Al-AlusiAl-'Ankabut · 29:46–51

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:46–51

29:46Page 402

۞ وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٤٦

And do not argue with the People of the Scripture except in a way that is best, except for those who commit injustice among them, and say, "We believe in that which has been revealed to us and revealed to you. And our God and your God is one; and we are Muslims [in submission] to Him."

صفحة 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ﴾ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وقِيلَ: مِن نَصارى نَجْرانَ ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ كَمُقابَلَةِ الخُشُونَةِ بِاللِّينِ، والغَضَبِ بِالكَظْمِ، والمُشاغَبَةِ بِالنُّصْحِ، والسَّوْرَةِ بِالأناةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ) [المُؤْمِنُونَ: 96، فُصِّلَتْ: 34]، ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ بِالإفْرادِ في الِاعْتِداءِ والعِنادِ، ولَمْ يَقْبَلُوا النُّصْحَ، ولَمْ يَنْفَعْ فِيهِمُ الرِّفْقُ، فاسْتَعْمَلُوا مَعَهُمُ الغِلْظَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ الَّذِينَ أثْبَتُوا الوَلَدَ والشَّرِيكَ أوْ قالُوا: يَدُ اللَّهِ تَعالى مَغْلُولَةٌ، أوِ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقِيرٌ، أوْ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهَذِهِ الغِلْظَةُ الَّتِي تُفْهِمُ الآيَةُ الإذْنَ بِها لا تَصِلُ إلى القِتالِ لِأُولَئِكَ الظّالِمِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ عَلى أيِّ وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ كانَ ظُلْمُهُمْ، لِأنَّ ظاهِرَ كَوْنِ السُّورَةِ مَكِّيَّةً أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ في المَشْهُورِ لَمْ يُشْرَعْ بِمَكَّةَ، ولَيْسَتِ الغِلْظَةُ مَحْصُورَةً فِيهِ، كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: المَعْنى: ولا تُجادِلُوا في الدّاخِلِينَ في الذِّمَّةِ المُؤَدِّينَ لِلْجِزْيَةِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فَنَبَذُوا الذِّمَّةَ ومَنَعُوا الجِزْيَةَ، فَإنَّ أُولَئِكَ مُجادَلَتُهم بِالسَّيْفِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ما يَقْرُبُ مِنهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والحَرْبَ والجِزْيَةَ مِمّا شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، وكَوْنُ الآيَةِ بَيانًا لِحُكْمٍ آتٍ بُعْدٌ بَعِيدٌ، وأيْضًا لا قَرِينَةَ عَلى التَّخْصِيصِ.

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِذَلِكَ ذاهِبًا إلى أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، ومَكِّيَّةَ السُّورَةِ بِاعْتِبارِ أغْلَبِ آياتِها، أوْ مِمَّنْ يَقُولُ: بِأنَّ الحَرْبَ شُرِعَ بِمَكَّةَ في آخِرِ الأمْرِ، والسُّورَةُ آخِرُ ما نَزَلَ بِها، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقَعْ، وعَدَمُ الوُقُوعِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المَشْرُوعِيَّةِ.

وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وبِالَّتِي هي أحْسَنُ: مُوافَقَتُهم فِيما حَدَّثُوا بِهِ مِن أخْبارِ أوائِلِهِمْ، وبِالَّذِينِ ظَلَمُوا: مَن بَقِيَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ، وهو كَما تَرى، واخْتُلِفَ في نَسْخِ الآيَةِ.

فَأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَهى في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ مُجادَلَةِ أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التَّوْبَةُ: 29] الآيَةَ، ولا مُجادَلَةَ أشَدُّ مِنَ السَّيْفِ، وقالَ في مَجْمَعِ البَيانِ: الصَّحِيحُ أنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، لِأنَّ المُرادَ بِالجِدالِ المُناظَرَةُ، وذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأحْسَنِ هو الواجِبُ الَّذِي لا يَجُوزُ غَيْرُهُ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ المُجادَلَةَ بِالحُسْنى في أوائِلِ الدَّعْوَةِ، لِأنَّها تَتَقَدَّمُ القِتالَ، فَلا يَلْزَمُ النَّسْخُ، ولا عَدَمُ القِتالِ بِالكُلِّيَّةِ، وأمّا كَوْنُ النَّهْيِ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الأزْمانِ فَيَلْزَمُ النَّسْخُ، فَلا يَتِمُّ ما ذُكِرَ، فَيَدْفَعُهُ أنَّ مَن يُقاتِلُ كَمانِعِ الجِزْيَةِ داخِلٌ في المُسْتَثْنى، فَلا نَسْخَ، وإنَّما هو تَخْصِيصٌ بِمُتَّصِلٍ، وكَوْنُ ذَلِكَ يَقْتَضِي مَشْرُوعِيَّةَ القِتالِ بِمَكَّةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، فَتَأمَّلْ.

صفحة 3

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ «ألا بِالَّتِي» إلَخْ، عَلى أنَّ «ألا» حَرْفُ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ، والتَّقْدِيرُ، ألا جادِلُوهُمُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ مِنَ القُرْآنِ ﴿وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ أيْ وبِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، وهَذا القَوْلُ نَوْعٌ مِنَ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ حُسَيْنٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ مُجادَلَتُهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ الكِتابَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ، ولا تُكَذِّبُوهُمْ، وقُولُوا: آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا، وأُنْزِلَ إلَيْكُمُ» الآيَةَ».

والتَّصْدِيقُ والتَّكْذِيبُ لَيْسا نَقِيضَيْنِ، فَيَجُوزُ ارْتِفاعُهُما.

﴿وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُطِيعُونَ خاصَّةً كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ تَقْدِيمُ ( لَهُ )، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِاتِّخاذِهِمْ أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى.

29:47Page 402

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٧

And thus We have sent down to you the Book [i.e., the Qur’ān]. And those to whom We [previously] gave the Scripture believe in it. And among these [people of Makkah] are those who believe in it. And none reject Our verses except the disbelievers.

﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الفَضْلِ، أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ الشَّأْنِ المُوافِقِ لِإنْزالِ سائِرِ الكُتُبِ أنْزَلْنا إلَيْكَ القُرْآنَ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ الآيَةُ النّاطِقَةُ بِما ذُكِرَ مِنَ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ لِذِكْرِ الكِتابِ، وأهْلِهِ، أيْ وكَما أنْزَلْنا الكُتُبَ إلى مَن قَبْلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ.

﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ اليَهُودِ والنَّصارى عَلى أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ جِنْسُهُ الشّامِلُ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ آتَيْناهم عِلْمَ الكِتابِ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بِالكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو كَما تَرى، والمُرادُ بِهِمْ في قَوْلِ مَن تَقَدَّمَ عَهْدَ النَّبِيِّ صَلّى تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أُولَئِكَ حَيْثُ كانُوا، مُصَدِّقِينَ بِنُزُولِ القُرْآنِ حَسْبَما عَلِمُوا مِمّا عِنْدَهم مِنَ الكِتابِ، والمُضارِعُ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ في الحِكايَةِ، وتَخْصِيصُهم بِإيتاءِ الكِتابِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما بَعَدَهم مِن مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ نُزِعَ عَنْهُمُ الكِتابُ بِالنَّسْخِ، وفي قَوْلٍ آخَرَ: مُعاصِرُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ العامِلُونَ بِكِتابِهِمْ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، وتَخْصِيصُهم بِإيتاءِ الكِتابِ لِما أنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، فَكَأنَّ مَن عَداهم لَمْ يُؤْتَوْهُ، قِيلَ: هَذا يُؤَيِّدُ القَوْلَ: بِأنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ مَدَنِيَّةٌ، إذْ كَوْنُها مَكِّيَّةً، وعَبْدُ اللَّهِ مِمَّنْ أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِناءً عَلى أنَّهُ إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإسْلامِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، والتَّفْصِيلُ بِاعْتِبارِ الإعْلامِ بَعِيدٌ جِدًّا، وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ المُسْلِمُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلْقُرْآنِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ولَعَلَّ الأظْهَرَ كَوْنُ المُرادِ بِهِ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابَيْنِ الحَرِيُّونَ بِأنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ إيتاءُ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأضْرابِهِ، ولا بُعْدَ في كَوْنِ الآياتِ مَكِّيَّةً بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ إيمانَهم بِهِ مُتَرَتِّبٌ عَلى إنْزالِهِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ ومِنَ العَرَبِ، أوْ مِن أهْلِ مَكَّةَ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ عَبْدُ اللَّهِ، وأضْرابُهُ، أوْ مِمَّنْ في عَصْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ مَن تَقَدَّمَ ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ، ( ومِن ) عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهم تَبْعِيضِيَّةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ المُبْتَدَإ، ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ الكَرِيمِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ أيْ وما يَجْحَدُ بِهِ، وأُقِيمَ هَذا الظّاهِرُ مَقامَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ظُهُورِ دِلالَةِ الكِتابِ عَلى

صفحة 4

ما فِيهِ، وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والإضافَةُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِمَزِيدِ التَّفْخِيمِ، وفِيما ذُكِرَ غايَةُ التَّشْنِيعِ عَلى مَن يَجْحَدُ بِهِ.

والجَحْدُ كَما قالَ الرّاغِبُ: نَفْيُ ما في القَلْبِ ثَباتُهُ، وإثْباتُ ما في القَلْبِ نَفْيُهُ، وفُسِّرَ هُنا بِالإنْكارِ عَنْ عِلْمٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما يُنْكِرُ آياتِنا مَعَ العِلْمِ بِها ﴿إلا الكافِرُونَ﴾ أيِ المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ المُصَمِّمُونَ عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهم عَنِ الإقْرارِ والتَّسْلِيمِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُفَسَّرَ بِمُطْلَقِ الإنْكارِ، ويُرادَ بِالكافِرِينَ المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ أيْضًا، لِدَلالَةِ فَحْوى الكَلامِ، والتَّعْبِيرِ بِآياتِنا عَلى ذَلِكَ، أيْ وما يُنْكِرُ آياتِنا مَعَ ظُهُورِها وارْتِفاعِ شَأْنِها إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَصُدُّهم عَنِ الِاعْتِناءِ بِها، والِالتِفاتِ إلَيْها، والتَّأمُّلِ فِيما يُؤَدِّيهِمْ إلى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِها، والمُرادُ بِهِمْ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى مُعَيَّنٍ، وقِيلَ: هم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وأصْحابُهُ.

29:48Page 402

وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٤٨

And you did not recite before it any scripture, nor did you inscribe one with your right hand. Then [i.e., otherwise] the falsifiers would have had [cause for] doubt.

﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ وما كُنْتَ مِن قَبْلِ إنْزالِنا إلَيْكَ الكِتابَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَتْلُوَ ﴿مِن كِتابٍ﴾ أيْ كِتابًا عَلى أنَّ ( مِن ) صِلَةٌ ﴿ولا تَخُطُّهُ﴾ ولا تَقْدِرُ عَلى أنْ تَخُطَّهُ ﴿بِيَمِينِكَ﴾ أوْ ما كانَتْ عادَتُكَ أنْ تَتْلُوَهُ ولا تَخُطَّهُ، وذِكْرُ اليَمِينِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِما نُفِيَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الخَطِّ، فَهو مِثْلُ العَيْنِ في قَوْلِكَ: نَظَرْتُ بِعَيْنِي في تَحْقِيقِ الحَقِيقَةِ وتَأْكِيدِها حَتّى لا يَبْقى لِلْمَجازِ مَجازٌ ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ أوْ مِمَّنْ يَعْتادُهُما لارْتابَ مُشْرِكُو مَكَّةَ وقالُوا: لَعَلَّهُ التَقَطَهُ مِن كُتُبِ الأوائِلِ، وحَيْثُ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِارْتِيابِهِمْ وجْهٌ، وكَأنَّ احْتِمالَ التَّعَلُّمِ مِمّا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ لِظُهُورِ أنَّ مِثْلَهُ مِنَ الكِتابِ المُفَصَّلِ الطَّوِيلِ لا يُتَلَقّى ويُتَعَلَّمُ إلّا في زَمانٍ طَوِيلٍ بِمُدارَسَةٍ لا يَخْفى مِثْلُها، ووَصَفَ مُشْرِكِي مَكَّةَ بِالإبْطالِ بِاعْتِبارِ ارْتِيابِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِّيٌّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذَنْ لارْتابَ هَؤُلاءِ المُبْطِلُونَ الآنَ، وكانَ إذْ ذاكَ لِارْتِيابِهِمْ وجْهٌ، وقِيلَ: وصَفَهم بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ ارْتِيابِهِمْ، وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمِّيٌّ وبِاعْتِبارِ ارْتِيابِهِمْ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِأُمِّيٍّ، أمّا كَوْنُهم مُبْطِلِينَ بِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا كَوْنُهم كَذَلِكَ بِالِاعْتِبارِ الثّانِي فَلِأنَّ غايَةَ ما يَلْزَمُ مِن عَدَمِ أُمِّيَّتِهِ ﷺ انْتِفاءُ أحَدِ وُجُوهِ الإعْجازِ، ويَكْفِي الباقِي في الغَرَضِ، فَيَكُونُ المُرْتابُ مُبْطِلًا كالمُرْتابِ في نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا أُمِّيِّينَ، وصِحَّةِ ما جاؤُوا بِهِ.

والأوَّلُ أظْهَرُ، وكَوْنُ المُرادِ بِالمُبْطِلِينَ مُشْرِكِي مَكَّةَ هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: هم أهْلُ الكِتابِ، أيْ لَوْ كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلُ أوْ تَخُطُّ لارْتابَ أهْلُ الكِتابِ، لِأنَّ نَعْتَكَ في كِتابِهِمْ أُمِّيٌّ، ووَصَفَهم بِالإبْطالِ قِيلَ: بِاعْتِبارِ ارْتِيابِهِمْ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِّيٌّ كَما هو الواقِعُ، وإلّا فَهم لَيْسُوا بِمُبْطِلِينَ في ارْتِيابِهِمْ عَلى فَرْضِ عَدَمِ كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمِّيًّا، وفي الكَشْفِ هَذا فَرْضٌ وتَمْثِيلُ دِلالَةٍ، عَلى أنَّ مَدارَ الأمْرِ عَلى المُعْجِزِ، وأنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِّيًّا لا يَخُطُّ لَيْسَ مِمّا لا يُتِمُّ دَعْواهُ بِهِ، وتِلْكَ الدِّلالَةُ لا تَخْتَلِفُ، والمُنْكِرُ مُبْطِلٌ اهـ، فَتَأمَّلْ.

هَذا واخْتُلِفَ في أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَلْ كانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ يَقْرَأُ ويَكْتُبُ أمْ لا؟ فَقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ الكِتابَةَ، واخْتارَهُ البَغَوِيُّ في التَّهْذِيبِ، وقالَ: إنَّهُ الأصَحُّ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صارَ يَعْلَمُ الكِتابَةَ بَعْدَ أنْ كانَ لا يَعْلَمُها، وعَدَمُ مَعْرِفَتِها بِسَبَبِ المُعْجِزَةِ لِهَذِهِ الآيَةِ. فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ واشْتَهَرَ الإسْلامُ وظَهَرَ أمْرُ الِارْتِيابِ تَعَرَّفُ الكِتابَةَ حِينَئِذٍ.

ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وغَيْرُهُ:

صفحة 5

««ما ماتَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى كَتَبَ وقَرَأ»».

ونُقِلَ هَذا لِلشَّعْبِيِّ فَصَدَّقَهُ، وقالَ: سَمِعْتُ أقْوامًا يَقُولُونَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِيهِ.

ورَوى ابْنُ ماجَّهْ عَنْ أنَسٍ قالَ:

«قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مَكْتُوبًا عَلى بابِ الجَنَّةِ الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها، والقَرْضُ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ»»

والقُدْرَةُ عَلى القِراءَةِ فَرْعُ الكِتابَةِ، ورُدَّ بِاحْتِمالِ إقْدارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْها بِدُونِها مُعْجِزَةً، أوْ فِيهِ مُقَدَّرٌ، وهُوَ: فَسَألْتُ عَنِ المَكْتُوبِ فَقِيلَ: إلَخْ، ويَشْهَدُ لِلْكِتابَةِ أحادِيثُ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ كَما ورَدَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، «(فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الكِتابَ، ولَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ، فَكَتَبَ هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ )» الحَدِيثَ.

ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ أبُو ذَرٍّ عَبْدُ بْنُ أحْمَدَ الهَرَوِيُّ، وأبُو الفَتْحِ النَّيْسابُورِيُّ، وأبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ مِنَ المَغارِبَةِ، وحَكاهُ عَنِ السِّمْنانِيِّ، وصَنَّفَ فِيهِ كِتابًا، وسَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ مُنْيَةَ، ولَمّا قالَ أبُو الوَلِيدِ ذَلِكَ طُعِنَ فِيهِ، ورُمِيَ بِالزَّنْدَقَةِ، وسُبَّ عَلى المَنابِرِ، ثُمَّ عُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ، فَأقامَ الحُجَّةَ عَلى مُدَّعاهُ، وكَتَبَ بِهِ إلى عُلَماءِ الأطْرافِ، فَأجابُوا بِما يُوافِقُهُ، ومَعْرِفَةُ الكِتابَةِ بَعْدَ أُمِّيَّتِهِ ﷺ لا تُنافِي المُعْجِزَةَ، بَلْ هي مُعْجِزَةٌ أُخْرى لِكَوْنِها مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ، ورَدَّ بَعْضُ الأجِلَّةِ كِتابَ الباجِيِّ لِما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «(إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ)،» وقالَ: كُلُّ ما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن قَوْلِهِ: كَتَبَ فَمَعْناهُ أمْرٌ بِالكِتابَةِ كَما يُقالُ: كَتَبَ السُّلْطانُ بِكَذا لِفُلانٍ، وتَقْدِيمُ قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن قَبْلِهِ ) عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَخُطُّهُ﴾ كالصَّرِيحِ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكْتُبْ مُطْلَقًا، وكَوْنُ القَيْدِ المُتَوَسِّطِ راجِعًا لِما بَعْدَهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وظَنَّ بَعْضُ الأجِلَّةِ رُجُوعَهُ إلى ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ، فَقالَ: يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ قادِرًا عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ بَعْدَ إنْزالِ الكِتابِ، ولَوْلا هَذا الِاعْتِبارُ لَكانَ الكَلامُ خُلُوًّا عَنِ الفائِدَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ ما ذَكَرَهُ مِنَ الرُّجُوعِ لا يَتِمُّ أمْرُ الإفادَةِ إلّا إذا قِيلَ بِحُجِّيَّةِ المَفْهُومِ، والظّانُّ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِحُجِّيَّتِهِ، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ»» لَيْسَ نَصًّا في اسْتِمْرارِ نَفْيِ الكِتابَةِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ بُعِثَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو كَذا، وأكْثَرُ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ وهو بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمِ مِنَ العَرَبِ أُمِّيُّونَ لا يَكْتُبُونَ ولا يَحْسُبُونَ، فَلا يَضَرُّ عَدَمُ بَقاءِ وصْفِ الأُمِّيَّةِ في الأكْثَرِ بَعْدُ، وأمّا ما ذُكِرَ مِن تَأْوِيلِ كَتَبَ بِأمْرٍ بِالكِتابَةِ فَخِلافُ الظّاهِرِ، وفي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لِلنَّواوِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ نَقْلًا عَنِ القاضِي عِياضٍ أنَّ قَوْلَهُ في الرِّوايَةِ الَّتِي ذَكَرْناها: «(ولا يُحْسِنُ يَكْتُبُ فَكَتَبَ)» كالنَّصِّ في أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَتَبَ بِنَفْسِهِ، فالعُدُولُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مَجازٌ لا ضَرُورَةَ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ طالَ كَلامُ كُلِّ فِرْقَةٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وشَنَّعَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى الأُخْرى في هَذا، فاللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ، ولا أدْرِي الآنَ أيَّ كِتابٍ هو أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ ما يَكْتُبُ، لَكِنْ إذا نَظَرَ إلى المَكْتُوبِ عَرَفَ ما فِيهِ بِإخْبارِ الحُرُوفِ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ أسْمائِها، فَكُلُّ حَرْفٍ يُخْبِرُهُ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ حَرْفُ كَذا، وذَلِكَ نَظِيرُ إخْبارِ الذِّراعِ إيّاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّها مَسْمُومَةٌ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا لا يُقْبَلُ بِدُونِ خَبَرٍ صَحِيحٍ، ولَمْ أظْفَرْ بِهِ.

29:49Page 402

بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٩

Rather, it [i.e., the Qur’ān] is distinct verses [preserved] within the breasts of those who have been given knowledge. And none reject Our verses except the wrongdoers.

﴿بَلْ هُوَ﴾ أيِ القُرْآنُ، وهَذا إضْرابٌ عَنِ ارْتِيابِهِمْ، أيْ لَيْسَ القُرْآنُ مِمّا يُرْتابُ فِيهِ لِوُضُوحِ أمْرِهِ بَلْ هو ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضِحاتٌ ثابِتَةٌ راسِخَةٌ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يُلْتَقَطَ مِن كِتابٍ يَحْفَظُونَهُ بِحَيْثُ لا يُقْدَرُ عَلى تَحْرِيفِهِ بِخِلافِ

صفحة 6

غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، وجاءَ في وصْفِ هَذِهِ الأُمَّةِ صُدُورُهم أناجِيلَهُمْ، وكَوْنُ ضَمِيرِ هو لِلْقُرْآنِ هو الظّاهِرُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ «بَلْ هي آياتٌ بَيِّناتٌ»، وقالَ قَتادَةُ: الضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَرَأ «بَلْ هو آيَةٌ بَيِّنَةٌ» عَلى التَّوْحِيدِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى قِراءَةِ الجَمْعِ عَلى مَعْنى بَلِ النَّبِيُّ وأُمُورُهُ آياتٌ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِما يُفْهَمُ مِنَ النَّفْيِ السّابِقِ أيْ كَوْنُهُ لا يَقْرَأُ لا يَخُطُّ آياتٍ بَيِّناتٍ في صُدُورِ العُلَماءِ مِن أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّ ذَلِكَ نَعْتُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كِتابِهِمْ، والكُلُّ كَما تَرى، وفي الأخِيرِ حَمْلُ ( الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ) عَلى عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الضَّحّاكِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهم عُلَماءُ الصَّحابَةِ أوِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعُلَماءُ أصْحابِهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ.

ورَوى بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُمُ الأئِمَّةُ مِن آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مَعَ كَوْنِها كَما ذُكِرَ ﴿إلا الظّالِمُونَ﴾ المُتَجاوِزُونَ لِلْحَدِّ في الشَّرِّ والمُكابَرَةِ والفَسادِ.

29:50Page 402

وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٥٠

But they say, "Why are not signs sent down to him from his Lord?" Say, "The signs are only with Allāh, and I am only a clear warner."

﴿وقالُوا﴾ أيْ كُفّارُ قُرَيْشٍ بِتَعْلِيمِ بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ.

وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ مِثْلُ ناقَةِ صالِحٍ وعَصا مُوسى، وقَرَأ أكْثَرُ أهْلِ الكُوفَةِ «آيَةً» عَلى التَّوْحِيدِ، ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنَزِّلُها حَسْبَما يَشاءُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في ذَلِكَ قَطْعًا ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لَيْسَ مِن شَأْنِي إلّا الإنْذارُ بِما أُوتِيتُ مِنَ الآياتِ لا الإتْيانُ بِما اقْتَرَحْتُمُوهُ، فالقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى رَدًّا عَلى اقْتِراحِهِمْ وبَيانًا لِبُطْلانِهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ أقْصُرُ، ولَمْ يَكْفِهِمْ آيَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنْ سائِرِ الآياتِ ﴿أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ النّاطِقَ بِالحَقِّ المُصَدِّقَ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وأنْتَ بِمَعْزِلٍ مِن مُدارَسَتِها ومُمارَسَتِها.

﴿يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ تَدُومُ تِلاوَتُهُ عَلَيْهِمْ مُتَحَدِّينَ بِهِ، فَلا يَزالُ مَعَهم آيَةً ثابِتَةً لا تَزُولُ، ولا تَضْمَحِلُّ كَما تَزُولُ كُلُّ آيَةٍ بَعْدَ كَوْنِها، وقِيلَ: ﴿يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ أهْلِ الكِتابِ بِتَحْقِيقِ ما في أيْدِيهِمْ مِن نَعْتِكَ ونَعْتِ دِينِكَ، ولَهُ وجْهٌ إنْ كانَ ضَمِيرُ (قالُوا) فِيما تَقَدَّمَ لِأهْلِ الكِتابِ، وأمّا إذا كانَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ فَلا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الكِتابِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الباقِي عَلى مَمَرِّ الدُّهُورِ، وقِيلَ: الَّذِي هو حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ ﴿لَرَحْمَةً﴾ أيْ نِعْمَةً عَظِيمَةً ﴿وذِكْرى﴾ أيْ تَذْكِرَةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ هَمُّهُمُ الإيمانُ لا التَّعَنُّتُ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرى، والفِعْلُ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (رَحْمَةً وذِكْرى) مِمّا تَنازَعا في الجارِّ والمَجْرُورِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ لِلْحالِ.

وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، والدّارِمِيُّ، وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ قالَ: ««جاءَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِكَتِفٍ قَدْ كَتَبُوا فِيها بَعْضَ ما سَمِعُوهُ مِنَ اليَهُودِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كَفى بِقَوْمٍ حُمْقًا أوْ ضَلالَةً أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلَيْهِمْ، إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ إلى غَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ» .

29:51Page 402

أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥١

And is it not sufficient for them that We revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] which is recited to them? Indeed in that is a mercy and reminder for a people who believe.

﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ».

وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ، وابْنُ مْرَدُوَيْهِ، عَنْ يَحْيى هَذا، ما هو قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ مَرْوِيًّا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿ويُؤْمِنُونَ﴾ عَلى هَذا عَلى ظاهِرِهِ لا غَيْرَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ السِّياقَ والسِّباقَ مَعَ الكَفَرَةِ، وإنَّ الظّاهِرَ كَوْنُ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ الآيَةَ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ﴾ إلَخْ، وفي جَعْلِ سَبَبِ النُّزُولِ ما ذُكِرَ خُرُوجٌ عَنْ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ.

صفحة 7

وعَلَيْهِ تَكُونُ الآيَةُ دَلِيلًا لِمَن مَنَعَ تَتَبُّعَ التَّوْراةِ ونَحْوِها. ورُوِيَ هَذا المَنعُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.

أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: أهْدى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرِ بْنِ رُكْنٍ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها هَدِيَّةً فَظَنَّتْ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فَرَدَّتْها، وقالَتْ: يَتَتَبَّعُ الكُتُبَ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ فَقِيلَ لَها: «إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ فَقَبِلَتْها» وجاءَ في عِدَّةِ أخْبارٍ ما يَقْتَضِي المَنعَ.

أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ «أنَّ حَفْصَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِكِتابٍ مِن قِصَصِ يُوسُفَ في كَتِفٍ، فَجَعَلَتْ تَقْرَأُهُ عَلَيْهِ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَتَلَوَّنُ وجْهُهُ، فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أتاكم يُوسُفُ وأنا بَيْنَكم فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي ضَلَلْتُمْ، أنا حَظُّكم مِنَ النَّبِيِّينَ وأنْتُمْ حَظِّي مِنَ الأُمَمِ»».

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ أبِي قِلابَةَ ««أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرَّ بِرَجُلٍ يَقْرَأُ كِتابًا، فاسْتَمَعَهُ ساعَةً، فاسْتَحْسَنَهُ، فَقالَ لِلرَّجُلِ: اكْتُبْ لِي مِن هَذا الكِتابِ، قالَ: نَعَمْ، فاشْتَرى أدِيمًا فَهَيَّأهُ، ثُمَّ جاءَ بِهِ إلَيْهِ، فَنَسَخَ لَهُ في ظَهْرِهِ وبَطْنِهِ، ثُمَّ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَجَعَلَ يَقْرَأُهُ عَلَيْهِ، وجَعَلَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَلَوَّنُ فَضَرَبَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ الكِتابَ، وقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا ابْنَ الخَطّابِ، ألا تَرى وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ اليَوْمِ، وأنْتَ تَقْرَأُ عَلَيْهِ هَذا الكِتابَ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: إنَّما بُعِثْتُ فاتِحًا وخاتَمًا، وأُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ وخَواتِمَهُ، واخْتُصِرَ لِي الحَدِيثُ اخْتِصارًا، فَلا يُهْلِكَنَّكُمُ المُتَهَوِّكُونَ»»

أيِ الواقِعُونَ في كُلِّ أمْرٍ بِغَيْرِ رَوِيَّةٍ، وقِيلَ: المُتَحَيِّرُونَ إلى ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وحَقَّقَ بَعْضُهم أنَّ المَنعَ إنَّما هو عِنْدَ خَوْفِ فَسادٍ في الدِّينِ، وذَلِكَ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ في صَدْرِ الإسْلامِ، وعَلَيْهِ تُحْمَلُ الأخْبارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، فَتَذَكَّرْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском