Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:135–137
3:135Page 67
وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٣٥
And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allāh and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allāh? - and [who] do not persist in what they have done while they know.
ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ العَهْدَ عَلى الجِنْسِ بِأنَّهُ أدْخَلُ في المَدْحِ وأنْسَبُ بِذِكْرِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مِن تَتِمَّةِ ما نَزَلَ حِينَ قالَ المُسْلِمُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”بَنُو إسْرائِيلَ كانُوا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِنّا“ إلَخْ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ «ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حالُ بَنِي إسْرائِيلَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولَمْ يَذْكُرْ صَدْرَ الآيَةِ» .
وفِي رِوايَةِ الكَلْبِيِّ «أنَّ رَجُلَيْنِ أنْصارِيًّا وثَقَفِيًّا آخى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَهُما فَكانا
صفحة 60
لا يَفْتَرِقانِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ مَغازِيهِ وخَرَجَ مَعَهُ الثَّقَفِيُّ وخَلَّفَ الأنْصارِيَّ في أهْلِهِ وحاجَتِهِ، فَكانَ يَتَعاهَدُ أهْلَ الثَّقَفِيِّ فَأقْبَلَ ذاتَ يَوْمٍ فَأبْصَرَ امْرَأةَ صاحِبِهِ قَدِ اغْتَسَلَتْ وهي ناشِرَةٌ شَعْرَها فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ فَدَخَلَ ولَمْ يَسْتَأْذِنْ حَتّى انْتَهى إلَيْها، فَذَهَبَ لِيَلْثَمَها فَوَضَعَتْ كَفَّها عَلى وجْهِها فَقَبَّلَ ظاهِرَ كَفِّها ثُمَّ نَدِمَ واسْتَحْيا فَأدْبَرَ راجِعًا فَقالَتْ: سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى خُنْتَ أمانَتَكَ وعَصَيْتَ رَبَّكَ ولَمْ تَصِلْ إلى حاجَتِكَ، قالَ: ونَدِمَ عَلى صَنِيعِهِ فَخَرَجَ يَسِيحُ في الجِبالِ ويَتُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن ذَنْبِهِ حَتّى وافى الثَّقَفِيُّ فَأخْبَرَتْهُ أهْلُهُ بِفِعْلِهِ، فَخَرَجَ يَطْلُبُهُ حَتّى دُلَّ عَلَيْهِ فَوافَقَهُ ساجِدًا وهو يَقُولُ: رَبِّ ذَنْبِي ذَنْبِي قَدْ خُنْتُ أخِي فَقالَ لَهُ: قُمْ يا فُلانُ فانْطَلِقْ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاسْألْهُ عَنْ ذَنْبِكَ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَكَ فَرَجًا وتَوْبَةً، فَأقْبَلَ مَعَهُ حَتّى رَجَعَ إلى المَدِينَةِ وكانَ ذاتَ يَوْمٍ عِنْدَ صَلاةِ العَصْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَوْبَتِهِ فَتَلا: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألِهَذا الرَّجُلِ خاصَّةً أمْ لِلنّاسِ عامَّةً ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً» .
وفِي رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ تَيِّهانَ التَّمّارَ أتَتْهُ امْرَأةٌ حَسْناءُ تَبْتاعُ مِنهُ تَمْرًا فَضَمَّها إلى نَفْسِهِ وقَبَّلَها ثُمَّ نَدِمَ عَلى ذَلِكَ فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن تَعَدُّدِ سَبَبِ النُّزُولِ، وأيًّا ما كانَ فَبِإطْلاقِ اللَّفْظِ يَنْتَظِمُ ما فَعَلَهُ الرُّماةُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَطّافِ بْنِ خالِدٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها لَمّا نَزَلَتْ صاحَ إبْلِيسُ بِجُنُودِهِ وحَثا عَلى رَأْسِهِ التُّرابَ ودَعا بِالوَيْلِ والثُّبُورِ حَتّى جاءَتْهُ جُنُودُهُ مِن كُلِّ بَرٍّ وبَحْرٍ فَقالُوا: ما لَكَ يا سَيِّدَنا ؟ قالَ: آيَةٌ نَزَلَتْ في كِتابِ اللَّهِ لا يَضُرُّ بَعْدَها أحَدًا مِن بَنِي آدَمَ ذَنْبٌ. قالُوا: وما هي ؟ فَأخْبَرَهم، قالُوا: نَفْتَحُ لَهم بابَ الأهْواءِ فَلا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ ولا يَرَوْنَ إلّا أنَّهم عَلى الحَقِّ، فَرَضِيَ مِنهم بِذَلِكَ، والمَوْصُولُ إمّا مَفْصُولٌ عَمّا قَبْلَهُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن صِفاتِ المُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما مُشِيرٌ إلى ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ، فَإنَّ دَرَجَةَ الأوَّلِينَ مِنَ التَّقْوى أعْلى، وحَظَّهم أوْفى، أوْ عَلى المُتَّقِينَ، فَيَكُونُ التَّفاوُتُ أظْهَرَ وأكْثَرَ، والفاحِشَةُ: الكَبائِرُ، وظُلْمُ النَّفْسِ الصَّغائِرُ قالَهُ القاضِي عَبْدِ الجَبّارِ الهَمْدانِيُّ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ المَعْصِيَةُ الفِعْلِيَّةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ المَعْصِيَةُ القَوْلِيَّةُ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ ما يَتَعَدّى، ومِنهُ إفْشاءُ الذَّنْبِ لِأنَّهُ سَبَبُ اجْتِراءِ النّاسِ عَلَيْهِ ووُقُوعِهِمْ فِيهِ، وظُلْمُ النَّفْسِ ما لَيْسَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ كُلُّ ما يَشْتَدُّ قُبْحُهُ مِنَ المَعاصِي والذُّنُوبِ وتُقالُ لِكُلِّ خَصْلَةٍ قَبِيحَةٍ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، وكَثِيرًا ما تَرِدُ بِمَعْنى الزِّنا، وأصْلُ الفُحْشِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في السُّوءِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
يَعْنِي الَّذِي جاوَزَ الحَدَّ في البُخْلِ، فَلَعَلَّ المُرادَ مِنها هُنا المَعْصِيَةُ البالِغَةَ في القُبْحِ، والظُّلْمُ الذَّنْبُ مُطْلَقًا، وذِكْرُهُ بَعْدَها مِن ذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ، وأوْ عَلى الوُجُوهِ لِلتَّنْوِيعِ ولا يَرِدُ أنَّهُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ التَّرْدِيدُ بَيْنَ الخاصِّ والعامِّ، وقَدْ تُوُقِّفَ في قَبُولِهِ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا تَرْدِيدٌ بَيْنَ فِرْقَتَيْنِ مَن يَسْتَغْفِرُ لِلْفاحِشَةِ ومَن يَسْتَغْفِرُ لِأيِّ ذَنْبٍ صَدَرَ عَنْهُ وكَمْ بَيْنَهُما، وجَوابُ (إذا) قَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ أيْ تَذَكَّرُوا حَقَّهُ العَظِيمَ ووَعِيدَهُ، أوْ ذَكَرُوا العَرْضَ عَلَيْهِ، أوْ سُؤالَهُ عَنِ الذَّنْبِ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ نَهْيِهِ أوْ غُفْرانِهِ، وقِيلَ: ( ذَكَرُوا ) جَمالَهُ فاسْتَحْيَوْا، وجَلالَهُ فَهابُوا، وقِيلَ: ( ذَكَرُوا ) ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ عَنْ جَمِيعِ القَبائِحِ وأحَبُّوا التَّقَرُّبَ إلَيْهِ بِالمُناسِبَةِ لَهُ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذَّمائِمِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ ذِكْرِ اسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ
صفحة 61
﴿فاسْتَغْفَرُوا﴾ أيْ طَلَبُوا المَغْفِرَةَ مِنهُ تَعالى ﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ كَيْفَما كانَتْ، ومَفْعُولُ ( فاستغفروا ) مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى أيِ اسْتَغْفَرُوهُ، ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ طَلَبِ المَغْفِرَةِ بَلْ مَعَ التَّوْبَةِ وإلّا فَطَلَبُ المَغْفِرَةِ مَعَ الإصْرارِ كالِاسْتِهْزاءِ بِالرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ، ومِن هُنا قالَتْ رابِعَةُ العَدَوِيَّةُ: اسْتِغْفارُنا هَذا يَحْتاجُ إلى اسْتِغْفارٍ ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ أوْ بَيْنَ الحالِ وذِيها، والتَّرْكِيبُ عَلى ما أفادَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَدُلُّ عَلى أُمُورٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى وأُمُورٍ مِن جِهَةِ العَبْدِ.
أمّا الأوَّلُ فَعَلى وُجُوهٍ: أحَدُها دَلالَةُ اسْمِ الذّاتِ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن مَعْنى الغُفْرانِ الواسِعِ، وإيرادُ التَّرْكِيبِ عَلى صِيغَةِ الإنْشاءِ دُونَ الإخْبارِ بِأنْ لَمْ يَقُلْ وما يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ المَعْنى وتَأْكِيدٌ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ تَعْرِفُونَ أحَدًا يَقْدِرُ عَلى غَفْرِ الذُّنُوبِ كُلِّها صَغِيرِها وكَبِيرِها سالِفِها وغابِرِها غَيْرَ مَن وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وثانِيها تَقْدِيمُهُ عَنْ مَكانِهِ وإزالَتِهِ عَنْ مَقَرِّهِ لِأنَّهُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وهو ( الَّذِينَ ) والخَبَرُ الآتِي، ثُمَّ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أوِ الحالِ وصاحِبِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ كُلَّما وُجِدَ الِاسْتِغْفارُ لَمْ يَتَخَلَّفِ الغُفْرانَ، وثالِثُها الإتْيانُ بِالجَمْعِ المُحَلّى بِاللّامِ إعْلامًا بِأنَّ التّائِبَ إذا تَقَدَّمَ بِالِاسْتِغْفارِ يُتَلَقّى بِغُفْرانِ ذُنُوبِهِ كُلِّها فَيَصِيرُ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ، ورابِعُها دَلالَةُ النَّفْيِ بِالحَصْرِ والإثْباتِ عَلى أنَّهُ لا مَفْزَعَ لِلْمُذْنِبِينَ إلّا كَرَمُهُ وفَضْلُهُ، وذَلِكَ أنَّ مَن وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ في نَشْرِها كَرَمًا وفَضْلًا، وخامِسُها إسْنادُ غُفْرانِ الذُّنُوبِ إلى نَفْسِهِ سُبْحانَهُ وإثْباتُهُ لِذاتِهِ المُقَدَّسِ بَعْدَ وُجُودِ الِاسْتِغْفارِ وتَنَصُّلِ عَبِيدِهِ يَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ ذَلِكَ قَطْعًا، إمّا بِحَسَبِ الوَعْدِ كَما نَقُولُ أوْ بِحَسَبِ العَدْلِ كَما يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ.
وأمّا الثّانِي فَفِيهِ وُجُوهٌ أيْضًا:
الأوَّلُ: إنَّ في إبْداءِ سَعَةِ الرَّحْمَةِ واسْتِعْجالِ المَغْفِرَةِ بِشارَةً عَظِيمَةً وتَطْيِيبًا لِلنُّفُوسِ، والثّانِي: أنَّ العَبْدَ إذا نَظَرَ إلى هَذِهِ العِنايَةِ الشَّدِيدَةِ والِاهْتِمامِ العَظِيمِ في شَأْنِ التَّوْبَةِ يَتَحَرَّكُ نَشاطُهُ ويَهْتَزُّ عَطْفُهُ فَلا يَتَقاعَدُ عَنْها، والثّالِثُ: أنَّ في ضِمْنِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ قَلْعُ اليَأْسِ والقُنُوطِ ولِهَذا عَلَّلَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ .
والرّابِعُ: أنَّهُ أُطْلِقَتِ الذُّنُوبُ وعَمَّتْ بَعْدَ ذِكْرِ الفاحِشَةِ وظُلْمِ النَّفْسِ وتَرْكِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ المُبالاةِ في الغُفْرانِ، فَإنَّ الذُّنُوبَ وإنْ كَبُرَتْ فَعَفْوُ اللَّهِ تَعالى أكْبَرُ.
والخامِسُ: أنَّ الِاسْمَ الجامِعَ في التَّرْكِيبِ كَما دَلَّ عَلى سِعَةِ الغُفْرانِ بِحَسَبِ المَقامِ يَدُلُّ أيْضًا مَعَ إرادَةِ الحَصْرِ عَلى أنَّهُ تَعالى وحْدَهُ مَعَهُ مُصَحِّحاتُ المَغْفِرَةِ مِن كَوْنِهِ عَزِيزًا لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ فَيَرُدَّ عَلَيْهِ حُكْمَهُ، وكَوْنُهُ حَكِيمًا يَغْفِرُ لِمَن تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ غُفْرانَهُ.
وقَدِ التَزَمَ بَعْضُهم كَوْنَ ( ألْ ) في (الذُّنُوبِ) لِلْجِنْسِ لِتُفِيدَ الآيَةُ امْتِناعُ صُدُورِ مَغْفِرَةِ فَرْدٍ مِنها مِن غَيْرِهِ تَعالى، وهَذا عَلى ظَنِّهِ لا تُفِيدُهُ الآيَةُ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ كُلِّ (الذُّنُوبِ) وحِينَئِذٍ يَزْدادُ أمْرُ المُبالَغَةِ، وأمّا جَعْلُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً بِتَقْدِيرِ قائِلِينَ ذَلِكَ فَتَعَسُّفٌ يَذْهَبُ بِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ اللَّطِيفَةِ كَما لا يَخْفى، و(مَن) مُبْتَدَأٌ (ويَغْفِرُ) خَبَرُهُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلٌ مِنَ المَسْتَكِنِ في يَغْفِرُ أوْ فاعِلٌ لَهُ ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فاسْتَغْفَرُوا﴾ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ لَمْ يُقِيمُوا أوْ غَيْرُ مُقِيمِينَ عَلى الَّذِي فَعَلُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ فاحِشَةً كانَتْ أوْ ظُلْمًا أوْ عَلى فِعْلِهِمْ، وأصْلُ الإصْرارِ الشَّدُّ مِنَ الصَّرِّ، وقِيلَ: الثَّباتُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ يَصِفُ الخَيْلَ:
عَوابِسَ بِالشُّعْثِ الكُماةِ إذا ابْتَغَوْا ∗∗∗ غُلالَتَها بِالمُحْصَداتِ (أصَرَّتِ)
ويُسْتَعْمَلُ شَرْعًا بِمَعْنى الإقامَةِ عَلى القَبِيحِ مِن غَيْرِ اسْتِغْفارٍ ورُجُوعٍ بِالتَّوْبَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِحُّ إرادَةُ هَذا
صفحة 62
المَعْنى لِئَلّا يَتَكَرَّرَ ما في المَفْهُومِ مَعَ ما في المَنطُوقِ، فَلَعَلَّهُ فِيهِ بِمَعْنى الإقامَةِ، وإذا حُمِلَ الِاسْتِغْفارُ عَلى مُجَرَّدِ طَلَبِ المَغْفِرَةِ فَقَطْ كانَ هَذا مُشِيرًا لِلتَّوْبَةِ الَّتِي هي مِلاكُ الأمْرِ إلّا أنَّهُ قَدَّمَ الِاسْتِغْفارَ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلَيْها في الظّاهِرِ، وإذا حُمِلَ عَلى الحالِ الَّذِي يَنْضَمُّ إلَيْهِ التَّوْبَةُ كانَ هَذا تَصْرِيحًا بِبَعْضِ ما أُرِيدَ مِنهُ إشارَةً إلى الِاعْتِناءِ بِهِ كَما قالُوا في ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ.
أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا:“ كُلُّ ذَنْبٍ أصَرَّ عَلَيْهِ العَبْدُ كَبِيرٌ، ولَيْسَ بِكَبِيرٍ ما تابَ مِنهُ العَبْدُ " .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكم، ويْلٌ لِأقْماعِ القَوْلِ ويْلٌ لِلْمُصِرِّينَ» .
﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ (135) قِيلَ: الجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ اسْتَغْفَرُوا وفِيهِ بُعْدٌ لَفْظِيٌّ، والمَشْهُورُ أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ أصَرُّوا، ومَفْعُولُ (يَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ أيْ يَعْلَمُونَ قُبْحَ فِعْلِهِمْ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الحالَ بَعْدَ الفِعْلِ المَنفِيِّ وكَذا جَمِيعُ القُيُودِ قَدْ يَكُونُ راجِعًا إلى النَّفْيِ قَيْدًا لَهُ دُونَ المَنفِيِّ، مِثْلُ: ما جِئْتُكَ مُشْتَغِلًا بِأُمُورِكَ بِمَعْنى تَرَكْتُ المَجِيءَ مُشْتَغِلًا بِذَلِكَ، وقَدْ يَكُونُ راجِعًا إلى ما دَخَلَهُ النَّفْيُ مِثْلُ: ما جِئْتُكَ راكِبًا، ولِهَذا مَعْنَيانِ: أحَدُهُما وهو الأكْثَرُ أنْ يَكُونُ النَّفْيُ راجِعًا إلى القَيْدِ فَقَطْ ويَثْبُتُ أصْلُ الفِعْلِ فَيَكُونُ المَعْنى جِئْتُ غَيْرَ راكِبٍ، وثانِيهِما: أنْ يَقْصِدَ نَفْيَ الفِعْلِ والقَيْدِ مَعًا بِمَعْنى انْتِفاءِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ فالمَعْنى في المِثالِ لا مَجِيءَ ولا رُكُوبَ، وقَدْ يَكُونُ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا لِلْفِعْلِ فَقَطْ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِنَفْيِ القَيْدِ وإثْباتِهِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ لا يَصِحُّ فِيها أنْ يَكُونَ وهم ( يَعْلَمُونَ ) قَيْدًا لِلنَّفْيِ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِأنَّ تَرْكَ الإصْرارِ مُوجِبٌ لِلْأجْرِ والجَزاءِ سَواءٌ كانَ مَعَ العِلْمِ بِالقُبْحِ أوْ مَعَ الجَهْلِ، بَلْ مَعَ الجَهْلِ أوْلى، ولا يَصِحُّ أيْضًا فِيها أنْ يَتَوَجَّهَ النَّفْيُ إلى القَيْدِ فَقَطْ مَعَ إثْباتِ أصْلِ الفِعْلِ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى إثْباتِ الإصْرارِ ونَفْيِ العِلْمِ، وكَذا لا يَصِحُّ تَوَجُّهُهُ إلى الفِعْلِ والقَيْدِ مَعًا إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى نَفْيِ العِلْمِ، والظّاهِرُ أنَّ المُناسِبَ فِيها تَوَجُّهُهُ إلى الفِعْلِ فَقَطْ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِنَفْيِ القَيْدِ وإثْباتِهِ، والمُرادُ لَمْ يُصِرُّوا عالِمِينَ بِمَعْنى أنَّ عَدَمَ الإصْرارِ مُتَحَقِّقٌ البَتَّةَ.
ولَكَ أنْ تَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحالُ هُنا قَيْدًا لِلنَّفْيِ ويَكُونُ المَعْنى تَرَكُوا الإصْرارَ عَلى الذَّنْبِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ الذَّنْبَ قَبِيحٌ؛ فَإنَّ الحالَ قَدْ يَجِيءُ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ.
وحَدِيثُ إنَّ تَرْكَ الإصْرارِ مُوجِبٌ لِلْأجْرِ والجَزاءِ، سَواءٌ كانَ مَعَ العِلْمِ بِالقُبْحِ أوْ مَعَ الجَهْلِ، فَلا دَخْلَ لِمَضْمُونِ الحالِ في إيجابِ الأجْرِ، مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الحالِ تَقْيِيدَ الإصْرارِ بِها لِإيجابِ الأجْرِ حَتّى يَرِدَ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ، بَلِ المُرادُ مَدْحُهم بِأنَّ تَرْكَهُمُ الإصْرارَ عَلى الذَّنْبِ لِأجْلِ أنَّ فِيهِمْ ما هو زاجِرٌ عَنْهُ وهو عِلْمُهم بِقُبْحِ الذَّنْبِ، فَيَكُونُ مَدْحًا لَهم بِأنَّ مِن صِفاتِهِمُ التَّحَرُّزَ عَنِ القَبائِحِ، وادَّعى بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ تَعَيُّنَ كَوْنِ الحالِ قَيْدًا لِلْمَنفِي وأنَّ النَّفْيَ راجِعٌ إلى القَيْدِ، والمَعْنى لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الإصْرارُ مَعَ العِلْمِ بِقُبْحِ الجَزاءِ؛ لِأنَّ المُصِرَّ مَعَ عَدَمِ العِلْمِ بِالقُبْحِ لا يُحْرَمُ الجَزاءَ، وغَيْرَ المُصِرِّ لِكَسالَةٍ أوْ لِعَدَمِ مَيْلِ الطَّبْعِ لا يَبْلُغُهُ؛ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى الكَفِّ لا عَلى العَدَمِ، وإلّا لَكانَ لِكُلِّ أحَدٍ أجِزْيَةٌ لا تَتَناهى لِعَدَمِ فِعْلِ قَبائِحَ لا تَتَناهى لَمْ تَخْطِرْ بِبالِهِ، ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِ: وغَيْرُ المُصِرِّ إلَخْ، وقَوْلُهُ: لِأنَّ الجَزاءَ إلَخْ مِنَ النَّظَرِ، وكَأنَّ مِن جَعَلَهُ حالًا مِن ضَمِيرِ اسْتَغْفَرُوا أرادَ الفِرارَ مِن هَذِهِ الدَّغْدَغَةِ، وأنا أقُولُ: إنَّ الحالَ قُيِّدَ لِلنَّفْيِ ومُتَعَلِّقِ العِلْمِ، ولَيْسَ هو القُبْحَ بَلْ إنَّهُ يَغْفِرُ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ ويَتُوبُ عَلى مَن تابَ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ كَما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْهُ، وحُكِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا، والمَعْنى أنَّهم تَرَكُوا الإقامَةَ عَلى الذَّنْبِ عالِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِن عِبادِهِ ويَغْفِرُ لَهم، وهو إيذانٌ بِأنَّهم لا يَيْأسُونَ مِن رَوْحِ
صفحة 63
اللَّهِ سُبْحانَهُ ولا يَرِدُ عَلى هَذا دَعْوى عَدَمِ الفائِدَةِ كَما أُورِدَ أوَّلًا، إذْ مِنَ المَعْلُومِ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ أنَّ تَرْكَ الإصْرارِ إنَّما يُوجِبُ الأجْرُ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ يَأْسٌ، فَإنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ، ولَعَلَّ مَدْحَهم بِأنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ أوْلى مِن مَدْحِهِمْ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ قُبْحَ الفِعْلِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ الجُمْلَةَ سِيقَتْ مُعْتَرِضَةً لِذَلِكَ كَما سِيقَتْ كَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ لِما سِيقَتْ لَهُ، وأمّا جَعْلُها مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ لَمْ يُصِرُّوا، ورُبَّ شَيْءٍ يَصِحُّ تَبَعًا ولا يَصِحُّ اسْتِقْلالًا فَلَيْسَ بِالَّذِي تَمِيلُ النَّفْسُ إلَيْهِ.
3:136Page 67
أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ١٣٦
Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.
( ﴿أُولَئِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ أخِيرًا بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، والبُعْدُ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُعْظَمُ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ وهم طائِفَةٌ واحِدَةٌ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ أوْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( مَغْفِرَة ) خَبَرُ ( أُولَئِكَ ) أوْ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ ( ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا﴾ ) إلَخْ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وادَّعى مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ الأظْهَرُ الأنْسَبُ بِنَظْمِ المَغْفِرَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ سابِقَةِ الذَّنْبِ في سِ لْكِ الجَزاءِ إذْ عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ ( أُولَئِكَ ) إلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها كاشِفَةٌ عَنْ حالِ كِلا الفَرِيقَيْنِ المُحْسِنِينَ والتّائِبِينَ، ولَمْ يَذْكُرْ ما هو مِن أوْصافِ الأوَّلِينَ ما فِيهِ شائِبَةُ الذَّنْبِ حَتّى يَذْكُرَ في مَطْلَعِ الجَزاءِ الشّامِلِ لَهُما المَغْفِرَةَ، وتَخْصِيصُ الإشارَةِ بِالأخِيرَيْنِ مَعَ اشْتِراكِهِما في حُكْمِ إعْدادِ الجَنَّةِ لَهُما تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ انْتَهى.
والَّذِي يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ الآيَةَ ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآيَةَ فَقالَ: إنَّ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ لِنَعْتِ رَجُلٍ واحِدٍ أحَدُ الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ أشارَ إلَيْهِما بَلِ الأوَّلِ مِنهُما، وتَكُونُ هَذِهِ الإشارَةُ كَما قالَ صاحِبُ القِيلِ، وهَذِهِ المَغْفِرَةُ هي المَغْفِرَةُ الَّتِي أُمِرَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ مِن لَهُ ذَنْبٌ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ مِنهم بِالمُسارَعَةِ إلى ما يُؤَدِّي إلَيْها، فَلا يَضُرُّ وُقُوعُها في مَطْلَعِ الجَزاءِ ( مِن رَبِّهِمْ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْمَغْفِرَةِ مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ مَغْفِرَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ مَعَ التَّشْرِيفِ ﴿وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ عَطْفٌ عَلى ( مَغْفِرَةٌ ) والمُرادُ بِها جَنّاتٌ في ضِمْنِ تِلْكَ الجَنَّةِ الَّتِي أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ عَرْضَها السَّمَوات والأرْض ولَيْسَ جَنّاتٌ وراءَها عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ صاحِبِ القِيلِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِإعْدادِ ما وُصِفَ أوَّلًا تَنْصِيصًا عَلى وصْفِها بِاشْتِمالِها عَلى ما يَزِيدُها بَهْجَةً مِنَ الأنْهارِ الجارِيَةِ بَعْدَ وصْفِها بِالسِّعَةِ، والإخْبارُ بِأنَّها جَزاؤُهم وأجْرُهُمُ الَّذِي لا بُدَّ بِمُقْتَضى الفَضْلِ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ، وهَذا فَوْقَ الإخْبارِ بِالإعْدادِ أوْ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ عَلى طُرُزِ ما ذُكِرَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وادَّعى شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ التَّنْكِيرَ يُشْعِرُ بِكَوْنِها أدْنى مِنَ الجَنَّةِ السّابِقَةِ، وإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُؤَيِّدُ رُجْحانَ الوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ وفِيهِ تَرَدُّدُ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( جَزاؤُهم ) لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ مَعْنًى إذْ هو في قُوَّةِ يَجْزِيهِمُ اللَّهُ جَنّاتٍ خالِدِينَ فِيها، ولا مَساغَ لِأنْ يَكُونَ حالًا مِن جَنّاتٍ في اللَّفْظِ وهي لِأصْحابِها في المَعْنى إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأُبْرِزَ الضَّمِيرُ عَلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ (136) المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ الجَنَّةُ، وعَلى ذَلِكَ اقْتَصَرَ مُقاتِلٌ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ ذَلِكَ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنّاتِ.
صفحة 64
وفِي الجُمْلَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وُجُوهٌ مِنَ المُحَسِّناتِ: أحَدُها أنَّها كالتَّذْيِيلِ لِلْكَلامِ السّابِقِ فَيُفِيدُ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ لِلِاسْتِلْذاذِ بِذِكْرِ الوَعْدِ، وثانِيها في إقامَةِ الأجْرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الجَزاءِ لِأنَّ الأصْلَ ( ونِعْمَ ) هو أيْ جَزاؤُهم إيجابُ إنْجازِ هَذا الوَعْدِ، وتَصْوِيرُ صُورَةِ العَمَلِ في العِمالَةِ تَنْشِيطًا لِلْعامِلِ، وثالِثُها في تَعْمِيمِ العامِلِينَ وإقامَتِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ الدَّلالَةُ عَلى حُصُولِ المَطْلُوبِ لِلْمَذْكُورِينَ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ.
والمُرادُ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ الَّذِي جُعِلَ هَذا كالتَّذْيِيلِ لَهُ إمّا الكَلامُ الَّذِي في شَأْنِ التّائِبِينَ، أوْ جَمِيعُ الكَلامِ السّابِقِ عَلى الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا، ومَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ قالَ: وكَفاكَ في الفَرْقِ بَيْنَ القَبِيلَيْنِ وهُما المُتَّقُونَ الَّذِينَ أتَوْا بِالواجِباتِ بِأسْرِها واجْتَنَبُوا المَعاصِيَ بِرُمَّتِها، والمُسْتَغْفِرُونَ لِذُنُوبِهِمْ بَعْدَما أذْنَبُوا وارْتَكَبُوا الفَواحِشَ والظُّلْمَ أنَّهُ تَعالى فَصَّلَ آيَةَ الأوَّلِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ المُشْعِرُ بِأنَّهم مُحْسِنُونَ مَحْبُوبُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفَصَّلَ آيَةَ الآخَرِينَ بِقَوْلِهِ جَلَ وعَلا: ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ المُشْعِرُ بِأنَّ هَؤُلاءِ أُجَراءٌ وأنَّ ما أُعْطُوا مِنَ الأجْرِ جَزاءٌ لَتَدارُكِهِمْ بَعْضَ ما فَوَّتُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأيْنَ هَذا مِن ذاكَ وبَعِيدٌ ما بَيْنَ السَّمَكِ والسَّمّاكِ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ النَّعْتَيْنِ نَعْتَ رَجُلٍ واحِدٍ كَما حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِيبَ تِلْكَ لِما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وأيُّ مانِعٍ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّهم مَحْبُوبُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ اللَّهَ تَعالى مُنْجِزٌ ما وعَدَهم بِهِ ولا بُدَّ وكَوْنَهم إذا أذْنَبُوا اسْتَغْفَرُوا وتابُوا لا يُنافِي كَوْنَهم مُحْسِنِينَ، أمّا إذا أُرِيدَ مِنَ الإحْسانِ الإنْعامُ عَلى الغَيْرِ فَظاهِرٌ، وأمّا إذا أُرِيدَ بِهِ الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، أوْ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ، كَما صُرِّحَ بِهِ في الصَّحِيحِ، فَلِأنَّ ذَلِكَ لَوْ نافى لَزِمَ أنْ لا يَصْدُقَ المُحْسِنُ إلّا عَلى نَحْوِ المَعْصُومِ، ولا يَصْدُقُ عَلى مَن عَبَدَ اللَّهَ تَعالى وأطاعَهُ مُدَّةً مَدِيدَةً عَلى ألْيَقِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ ثُمَّ عَصاهُ لَحْظَةً فَنَدِمَ أشَدَّ النَّدَمِ واسْتَغْفَرَ سَيِّدَ الِاسْتِغْفارِ، ولا أظُنُّ أحَدًا يَقُولُ بِذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
ثُمَّ إنَّ في هَذِهِ الآياتِ - عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْظَمُ - دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ ثَلاثُ طَبَقاتٍ، مُتَّقِينَ وتائِبِينَ، ومُصِرِّينَ، وعَلى أنَّ غَيْرَ المُصِرِّينَ تُغْفَرُ ذُنُوبُهم ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وأمّا أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ المُصِرِّينَ لا تُغْفَرُ ذُنُوبَهم ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ فَلا لِأنَّ السُّكُوتَ عَنِ الحُكْمِ لَيْسَ بَيانًا لِحُكْمِهِمْ عِنْدَ بَعْضٍ، ودالٌّ عَلى المُخالَفَةِ عِنْدَ آخَرِينَ، وكَفى في تَحَقُّقِها أنَّهم مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ وأنَّهم لا يَخْلُونَ عَنْ تَعْنِيفٍ أقَلُّهُ تَعْيِيرُهم بِما أذْنَبُوهُ مُفَصَّلًا – ويا لَهُ مِن فَضِيحَةٍ - وهَذا ما لا بُدَّ مِنهُ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وحِينَئِذٍ لَمْ يَتِمَّ لَهُمُ المَغْفِرَةُ الكامِلَةُ كَما لِلتّائِبِينَ عَلى أنَّ مُقْتَضى ما في الآياتِ أنَّ الجَنَّةَ لا تَكُونُ جَزاءً لِلْمُصِرِّ، وكَذَلِكَ المَغْفِرَةُ، أمّا نَفْيَ التَّفَضُّلِ بِهِما فَلا، وهَذا عَلى أصْلِ المُعْتَزِلَةِ واضِحٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الجَزاءِ والتَّفَضُّلِ وُجُوبًا وعَدَمَ وُجُوبٍ، وأمّا عَلى أصْلِ أهْلِ السُّنَّةِ فَكَذَلِكَ لِأنَّ التَّفَضُّلَ قِسْمانِ: قِسْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى العَمَلِ تَرَتُّبَ الشِّبَعِ عَلى الأكْلِ يُسَمّى أجْرًا وجُزْءًا، وقِسْمٌ لا يَتَرَتَّبُ عَلى العَمَلِ فَمِنهُ ما هو تَتْمِيمٌ لِلْأجْرِ كَمًّا أوْ كَيْفًا كَما وعَدَهُ مِنَ الأضْعافِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِنهُ ما هو مَحْضُ التَّفَضُّلِ حَقِيقَةً واسْمًا كالعَفْوِ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ ورُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى في دارِ القَرارِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ورَدَتْ خِطابًا لِآكِلِي الرِّبا مِنَ المُؤْمِنِينَ ورَدْعًا لَهم عَنِ الإصْرارِ عَلى ما يُؤَدِّيهِمْ إلى دَرَكاتِ الهالِكِينَ مِنَ الكافِرِينَ وتَحْرِيضًا عَلى التَّوْبَةِ والمُسارَعَةِ إلى نَيْلِ الدَّرَجاتِ مَعَ الفائِزِينَ مِنَ المُتَّقِينَ والتّائِبِينَ، فَإدْراجُ المُصِرِّينَ في هَذا المَقامِ بَعِيدُ المَرْمى لِأنَّهُ إغْراءٌ وتَشْجِيعٌ عَلى الذَّنْبِ، لا زَجْرٌ ولا تَرْهِيبٌ، فَبَيَّنَ بِالآياتِ
صفحة 65
مَعْنى المُتَّقِينَ لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ ومَزِيدَ تَصْوِيرِ مَقاماتِ الأوْلِياءِ ومَراتِبِهِمْ لِيَكُونَ حَثًّا لَهم عَلى الِانْخِراطِ في سِلْكِهِمْ، ولا بُدَّ مِن ذِكْرِ التّائِبِينَ واسْتِغْفارِهِمْ وعَدَمِ الإصْرارِ لِيَكُونَ لُطْفًا لِهَؤُلاءِ، وجَمِيعُ الفَوائِدِ الَّتِي ذُكِرَتْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ تَدْخُلُ في المَعْنى، فَعُلِمَ مِن هَذا أنَّ دَلالَةَ ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ مَهْجُورَةٌ لِأنَّ مَقامَ التَّحْرِيضِ والحَثِّ أخْرَجَ المُصِرِّينَ، والحاصِلُ أنَّ شَرْطَ دَلالَةِ المَفْهُومِ هُنا مُنْتَفٍ فَلا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِذَلِكَ لِلْمُعْتَزِلَةِ أصْلًا.
3:137Page 67
قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١٣٧
Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.
﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ أيْ وقائِعُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ أجْراها اللَّهُ تَعالى حَسَبَ عادَتِهِ، وقالَ المُفَضَّلُ: إنَّ المُرادَ بِها الأُمَمُ، وقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ بِمَعْنى الأُمَّةِ في كَلامِهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ:
ما عايَنَ النّاسُ مِن فَضْلٍ كَفَضْلِكم ولا رَأوْا مِثْلَكم في سالِفِ السُّنَنِ
وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ بِها الشَّرائِعُ والأدْيانُ، فالمَعْنى قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ وأدْيانٌ نُسِخَتْ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ بِالمَقامِ لِأنَّ هَذا إمّا مُساقٌ لِحَمْلِ المُكَلَّفِينَ أوْ آكِلِي الرِّبا عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ أوْ عَلى التَّوْبَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ أوْ عَلى كِلَيْهِما بِنَوْعٍ غَيْرِ ما سَبَقَ - كَما قِيلَ - وإمّا عَوْدٌ إلى تَفْصِيلِ بَقِيَّةِ القِصَّةِ بَعْدَ تَمْهِيدِ مَبادِي الرَّشَدِ والصَّلاحِ وتَرْتِيبِ مُقَدِّماتِ الفَوْزِ والفَلاحِ عَلى رَأْيٍ، وذِكْرُ مُضِيِّ الأدْيانِ لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ ارْتِباطٍ بِذَلِكَ، وإنْ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ فِيهِ تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى دِينِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِئَلّا يَهِنُوا بِقَوْلِ اليَهُودِ أنَّ دِينَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُنْسَخُ ولا يَجُوزُ النَّسْخُ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ بَداءٌ، وتَحْرِيضًا لِلْيَهُودِ وحَثًّا عَلى قَبُولِ دِينِ الإسْلامِ، وإنْذارًا لَهم مِن أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ مِثْلُ ما وقَعَ عَلى المُكَذِّبِينَ، وتَقْوِيَةً لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَنْصُرُهم عَلى المُكَذِّبِينَ، نَعَمْ إطْلاقُ السُّنَّةِ عَلى الشَّرِيعَةِ أقْرَبُ مِن إطْلاقِها عَلى الوَقْعَةِ لِأنَّها في الأصْلِ الطَّرِيقَةُ والعادَةُ ومِنهُ قَوْلُهم: سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِخَلَتْ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( سُنَنٌ ) أيْ سُنَنٌ كائِنَةٌ مِن قَبْلِكم ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ بِأقْدامِكم أوْ بِأفْهامِكم ﴿فانْظُرُوا﴾ أيْ تَأمَّلُوا.
﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ (137) أيْ آخِرُ أمْرِهِمُ الَّذِي أدّى إلَيْهِ تَكْذِيبُهم لِأنْبِيائِهِمْ، والفاءُ لِلْإيذانِ بِسَبَبِيَّةِ الخُلُوِّ لِلسَّيْرِ والنَّظَرِ أوِ الأمْرِ بِهِما، وقِيلَ: المَعْنى عَلى الشَّرْطِ أيْ إنْ شَكَكْتُمْ ( فَسِيرُوا ) إلَخْ، والخِطابُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُساقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ النَّقّاشُ: لِلْكُفّارِ - وفِيهِ بُعْدٌ - و( كَيْفَ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ - لِكانَ - مُعَلَّقٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ لِأنَّ الأصْلَ اسْتِعْمالُهُ بِالجارِّ وتَجْرِيدُ الفِعْلِ عَنْ تاءِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ المَرْفُوعَ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences