَةِ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ وذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى وجْهِ ثُبُوتِها في الذِّهْنِ أوْ في الخارِجِ مِن كَوْنِها مَظْنُونَةً أوْ مُتَيَقِّنَةً فَتَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ أصْلُهُما المُبْتَدَأُ والخَبَرُ أوْ ما يَسُدُّ مَسَدَّهُما وقَدْ سَدَّ مَسَدَّهُما هُنا عَلى ما قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ وسَدَّ أنِ المَصْدَرِيَّةُ النّاصِبَةِ لِلْفِعْلِ مَعَ مَدْخُولِها مَسَدَّ الجُزْأيْنِ مِمّا قالَهُ ابْنُ مالِكٍ، ونَقَلَهُ عَنْهُ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو في أنَّ المَفْتُوحَةِ مُشَدَّدَةً ومُثَقَّلَةً مَعَ مَدْخُولِها، والتَّرْكُ هُنا عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المُتَعَدِّي لِمَفْعُولَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: 17] وقَوْلِ الشّاعِرِ:
فَتَرَكَتْهُ جُزُرُ السِّباعِ يَنُشُّنَّهُ يَقْضِمْنَ قِلَّةَ رَأْسِهِ والمِعْصَمِ
فَضَمِيرُ الجَمْعِ نائِبُ مَفْعُولٍ أوَّلَ والمَفْعُولُ الثّانِي مَتْرُوكٌ بِدَلالَةِ الحالِ الآتِيَةِ أيْ كَما هم أوْ عَلى ما هم عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا﴾ [التَّوْبَةِ: 16] عَلى ما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ بِمَعْنى لِأنْ يَقُولُوا مُتَعَلِّقٌ بِـ يَتْرُكُوا عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَتْرُكُوا، ويَجُوزَ أنْ لا يُعْتَبَرَ كَوْنُ المَفْعُولِ الثّانِيَ لِيَتْرُكُوا مَتْرُوكًا بَلْ تُجْعَلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ الحالِيَّةُ سادَّةً مَسَدَّهُ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: عَلِمْتُ ضَرْبِي زَيْدًا قائِمًا صَحَّ، عَلى أنَّ تَرْكَ لَيْسَ كَأفْعالِ القُلُوبِ في جَمِيعِ الأحْكامِ، بَلِ القِياسُ أنْ يَجُوزَ الِاكْتِفاءُ فِيهِ بِالحالِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى أنَّهُ قائِمٌ مَقامَ الثّانِي لِأنَّ قَوْلَكَ: تَرَكَتْهُ وهو جَزْرَ السِّباعِ كَلامٌ صَحِيحٌ كَما تَقُولُ أبْقَيْتُهُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وهو نَظِيرُ سَمِعْتُهُ يَتَحَدَّثُ في أنَّهُ يَتِمُّ بِالحالِ بَعْدَهُ أوِ الوَصْفُ، وهاهُنا زادَ أنَّهُ يَتِمُّ أيْضًا بِما يَجْرِي مَجْرى الخَبَرِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَفْعُولَ الثّانِيَ لا سادَّةً مَسَدَّهُ وتَوَسُّطُ الواوِ بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ:
وصَيَّرَنِي هَواكِ وبِي ∗∗∗ لِحِينِي يُضْرَبُ المَثَلُ
وقَدْ نَصَّ شارِحُ أبْياتِ المُفَصَّلِ عَلى أنَّهُ حُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّهُ كانَ يَجُوزُ كانَ زَيْدٌ وأبُوهُ قائِمٌ عَلى نُقْصانِ كانَ وجَعْلِ الجُمْلَةِ خَبَرًا مَعَ الواوِ تَشْبِيهًا لِخَبَرِ كانَ بِالحالِ فَمَتى جازَ في الخَبَرِ عِنْدَهُ فَلْيَجُزْ في المَفْعُولِ الثّانِي وهو كَما نَرى، واسْتَظْهَرَ الطَّيِّبِيُّ كَوْنَ التَّرْكِ هُنا مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى التَّخْلِيَةِ ولَيْسَ بِذاكَ وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ يَقُولُوا﴾ بَدَلًا مِن أنْ يُتْرَكُوا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ هو المَفْعُولَ الأوَّلَ لِـ حَسِبَ ﴿وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ الضَّمِيرِ و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ هو المَفْعُولُ الثّانِي، وكَوْنُهَ عِلَّةً لا يُنافِي ذَلِكَ كَما في قَوْلِكَ: حَسِبْتُ ضَرْبَهُ لِلتَّأْدِيبِ، والتَّقْدِيرُ أحَسِبَ النّاسُ تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِقَوْلِهِمْ: آمَنّا، والمَفْعُولُ الثّانِيُ لِيُتْرَكُوا مَتْرُوكٌ بِدَلالَةِ الحالِ، واعْتَرَضَهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِما حاصِلُهُ أنَّ الحُسْبانَ لِتَعَلُّقِهِ بِمَضامِينِ الجُمَلِ إذا أنْكَرَ يَكُونُ بِاعْتِبارِ المَفْعُولِ الثّانِي فَإذا قُلْتَ: أحَسِبْتَهُ قائِمًا فالمُنْكَرُ حُسْبانُ قِيامِهِ وكَذَلِكَ إذا قِيلَ: أحَسِبَ النّاسُ تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونَيْنِ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا أفادَ إنْكارَ حُسْبانِ أنَّ التَّرْكَ غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِهَذِهِ العِلَّةِ بَلْ إنَّما هو لِعِلَّةٍ أُخْرى ولا يُلائِمُ سَبَبَ النُّزُولِ ولا مَقْصُودَ الآيَةِ.
واخْتارَ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ سادًّا مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ عِلَّةٌ لِلْحُسْبانِ أيْ أحَسِبُوا لِقَوْلِهِمْ آمَنّا
صفحة 134
أنْ يُتْرَكُوا غَيْرَ مَفْتُونِينَ، وأُجِيبُ بِأنَّ أصْلَ الكَلامِ ألّا يُفْتَنُونَ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا عَلى إنْكارِ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِعَدَمِ الفِتَنِ، ثُمَّ قِيلَ:
أيُتْرَكُونَ غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا مُبالَغَةً في إنْكارِ أنْ يَبْقَوْا مِن غَيْرِ فِتَنٍ لِذَلِكَ ثُمَّ أدْخَلَ عَلى حُسْبانِ التَّرْكِ مُبالَغَةً عَلى مُبالَغَةٍ، وإنَّما يُرَدُّ ما أوْرَدَ إذا لَمْ يُلاحِظْ أصْلَ الكَلامِ ويَجْعَلْ مَصَبَّ الإنْكارِ الحُسْبانَ مِن أوَّلِ الأمْرِ.
وقِيلَ: إنَّما يَلْزَمُ ما ذُكِرَ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ أحَسِبُوا تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونِينَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ: آمَنّا دُونَ إخْلاصٍ وعَمَلٍ صالِحٍ أمّا لَوْ قُدِّرَ ذَلِكَ اسْتَقامَ كَما صَرَّحَ بِهِ الزَّجّاجُ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِبارِ المَفْهُومِ، واعْتَرَضَ ذَلِكَ بَعْضُهم مِن حَيْثُ اللَّفْظُ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ الحالِ وذِيها بِثانِي مَفْعُولَيْ حَسِبَ وهو أجْنَبِيٌّ وأُجِيبُ بِأنَّ الفَصْلَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ بَلِ الأحْسَنُ أنْ لا يَقَعَ فَصْلٌ إلّا إذا اعْتَرَضَ ما يُوجِبُهُ، وهاهُنا الِاهْتِمامُ بِشَأْنِ الخَبَرِ حَسَنُ التَّقْدِيمِ لِأنَّ مَصَبَّ الإنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَحْتاجُ إلى مِثْلِ هَذا الجَوابِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن جَعْلِ ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وقَعَ مَفْعُولًا أوَّلًا و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ أيْضًا مَجْرُورٍ بِلامٍ مُقَدَّرَةٍ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، وأمّا عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن أنَّهُما لَمْ يُجْعَلا كَذَلِكَ وإنَّما جُعِلَ ﴿أنْ يَقُولُوا﴾ مَعْمُولًا لِيَتْرُكُوا بِتَقْدِيرِ اللّامِ وجُعِلَ ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ سادًّا مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ واقْتَضى المَعْنى أنْ يُقالَ أحَسِبَ النّاسُ تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونَيْنِ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا بِجَعْلِ تَرْكِهِمْ مَفْعُولًا أوَّلًا ولِقَوْلِهِمْ مَفْعُولًا ثانِيًا فَلا يُحْتاجُ إلَيْهِ لِأنَّهُ إنْ جَرَيْنا مَعَ اللَّفْظِ كانَ ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ سادًّا مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ فَلا يَكُونُ فِيهِ مَفْعُولٌ ثانٍ فاصِلٌ بَيْنَ الحالِ وذِيها وإنْ جَرَيْنا مَعَ المَعْنى واعْتَبَرْنا الكَلامَ مُجَرَّدًا عَنْ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وجِيءَ بِهِ كَما سَمِعْتَ كانَتِ الحالُ مُتَّصِلَةً بِذِيها، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ حَسِبَ مَحْذُوفًا أيْ أحَسِبَ النّاسُ أنْفُسُهم و﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى أنَّهُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وهو في تَأْوِيلِ اسْمِ المَفْعُولِ أيْ مَتْرُوكِينَ وهم لا يُفْتَنُونَ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقَدَّمَ وأنْ يُؤْمِنُوا بِتَقْدِيرِ لِأنْ يُؤْمِنُوا مُتَعَلِّقٌ بِـ يُتْرَكُوا فَكَأنَّهُ قِيلَ: أحَسِبَ النّاسُ أنْفُسَهم مَتْرُوكِينَ غَيْرَ مَفْتُونَيْنِ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا، وقِيلَ: إنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ عَلى تَقْدِيرِ سَدِّ ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ فَتَأمَّلْ فِيهِ وفِيما قَبْلَهُ، ولَعَلَّ الأبْعَدَ عَنِ التَّكَلُّفِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، والمُرادُ إنْكارُ حُسْبانِهِمْ أنْ يُتْرَكُوا غَيْرَ مَفْتُونِينَ بِمُجَرَّدِ أنْ يَقُولُوا آمَنّا واسْتِبْعادٌ لَهُ وتَحْقِيقُ أنَّهُ تَعالى يَمْتَحِنُهم بِمَشاقِّ التَّكالِيفِ كالمُهاجَرَةِ والمُجاهَدَةِ ورَفْضِ الشَّهَواتِ ووَظائِفِ الطّاعاتِ وفُنُونِ المَصائِبِ في الأنْفُسِ والأمْوالِ لِيَتَمَيَّزَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ والرّاسِخُ في الدِّينِ مِنَ المُتَزَلْزِلِ فِيهِ فَيُعامَلُ كُلٌّ بِما يَقْتَضِيهِ ويُجازِيهِمْ سُبْحانَهُ بِحَسَبِ مَراتِبِ أعْمالِهِمْ فَإنَّ مُجَرَّدَ الإيمانِ وإنْ كانَ عَنْ خُلُوصٍ لا يَقْتَضِي غَيْرَ الخَلاصِ مِنَ الخُلُودِ في النّارِ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ أثابَ المُؤْمِنَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَفْتِنَهُ في الدُّنْيا لَقالَ الكافِرُ المُعَذَّبُ: رَبِّي لَوْ أنَّكَ كُنْتَ فَتَنْتَهُ في الدُّنْيا لَكَفَرَ مِثْلِي فَإيمانُهُ الَّذِي تُثِيبُهُ عَلَيْهِ مِمّا لا يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ لَهُ فَبِالفِتْنَةِ يُلْجَمُ الكافِرُ عَنْ مِثْلِ هَذا القَوْلِ ويُعَوَّضُ المُؤْمِنُ بَدَلَها ما يُعَوَّضُ بِحَيْثُ يَتَمَنّى لَوْ كانَتْ فِتْنَتُهُ أعْظَمَ مِمّا كانَتْ والآيَةُ عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ نَزَلَتْ في أُناسٍ كانُوا بِمَكَّةَ قَدْ أقَرُّوا بِالإسْلامِ فَكَتَبَ إلَيْهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المَدِينَةِ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الهِجْرَةِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إقْرارٌ ولا إسْلامٌ حَتّى تُهاجِرُوا فَخَرَجُوا عامِدِينَ إلى المَدِينَةِ فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهم فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ أنْزَلَتْ فِيكم آيَةُ كَذا وكَذا؟ فَقالُوا: نَخْرُجُ فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قاتَلْناهُ فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم
صفحة 135
فَمِنهم مَن قُتِلَ ومِنهم مَن نَجا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحْلِ: 110].
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَيْرٍ وغَيْرَهُ يَقُولُونَ: كانَ أبُو جَهْلٍ يُعَذِّبُ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ وأُمَّهُ ويَجْعَلُ عَلى عَمّارٍ دِرْعًا مِن حَدِيدٍ في اليَوْمِ الصّائِفِ وطَعَنَ في فَرْجِ أُمِّهِ بِرُمْحٍ فَفي ذَلِكَ نَزَلَتْ ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في مَهْجَعٍ مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قُتِلَ بِبَدْرٍ فَجَزِعَ عَلَيْهِ أبَواهُ وامْرَأتُهُ «وقالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «سَيِّدُ الشُّهَداءِ مَهْجَعٌ وهو أوَّلُ مَن يُدْعى إلى بابِ الجَنَّةِ»،» وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَيّاشٍ أخِي أبِي جَهْلٍ غَدَرَ وعَذَّبَ لِيَرْتَدَّ كَما سَيَأْتِي خَبَرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وفُسِّرَ النّاسُ بِمَن نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ، وقالَ الحَسَنُ: النّاسُ هُنا المُنافِقُونَ.
29:3Page 396
وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣
But We have certainly tried those before them, and Allāh will surely make evident those who are truthful, and He will surely make evident the liars.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ حالٌ مِنَ النّاسُ أوْ مِن ضَمِيرِ يُفْتَنُونَ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ عِلَّةً لِإنْكارِ الحُسْبانِ أيْ أحَسِبُوا ذَلِكَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى عَلى خِلافِهِ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى تَبْدِيلًا، وعَلى الثّانِي بَيانًا لِأنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِمْ بِعَدَمِ الِافْتِنانِ، وحاصِلُهُ أنَّهُ عَلى الأوَّلِ تَنْبِيهٌ عَلى الخَطَأِ، وعَلى الثّانِي تَخْطِئَةٌ، والمُرادُ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمُ المُؤْمِنُونَ أتْباعُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أصابَهم مِن ضُرُوبِ الفِتَنِ والمِحَنِ ما أصابَهم فَصَبَرُوا وعَضُّوا عَلى دِينِهِمْ بِالنَّواجِذِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: 146] الآياتِ. ورَوى البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ قالَ: ««شَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولَقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لَنا ألا تَدْعُو لَنا؟ فَقالَ: قَدْ كانَ مَن قَبْلَكم يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيها ثُمَّ يُؤْتى بِالمِنشارِ فَيُوضَعُ عَلى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ ويُمَشَّطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ ما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ»
﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أيْ في قَوْلِهِمْ آمَنّا ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ في ذَلِكَ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما يُفْصِحُ عَنْهُ ما قَبْلَها مِن وُقُوعِ الِامْتِحانِ، واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ القَسَمِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَكْرِيرُ الجَوابِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، ويُتَوَهَّمُ مِنَ الآيَةِ حُدُوثُ عِلْمِهِ تَعالى بِالحَوادِثِ وهو باطِلٌ. وأُجِيبُ بِأنَّ الحادِثَ تَعَلَّقَ عِلْمُهُ تَعالى بِالمَعْدُومِ بَعْدَ حُدُوثِهِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: الحَقُّ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى واحِدٌ يَتَعَلَّقُ بِالمَوْجُودِ زَمانَ وُجُودِهِ وقَبْلَهُ وبَعْدَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ العِلْمِ هاهُنا وإنْ كانَ سابِقًا عَلى وُجُودِ المَعْلُومِ التَّنْبِيهُ بِالسَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ وهو الجَزاءُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَواللَّهِ لَيَعْلَمَنَّ بِما يُشْبِهُ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ الَّذِينَ صَدَقُوا في الإيمانِ الَّذِي أظْهَرُوهُ والَّذِينَ هم كاذِبُونَ فِيهِ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الكَذِبِ فَلْيُجازِيَنَّ كُلًّا بِحَسَبِ عِلْمِهِ فِيهِ، وفي مَعْناهُ ما قالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ مِن أنَّهُ مِن إقامَةِ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبِّبِ، والغَرَضُ فِيهِ لَيُكافِئَنَّ اللَّهُ تَعالى الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيُكافِئَنَّ الكاذِبِينَ وذَلِكَ أنَّ المُكافَأةَ عَلى الشَّيْءِ إنَّما هي مُسَبَّبَةٌ عَنْ عِلْمٍ، وقالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: أيْ فَلْيُظْهِرَنَّ اللَّهُ تَعالى الصّادِقِينَ مِنَ الكاذِبِينَ حَتّى يُوجَدَ مَعْلُومًا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِهِمْ قَبْلَ الِاخْتِبارِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والزُّهْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم «فَلَيُعْلِمَنَّ» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ
عَلى أنَّهُ مُضارِعُ أعْلَمَ المَنقُولَةِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى واحِدٍ وهي الَّتِي بِمَعْنى عَرَفَ فَيَكُونُ
صفحة 136
الفِعْلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مُتَعَدِّيًا لِاثْنَيْنِ والثّانِي هُنا مَحْذُوفٌ أيْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا مَنازِلَهم مِنَ الثَّوابِ ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ مَنازِلَهم مِنَ العِقابِ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، أوِ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ أيْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ النّاسَ الَّذِينَ صَدَقُوا ولِيُعْلِمَنَّهُمُ الكاذِبِينَ أيْ يُشْهِدُهم هَؤُلاءِ في الخَيْرِ وهَؤُلاءِ في الشَّرِّ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ أيْضًا، وقالَ أبُو حَيّانَ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الأعْلامِ وهو وضْعُ العَلّامَةِ والسِّمَةِ فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ أيْ يَسِمُهم بِعَلامَةٍ يُعْرَفُونَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ كَبَياضِ الوُجُوهِ وسَوادِها، وقِيلَ: يَسِمُهم سُبْحانَهُ بِعَلامَةٍ يُعْرَفُونَ بِها في الدُّنْيا
كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««مَن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسَهُ اللَّهُ تَعالى رِداءَها»».
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ الفِعْلَ الأوَّلَ كَما قَرَأ الجَماعَةُ، والفِعْلُ الثّانِي كَما قَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وجَعْفَرٌ والزُّهْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ
29:4Page 396
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسۡبِقُونَاۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٤
Or do those who do evil deeds think they can outrun [i.e., escape] Us? Evil is what they judge.
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: أيْ يُعْجِزُونا فَلا نَقْدِرُ عَلى مُجازاتِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ والِانْتِقامِ مِنهم وأصْلُ السَّبْقِ الفَوْتُ، ثُمَّ أُرِيدَ مِنهُ ما ذُكِرَ وقِيلَ: أيْ يُعْجِلُونا مَحْتُومَ القَضاءِ، والأوَّلُ أوْلى.
وفَسَّرَ قَتادَةُ عَلى ما أخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ (السَّيِّئاتِ) بِالشِّرْكِ والجَمْعِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المُتَّصِفِينَ بِهِ وإطْلاقِ العَمَلِ عَلى الشِّرْكِ سَواءٌ قُلْنا إنَّهُ ما كانَ عَنْ فِكْرٍ ورَوِيَّةٍ كَما قِيلَ: أوْ عَنْ قَصْدٍ كَما قالَ الرّاغِبُ: أمْ لا لا ضَيْرَ فِيهِ لِأنَّهُ يَكُونُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وغَيْرِها، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّيِّئاتِ المَعاصِي غَيْرَ الكُفْرِ فالآيَةُ في المُؤْمِنِينَ قَطْعًا، وهم وإنْ لَمْ يَحْسَبُوا أنْ يُفَوِّتُوهُ تَعالى ولَمْ تَطْمَعْ نُفُوسُهم في ذَلِكَ لَكِنْ نَزَلَ جَرْيُهم عَلى غَيْرِ مُوجِبِ العِلْمِ وهو غَفْلَتُهم وإصْرارُهم عَلى المَعاصِي مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَتَيَقَّنِ الجَزاءَ، ويَحْسَبُ أنَّهُ يَفُوتُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.
وعَمَّمَ بَعْضُهم فَحَمَلَ السَّيِّئاتِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، وتَعْلِيقُ العَمَلِ بِها بِناءً عَلى تَسْلِيمِ تَخْصِيصِهِ بِما سَمِعْتَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ، وظاهِرُ الآثارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ الكَفَرَةِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِالَّذِينِ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ وأبا جَهْلٍ والأُسُودَ والعاصِيَ بْنَ هِشامٍ وشَيْبَةَ وعَتَبَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ وعُتْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ وحَنْظَلَةَ بْنَ وائِلٍ وأنْظارَهم مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وفي البَحْرِ أنَّ الآيَةَ وإنْ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ فَهي تَعُمُّ جَمِيعَ مَن يَعْمَلُ السَّيِّئاتِ مِن كافِرٍ ومُسْلِمٍ، والظّاهِرُ أنَّ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلِ الَّتِي لِلْإضْرابِ بِمَعْنى الِانْتِقالِ وهو انْتِقالٌ مِن إنْكارِ حُسْبانِ عَدَمِ الفِتَنِ لِمُجَرَّدِ الإيمانِ إلى إنْكارِ حُسْبانِ عَدَمِ المُجازاةِ عَلى عَمَلِ السَّيِّئاتِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أمْ) مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أحَسِبَ﴾ وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قَرَّرَ الفَرِيقَيْنِ، قَرَّرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم لا يُفْتَنُونَ، وقَرَّرَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ في تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم يَسْبِقُونَ نِقْماتِ اللَّهِ تَعالى ويُعْجِزُونَهُ انْتَهى. ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ لَكانَتْ مُتَّصِلَةً والتّالِي باطِلٌ لَأنَّ شَرْطَ المُتَّصِلَةِ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مُفْرَدًا نَحْوَ أزَيْدٌ قائِمٌ أمْ عَمْرٌو أوْ ما هو في تَقْدِيرِ المُفْرَدِ نَحْوَ أقامَ زَيْدٌ أمْ قَعَدَ وجَوابُها تَعْيِينُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ وبَعْدَها هُنا جُمْلَةٌ ولا يُمْكِنُ الجَوابُ هُنا أيْضًا بِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ فالحَقُّ أنَّها مُنْقَطِعَةٌ والِاسْتِفْهامُ الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ إنْكارِيٌّ لا يَحْتاجُ لِلْجَوابِ كَما لا يَخْفى، والظّاهِرُ أنَّ الحُسْبانَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ وأنْ ﴿أنْ يَسْبِقُونا﴾ سادٌّ مَسَدَّهُما.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا أنْ يَضْمَنَ مَعْنى التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ وأنْ يَسْبِقُونا هو ذَلِكَ الواحِدُ،
صفحة 137
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ التَّضْمِينَ لَيْسَ بِقِياسٍ ولا يُصارُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الحاجَةِ وهُنا لا حاجَةَ إلَيْهِ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهم ذَلِكَ عَلى أنَّ ساءَ بِمَعْنى بِئْسَ وما مَوْصُولَةٌ (ويَحْكُمُونَ) صِلَتُها، والعائِدُ مَحْذُوفٌ وهي فاعِلُ ساءَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أوْ بِئْسَ حُكْمًا يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهم ذَلِكَ عَلى أنَّ ما مَوْصُوفَةٌ ويَحْكُمُونَ صِفَتُها والرّابِطُ مَحْذُوفٌ وهي تَمْيِيزٌ وفاعِلُ ساءَ ضَمِيرٌ مُفَسَّرٌ بِالتَّمْيِيزِ والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْضًا.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ مَخْصُوصٌ بِالذَّمِّ فالتَّمْيِيزُ مَحْذُوفٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ ساءَ بِمَعْنى قَبُحَ وما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والمُضارِعُ لِلِاسْتِمْرارِ إشارَةٌ إلى أنَّ دَأْبَهم ذَلِكَ أوْ هو واقِعٌ مَوْقِعَ الماضِي لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ وكِلا الوَجْهَيْنِ حَكاهُما في البَحْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وعِنْدِي أنَّ مِثْلَ هَذا لا يُقالُ: إلّا في حَقِّ
29:5Page 396
مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٥
Whoever should hope for the meeting with Allāh - indeed, the term [decreed by] Allāh is coming. And He is the Hearing, the Knowing.
﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: أيُّ مَن كانَ يَخْشى البَعْثَ في الآخِرَةِ فالرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ كَما في قَوْلِ الهُذَلِيِّ في وصْفِ عَسّالٍ:
إذا لَسَعَتْهُ الدُّبُرُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبِ عَوامِلِ
ولَعَلَّ إرادَةَ البَعْثِ مِن لِقائِهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ مِن مَبادِيهِ، وقِيلَ: لَعَلَّهُ جَعَلَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى عِبارَةً عَنِ الوُصُولِ إلى العاقِبَةِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ البَعْثُ مِن أعْظَمِ ما يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَيْهِ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ، وفي الكَشّافِ أنَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى مَثَلٌ لِلْوُصُولِ إلى العاقِبَةِ مِن تَلَقِّي مَلَكِ المَوْتِ والبَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ، مُثِّلَتْ تِلْكَ الحالُ بِحالِ عَبْدٍ قَدِمَ عَلى سَيِّدِهِ بَعْدَ عَهْدٍ طَوِيلٍ وقَدِ اطَّلَعَ مَوْلاهُ عَلى ما كانَ يَأْتِي ويَذْرُ فَإمّا أنْ يَلْقاهُ بِبِشْرٍ وتَرْحِيبٍ لِما رَضِيَ مِن أفْعالِهِ أوْ بِضِدِّ ذَلِكَ لِما سَخِطَهُ مِنها، فَمَعْنى ﴿مَن كانَ﴾ إلَخْ مَن كانَ يَأْمُلُ تِلْكَ الحالَ وأنْ يَلْقى فِيها الكَرامَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى والبُشْرى، فالكَلامُ عِنْدَهُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ والرَّجاءُ بِمَعْنى الأمَلِ والتَّوَقُّعِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ذَلِكَ إلّا أنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مَن كانَ يَتَوَقَّعُ مُلاقاةَ جَزاءِ اللَّهِ تَعالى ثَوابًا أوْ عِقابًا أوْ مُلاقاةَ حُكْمِهِ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى الخَوْفِ، والمُضافُ مَحْذُوفٌ أيْضًا أيْ مَن كانَ يَخافُ مُلاقاةَ عِقابِ اللَّهِ تَعالى، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى ظَنِّ حُصُولِ ما فِيهِ مَسَرَّةٌ وتَوَقُّعِهِ كَما هو المَشْهُورُ، والمُضافُ كَذَلِكَ أيْضًا، أيْ مَن كانَ يَرْجُو مُلاقاةَ ثَوابِ اللَّهِ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرُ مُضافٌ، ويُجْعَلَ لِقاءُ اللَّهِ تَعالى مَجازًا عَنِ الثَّوابِ لِما أنَّهُ لازِمٌ لَهُ.
واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ الرَّجاءَ بِمَعْناهُ المَشْهُورِ وأنَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى مُشاهَدَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ إذْ لا حاجَةَ لِلْخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ وما حَسِبَهُ المُعْتَزِلِيُّ مِنها فَلَيْسَ مِنها كَما بُيِّنَ في عِلْمِ الكَلامِ أيْ مَن كانَ يَتَوَقَّعُ مُشاهَدَةَ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ الَّتِي لا نَعِيمَ يَعْدِلُها ويَلْزَمُها الفَوْزُ بِكُلِّ خَيْرٍ ونَعِيمٍ ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ الأجَلُ غايَةٌ لِزَمانٍ مُمْتَدٍّ عُيِّنَتْ لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ذَلِكَ الزَّمانُ، والأوَّلُ أشْهَرُ في الِاسْتِعْمالِ أيْ فَإنَّ الوَقْتَ الَّذِي عَيَّنَهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِذَلِكَ ﴿لآتٍ﴾ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ لِأنَّ أجْزاءَ الزَّمانِ عَلى التَّقَضِّي والتَّصَرُّمِ دائِمًا، ومَجِيءُ ذَلِكَ الوَقْتِ كِنايَةٌ عَنْ إتْيانِ ما فِيهِ ووُقُوعِهِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ قائِمَةٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ وهي في الحَقِيقَةِ دَلِيلُ الجَوابِ المَحْذُوفِ أيْ فَلْيُبادِرْ ما يُنْفِقُهُ مِنِ امْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ المَناهِي أوْ فَلْيُبادِرْ ما يُحَقِّقُ أمَلَهُ ويُصَدِّقُ رَجاءَهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُلائِمُ الشَّرْطَ فَتَدَبَّرْ.
صفحة 138
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي الجَوابَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها المَعْنى المُلائِمَ لِلشَّرْطِ كَما ذُكِرَ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ جَلَّ شَأْنُهُ لِأقْوالِ العِبادِ ﴿العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِهِمْ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والعَقائِدِ والصِّفاتِ الباطِنَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِتَحْقِيقِ حُصُولِ المَرْجُوِّ والمُخَوِّفِ وعْدًا ووَعِيدًا
29:6Page 396
وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦
And whoever strives only strives for [the benefit of] himself. Indeed, Allāh is Free from need of the worlds.
﴿ومَن جاهَدَ﴾ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ لِعَوْدِ المَنفَعَةِ مِنِ الثَّوابِ المُعَدِّ لِذَلِكَ إلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فَلا حاجَةَ لَهُ إلى طاعَتِهِمْ وإنَّما أمَرَهم سُبْحانَهُ بِها تَعْرِيضًا لَهم لِلثَّوابِ بِمُوجِبِ رَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences