Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:107–111
3:107Page 63
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٠٧
But as for those whose faces turn white, [they will be] within the mercy of Allāh. They will abide therein eternally.
﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أيِ الجَنَّةِ، فَهو مِنَ التَّعْبِيرِ بِالحالِ عَنِ المَحَلِّ، والظَّرْفِيَّةُ حَقِيقِيَّةٌ، وقَدْ يُرادُ بِها الثَّوابُ، فالظَّرْفِيَّةُ حِينَئِذٍ مَجازِيَّةٌ كَما يُقالُ: في نَعِيمٍ دائِمٍ وعَيْشٍ رَغْدٍ وفِيهِ إشارَةٌ إلى كَثْرَتِهِ وشُمُولِهِ لِلْمَذْكُورِينَ شُمُولَ الظَّرْفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ ما هو صِفَةٌ لَهُ تَعالى؛ إذْ لا يَصِحُّ فِيها الظَّرْفِيَّةُ ويَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ مُقابَلَتُها بِالعَذابِ ومُقارَنَتُها لِلْخُلُودِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ (107) وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالرَّحْمَةِ إشْعارًا بِأنَّ المُؤْمِنَ وإنِ اسْتَغْرَقَ عُمُرَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا يَنالُ ما يَنالُ إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى، ولِهَذا ورَدَ في الخَبَرِ: «لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُمُ الجَنَّةَ عَمَلُهُ، فَقِيلَ لَهُ: حَتّى أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: حَتّى أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ».
وجُمْلَةُ ( هم فِيها خالِدُونَ ) اسْتِئْنافِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِنَ السِّياقِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُونَ فِيها ؟ فَأُجِيبَ بِما تَرى، وفِيها تَأْكِيدٌ في المَعْنى لِما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلرَّحْمَةِ، ومِن أبْعَدِ البَعِيدِ جَعْلُهُ لِلدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ خِلافًا لِمَن قالَ بِهِ، وجَعَلَ الكَلامَ عَلَيْهِ بَيانًا لِسَبَبِ كَوْنِهِمْ في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وكَوْنِ مُقابِلِهِمْ في العَذابِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهم في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهم كانُوا خالِدِينَ في الخَيْراتِ، وقُرِئَ: ابْياضَّتْ واسْوادَّتْ.
3:108Page 63
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٨
These are the verses of Allāh. We recite them to you, [O Muḥammad], in truth; and Allāh wants no injustice to the worlds [i.e., His creatures].
( ﴿تِلْكَ﴾ ) أيِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها وعَظُمَ قَدْرُها ﴿آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أيْ نَقْرَؤُها شَيْئًا فَشَيْئًا، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ إذِ التّالِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي عُدُولِهِ عَنِ الحَقِيقَةِ مَعَ الِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ ما لا يَخْفى مِنَ العِنايَةِ بِالتِّلاوَةِ والمَتْلُوِّ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الآياتِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِتِلْكَ، و( آياتُ ) بَدَلٌ مِنهُ، وقُرِئَ ( يَتْلُوها ) عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ.
( ﴿بِالحَقِّ﴾ ) أيْ مُتَلَبِّسَةً أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِالصِّدْقِ أوْ بِالعَدْلِ في جَمِيعِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الآياتُ ونَطَقَتْ بِهِ، فالظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكَّدَةِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ (801) بِأنْ يُحِلَّهم مِنَ العِقابِ
صفحة 27
ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ عَدْلًا أوْ يَنْقُصَهم مِنَ الثَّوابِ عَمًّا اسْتَحَقُّوهُ فَضْلًا، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَيْثُ نَكَّرَ ظُلْمًا ووَجَّهَ النَّفْيَ إلى إرادَتِهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُفِيدِ بِمَعُونَةِ المَقامِ دَوامَ الِانْتِفاءِ، وعَلَّقَ الحُكْمَ بِآحادِ الجَمْعِ المُعَرَّفِ والتَفَتَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، والظُّلْمُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ اللّائِقِ بِهِ أوْ تَرْكُ الواجِبِ وهو يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعالى؛ لِلْأدِلَّةِ القائِمَةِ عَلى ذَلِكَ، ونَفْيُ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي إمْكانَهُ، فَقَدْ يُنْفى المُسْتَحِيلُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾، وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ لا يُرِيدُ ما هو ظُلْمٌ مِنَ العِبادِ فِيما بَيْنَهم لا أنَّ كَلَّ ما يَفْعَلُ لَيْسَ ظُلْمًا مِنهُ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ بَيانٍ أنَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ولا يُهْمِلُ الكافِرَ ويُجازِيهِ بِكُفْرِهِ، ولَوْ كانَ المُرادُ أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُ لَيْسَ ظُلْمًا لا يُسْتَفادُ هَذا، وفِيهِ ما لا يَخْفى.
3:109Page 64
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ١٠٩
To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And to Allāh will [all] matters be returned.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ لَهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ ما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وخَلْقًا وتَصَرُّفًا، والتَّعْبِيرِ بِـ ( ما ) لِلتَّغْلِيبِ أوْ لِلْإيذانِ بِأنَّ غَيْرَ العُقَلاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَتِهِ كَغَيْرِهِمْ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ (901) أيْ أُمُورُهم فَيُجازِي كُلًّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِلْحَصْرِ أيْ إلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ لا إلى غَيْرِهِ شَرِكَةً أوِ اسْتِقْلالًا، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما ورَدَ في جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِهِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ( تَرْجِعُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
3:110Page 64
كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١١٠
You are the best nation produced [as an example] for mankind. You enjoin what is right and forbid what is wrong and believe in Allāh. If only the People of the Scripture had believed, it would have been better for them. Among them are believers, but most of them are defiantly disobedient.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى الحَقِّ والدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ كَذا قِيلَ، وقِيلَ: هو مِن تَتِمَّةِ الخِطابِ الأوَّلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ وتَوالَتْ بَعْدَ هَذا خِطاباتُ المُؤْمِنِينَ مِن أوامِرَ ونَواهِيَ، واسْتَطْرَدَ بَيْنَ ذَلِكَ مِن يَبْيَضُّ وجْهُهُ ومَن يَسْوَدُّ، وشَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ في الآخِرَةِ، ثُمَّ عادَ إلى الخِطابِ الأوَّلِ تَحْرِيضًا عَلى الِانْقِيادِ والطَّواعِيَةِ، وكانَ ناقِصَةٌ ولا دَلالَةَ لَها في الأصْلِ عَلى غَيْرِ الوُجُودِ في الماضِي مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى انْقِطاعٍ أوْ دَوامٍ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْأزَلِيَّةِ كَما في صِفاتِهِ تَعالى نَحْوَ ( وكانَ الله بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا ) وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلُزُومِ الشَّيْءِ وعَدَمِ انْفِكاكِهِ نَحْوَ ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ وذَهَبَ بَعْضُ النُّحاةِ إلى أنَّها تَدُلُّ بِحَسَبِ الوَضْعِ عَلى الِانْقِطاعِ كَغَيْرِها مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، والمُصَحَّحُ هو الأوَّلُ وعَلَيْهِ لا تُشْعِرُ الآيَةُ بِكَوْنِ المُخاطَبِينَ لَيْسُوا خَيْرَ أُمَّةٍ الآنَ، وقِيلَ: المُرادُ كُنْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ أيْ في عِلْمِهِمْ كَذَلِكَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ أنْتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَسْتَدْعِي زِيادَةَ كانَ وهي لا تُزادُ في أوَّلِ الجُمْلَةِ.
( ﴿أُخْرِجَتْ﴾ ) أيْ أُظْهِرَتْ وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ ( ﴿لِلنّاسِ﴾ ) مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وقِيلَ: بِخَيْرِ أُمَّةٍ، وجُمْلَةُ ( أُخْرِجَتْ ) صِفَةٌ لِأُمَّةٍ، وقِيلَ: لِـ ( خَيْرِ )، والأوَّلُ أوْلى، والخِطابُ قِيلَ: لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً، وإلَيْهِ ذَهَبُ الضَّحّاكُ، وقِيلَ: لِلْمُهاجِرِينَ مِن بَيْنِهِمْ وهو أحَدُ خَبَرَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي آخَرَ أنَّهُ عامٌّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي الحَسَنِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”أُعْطِيتُ ما لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ؛ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُعْطِيتُ مَفاتِيحَ الأرْضِ، وسُمِّيتُ أحْمَدَ، وجُعِلَ التُّرابُ لِي طَهُورًا، وجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ“».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّ الآيَةَ في أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّها نَزَلَتْ في ابْنِ مَسْعُودٍ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ،
صفحة 28
وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ وإنْ كانَ خاصًّا بِمَن شاهَدَ الوَحْيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ بِبَعْضِهِمْ، لَكِنَّ حُكْمَهُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِلْكُلِّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما حَكى قَتادَةُ: ”يا أيُّها النّاسُ مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ مِن تِلْكُمُ الأُمَّةِ فَلْيُؤَدِّ شَرْطَ اللَّهِ تَعالى مِنها“ وأشارَ بِذَلِكَ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ فَإنَّهُ وإنْ كانَ اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِكَوْنِهِمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، أوْ صِفَةً ثانِيَةً لِأُمَّةٍ عَلى ما قِيلَ إلّا أنَّهُ يُفْهَمُ الشَّرْطِيَّةُ، والمُتَبادِرُ مِنَ المَعْرُوفِ الطّاعاتُ، ومِنَ المُنْكَرِ المَعاصِي الَّتِي أنْكَرَها الشَّرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ أنَّ المَعْنى تَأْمُرُونَهم أنْ يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويُقِرُّوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، وتُقاتِلُونَهم عَلَيْهِمْ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ هو أعْظَمُ المَعْرُوفِ، وتَنْهَوْنَهم عَنِ المُنْكَرِ والمُنْكَرِ هو التَّكْذِيبُ وهو أنْكَرُ المُنْكَرِ، وكَأنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَمَلَ المُطْلَقَ عَلى الفَرْدِ الكامِلِ، وإلّا فَلا قَرِينَةَ عَلى هَذا التَّخْصِيصِ ﴿وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أُرِيدَ بِالإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ الإيمانُ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ؛ لِأنَّ الإيمانَ إنَّما يُعْتَدُّ بِهِ ويَسْتَأْهِلُ أنْ يُقالَ لَهُ إيمانٌ إذا آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى عَلى الحَقِيقَةِ، وحَقِيقَةُ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، فَلَوْ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ، والمَقامُ يَقْتَضِيهِ لِكَوْنِهِ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الكِتابِ وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ التَّعْقِيبُ بِنَفْيِ الإيمانِ عَنْهم، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم مُؤْمِنُونَ في الجُمْلَةِ، وأيْضًا المَقامُ مَقامُ مَدْحٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بِكَوْنِهِمْ ( ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ ) وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها المُعَلِّلِ لِلْخَبَرِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ يُرِدِ الإيمانَ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ لَمْ يَكُنْ مَدْحًا، فَلا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ والعَطْفِ يَقْتَضِيهِ، وإنَّما أخَّرَ الإيمانَ عَنِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِما وُجُودًا ورُتْبَةً كَما هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ الإيمانَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَمِ دُونَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهُما أظْهَرُ في الدَّلالَةِ عَلى الخَيْرِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ قَدَّمَهُما عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ وكَوْنِ سَوْقِ الكَلامِ لِأجْلِهِما، وأمّا ذِكْرُهُ فَكالتَّتْمِيمِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ جَدْوى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في الدِّينِ أظْهَرُ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ مِن وظِيفَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَوْ قِيلَ قُدِّما - وأُخِّرَ لِلِاهْتِمامِ ولِيَرْتَبِطَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لَمْ يَبْعُدْ، أيْ لَوْ آمَنُوا إيمانًا كَما يَنْبَغِي لَكانَ ذَلِكَ الإيمانُ ( خَيْرًا لَهم ) مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الرِّياسَةِ في الدُّنْيا لِدَفْعِ القَتْلِ والذُّلِّ عَنْهم، والآخِرَةِ لِدَفْعِ العَذابِ المُقِيمِ، وقِيلَ: لَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنَ الإيمانِ بِمُوسى وعِيسى فَقَطْ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقِيلَ: المُفَضَّلُ عَلَيْهِ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، فالخَيْرِيَّةُ إنَّما هي بِاعْتِبارِ زَعْمِهِمْ وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ مُرْتَبِطَةٌ بِها عَلى مَعْنى ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ كَما آمَنتُمْ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ كَما أمَرْتُمْ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ كَما نَهَيْتُمْ ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ .
﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأخِيهِ، وثَعْلَبَةَ بْنِ شُعْبَةَ.
﴿وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ (110) أيِ الخارِجُونَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَبَّرَ عَنِ الكُفْرِ بِالفِسْقِ إيذانًا بِأنَّهم خَرَجُوا عَمّا أوْجَبَهُ كِتابُهم، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في – الكُفّارِ - بِمَنزِلَةِ الكُفّارِ في العُصاةِ لِخُرُوجِهِمْ إلى الحالِ الفاحِشَةِ الَّتِي هي مِنهم أشْنَعُ وأفْظَعُ.
3:111Page 64
لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١
They will not harm you except for [some] annoyance. And if they fight you, they will show you their backs [i.e., retreat]; then they will not be aided.
﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِأنَّ الأذى بِمَعْنى الضَّرَرِ اليَسِيرِ كَما يَشْهَدُ بِهِ مَواقِعُ الِاسْتِعْمالِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ ضَرَرًا ما إلّا ضَرَرًا يَسِيرًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ الأذى
صفحة 29
لَيْسَ بِضَرَرٍ وفِيهِ نَظَرٌ، والآيَةُ كَما قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ لَمّا عَمَدَ رُؤَساءُ اليَهُودِ مِثْلَ كَعْبٍ وأبِي رافِعٍ وأبِي ياسِرٍ وكِنانَةَ وابْنِ صُورِيّا إلى مُؤْمِنِيهِمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وآذَوْهم لِإسْلامِهِمْ وكانَ إيذاءً قَوْلِيًّا عَلى ما يُفْهِمُهُ كَلامُ قَتادَةَ وغَيْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ تَعالى كَما قالَهُ الحَسَنُ.
﴿وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ أيْ يَنْهَزِمُوا مِن غَيْرِ أنْ يَظْفَرُوا مِنكم بِشَيْءٍ، وتَوْلِيَةُ الأدْبارِ كِنايَةٌ عَنِ الِانْهِزامِ مَعْرُوفَةٌ.
﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ (111) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ و( ثُمَّ ) لِلتَّرْتِيبِ والتَّراخِي الإخْبارِيِّ أيْ لا يَكُنْ لَهم نَصْرٌ مِن أحَدٍ ثُمَّ عاقِبَتُهُمُ العَجْزُ والخِذْلانُ إنْ قاتَلُوكم أوْ لَمْ يُقاتِلُوكم، وفِيهِ تَثْبِيتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.
وقُرِئَ: ( ثُمَّ لا يُنْصَرُوا ) والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى جَزاءِ الشَّرْطِ، و( ثُمَّ ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ بَيْنَ الخِبْرَيْنِ لا في الزَّمانِ لِمُقارَنَتِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها لِلتَّراخِي في الزَّمانِ عَلى القِراءَتَيْنِ بِناءً عَلى اعْتِبارِهِ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وآخِرِ أجْزاءِ المَعْطُوفِ، وقِراءَةُ الرَّفْعِ أبْلَغُ لِخُلُوِّها عَنِ القَيْدِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولِكَوْنِها مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ الَّذِي وافَقَهُ الواقِعُ؛ لِأنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقاعَ وبَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ويَهُودَ خَيْبَرَ حارَبُوا المُسْلِمِينَ ولَمْ يَثْبُتُوا، ولَمْ يَنالُوا شَيْئًا مِنهم، ولَمْ تَخْفُقْ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ رايَةٌ ولَمْ يَسْتَقِمْ أمْرٌ ولَمْ يَنْهَضُوا بِجَناحٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences