Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:112–114
3:112Page 64
ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ١١٢
They have been put under humiliation [by Allāh] wherever they are overtaken, except for a rope [i.e., covenant] from Allāh and a rope [i.e., treaty] from the people [i.e., the Muslims].1 And they have drawn upon themselves anger from Allāh and have been put under destitution. That is because they disbelieved in [i.e., rejected] the verses of Allāh and killed the prophets without right. That is because they disobeyed and [habitually] transgressed.
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أيْ ذِلَّةُ هَدْرِ النَّفْسِ والمالِ والأهْلِ، وقِيلَ: ذِلَّةُ التَّمَسُّكِ بِالباطِلِ وإعْطاءِ الجِزْيَةِ، قالَ الحَسَنُ: أذَلَّهُمُ اللَّهُ تَعالى فَلا مَنَعَةَ لَهم، وجَعَلَهم تَحْتَ أقْدامِ المُسْلِمِينَ، وهَذا مِن ضَرْبِ الخِيامِ والقِبابِ كَما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، قِيلَ: فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وقَدْ يُشَبَّهُ إحاطَهُ الذِّلَّةِ واشْتِمالِها عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ فَلانٌ الضَّرِيبَةَ عَلى عَبْدِهِ أيْ ألْزَمَها إيّاهُ، فالمَعْنى ألْزَمُوا الذِّلَّةَ وثَبَتَتْ فِيهِمْ فَلا خَلاصَ لَهم مِنها ﴿أيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ أيْ وُجِدُوا، وقِيلَ: أُخِذُوا وظُفِرَ بِهِمْ، و( أيْنَما ) شَرْطٌ، و( ما ) زائِدَةٌ، وثُقِفُوا في مَوْضِعِ جَزْمٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أوْ هو بِنَفْسِهِ عَلى رَأْيٍ.
﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، والمَعْنى عَلى النَّفْيِ أيْ لا يَسْلَمُونَ مِنَ الذِّلَّةِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ أنْ يَكُونُوا مُعْتَصِمِينَ بِذِمَّةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كِتابِهِ الَّذِي أتاهم وذِمَّةِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهم بِذَلِكَ يَسْلَمُونَ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وسَبْيِ الذَّرارِيِّ واسْتِئْصالِ الأمْوالِ.
وقِيلَ: أيْ إلّا في حالِ أنْ يَكُونُوا مُتَلَبِّسِينَ بِالإسْلامِ واتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم حِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ عَنْهم ذُلُّ التَّمَسُّكِ والإعْطاءِ.
﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ رَجَعُوا بِهِ وهو كِنايَةٌ عَنِ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ واسْتِيجابِهِمْ إيّاهُ مِن قَوْلِهِمْ باءَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا صارَ حَقِيقًا أنْ يُقْتَلَ بِهِ، فالمُرادُ صارُوا أحِقّاءَ بِغَضَبِهِ سُبْحانَهُ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، والوَصْفُ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ.
﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ﴾ فَهم في الغالِبِ مَساكِينُ وقَلَّما يُوجَدُ يَهُودِيٌّ يُظْهِرُ الغِنى. ( ﴿ذَلِكَ﴾ ) أيِ المَذْكُورُ مِنَ المَذْكُوراتِ ﴿بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أصْلًا، ونِسْبَةُ القَتْلِ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّهُ فِعْلُ أسْلافِهِمْ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ( 211 ) إشارَةً إلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ القُرْبُ فَلا تَكْرارَ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ ضَرْبَ الذِّلَّةِ وما يَلِيهِ كَما هو مُعَلَّلٌ بِكُفْرِهِمْ وقَتْلِهم فَهو مُعَلَّلٌ
صفحة 30
بِعِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي والمُضارِعِ لِما مَرَّ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ( ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ ) وكَذا جُمْلَةُ ( ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ ) وما عَطْفٌ عَلَيْها وارِدَتانِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ ولِذا لَمْ يُعْطَفا عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ قَبْلَهُما، وإنَّما لَمْ يَعْطِفِ الِاسْتِطْرادَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِتَباعُدِهِما وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما نَوْعًا مِنَ الكَلامِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ مَعَ ما بَعْدَهُما مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ آمَنَ﴾ مُبَيِّنٌ لَهُ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ المَفْرُوضَ إيمانُ الجَمِيعِ، وإلّا فَبَعْضُهم مُؤْمِنُونَ رَفْعًا لِسُوءِ الظَّنِّ بِالبَعْضِ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ بَيانٌ لِما هو خَيْرٌ لَهم وهو أنَّهم لِعَدَمِ إيمانِهِمْ مُبْتَلَوْنَ بِمَشَقَّةِ التَّدْبِيرِ لِإضْرارِكم وبِالحُزْنِ عَلى الخَيْبَةِ وتَدْبِيرِ الغَلَبَةِ عَلَيْكم بِالمُقابَلَةِ والغَلَبَةِ لَكم، وفي طَلَبِ الرِّياسَةِ بِمُخالَفَتِكم، وضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ لِتِلْكَ المُخالَفَةِ، وفي طَلَبِ المالِ بِأخْذِ الرِّشْوَةِ بِتَحْرِيفِ كِتابِهِمْ وضَرْبِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةَ، ولَوْ آمَنُوا لَنَجَوْا مِن جَمِيعِ ذَلِكَ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ قَبُولِهِ وتَحَمُّلِ بُعْدِهِ لا يَأْبى القَوْلَ بِالِاسْتِطْرادِ لِأنَّهُ أنْ يُذْكَرَ في أثْناءِ الكَلامِ ما يُناسِبُهُ ولَيْسَ السِّياقُ لَهُ، وإنَّما يَأْبى الِاعْتِراضَ ولا نَقُولُ بِهِ فَتَأمَّلْ.
* * *
هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾ الَّذِي هو القُرْبُ مِنَ اللَّهِ ﴿حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ أيْ بَعْضَهُ، والإشارَةُ بِهِ إلى النَّفْسِ فَإنَّها إذا أنْفَقَتْ في سَبِيلِ اللَّهِ زالَ الحِجابُ الأعْظَمُ وهانَ إنْفاقُ كُلٍّ بَعْدَها ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فَيَنْبَغِي تَحَرِّي ما يُرْضِيهِ، ويُحْكى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: المُنْفِقُونَ عَلى أقْسامٍ: فَمِنهم مَن يُنْفِقُ عَلى مُلاحَظَةِ الجَزاءِ والعِوَضِ، ومِنهم مَن يُنْفِقُ عَلى مُراقَبَةِ رَفْعِ البَلاءِ والمِحَنِ، ومِنهم مَن يُنْفِقُ اكْتِفاءً بِعِلْمِهِ، ولِلَّهِ تَعالى دُرُّ مَن قالَ:
ويَهْتَزُّ لِلْمَعْرُوفِ في طَلَبِ العُلا لِتُذْكَرَ يَوْمًا عِنْدَ سَلْمى شَمائِلُهْ
﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ﴾ قِيلَ: فائِدَةُ الإخْبارِ بِذَلِكَ تَعْلِيمُ أهْلِ المَحَبَّةِ أنْ يَتْرُكُوا ما حُبِّبَ إلَيْهِمْ مِنَ الأطْعِمَةِ الشَّهِيَّةِ واللَّذائِذِ الدُّنْيَوِيَّةِ رَغْبَةً فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ وهو الكَعْبَةُ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ المَظاهِرِ لَهُ تَعالى حَتّى قالُوا: إنَّها لِلْمُحَمِّدِيِينَ كالشَّجَرَةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ( ﴿مُبارَكًا﴾ ) بِما كَساهُ مِن أنْوارِ ذاتِهِ ( ﴿وهُدًى﴾ ) بِما كَساهُ مِن أنْوارِ صِفاتِهِ ( ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ ) عَلى حَسْبِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ المُشْتَمِلُ عَلى الرِّضا والتَّسْلِيمِ والِانْبِساطِ واليَقِينِ والمُكاشَفَةِ والمُشاهَدَةِ والخُلَّةِ والفُتُوَّةِ، أوِ المَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ والفَناءِ والبَقاءِ والسُّكْرِ والصَّحْوِ، أوْ جَمِيعِ ذَلِكَ.
﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ مِن غَوائِلِ نَفْسِهِ لِأنَّهُ مَقامُ التَّمْكِينِ ( وتَطْبِيقُ ذَلِكَ عَلى ما في الأنْفُسِ ) أنَّ البَيْتَ إشارَةٌ إلى القَلْبِ الحَقِيقِيِّ، ويُحْمَلُ ما ورَدَ أنَّ البَيْتَ أوَّلُ ما ظَهَرَ عَلى وجْهِ الماءِ عِنْدَ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وخُلِقَ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ عامٍ وكانَ زُبْدَةً بَيْضاءَ عَلى وجْهِ الماءِ فَدَحِيَتِ الأرْضُ تَحْتَهُ عَلى ذَلِكَ، وظُهُورُهُ عَلى الماءِ حِينَئِذٍ تَعَلُّقُهُ بِالنُّطْفَةِ عِنْدَ خَلْقِ سَماءِ الرُّوحِ الحَيَوانِ وأرْضِ البَدَنِ، وخَلْقُهُ قَبْلَ الأرْضِ إشارَةٌ إلى قِدَمِهِ وحُدُوثِ البَدَنِ، وتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِألْفَيْ عامٍ إشارَةٌ إلى تَقَدُّمِهِ عَلى البَدَنِ بِطَوْرَيْنِ طَوْرِ النَّفْسِ وطَوْرِ القَلْبِ تَقَدُّمًا بِالرُّتْبَةِ، إذِ الألْفُ رُتْبَةٌ تامَّةٌ، وكَوْنُهُ زُبْدَةً بَيْضاءَ إشارَةً إلى صَفاءِ جَوْهَرِهِ، ودَحْوُ الأرْضِ تَحْتَهُ إشارَةً إلى تَكَوُّنِ البَدَنِ مِن تَأْثِيرِهِ، وكَوْنِ أشْكالِهِ وصُوَرِ أعْضائِهِ تابِعَةً لِهَيْئاتِهِ، ولا يَخْفى أنَّ مَحَلَّ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِالبَدَنِ واتِّصالِ القَلْبِ الحَقِيقِيِّ بِهِ أوَّلًا هو القَلْبُ الصَّنَوْبَرِيُّ وهو أوَّلُ ما يَتَكَوَّنُ مِنَ الأعْضاءِ، وأوَّلُ عُضْوٍ يَتَحَرَّكُ، وآخِرُ عُضْوٍ يَسْكُنُ، فَيَكُونُ
صفحة 31
﴿أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ الصَّدْرُ صُورَةٌ، أوْ أوَّلُ مُتَعَبَّدٍ وُضِعَ لَهم لِلْقَلْبِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو بِبَكَّةَ الصَّدْرِ المَعْنَوِيِّ الَّذِي هو أشْرَفُ مَقامٍ في النَّفْسِ ومَوْضِعِ ازْدِحامِ القُوى إلَيْهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ ( مُبارَكًا ) أنَّهُ ذُو بَرَكَةٍ إلَهِيَّةٍ بِسَبَبِ فَيْضِ الخَيْرِ عَلَيْهِ، وكَوْنُهُ ( هُدًى ) أنَّهُ يُهْتَدى بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى –والآياتُ - الَّتِي فِيهِ هي العُلُومُ والمَعارِفُ والحِكَمُ والحَقائِقُ، و﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ إشارَةٌ إلى العَقْلِ الَّذِي هو مَقامُ قَدَمِ إبْراهِيمَ الرُّوحِ يَعْنِي مَحَلَّ اتِّصالِ نُورِهِ مِنَ القَلْبِ، ولا شَكَّ أنْ مَن دَخَلَ ذَلِكَ ( كانَ آمِنًا ) مِن أعْداءِ سِعالى المُتَخَيَّلَةِ وعَفارِيتِ أحادِيثِ النَّفْسِ واخْتِطافِ شَياطِينِ الوَهْمِ وجِنِّ الخَيالاتِ واغْتِيالِ سِباعِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ وصِفاتِها.
﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ وهم أهْلُ مَعْرِفَتِهِ عَزِّ شَأْنُهُ، وأمّا الجاهِلُونَ بِهِ فَلا قامُوا ولا قَعَدُوا، يُحْكى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِلشِّبْلِيِّ: إنِّي حَجَجْتُ فَقالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ ؟ فَقُلْتُ: اغْتَسَلْتُ وأحْرَمْتُ وصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ ولَبَّيْتُ، فَقالَ لِي: عَقَدْتَ بِهِ الحَجَّ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: فَسَخْتَ بِعَقْدِكَ كُلَّ عَقْدٍ عَقَدْتَ مُنْذُ خُلِقْتَ مِمّا يُضادُّ هَذا العَقْدَ ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: فَما عَقَدْتَ، ثُمَّ قالَ: نَزَعْتَ ثِيابَكَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: تَجَرَّدْتَ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ فَعَلْتَ ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: ما نَزَعْتَ، فَقالَ: تَطَهَّرْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: أزَلْتَ عَنَّكَ كُلَّ عِلَّةٍ ؟ فَقُلْتُ: لا، قالَ: فَما تَطَهَّرْتَ، قالَ: لَبَّيْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: وجَدْتَ جَوابَ التَّلْبِيَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: ما لَبَّيْتَ، قالَ: دَخَلْتَ الحَرَمَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: اعْتَقَدْتَ بِدُخُولِكَ تَرْكَ كُلِّ مُحَرَّمٍ ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: ما دَخَلْتَ، قالَ: أشْرَفْتَ عَلى مَكَّةَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: أشْرَفَ عَلَيْكَ حالٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: ما أشْرَفْتَ. قالَ: دَخَلْتَ المَسْجِدَ الحَرامَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: دَخَلْتَ الحَضْرَةَ ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: ما دَخَلْتَ المَسْجِدَ الحَرامَ، قالَ: رَأيْتَ الكَعْبَةَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: رَأيْتَ ما قَصَدْتَ لَهُ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما رَأيْتَ الكَعْبَةَ، قالَ: رَمَلْتَ وسَعَيْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: هَرَبْتَ مِنَ الدُّنْيا ووَجَدْتَ أمْنًا مِمّا هَرَبْتَ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما فَعَلْتَ شَيْئًا، قالَ: صافَحْتَ الحَجَرَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: مَن صافَحَ الحَجَرَ فَقَدْ صافَحَ الحَقَّ، ومَن صافَحَ الحَقَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُ الأمْنِ أفَظَهَرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما صافَحْتَ، قالَ: أصْلَيْتَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدُ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أوَجَدْتَ نَفْسَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما صَلَّيْتَ، قالَ: خَرَجْتَ إلى الصَّفا ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أكَبَّرْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقالَ: أصَفا سِرُّكَ وصَغُرَتْ في عَيْنِكَ الأكْوانُ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما خَرَجْتَ ولا كَبَّرْتَ، قالَ: هَرْوَلْتَ في سَعْيِكَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: هَرَبَتْ مِنهُ إلَيْهِ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما هَرْوَلْتَ، قالَ: وقَفْتَ عَلى المَرْوَةِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: رَأيْتَ نُزُولَ السَّكِينَةِ عَلَيْكَ وأنْتَ عَلَيْها ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما وقَفْتَ عَلى المَرْوَةِ، قالَ: خَرَجْتَ إلى مِنًى؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أعْطَيْتَ ما تَمَنَّيْتَ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما خَرَجْتَ، قالَ: دَخَلْتَ مَسْجِدَ الخَيْفِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: تَجَدَّدَ لَكَ خَوْفٌ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما دَخَلْتَ، قالَ: مَضَيْتَ إلى عَرَفاتٍ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: عَرَفْتَ الحالَ الَّذِي خُلِقْتَ لَهُ والحالَ الَّذِي تَصِيرُ إلَيْهِ ؟ وهَلْ عَرَفْتَ مَن رَبَّكَ ما كُنْتَ مُنْكِرًا لَهُ ؟ وهَلْ تَعْرِفُ الحَقَّ إلَيْكَ بِشَيْءٍ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما مَضَيْتَ، قالَ: نَفَرْتَ إلى المَشْعَرِ الحَرامِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: ذَكَرْتَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ ذِكْرًا أنْساكَ ذِكْرَ ما سِواهُ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما نَفَرْتَ، قالَ: ذَبَحْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أفْنَيْتَ شَهَواتِكَ وإراداتِكَ في رِضاءِ الحَقِّ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما ذَبَحْتَ، قالَ: رَمَيْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: رَمَيْتَ جَهْلَكَ مِنكَ بِزِيادَةِ عِلْمٍ ظَهَرَ عَلَيْكَ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما رَمَيْتَ، قالَ: زُرْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: كُوشِفْتَ عَنِ الحَقائِقِ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما زُرْتَ، قالَ: أحْلَلْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: عَزَمْتَ عَلى الأكْلِ مِنَ الحَلالِ قَدْرَ ما تَحْفَظُ بِهِ نَفْسَكَ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: ما أحْلَلْتَ، قالَ: ودَّعْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: خَرَجْتَ مِن نَفْسِكَ ورُوحِكَ بِالكُلِّيَّةِ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما ودَّعْتَ ولا حَجَجْتَ وعَلَيْكَ العَوْدُ إنْ أحْبَبْتَ وإذا حَجَجْتَ فاجْتَهِدْ أنْ تَكُونَ كَما وصَفْتُ لَكَ انْتَهى.
صفحة 32
فَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الشِّبْلِيُّ هو الحَجُّ الَّذِي يَسْتَأْهِلُ أنْ يُقالَ لَهُ حَجٌّ، ولِلَّهِ تَعالى عِبادٌ أهَّلَهم لِذَلِكَ وأقْدَرَهم عَلى السُّلُوكِ في هاتِيكَ المَسالِكِ فَحَجُّهم في الحَقِيقَةِ مِنهُ إلَيْهِ ولَهُ فِيهِ، فَمَطافُهم حَظائِرُ القَرْيَةِ عَلى بِساطِ الحِشْمَةِ ومَوْقِفُهم عَرَفَةُ العِرْفانِ عَلى ساقِ الخِدْمَةِ، لَيْسَ لَهم غَرَضٌ في الجُدْرانِ والأحْجارِ، وهَيْهاتَ هَيْهاتَ ما غَرَضُ المَجْنُونِ مِنَ الدِّيارِ إلّا الدِّيارُ، ومِن كَفَرَ وأعْرَضَ عَنِ المَوْلى بِهَوى النَّفْسِ، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ فَهو سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنْهُ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ.
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ إذْ هو أقْرَبُ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالإنْكارِ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ بِإيرادِ الشُّبَهِ الباطِلَةِ ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ عالِمُونَ بِأنَّها حَقٌّ لا اعْوِجاجَ فِيها ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَيُجازِيكم بِهِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ خَوْفًا مِن إنْكارِهِمْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِيقَةِ والطَّرِيقِ المُوصِلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ الرّاسِخِ فِيكم ﴿كافِرِينَ﴾ لِأنَّ إنْكارَ الحَقِيقَةِ كُفْرٌ كَإنْكارِ الشَّرِيعَةِ، ﴿ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ مَن يَعْتَصِمْ بِهِ مِنهُ فَقَدَ اهْتَدى إلَيْهِ بِهِ، قالَ الواسِطِيُّ: ومَن زَعَمَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ بِهِ مِن غَيْرِهِ فَقَدْ جَهِلَ عَظَمَةَ الرُّبُوبِيَّةِ، وحَقِيقَةُ الِاعْتِصامِ عِنْدَ بَعْضِهِمُ انْجِذابُ القَلْبِ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي هي الأصْنامُ المَعْنَوِيَّةُ والتَّبَرِّي إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وقِيلَ: الِاعْتِصامُ لِلْمُحِبِّينَ هو اللَّجَأُ بِطَرْحِ السَّوِيِّ، ولِأهْلِ الحَقائِقِ رَفْعُ الِاعْتِصامِ لِمُشاهَدَتِهِمْ أنَّهم في القَبْضَةِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ بِصَوْنِ العُهُودِ وحِفْظِ الحُدُودِ والخُمُودِ تَحْتَ جَرَيانِ القَضاءِ بِنَعْتِ الرِّضا، وقِيلَ: حَقُّ التَّقْوى عَدَمُ رُؤْيَةِ التَّقْوى ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ لا تَمُوتُنَّ إلّا عَلى حالِ إسْلامِ الوُجُودِ لَهُ أيْ لِيَكُنْ مَوْتُكم هو الفَناءَ في التَّوْحِيدِ.
﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ وهو عَهْدُهُ الَّذِي أخَذَهُ عَلى العِبادِ يَوْمَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ بِاخْتِلافِ الأهْواءِ ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِالهِدايَةِ إلى مَعالِمِ التَّوْحِيدِ المُفِيدِ لِلْمَحَبَّةِ في القُلُوبِ ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً﴾ لِاحْتِجابِكم بِالحُجُبِ النَّفْسانِيَّةِ والغَواشِي الطَّبِيعِيَّةِ ﴿فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بِالتَّحابِّ في اللَّهِ تَعالى لِتَنَوُّرِها بِنُورِهِ ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ﴾ عَلَيْكم ﴿إخْوانًا﴾ في الدِّينِ ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾ وهي مَهْوى الطَّبِيعَةِ الفاسِقَةِ وجَهَنَّمُ الحِرْمانِ ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ بِالتَّواصُلِ الحَقِيقِيِّ بَيْنَكم إلى سِدْرَةِ مَقامِ الرُّوحِ ورُوحِ جَنَّةِ الذّاتِ.
﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ كالعُلَماءِ العارِفِينَ أرْبابِ الِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ ﴿يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ أيْ يُرْشِدُونَ النّاسَ إلى الكَمالِ المُطْلَقِ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ تَعالى والوُصُولِ إلَيْهِ ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ المُقَرَّبِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ المُبْعِدِ عَنْهُ تَعالى ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَبْقَ لَهم حِجابٌ وهم خُلَفاءُ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ.
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ واتَّبَعُوا الأهْواءَ والبِدَعَ ﴿واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ الحُجَجُ العَقْلِيَّةُ والشَّرْعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلِاتِّحادِ واتِّفاقِ الكَلِمَةِ ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عَذابُ الحِرْمانِ مِنَ الحَضْرَةِ.
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قالُوا: ابْيِضاضُ الوَجْهِ عِبارَةٌ عَنْ تَنَوُّرِ وجْهِ القَلْبِ بِنُورِ الحَقِّ المُتَوَجِّهِ إلَيْهِ والإعْراضِ عَنِ الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ النَّفْسانِيَّةِ المُظْلِمَةِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِالتَّوْحِيدِ، واسْوِدادُهُ ظُلْمَةُ وجْهِ القَلْبِ بِالإقْبالِ عَلى النَّفْسِ الطّالِبَةِ لِحُظُوظِها والإعْراضِ عَنِ الجِهَةِ العُلْوِيَّةِ النُّورانِيَّةِ.
﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ فَيُقالُ لَهم ﴿أكَفَرْتُمْ﴾ أيِ احْتَجَبْتُمْ عَنِ الحَقِّ بِصِفاتِ النَّفْسِ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ تَنَوُرِّكم بِنُورِ الِاسْتِعْدادِ وصَفاءِ الفِطْرَةِ وهِدايَةِ العَقْلِ ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ وهو عَذابُ الِاحْتِجابِ عَنِ الحَقِّ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بِهِ ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الخاصَّةِ الَّتِي هي شُهُودُ الجَمالِ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ باقُونَ بَعْدَ الفَناءِ.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ مِن مَكانِ الأزَلِ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ لِنَفْعِهِمْ ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ المُوصِلِ إلى مَقامِ التَّوْحِيدِ ﴿وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ وهو القَوْلُ بِتَحَقُّقِ الكَثْرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ.
﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾ كَإيمانِكم
صفحة 33
﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِمّا هم عَلَيْهِ ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ كَإيمانِكم ﴿وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ الخارِجُونَ عَنْ حَرَمِ الحَقِّ.
﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ وهو الإنْكارُ عَلَيْكم بِالقَوْلِ ﴿وإنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ ولَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ الإيذاءِ ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ ولا يَنالُونَ مِنكم شَيْئًا لِقُوَّةِ بَواطِنِكم وضَعْفِهِمْ ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ لا يَنْصُرُهم أحَدٌ أصْلًا بَلْ يَبْقُونَ مَخْذُولِينَ لِعَدَمِ ظُهُورِ أنْوارِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
3:113Page 64
۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ١١٣
They are not [all] the same; among the People of the Scripture is a community1 standing [in obedience], reciting the verses of Allāh during periods of the night and prostrating [in prayer].
﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ أخَرَجَ ابْنُ إسْحاقَ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ شُعْبَةَ وأُسَيْدُ بْنُ شُعْبَةَ وأُسَيْدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَن أسْلَمَ مِن يَهُودَ مَعَهم فَآمَنُوا وصَدَّقُوا ورَغِبُوا في الإسْلامِ، قالَتْ أحْبارُ يَهُودَ وأهْلُ الكُفْرِ مِنهم: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وتَبِعَهُ إلّا أشْرارُنا، ولَوْ كانُوا مِن خِيارِنا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ وذَهَبُوا إلى غَيْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ والجُمْلَةُ عَلى ما قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ تَمْهِيدٌ لِتَعْدادِ مَحاسِنِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِأهْلِ الكِتابِ جَمِيعًا لا لِلْفاسِقِينَ خاصَّةً وهو اسْمُ – لَيْسَ - و( سَواءً ) خَبَرُهُ، وإنَّما أُفْرِدَ لِكَوْنِهِ في الأصْلِ مَصْدَرًا، والوَقْفُ هُنا تامٌّ عَلى الصَّحِيحِ، والمُرادُ بِنَفْيِ المُساواةِ نَفْيُ المُشارَكَةِ في أصْلِ الِاتِّصافِ بِالقَبائِحِ لا نَفْيَ المُساواةِ في الِاتِّصافِ بِمَراتِبِها مَعَ تَحَقُّقِ المُشارَكَةِ في أصْلِ الِاتِّصافِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ التَّساوِي ومُزِيلٌ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ مَعَ الأوَّلِ كَلامٌ واحِدٌ، وجَعَلَ ( أُمَّةٌ ) اسْمَ - لَيْسَ - والخَبَرُ ( سَواءً ) فَهو عَلى حَدِّ أكَلُونِي البَراغِيثُ، وقِيلَ: ( أُمَّةٌ ) مَرْفُوعٌ – بِسَواءً - وضَعْفُ كِلا القَوْلَيْنِ ظاهِرٌ، ووَضْعُ ( أهْلِ الكِتابِ ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ زِيادَةٌ في تَشْرِيفِهِمْ والِاعْتِناءِ بِهِمْ – والقائِمَةُ - مِن قامَ اللّازِمِ بِمَعْنى اسْتَقامَ أيْ ( أُمَّةٌ ) مُسْتَقِيمَةٌ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ثابِتَةٌ عَلى أمْرِهِ لَمْ تَنْزِعْ عَنْهُ وتَتْرُكْهُ كَما تَرَكَهُ الآخَرُونَ وضَيَّعُوهُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ ذُو أُمَّةٍ قائِمَةٍ أيْ ذُو طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، وفِيهِ أنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
والمُرادُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجَعَلَ بَعْضُهم ( أهْل الكِتابِ ) عامًّا لِلْيَهُودِ والنَّصارى، وعُدَّ مِنَ الأُمَّةِ المَذْكُورَةِ نَحْوِ النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ مِمَّنْ أسْلَمَ مِنَ النَّصارى ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِأُمَّةٍ بَعْدَ وصْفِها بِقائِمَةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( قائِمَةٌ ) أوْ مِنَ الأُمَّةِ لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ الواقِعِ خَبْرًا عَنْها، والمُرادُ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ أيْ ساعاتِهِ، وواحِدُهُ أنى بِوَزْنِ عَصا، وقِيلَ: أنى كَمَعا، وقِيلَ: أنى بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أوْ كَسْرٍ فَسُكُونٍ، وحَكى الأخْفَشُ أنْوٌ كَجَرْوٍ؛ فالهَمْزَةُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ أوْ واوٍ وهو مُتَعَلِّقٌ - بِيَتْلُونَ – أوْ بِـ (قائِمَةٌ) – ومَنَعَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِالثّانِي بِناءً عَلى أنَّهُ قَدْ وُصِفَ فَلا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الصِّفَةِ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ ( 311 ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَتْلُونَ ) عَلى ما هو الظّاهِرُ، والمُرادُ وهم يُصَلُّونَ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لا قِراءَةَ في السُّجُودِ وكَذا الرُّكُوعُ بَلْ وقَعَ النَّهْيُ عَنْها فِيهِما كَما في الخَبَرِ، والمُرادُ بِصَلاتِهِمْ هَذِهِ التَّهَجُّدُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ وعُلِّلَ بِأنَّهُ أُدْخِلَ في المَدْحِ وفِيهِ تَتَيَسَّرُ لَهُمُ التِّلاوَةُ؛ لِأنَّها في المَكْتُوبَةِ وظِيفَةُ الإمامِ، واعْتِبارُ حالِهِمْ عِنْدَ الصَّلاةِ عَلى الِانْفِرادِ يَأْباهُ مَقامُ المَدْحِ وهو الأنْسَبُ بِالعُدُولِ عَنْ إيرادِها بِاسْمِ الجِنْسِ المُتَبادِرِ مِنهُ الصَّلَواتُ المَكْتُوبَةُ، وبِالتَّعْبِيرِ عَنْ وقْتِها بِالآناءِ المُبْهَمَةِ، وإنَّما لَمْ يُعَبِّرْ عَلى هَذا بِالتَّهَجُّدِ دَفْعًا لِاحْتِمالِ المَعْنى
صفحة 34
اللُّغَوِيِّ الَّذِي لا مَدْحَ فِيهِ، والَّذِي عَلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ أنَّها صَلاةُ العَتَمَةِ.
واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدِ حَسَنٍ، واللَّفْظُ لِلْأخِيرَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «أخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةً صَلاةَ العِشاءِ ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ، فَإذا النّاسُ يَنْتَظِرُونَ الصَّلاةَ فَقالَ: أما إنَّهُ لا يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَ: وأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾» وعَلَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ يَتْلُونَ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ، ويَكُونُ المَدْحُ لَهم بِذَلِكَ لِتَمَيُّزِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِتِلْكَ الصَّلاةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ الَّتِي لَمْ يَتَشَرَّفُ بِأدائِها أهْلُ الكِتابِ كَما نَطَقَ بِهِ الحَدِيثُ، بَلْ ولا سائِرُ الأُمَمِ، فَقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أيْضًا عَنِ المُنْكَدِرِ أنَّهُ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذاتَ لَيْلَةٍ، وأنَّهُ أخَّرَ صَلاةَ العِشاءِ حَتّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ هُنَيْهَةٌ أوْ ساعَةٌ، والنّاسُ يَنْتَظِرُونَ في المَسْجِدِ فَقالَ: أما إنَّكم لَنْ تَزالُوا في صَلاةٍ ما انْتَظَرْتُمُوها ثُمَّ قالَ: أما إنَّها صَلاةٌ لَمْ يُصَلِّها أحَدٌ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ»، ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في تَقْدِيمِ هَذا الحُكْمِ عَلى الحُكْمِ بِالإيمانِ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التِّلاوَةَ لا تَتَيَسَّرُ لَهم إلّا بِصَلاتِهِمْ مُنْفَرِدِينَ، ولا تُمْدَحُ في الِانْفِرادِ مَعَ أنَّهُ خِلافُ الواقِعِ مِن حالِ القَوْمِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ الخِبْرانِ لِأنَّهُ لَمْ تُقَيَّدِ التِّلاوَةُ فِيهِ بِالصَّلاةِ، وإنَّما يَلْزَمُ التَّقْيِيدَ لَوْ كانَتِ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ كَما سَبَقَ ولَيْسَ فَلَيْسَ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ الصَّلاةِ بِالسُّجُودِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى كَمالِ الخُضُوعِ وهو سِرُّ التَّعْبِيرِ بِهِ عَنْها في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِمَن طَلَبَ أنْ يَدْعُوَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ رَفِيقَهُ في الجَنَّةِ؛ لِفَرْطِ حُبِّهِ لَهُ وخَوْفِ حَيْلُولَةِ الفِراقِ يَوْمَ القِيامَةِ «أعْنِي بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»، وكَذا في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الصَّلاةُ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ وهي المُسَمّاةُ بِصَلاةِ الغَفْلَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ سُجُودُ التِّلاوَةِ، وقِيلَ: الخُضُوعُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ واخْتِيرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وكُرِّرَ الإسْنادُ تَقْوِيَةً لِلْحُكْمِ وتَأْكِيدًا لَهُ، واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ.
3:114Page 64
يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٤
They believe in Allāh and the Last Day, and they enjoin what is right and forbid what is wrong and hasten to good deeds. And those are among the righteous.
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِأُمَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا عَلى طُرُزِ ما قَبْلَها وإنْ شِئْتَ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ: اسْتَأْنَفَتْها، والمُرادُ بِهَذا الإيمانِ الإيمانُ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ عَلى الوَجْهِ المَقْبُولِ، وخَصَّ اللَّهُ تَعالى اليَوْمَ الآخِرَ بِالذِّكْرِ إظْهارًا لِمُخالَفَتِهِمْ لِسائِرِ اليَهُودِ فِيما عَسى أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مُشارَكَتَهم لَهم فِيهِ لِأنَّهم يَدَّعُونَ أيْضًا الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِمْ: ( ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ ) وكُفْرِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ ووَصْفِهِمُ اليَوْمَ الآخِرَ بِخِلافِ ما نَطَقَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ المُصْطَفَوِيَّةِ جُعِلَ هو والعَدَمُ سَواءً ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ إشارَةٌ إلى وُفُورِ نَصِيبِهِمْ مِن فَضِيلَةِ تَكْمِيلِ الغَيْرِ إثْرَ الإشارَةِ إلى وُفُورِهِ مِن فَضِيلَةِ تَكْمِيلِ النَّفْسِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُداهِنِينَ الصّادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.
﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ أيْ يُبادِرُونَ إلى فِعْلِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ خَوْفَ الفَواتِ بِالمَوْتِ مَثَلًا، أوْ يَعْمَلُونَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ راغِبِينَ فِيها غَيْرَ مُتَثاقِلِينَ لِعِلْمِهِمْ بِجَلالَةِ مَوْقِعِها وحُسْنِ عاقِبَتِها، وهَذِهِ صِفَةٌ جامِعَةٌ لِفُنُونِ الفَضائِلِ والفَواضِلِ، وفي ذِكْرِها تَعْرِيضٌ بِتَباطُؤِ اليَهُودِ وتَثاقُلِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وأصْلُ المُسارِعَةِ المُبادَرَةُ وتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الرَّغْبَةِ، واخْتِيارُ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ، قِيلَ: ولَمْ يُعَبِّرْ بِالعَجَلَةِ لِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ السُّرْعَةِ، فَإنَّ السُّرْعَةَ التَّقَدُّمُ فِيما يَجُوزُ أنْ يُتَقَدَّمَ فِيهِ وهي مَحْمُودَةٌ وضِدُّها الإبْطاءُ وهو مَذْمُومٌ، والعَجَلَةُ التَّقَدُّمُ فِيما لا يَنْبَغِي أنْ يُتَقَدَّمَ فِيهِ
صفحة 35
وهِيَ مَذْمُومَةٌ وضِدَّها الأناةُ وهي مَحْمُودَةٌ، وإيثارُ ( في ) عَلى – إلى - وكَثِيرًا ما تَتَعَدّى المُسارِعَةُ بِها لِلْإيذانِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: بِأنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في أصْلِ الخَيْرِ مُتَقَلِّبُونَ في فُنُونِهِ لا أنَّهم خارِجُونَ مُنْتَهُونَ إلَيْها؛ وصِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ هُنا تُغْنِي عَنْ جَمْعِ الكَثْرَةِ كَما لا يَخْفى. ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيَّةِ الشَّأْنِ بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِها كَما يُشْعِرُ بِهِ العُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ مِن عِدادِ الَّذِينَ صَلَحَتْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى حالُهم، وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِهِ آلا شِرارُنا.
وقَدْ ذَهَبَ الجُلُّ إلى أنَّ في الآيَةِ اسْتِغْناءً بِذِكْرِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَنِ الآخَرِ عَلى عادَةِ العَرَبِ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ، والمُرادُ ومِنهم مَن لَيْسُوا كَذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences