Al-AlusiAli 'Imran · 3:7

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:7, continued

الخامِسُ: ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «“ أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى أرْبَعَةِ أحْرُفٍ حَلالٍ وحَرامٍ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بِجَهالَتِهِ، وتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُهُ العُلَماءُ، ومُتَشابِهٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ومَنِ اِدَّعى عِلْمَهُ سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو كاذِبٌ ”». إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ المُتَشابِهَ مِمّا لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.

وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنْ كُلًّا مِنَ الوَقْفِ والوَصْلِ جائِزٌ ولِكُلٍّ مِنهُما وجْهٌ وجِيهٌ وبَيَّنَ ذَلِكَ الرّاغِبُ بِأنَّ القُرْآنَ عِنْدَ اِعْتِبارِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ: مُحْكَمٌ عَلى الإطْلاقِ، ومُتَشابِهٌ عَلى الإطْلاقِ، ومُحْكَمٌ مِن وجْهٍ مُتَشابِهٌ مِن وجْهٍ، فالمُتَشابِهُ في الجُمْلَةِ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ: مُتَشابِهٌ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ فَقَطْ، ومِن جِهَةِ المَعْنى، ومِن جِهَتِهِما مَعًا، فالأوَّلُ ضَرْبانِ: أحَدُهُما يَرْجِعُ إلى الألْفاظِ المُفْرَدَةِ، أمّا مِن جِهَةِ الغَرابَةِ نَحْوَ الأبِ ويَزُفُّونَ، أوِ الِاشْتِراكِ كاليَدِ والعَيْنِ، وثانِيهِما يَرْجِعُ إلى جُمْلَةِ الكَلامِ المُرَكَّبِ وذَلِكَ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ: ضَرْبٌ لِاخْتِصارِ الكَلامِ نَحْوَ ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾، وضَرْبٌ لِبَسْطِهِ نَحْوَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ كانَ أظْهَرَ لِلسّامِعِ، وضَرْبٌ لِنَظْمِ الكَلامِ نَحْوَ ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ إذْ تَقْدِيرُهُ أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، والمُتَشابِهُ مِن جِهَةِ المَعْنى أوْصافُ اللَّهِ تَعالى وأوْصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ لا تَتَصَوَّرُ لَنا إذْ لا يَحْصُلُ في نُفُوسِنا صُورَةُ ما لَمْ نُحِسَّهُ أوْ لَيْسَ مِن جِنْسِهِ، والمُتَشابِهُ مِن جِهَتِهِما خَمْسَةُ أضْرُبٍ:

الأوَّلُ: مِن جِهَةِ الكَمِّيَّةِ كالعُمُومِ والخُصُوصِ نَحْوَ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ . والثّانِي: مِن جِهَةِ الكَيْفِيَّةِ كالوُجُوبِ والنَّدْبِ في نَحْوِ ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ . والثّالِثُ: مِن جِهَةِ الزَّمانِ كالنّاسِخِ والمَنسُوخِ نَحْوَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ . والرّابِعُ: مِن جِهَةِ المَكانِ والأُمُورِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ نَحْوَ ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ و﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾، فَإنَّ مَن لا يَعْرِفُ عادَتَهم في الجاهِلِيَّةِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ هَذِهِ. والخامِسُ: مِن جِهَةِ الشُّرُوطِ الَّتِي يَصِحُّ بِها الفِعْلُ ويَفْسُدُ كَشَرْطِ الصَّلاةِ والنِّكاحِ.

ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ إذا تُصُوِّرَتْ عُلِمَ أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ المُتَشابِهِ لا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ التَّقاسِيمِ؛ ثُمَّ جَمِيعُ المُتَشابِهِ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: ضَرْبٌ لا سَبِيلَ لِلْوُقُوفِ عَلَيْهِ كَوَقْتِ السّاعَةِ وخُرُوجِ الدّابَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقِسْمٌ لِلْإنْسانِ سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَتِهِ كالألْفاظِ الغَرِيبَةِ والأحْكامِ الغَلِقَةِ، وضَرْبٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ بَعْضُ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ ويَخْفى عَلى مَن دُونَهُمْ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «“ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» وإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ لَكَ جَوازُ الأمْرَيْنِ الوَقْفِ عَلى ﴿إلا اللَّهُ﴾ والوَقْفِ عَلى ﴿الرّاسِخُونَ﴾ .

وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّحْقِيقِ: الحَقُّ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالمُتَشابِهِ ما لا سَبِيلَ إلَيْهِ لِلْمَخْلُوقِ فالحَقُّ الوَقْفُ عَلى ﴿إلا اللَّهُ﴾ وإنْ أُرِيدَ ما لا يَتَّضِحُ بِحَيْثُ يَتَناوَلُ المُجْمَلَ ونَحْوَهُ فالحَقُّ العَطْفُ ويَجُوزُ الوَقْفُ أيْضًا، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ جَمِيعَهُ أوْ لا يَعْلَمُهُ بِالكُنْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وأمّا إذا فُسِّرَ بِما دَلَّ القاطِعُ أيِ النَّصُّ النَّقْلِيُّ أوِ الدَّلِيلُ الجازِمُ العَقْلِيُّ عَلى أنَّ ظاهِرَهُ غَيْرُ مُرادٍ ولَمْ يَقُمْ

صفحة 86

دَلِيلٌ عَلى ما هو المُرادُ فَفِيهِ مَذْهَبانِ: فَمِنهم مَن يُجَوِّزُ الخَوْضَ فِيهِ وتَأْوِيلَهُ بِما يَرْجِعُ إلى الجادَّةِ في مَثَلِهِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُ الوَقْفُ وعَدَمُهُ، ومِنهم مَن يَمْنَعُ الخَوْضَ فِيهِ فَيَمْتَنِعُ تَأْوِيلُهُ ويَجِبُ الوَقْفُ عِنْدَهُ.

والذّاهِبُونَ إلى الوَقْفِ مِنَ السّادَةِ الحَنَفِيَّةِ أجابُوا عَمّا ذَكَرَهُ غَيْرُهم في تَرْجِيحِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنَ الوُجُوهِ:

فَعَنِ الأوَّلِ: بِأنَّهُ أُرِيدَ بَيانُ حَظِّ الرّاسِخِينَ مُقابِلًا لِبَيانِ حَظِّ الزّائِغِينَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ وأمّا الرّاسِخُونَ مُبالِغَةً في الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الرّاسِخِينَ حَيْثُ لَمْ يَسْلُكْ بِهِمْ سَبِيلَ المُعادَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ لِهَؤُلاءِ الزّائِغِينَ وصِينُوا عَنْ أنْ يُذْكَرُوا مَعَهم كَما يُذْكَرُ المُتَقابِلانِ في الأغْلَبِ في مِثْلِ هَذِهِ المَقاماتِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ والطّاغُوتُ أوْلِياءُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ولا الَّذِينَ آمَنُوا ولِيُّهُمُ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ تَعالى ورِعايَةً لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ.

وعَنِ الثّانِي: بِأنَّ فائِدَةَ قَيْدِ الرُّسُوخِ المُبالَغَةُ في قَصْرِ عِلْمِ تَأْوِيلِ المُتَشابِهِ عَلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ إذا لَمْ يَعْلَمُوهُ هم كَما يُشْعِرُ بِهِ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ فَغَيْرُهم أوْلى بِعَدَمِ العِلْمِ فَلَمْ يَبْقَ عالِمٌ بِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى.

وعَنِ الثّالِثِ: بِأنَّهُ يَلْتَزِمُ القَوْلَ بَعْدَ الحَصْرِ، وفي «اَلْإتْقانِ» أنَّ بَعْضًا قالَ: إنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ في الشَّيْئَيْنِ إذْ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن طُرُقِهِ ولَوْلا ذَلِكَ لَأشْكَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ لِأنَّ المُحْكَمَ لا تَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلى البَيانِ، والمُتَشابِهَ لا يُرْجى بَيانُهُ فَما هَذا الَّذِي يُبَيِّنُهُ النَّبِيُّ ﷺ؟

وعَنِ الرّابِعِ: بِالتِزامِ أنَّ إضافَةَ أمٍّ إلى (اَلْكِتابِ) عَلى مَعْنى فِي، والمُحْكَمُ أمٌّ في (اَلْكِتابِ) ولَكِنْ لا لِلْمُتَشابِهِ الَّذِي اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ بَلْ هو أمٌّ وأصْلٌ في فَهْمِ العِباداتِ الشَّرْعِيَّةِ كَوُجُوبِ مَعْرِفَتِهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ وامْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ نَواهِيهِ، وعَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ بِأنَّ الإضافَةَ لامِيَّةٌ يَلْتَزِمُ الأُمُومَةَ لِلْكِتابِ بِاعْتِبارِ بَعْضِهِ وهو الواسِطَةُ بَيْنَ القِسْمَيْنِ لِأنَّ مُتَّضِحَ الدَّلالَةِ كَثِيرًا ما يُرْجَعُ إلَيْهِ في خَفِيِّها مِمّا لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ الِاسْتِئْثارِ.

وعَنِ الخامِسِ: بِأنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي دَعا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِابْنِ عَبّاسٍ لا يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلى تَأْوِيلِ ما اُخْتُصَّ عِلْمُهُ بِهِ تَعالى بَلْ يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى تَفْسِيرِ ما يَخْفى تَفْسِيرُهُ مِنَ القِسْمِ المُتَرَدِّدِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما الرّاغِبُ كَما ذَكَرَهُ.

وعَنِ السّادِسِ: بِأنَّ الرِّوايَةَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ» مُعارَضَةً بِما هو أصَحُّ مِنها بِدَرَجاتٍ فَتَسْقُطُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ اِعْتِبارِها يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مُرادُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أيِ المُتَشابِهَ في الجُمْلَةِ حَسْبَما دَعا لِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذا وإنْ قِيلَ: إنَّهُ مُتَشابِهٌ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ واسِطَةٌ بَيْنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ بِالمَعْنى المُرادِ.

وعَنِ السّابِعِ: بِأنَّ مَدْحَ الرّاسِخِينَ بِالتَّذَكُّرِ لَيْسَ لِأنَّ لَهم حَظًّا في مَعْرِفَتِهِ بَلْ لِأنَّهُمُ اِتَّعَظُوا فَخالَفُوا هَواهم ووَقَفُوا عِنْدَ ما حَدَّ لَهم مَوْلاهم ولَمْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَ الزّائِغِينَ ولَمْ يَخُوضُوا مَعَ الخائِضِينَ، ويُمْكِنْ عَلى بُعْدٍ أنْ يُرادَ بِالتَّذَكُّرِ الِانْتِفاعُ مَجازًا أيْ إنَّ الرّاسِخِينَ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ حَيْثُ يُؤْمِنُونَ بِهِ لِخُلُوصِ عُقُولِهِمْ عَنْ غِشاوَةِ الهَوى كَما أنَّهم آمَنُوا بِالغَيْبِ وهَذا بِخِلافِ الزّائِغِينَ حَيْثُ صارَ المُتَشابِهُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ ووَبالًا لَهم إذْ ضَلُّوا فِيهِ كَثِيرًا وأضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ مِن قَبْلُ فِيما ضَرَبَهُ مِنَ المَثَلِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾ .

وعَنِ الثّامِنِ: بِأنَّهُ لا بُعْدَ في أنْ يُخاطِبَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ بِما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِهِ ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِابْتِلاءِ كَما اِبْتَلى سُبْحانَهُ عِبادَهُ بِتَكالِيفَ كَثِيرَةٍ وعِباداتٍ وفِيرَةٍ لَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ حَقِيقَةَ السِّرِّ فِيها، والسِّرُّ في هَذا الِابْتِلاءِ قَصُّ جَناحِ العَقْلِ وكَسْرُ سُورَةِ الفِكْرِ وإذْهابُ عُجْبِ طاوُسِ النَّفْسِ لِيَتَوَجَّهَ القَلْبُ بِشَراشِرِهِ تُجاهَ كَعْبَةِ العُبُودِيَّةِ ويَخْضَعُ تَحْتَ سُرادِقاتِ الرُّبُوبِيَّةِ ويَعْتَرِفُ بِالقُصُورِ ويُقِرُّ بِالعَجْزِ عَنِ الوُصُولِ إلى ما في هاتِيكَ القُصُورِ وفي

صفحة 87

ذَلِكَ غايَةُ التَّرْبِيَةِ ونِهايَةُ المَصْلَحَةِ هَذا إذا أُرِيدَ بِما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِهِ ما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنهم إلى مَعْرِفَتِهِ مِن طَرِيقِ الفِكْرِ، وأمّا إذا أُرِيدَ ما لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَتْ عَلى الإجْمالِ أوِ التَّفْصِيلِ بِالوَحْيِ أوْ بِالإلْهامِ لِنَبِيٍّ أوْ لِوَلِيٍّ فَوُجُودُ مِثْلِ هَذا المُخاطَبِ بِهِ في القُرْآنِ في حَيِّزِ المَنعِ، ولَعَلَّ القائِلَ بِكَوْنِ المُتَشابِهُ مِمّا اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ لا يَمْنَعُ تَعْلِيمَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِواسِطَةِ الوَحْيِ مَثَلًا ولا إلْقاءَهُ في رُوعِ الوَلِيِّ الكامِلِ مُفَصَّلًا لَكِنْ لا يَصِلُ إلى دَرَجَةِ الإحاطَةِ كَعِلْمِ اللَّهِ تَعالى وإنْ لَمْ يَكُنْ مُفَصَّلًا فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ مُجْمَلًا، ومَنعُ هَذا وذاكَ مِمّا لا يَكادُ يَقُولُ بِهِ مَن يَعْرِفُ رُتْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ ورُتْبَةَ أوْلِياءِ أُمَّتِهِ الكامِلِينَ وإنَّما المَنعُ مِنَ الإحاطَةِ ومِن مَعْرِفَتِهِ عَلى سَبِيلِ النَّظَرِ والفِكْرِ وهو الطَّرِيقُ المُعْتادُ والسَّبِيلُ المَسْلُوكُ في مَعْرِفَةِ المُشْكِلاتِ واسْتِحْصالِ النَّظَرِيّاتِ ولِتَبادُرِ هَذا المَعْنى مَن يَعْلَمُ إذا أُسْنِدَ إلى الرّاسِخِينَ مَنَعَ إسْنادَهُ إلَيْهِمْ، ومَتى أُرِيدُ مِنهُ العِلْمُ لا مِن طَرِيقِ الفِكْرِ صَحَّ الإسْنادُ وجازَ العَطْفُ ولَكِنْ دُونَ تَوَهُّمِ هَذِهِ الإرادَةِ مِن ظاهِرِ الكَلامِ خَرْطَ القَتادِ، فَلِهَذا شاعَ القَوْلُ بِعَدَمِ العَطْفِ وكانَ القَوْلُ بِهِ أسَلْمَ.

ويُؤَيِّدُ ما قُلْنا ما ذَكَرَهُ الإمامُ الشَّعْرانِيُّ قالَ: أخْبَرَنِي شَيْخُنا عَلِيٌّ الخَوّاصُ قُدِّسَ سِرُّهُ إنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَعُهُ عَلى مَعانِي سُورَةِ الفاتِحَةِ فَخَرَّجَ مِنها مِائَتَيْ ألْفِ عَلَمٍ وأرْبَعِينَ ألْفَ عَلَمٍ وتِسْعَمِائَةٍ وتِسْعِينَ عَلَمًا، وكانَ يَقُولُ: لا يُسَمّى عالِمًا أيْ عِنْدِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى إلّا مَن عَرَفَ كُلَّ لَفْظٍ جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، وقالَ في «اَلْكَشْفِ» في نَحْوِ (ق)، (ص)، (حم)، (طس): لَعَلَّ إدْراكَ ما تَحْتَهُ عِنْدَ أهْلِهِ كَإدْراكِنا لِلْأوَّلِيّاتِ ولا يُسْتَبْعَدُ، فَفَيْضُ البارِي عَمَّ نَوالُهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ؛ واسْتِعْدادُ الإنْسانِ الكامِلِ عَنِ القَبُولِ غَيْرُ مَحْسُورٍ، ومَن لَمْ يُصَدِّقْ إجْمالًا بِأنَّ وراءَ مُدْرَكاتِ الفِكْرَةِ ومَبادِيها طَوْرًا أوْ أطْوارًا حَظُّ العَقْلِ مِنها حَظُّ الحِسِّ مِنَ المَعْقُولاتِ فَهو غَيْرُ مُتَخَلِّصٍ عَنْ مَضِيقِ التَّعْطِيلِ أوِ التَّشْبِيهِ وإنْ لَمْ يَتَدارَكْ حالَهُ بَقِيَ بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ في هَذا التِّيهِ، ولِتَتَحَقَّقَ مِن هَذا أنَّ المَراتِبَ مُخْتَلِفَةٌ وأنَّ الإحاطَةَ عَلى الحَقائِقِ الإلَهِيَّةِ كَما هي مُسْتَحِيلَةٌ إلّا لِلْبارِي جَلَّ ذِكْرُهُ وأنَّهُ لا بُدَّ لِلْعارِفِ وإنْ وصَلَ إلى أعْلى المَراتِبِ أنْ يَبْقى لَهُ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ غَيْبًا وهو مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَقُولُ الرّاسِخُونَ فِيهِ: ﴿آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ فَهَذا ما يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ كَيْ لا يُلْحِدَ.

ثُمَّ اِعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ جَعَلَ الصِّفاتِ النَّقْلِيَّةَ مِنَ الِاسْتِواءِ واليَدِ والقَدَمِ والنُّزُولِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا والضَّحِكِ والتَّعَجُّبِ وأمْثالِها مِنَ المُتَشابِهِ، ومَذْهَبُ السَّلَفِ والأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أعْيانِهِمْ كَما أبانَتْ عَنْ حالِهِ ”الإبانَةُ“ أنَّها صِفاتٌ ثابِتَةٌ وراءَ العَقْلِ ما كُلِّفْنا إلّا اِعْتِقادَ ثُبُوتِها مَعَ اِعْتِقادِ عَدَمِ التَّجْسِيمِ والتَّشْبِيهِ لِئَلّا يُضادَّ النَّقْلُ العَقْلَ، وذَهَبَ الخَلَفُ إلى تَأْوِيلِها وتَعْيِينِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِنها فَيَقُولُونَ: الِاسْتِواءُ مَثَلًا بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ والغَلَبَةِ، وذَلِكَ أثَرٌ مِن آثارِ بَعْضِ الصِّفاتِ الثَّمانِيَةِ الَّتِي لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى عِنْدَهم وراءَها صِفَةٌ حَتّى اِدَّعى السُّكُوتِيُّ ولَيْتَهُ سَكَتَ أنَّ ما وراءَ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ إذْ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِهِ مُحالٌ وكُلُّ ما لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِهِ مُحالٌ لا يَكُونُ واجِبًا، واَللَّهُ تَعالى لا يَتَّصِفُ إلّا بِواجِبٍ، وذَكَرَ الشَّعْرانِيُّ في «اَلدُّرَرِ المَنثُورَةِ» أنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أسْلَمُ وأحْكَمُ إذِ المُؤَوِّلُ اِنْتَقَلَ عَنْ شَرْحِ الِاسْتِواءِ الجُسْمانِيِّ عَلى العَرْشِ المَكانِيِّ بِالتَّنْزِيهِ عَنْهُ إلى التَّشْبِيهِ السُّلْطانِيِّ الحادِثِ وهو الِاسْتِيلاءُ عَلى المَكانِ فَهو اِنْتِقالٌ عَنِ التَّشْبِيهِ بِمُحْدَثٍ ما إلى التَّشْبِيهِ بِمُحْدَثٍ آخَرَ فَما بَلَغَ عَقْلُهُ في التَّنْزِيهِ مَبْلَغَ الشَّرْعِ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ألّا تَرى أنَّهُ اِسْتَشْهَدَ في التَّنْزِيهِ العَقْلِيِّ في الِاسْتِواءِ بِقَوْلِ شاعِرٍ:

صفحة 88

قَدِ اِسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ حَرْبٍ ودَمٍ مُهْراقُ

وأيْنَ اِسْتِواءُ بِشْرٍ عَلى العِراقِ مِنَ اِسْتِواءِ الرَّحْمَنِ عَلى العَرْشِ، ونِهايَةُ الأمْرِ يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ اِسْتِيلاءٌ يَلِيقُ بِشَأْنِ الرَّحْمَنِ جَلَّ شَأْنُهُ فَلْيَقُلْ مَن أوَّلَ الأمْرَ قَبْلَ تَحَمُّلِ مُؤْنَةِ هَذا التَّأْوِيلِ اِسْتِواءٌ يَلِيقُ بِشَأْنِ مَن عَزَّ شَأْنُهُ وتَعالى عَنْ إدْراكِ العُقُولِ سُلْطانُهُ، وهَذا ألْيَقُ بِالأدَبِ وأوْفَقُ بِكَمالِ العُبُودِيَّةِ وعَلَيْهِ دَرَجَ صَدْرُ الأُمَّةِ وساداتُها وإيّاها اِخْتارَ أئِمَّةُ الفُقَهاءِ وقاداتُها وإلَيْها دَعا أئِمَّةُ الحَدِيثِ في القَدِيمِ والحَدِيثِ حَتّى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ اللَّكائِيُّ: اِتَّفَقَ الفُقَهاءُ كُلُّهم مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ عَلى الإيمانِ بِالصِّفاتِ مِن غَيْرِ تَفْسِيرٍ ولا تَشْبِيهٍ، ووُرِدَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ صُبَيْغٌ قَدِمَ المَدِينَةَ فَجَعَلَ يَسْألُ عَنْ مُتَشابِهِ القُرْآنِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَدْ أعَدَّ لَهُ عَراجِينَ النَّخْلِ فَقالَ: مَن أنْتَ؟ فَقالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ صُبَيْغٌ فَأخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِن تِلْكَ العَراجِينِ فَضَرَبَهُ حَتّى أدْمى رَأْسَهُ، وفي رِوايَةٍ فَضَرَبَهُ بِالجَرِيدِ حَتّى تَرَكَ ظَهْرَهُ دُبُرَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى بَرِئَ ثُمَّ عادَ إلَيْهِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى بَرِئَ فَدَعا بِهِ لِيَعُودَ، فَقالَ: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ قِتْلَتِي فاقْتُلْنِي قَتْلًا جَمِيلًا، فَأذِنَ لَهُ إلى أرْضِهِ وكَتَبَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنْ لا يُجالِسَهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ.

لا يُقالُ إنْ تُرِكَتْ أمْثالُ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ عَلى ظَواهِرِها دَلَّتْ عَلى التَّجْسِيمِ، وإنْ لَمْ تُرَدْ ظَواهِرُها فَقَدْ أُوِّلَتْ لِأنَّ التَّأْوِيلَ عَلى ما قالُوا: إخْراجُ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ، لِأنّا نَقُولُ: نَخْتارُ الشِّقَّ الثّانِي ولا نُسَلِّمُ أنَّ التَّأْوِيلَ إخْراجُ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ مُطْلَقًا بَلْ إخْراجُهُ إلى مَعْنًى مُعَيَّنٍ مَعْلُومٍ كَما يُقالُ الِاسْتِواءُ مَثَلًا بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ عَلى أنَّ لِلتَّأْوِيلِ مَعْنَيَيْنِ مَشْهُورَيْنِ لا يُصَدَّقُ شَيْءٌ مِنهُما عَلى نَفْيِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لِلْمُرادِ، أحَدُهُما: تَرْجَمَةُ الشَّيْءِ وتَفْسِيرُهُ المُوَضِّحُ لَهُ، وثانِيهِما: بَيانُ حَقِيقَتِهِ وإبْرازُها إمّا بِالعِلْمِ أوْ بِالعَقْلِ، فَإنَّ مَن قالَ: بَعْدَ التَّنْزِيهِ لا أدْرِي مِن هَذِهِ المُتَشابِهاتِ سِوى أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ بِها نَفْسَهُ وأرادَ مِنها مَعْنًى لائِقًا بِجَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ، ولا أعْرِفُ ذَلِكَ المَعْنى لَمْ يُقَلْ في حَقِّهِ أنَّهُ تَرْجَمَ وأوْضَحَ ولا بَيَّنَ الحَقِيقَةَ وأبْرَزَ المُرادَ حَتّى يُقالَ إنَّهُ أوَّلَ، ومَن أمْعَنَ النَّظَرَ في مَأْخَذِ التَّأْوِيلِ لَمْ يَشُكَّ في صِحَّةِ ما قُلْنا.

نَعَمْ ذَهَبَتْ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلى إبْقاءِ نَحْوِ المَذْكُوراتِ عَلى ظَواهِرِها إلّا أنَّهم يَنْفُونَ لَوازِمَها المُنْقَدِحَةَ لِلذِّهْنِ المُوجِبَةَ لِنِسْبَةِ النَّقْصِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ ويَقُولُونَ: إنَّما هي لَوازِمُ لا يَصِحُّ اِنْفِكاكُها عَنْ مَلْزُوماتِها في صِفاتِنا الحادِثَةِ، وأمّا في صِفاتِ مَن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلَيْسَتْ بِلَوازِمَ في الحَقِيقَةِ لِيَكُونَ القَوْلُ بِانْفِكاكِها سَفْسَطَةً، وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ، وكَأنَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ ظَنًّا مِنهم أنَّ قَوْلَ الآخَرِينَ مِنَ السَّلَفِ تَأْوِيلٌ، والرّاسِخُونَ في العِلْمِ لا يَذْهَبُونَ إلَيْهِ، أوْ أنَّهم وجَدُوا بَعْضَ الآثارِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ مِثْلَ ما حَكى مُقاتِلٌ والكَلْبِيٌّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في ”اسْتَوى“ أنَّهُ بِمَعْنى اِسْتَقَرَّ، وما أخْرَجَهُ أبُو القاسِمِ مِن طَرِيقِ قُرَّةَ بْنِ خالِدٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ أنَّها قالَتِ: الكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ والِاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ والإقْرارُ بِهِ مِنَ الإيمانِ والجُحُودِ بِهِ كُفْرٌ.

وقَرِيبٌ مِن هَذا القَوْلِ ما يُصَرِّحُ بِهِ كَلامُ كَثِيرٍ مِن ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ فَإنَّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ تُجْرى عَلى ظَواهِرِها مَعَ القَوْلِ بِالتَّنْزِيهِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ حَيْثُ إنَّ وُجُودَ الحَقِّ تَعالى شَأْنُهُ لا تُقَيِّدُهُ الأكْوانُ وإنْ تَجَلّى فِيما شاءَ مِنها إذْ لَهُ كَمالُ الإطْلاقِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ، ولا يَخْفى أنَّ إجْراءَ المُتَشابِهاتِ عَلى ظاهِرِها مَعَ التَّنْزِيهِ اللّائِقِ بِجَلالِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ طَوْرٌ مِمّا وراءَ طَوْرِ العَقْلِ وبَحْرٌ لا يَسْبَحُ فِيهِ إلّا مَن فازَ بِقُرْبِ النَّوافِلِ.

وذَكَرَ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّدْقِيقِ أنَّ العَقْلَ سَبِيلُهُ في العِلْمِ بِالصِّفاتِ الثَّمانِيَةِ المَشْهُورَةِ كَعِلْمِهِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي يَدَّعِي الخَلَفُ رُجُوعَها إلَيْها إذا أحَدَّ النَّظَرَ، فَقَدْ قامَ البُرْهانُ وشاهِدُ العِيانِ عَلى عَدَمِ المُماثَلَةِ ذاتًا وصِفاتٍ أيْضًا

صفحة 89

لَكِنَّ صِفاتَهُ المُتَعالِيَةَ وأسْماءَهُ الحُسْنى قِسْمانِ، قَسَمٌ يُناسِبُ ما عِنْدَنا مِنَ الصِّفاتِ نَوْعَ مُناسَبَةٍ وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً، ولا يُقالُ: فَلا بُدَّ فِيهِ في أفْهامِنا مَعاشِرَ النّاقِصِينَ مِن أنْ يُسَمّى بِتِلْكَ الأسْماءِ المُشْتَهِرَةِ عِنْدَنا فَيُسَمّى عَلَمًا مَثَلًا لا دَواةً ولا قَلَمًا وقِسْمٌ لَيْسَ كَذَلِكَ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «”أوِ اِسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ“،» فَقَدْ يَذْكُرُ لَهُ أسْماءً مُشَوِّقَةً لِأنَّ مِنهُ ما لِلْإنْسانِ الكامِلِ مِنهُ نَصِيبٌ بِطْرِيقِ التَّخَلُّقِ والتَّحَقُّقِ فَيَذْكُرُ تارَةً اليَدَ والنُّزُولَ والقَدَمَ ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المُخَيَّلاتِ مَعَ العِلْمِ البُرْهانِيِّ والشُّهُودِ الوِجْدانِيِّ بِتَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْ كُلِّ كَمالٍ يَتَصَوَّرُهُ الإنْسانُ ويُحِيطُ بِهِ فَضْلًا عَنِ النُّقْصانِ، فَيَعْلَمُ أنَّهُ أشارَ إلى ذَلِكَ القَسَمِ الَّذِي عَلِمَ بِالإجْمالِ، ويَتَوَجَّهُ إذْ ذاكَ بِكُلِّيَّتِهِ شَطْرَ كَعْبَةِ الجَلالِ والجَمالِ فَيُفاضُ عَلَيْهِ مِن يَنْبُوعِ الكَمالِ ما يَسْتَأْنِسُ عِنْدَهُ ويَنْكَشِفُ لَهُ جَلِيَّةُ الحالِ، وإذْ لَيْسَ لَهُ مُناسِبَةٌ بِما عِنْدَنا لا تُوجَدُ عِبارَةٌ يُتَرْجِمُ عَنْها إلّا عَلى سَبِيلِ الخَيالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بُقُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”مَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى كَلَّ لِسانُهُ“،» وأُخْرى بَيَّنَ مَقْصِدَ الكُلِّ ومَن أحَبَّهُ سُبْحانَهُ ما يُصانُ عَنْ تُهْمَةِ إدْراكِ الأغْيارِ مِن نَحْوِ تِلْكَ الفَواتِحِ، ولَعَلَّ إدْراكَها عِنْدَ أهْلِها كَإدْراكِ الأوَّلِيّاتِ إلّا أنَّهُ لا إحاطَةَ بَلْ لا بُدَّ مِن بَقاءِ شَيْءٍ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وعَلى هَذا أيْضًا الألْيَقُ أنْ يُوقَفَ لِأنَّهُ شِعارُ مَن لَنا فِيهِمُ الأُسْوَةُ الحَسَنَةُ مَعَ ظُهُورِ وجْهِهِ لَكِنْ لا تُجْعَلُ الآيَةُ حُجَّةً عَلى مَن تَأوَّلَ نَحْوَ ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ مَثَلًا إذْ لا يُسَلَّمُ أنَّهُ داخِلٌ في ذَلِكَ المُتَشابِهِ والحَمْلُ عَلى المَجازِ الشّائِعِ في كَلامِ العَرَبِ والكِنايَةِ البالِغَةِ في الشُّهْرَةِ مَبْلَغَ الحَقِيقَةِ أظْهَرُ مِنَ الحَمْلِ عَلى مَعْنى مَجْهُولٍ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ: إنَّ تَصْوِيرَ العَظَمَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ دالٌّ عَلى أنَّ العَقْلَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِإدْراكِها وأنَّها أجَلُّ مِن أنْ تُحِيطَ بِها العُقُولُ، فالكُنْهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ ويَجِبُ الإيمانُ بِهِ كانَ حَسَنًا، وجَمْعًا بَيْنَ ما عَلَيْهِ السَّلَفُ ومَشى عَلَيْهِ الخَلَفُ وهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ كَيْلا يَلْزَمَ اِزْدِراءٌ بِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ كَما فَعَلَ اِبْنُ القَيِّمِ، حَتّى قالَ: لامُ الأشْعَرِيَّةِ كَنُونِ اليَهُودِيَّةِ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ، وعَلى هَذا يَجِبُ أنْ يُفَسَّرَ المُتَشابِهُ في الآيَةِ بِما يَعُمُّ القِسْمَيْنِ، والمُحْكَمُ (أُمٌّ) يُرْجَعُ إلَيْهِ في تَمْيِيزِ القِسْمَيْنِ أحَدُهُما: فَرْعُهُ الإيمانِيُّ، والثّانِي: فَرْعُهُ الإيقانِيُّ، وابْنُ دَقِيقِ العِيدِ تَوَسَّطَ في مَسْألَةِ التَّأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ ما قالَهُ هَذا المُدَقَّقَ أخِيرًا مِنَ المُتَشابِهِ، فَقالَ: إذا كانَ التَّأْوِيلُ قَرِيبًا مِن لِسانِ العَرَبِ لَمْ يُنْكَرْ أوْ بَعِيدًا تَوَقَّفْنا عَنْهُ وآمَنّا بِمَعْناهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ مَعَ التَّنْزِيهِ وما كانَ مَعْناهُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ ظاهِرًا مَعْهُودًا مِن تَخاطُبِ العَرَبِ قُلْنا بِهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ فَنَحْمِلُهُ عَلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى وما يَجِبُ لَهُ فَلْيُفْهَمْ هَذا المَقامُ فَكَمْ زَلَّتْ فِيهِ أقْوامٌ بَعْدَ أقْوامٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском