Al-AlusiAli 'Imran · 3:73–77

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:73–77

3:73Page 59

وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤۡتَىٰٓ أَحَدٞ مِّثۡلَ مَآ أُوتِيتُمۡ أَوۡ يُحَآجُّوكُمۡ عِندَ رَبِّكُمۡۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٧٣

And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allāh. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand1 of Allāh - He grants it to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Wise."

﴿ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ في نَظْمِ الآيَةِ ومَعْناها أوْجُهٌ لَخَّصَها الشِّهابُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ:

أحَدُها: أنَّ التَّقْدِيرَ: ولا تُؤْمِنُوا بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ وهُمُ المُسْلِمُونَ أُوتُوا كِتابًا سَماوِيًّا كالتَّوْراةِ ونَبِيًّا مُرْسَلًا كَمُوسى وبِأنْ يُحاجُّوكم ويَغْلِبُوكم بِالحُجَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا لِاتِّباعِكُمْ، وحاصِلُهُ أنَّهم نَهَوْهم عَنْ إظْهارِ هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ لِلْمُسْلِمِينَ لِئَلّا يَزْدادُوا تَصَلُّبًا ولِمُشْرِكِي العَرَبِ لِئَلّا يَبْعَثُهم عَلى الإسْلامِ وأتى بِ أوْ عَلى وزانِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ وهو أبْلَغُ، والحَمْلُ عَلى مَعْنى حَتّى صَحِيحٌ مَرْجُوحٌ، وأتى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقِهِ.

وفائِدَةُ الِاعْتِراضِ الإشارَةُ إلى أنَّ كَيْدَهم غَيْرُ ضارٍّ لِمَن لَطَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، أوْ زِيادَةُ التَّصَلُّبِ فِيهِ، ويُفِيدُ أيْضًا أنَّ الهُدى هُداهُ فَهو الَّذِي يَتَوَلّى ظُهُورَهُ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ فالمُرادُ بِالإيمانِ إظْهارُهُ كَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوِ الإقْرارُ اللِّسانِيُّ كَما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، والمُرادُ مِنَ التّابِعِينَ المُتَصَلِّبُ مِنهُمْ، وإلّا وقَعَ ما فَرُّوا مِنهُ.

وثانِيها: أنَّ المُرادَ: ولا تُؤْمِنُوا هَذا الإيمانَ الظّاهِرَ الَّذِي أتَيْتُمْ بِهِ وجْهَ النَّهارِ إلّا لِمَن كانَ تابِعًا لِدِينِكم أوَّلًا، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهُمْ، أيْ لِأجْلِ رُجُوعِهِمْ لِأنَّهُ كانَ عِنْدَهم أهَمَّ وأوْقَعَ، وهم فِيهِ أرْغَبُ وأطْمَعُ، وعِنْدَ هَذا تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ أيْ فَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُؤْتى﴾ الخ عَلى هَذا مُعَلِّلًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ لِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ولِما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الغَلَبَةِ بِالحُجَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ دَبَّرْتُمْ ما دَبَّرْتُمْ، وحاصِلُهُ أنَّ داعِيَكم إلَيْهِ لَيْسَ إلّا الحَسَدُ، وإنَّما أتى بِ أوْ تَنْبِيهًا عَلى اِسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ في غَيْظِهِمْ وحَمْلِهِمْ عَلى الحَسَدِ حَتّى دَبَّرُوا ما دَبَّرُوا، ولَوْ أتى بِالواوِ لَمْ تَقَعْ هَذا المَوْقِعَ لِلْعِلْمِ بِلُزُومِ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِأنَّهُ إذا كانَ ما أُوتُوا حَقًّا غَلَبُوا يَوْمَ القِيامَةِ مُخالِفَهم لا مَحالَةَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ، وأمّا أوْ فَتُشْعِرُ بِأنَّ كُلًّا مُسْتَقِلٌّ في الباعِثِيَّةِ عَلى الحَسَدِ والِاحْتِشادِ في التَّدْبِيرِ، والحَمْلُ عَلى مَعْنى حَتّى لَيْسَ لَهُ مَوْقِعٌ يُرَوِّعُ السّامِعَ وإنْ كانَ وجْهًا ظاهِرًا.

ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ اِبْنِ كَثِيرٍ (أأنْ يُؤْتى) بِزِيادَةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِلدَّلالَةِ عَلى اِنْقِطاعِهِ عَنِ الفِعْلِ واسْتِقْلالِهِ بِالإنْكارِ، وفِيهِ تَقْيِيدُ الإيمانِ بِالصّادِرِ أوَّلَ النَّهارِ بِقَرِينَةِ إنَّ الكَلامَ فِيهِ، وتَخْصِيصُ مَن تَبِعَ بِمُسْلِمِيهِمْ بِقَرِينَةِ المُضِيِّ فَإنَّ غَيْرَهم مُتِّبِعٌ دِينَهُمُ الآنَ أيْضًا، وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ﴿أنْ يُؤْتى﴾ الخ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لَهم هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ، ومَعْناهُ أكَّدَ عَلَيْهِمْ أنَّ الهُدى ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى مِن إيتاءِ الكِتابِ غَيْرَكُمْ، وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ أنْ يَمْتَعِضُوا مِن أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، وقُلْ لَأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ قُلْتُمْ ما قُلْتُمْ وكِدْتُمْ ما كِدْتُمْ.

وثالِثُها: أنْ يُقَرَّرَ ولا تُؤْمِنُوا عَلى ما قُرِّرَ عَلَيْهِ الثّانِي، ويُجْعَلَ ﴿أنْ يُؤْتى﴾ خَبَرَ (إنَّ) و﴿هُدى اللَّهِ﴾ بَدَلًا مِنَ اِسْمِها، وأوْ بِمَعْنى حَتّى عَلى أنَّها غايَةٌ سَبَبِيَّةٌ، وحِينَئِذٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَخُصَّ عِنْدَ رَبِّكم بِيَوْمِ القِيامَةِ بَلْ بِالمُحاجَّةِ الحَقَّةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في البَقَرَةِ، ولَوْ حُمِلَتْ عَلى العَطْفِ لَمْ يَلْتَئِمِ الكَلامُ.

ورابِعُها: أنْ يَكُونَ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن﴾

صفحة 201

الخ باقِيًا عَلى إطْلاقِهِ، أيْ واكْفُرُوا آخِرَهُ واسْتَمِرُّوا عَلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ ولا تُقِرُّوا لِأحَدٍ إلّا لِمَن هو عَلى دِينِكم وهو مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الطّائِفَةِ، ويَكُونُ ﴿قُلْ إنَّ الهُدى﴾ الخ أمْرًا لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ في جَوابِهِمْ، عَلى مَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ فَلا تُنْكِرُوا أنْ يُؤْتى حَتّى تُحاجُّوا، وقَرِينَةُ الإضْمارِ إنَّ ﴿ولا تُؤْمِنُوا﴾ الخ تَقْرِيرٌ عَلى اليَهُودِيَّةِ، وأنَّهُ لا دِينَ يُساوِيها، فَإذا أُمِرَ ﷺ أنْ يُجِيبَهم عُلِمَ أنَّ ما أنْكَرُوهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ وأنَّهُ كائِنٌ، وحَمْلُ أوْ عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ حِينَئِذٍ أيْضًا حَسَنٌ، لِأنَّهُ تَأْيِيدٌ لِلْإيتاءِ وتَعْرِيضٌ بِأنَّ مَن أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتُوا هُمُ الغالِبُونَ، وقُرِئَ (إنْ يُؤْتى) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، أيْ قُولُوا لَهم ما يُؤْتى، وهو خِطابٌ لِمَن أسْلَمَ مِنهم رَجاءَ العَوْدِ، والمَعْنى لا إيتاءَ ولا مُحاجَّةَ فَأوْ بِمَعْنى حَتّى، وقُدِّرَ قُولُوا تَوْضِيحًا وبَيانًا لِأنَّهُ لَيْسَ اِسْتِئْنافًا تَعْلِيلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى﴾ الخ اِعْتِراضٌ ذُكِرَ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ كَلامُهم لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِ فَسادِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، وأرْجَحُ الأوْجُهِ الثّانِي لِتَأْيِيدِهِ بِقِراءَةِ اِبْنِ كَثِيرٍ، وأنَّهُ أفْيَدُ مِنَ الأوَّلِ وأقَلُّ تَكَلُّفًا مِن باقِي الأوْجُهِ، وأقْرَبُ إلى المَساقِ، اِنْتَهى.

وأقُولُ: ما ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الرّابِعِ مِن تَقْرِيرٍ فَلا تُنْكِرُوا أنْ يُؤْتى الخ، هو قَوْلُ قَتادَةَ والرَّبِيعِ والجُبّائِيِّ لَكِنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا أوْ بِمَعْنى حَتّى، وهو أحَدُ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما، وكَذا القَوْلُ بِإبْدالِ أنْ يُؤْتى مِنَ الهُدى قَوْلُ السُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ إلّا أنَّهم قَدَّرُوا لا بَيْنَ أنْ ويُؤْتى، واعْتَرَضَ عَلَيْهِما أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ بِأنْ لا لَيْسَتْ مِمّا تُحْذَفُ هَهُنا، والتَزَمَ تَقْدِيرَ مُضافٍ شاعَ تَقْدِيرُهُ في أمْثالِ ذَلِكَ وهو كَراهَةُ، والمَعْنى إنَّ الهُدى كَراهَةُ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أيْ مِمَّنْ خالَفَ دِينَ الإسْلامِ لِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ، فَهُدى اللَّهِ تَعالى بَعِيدٌ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، ولا يَخْفى أنَّهُ مَعْنى مُتَوَعِّرٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ ما قالَهُ قَوْمٌ مِن أنْ ﴿أنْ يُؤْتى﴾ الخ تَفْسِيرٌ لِلْهُدى، وأنَّ المُؤْتى هو الشَّرْعُ، وأنَّ ﴿أوْ يُحاجُّوكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أُوتِيتُمْ﴾، وأنَّ ما يُحاجُّ بِهِ العَقْلُ، وأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ أنَّ هُدى اللَّهِ تَعالى ما شَرَعَ أوْ ما عَهِدَ بِهِ في العَقْلِ، ومِنَ النّاسِ مِن جَعْلَ الكَلامَ مِن أوَّلِ الآيَةِ إلى آخِرِها مِنَ اللَّهِ تَعالى خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَ: والتَّقْدِيرُ ولا تُؤْمِنُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم وهو دِينُ الإسْلامِ ولا تُصَدِّقُوا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الدِّينِ فَلا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّكم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا شَرِيعَةَ بَعْدَ شَرِيعَتِكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولا تُصَدِّقُوا بِأنْ يَكُونَ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عَلَيْكم عِنْدَ رَبِّكم لِأنَّ دِينَكم خَيْرُ الأدْيانِ.

وجَعْلُ ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ اِعْتِراضًا لِلتَّأْكِيدِ وتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، واخْتِيارُ البَعْضِ لَهُ والِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ بِما قالَهُ الضَّحّاكُ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنّا نَحُجُّ عِنْدَ رَبِّنا مَن خالَفَنا في دِينِنا فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَهم أنَّهم هُمُ المُدْحَضُونَ المَغْلُوبُونَ وأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الغالِبُونَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ هَذا البَيانَ لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ هَذا الحَمْلُ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ مِن ﴿يُحاجُّوكُمْ﴾ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ عائِدٌ إلى (أحَدٌ) لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، إذِ المُرادُ بِهِ غَيْرُ أتْباعِهِمْ.

واسْتَشْكَلَ اِبْنُ المُنِيرِ قَطْعَ ﴿أنْ يُؤْتى﴾ عَنْ ﴿لا تُؤْمِنُوا﴾ عَلى ما في بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ وُقُوعُ (أحَدٍ) في الواجِبِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ هُنا إنْكارٌ، واسْتِفْهامُ الإنْكارِ في مِثْلِهِ إثْباتٌ إذْ حاصِلُهُ أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ووَبَّخَهم عَلى ما وقَعَ مِنهم وهو إخْفاءُ الإيمانِ بِأنَّ النُّبُوَّةَ لا تَخُصُّ بَنِي إسْرائِيلَ لِأجْلِ العِلَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ فَهو إثْباتٌ مُحَقَّقٌ، ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: رُوعِيَتْ صِيغَةُ الِاسْتِفْهامِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ حَقِيقَتَهُ فَحَسُنَ دُخُولُ (أحَدٍ) في سِياقِهِ لِذَلِكَ وفِيهِ تَأمُّلٌ، فَتَأمَّلْ وتَدَبَّرْ، فَقَدْ قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن مُشْكِلاتِ القُرْآنِ وأصْعَبِهِ تَفْسِيرًا.

﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما زَعَمُوهُ بِأوْضَحِ حُجَّةٍ، والمُرادُ مِنَ الفَضْلِ الإسْلامُ، قالَهُ اِبْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ غَيْرُهُ: النُّبُوَّةُ،

صفحة 202

وقِيلَ: الحُجَجُ الَّتِي أُوتِيَها النَّبِيُّ ﷺ والمُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: نِعَمُ الدِّينِ والدُّنْيا، ويَدْخُلُ فِيهِ ما يُناسِبُ المَقامَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن عِبادِهِ ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ رَحْمَةً، وقِيلَ: واسْعُ القُدْرَةِ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴿عَلِيمٌ﴾ [ 73 ] بِمَصالِحِ العِبادِ، وقِيلَ: يَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.

3:74Page 59

يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤

He selects for His mercy whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.

﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ قالَ الحَسَنُ: هي النُّبُوَّةُ، وقالَ اِبْنُ جُرَيْجٍ: الإسْلامُ والقُرْآنُ، وقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ هو وكَثْرَةُ الذِّكْرِ لِلَّهِ تَعالى، والباءُ داخِلَةٌ عَلى المَقْصُورِ وتَدْخُلُ عَلى المَقْصُورِ عَلَيْهِ، وقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ:

والباءُ بَعْدَ الِاخْتِصاصِ يَكْثُرُ دُخُولُها عَلى الَّذِي قَدْ قَصَّرُوا

وعَكْسُهُ مُسْتَعْمَلٌ وجَيِّدُ ∗∗∗ ذَكَرَهُ الحَبْرُ الإمامُ السَّيِّدُ

﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ قالَ اِبْنُ جُبَيْرٍ: [ 74 ] يَعْنِي الوافِرِ.

3:75Page 59

۞ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥

And among the People of the Scripture is he who, if you entrust him with a great amount [of wealth], he will return it to you. And among them is he who, if you entrust him with a [single] coin, he will not return it to you unless you are constantly standing over him [demanding it]. That is because they say, "There is no blame upon us concerning the unlearned."1 And they speak untruth about Allāh while they know [it].

﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ نَوْعٍ آخَرَ مِن مَعايِبِهِمْ، و﴿تَأْمَنهُ﴾ مِن أمِنتُهُ بِمَعْنى اِئْتَمَنتُهُ، والباءُ قِيلَ: بِمَعْنى عَلى، وقِيلَ: بِمَعْنى فِي، أيْ في حِفْظِ قِنْطارٍ والقِنْطارُ تَقَدَّمَ قِنْطارٌ مِنَ الكَلامِ فِيهِ يُرْوى أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ اِسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا فَأدّاهُ إلَيْهِ، ﴿ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ كَفِنْحاصَ بْنِ عازُوراءَ فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ اِسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ آخَرُ دِينارًا فَجَحَدَهُ، وقِيلَ: المَأْمُونُ عَلى الكَثِيرِ النَّصارى إذِ الغالِبُ فِيهِمُ الأمانَةُ، والخائِنُونَ في القَلِيلِ اليَهُودُ إذِ الغالِبُ عَلَيْهِمُ الخِيانَةُ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عِكْرِمَةَ.

والدِّينارُ لَفْظٌ أعْجَمِيٌّ وياؤُهُ بَدَلٌ عَنْ نُونٍ وأصْلُهُ دِنّارٌ فَأُبْدِلَ أوَّلُ المِثْلَيْنِ ياءً لِوُقُوعِهِ بَعْدَ كَسْرَةٍ، ويَدُلُّ عَلى الأصْلِ جَمْعُهُ عَلى دَنانِيرَ فَإنَّ الجَمْعَ يَرُدُّ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهو في المَشْهُورِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا والقِيراطُ ثَلاثُ حَبّاتٍ مِن وسَطِ الشَّعِيرِ فَمَجْمُوعُهُ اِثْنَتانِ وسَبْعُونَ حَبَّةً، قالُوا: ولَمْ يَخْتَلِفْ جاهِلِيَّةً ولا إسْلامًا، ومِنَ الغَرِيبِ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ، أنَّهُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ الدِّينارُ دِينارًا لِأنَّهُ دِينٌ ونارٌ، ومَعْناهُ أنَّ مَن أخَذَهُ بِحَقِّهِ فَهو دِينُهُ، ومَن أخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ فَلَهُ النّارُ، ولَعَلَّهُ إبْداءُ إشارَةٍ مِن هَذا اللَّفْظِ لا أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى مالِكِ دِرْهَمٍ مِن عَقْلٍ فَضْلًا عَنْ مالِكِ دِينارٍ، وقُرِئَ (يُؤَدِّهِ) بِكَسْرِ الهاءِ مَعَ وصْلِها بِياءٍ في اللَّفْظِ وبِالكَسْرِ مِن غَيْرِ ياءٍ، وبِالإسْكانِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وبِضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ في اللَّفْظِ وبِضَمِّها مِن غَيْرِ واوٍ.

﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ اِسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوِ الأوْقاتِ، أيْ: لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا في حالِ دَوامِ قِيامِكَ، أوْ في وقْتِ دَوامِ قِيامِكَ، والقِيامُ مَجازٌ عَنِ المُبالَغَةِ في المُطالَبَةِ، وفَسَّرَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالإلْحاحِ، والسُّدِّيُّ بِالمُلازَمَةِ والِاجْتِماعِ مَعَهُ، والحَسَنُ بِالمُلازَمَةِ والتَّقاضِي، والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ دالِ (دُمْتَ) فَهو عِنْدُهم كَ (قُلْتَ)، وقُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ فَهو حِينَئِذٍ عَلى وزانِ (خِفْتَ) وهو لُغَةٌ، والمُضارِعُ عَلى اللُّغَةِ الأُولى: (يَدُومُ) كَ (يَقُومُ)، وعَلى الثّانِيَةِ: (يَدامُ) كَ (يَخافُ) .

(ذَلِكَ) أيْ تَرْكُ الأداءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لا يُؤَدِّهِ﴾، ﴿بِأنَّهم قالُوا﴾ ضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ عَلى (مَن) في ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ﴾ وجُمِعَ حَمْلًا عَلى المَعْنى والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْنا فِيما أصَبْناهُ مِن أمْوالِ العَرَبِ عِتابٌ وذَمٌّ،

صفحة 203

أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ قالَ: بايَعَ اليَهُودُ رِجالًا مِنَ المُسْلِمِينَ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا أسْلَمُوا تَقاضَوْهم عَنْ بَيُوعِهِمْ، فَقالُوا: لَيْسَ عَلَيْنا أمانَةٌ ولا قَضاءٌ لَكم عِنْدَنا لِأنَّكم تَرَكْتُمْ دِينَكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ وادَّعَوْا أنَّهم وجَدُوا ذَلِكَ في كِتابِهِمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [ 75 ] أيْ أنَّهم كاذِبُونَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: الأمْوالُ كُلُّها كانَتْ لَنا فَما في أيْدِي العَرَبِ مِنها فَهو لَنا وأنَّهم ظَلَمُونا وغَصَبُونا فَلا إثْمَ عَلَيْنا في أخْذِ أمْوالِنا مِنهُمْ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”كَذِبُ أعْداءُ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ، إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ“،» والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ يَقُولُونَ، والمُرادُ يَفْتَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿الكَذِبَ﴾ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، ولَمْ يُجَوِّزْ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِهِ لِأنَّ الصِّلَةَ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ، وأجازَهُ غَيْرُهُ لِأنَّهُ كالظَّرْفِ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ.

3:76Page 59

بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧٦

But yes, whoever fulfills his commitment and fears Allāh - then indeed, Allāh loves those who fear Him.

﴿بَلى﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، وإيجابٌ لِما نَفَوْهُ، والمَعْنى بَلى عَلَيْهِمْ في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [ 76 ] اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها (بَلى) حَيْثُ أفادَتْ بِمَفْهُومِها المُخالِفِ ذَمَّ مَن لَمْ يَفِ بِالحُقُوقِ مُطْلَقًا فَيَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، و(مَن) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ شَرْطِيَّةٌ، و﴿أوْفى﴾ فِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: إثْباتُ الهَمْزَةِ، وحَذْفُها مَعَ تَخْفِيفِ الفاءِ، وتَشْدِيدُها، والضَّمِيرُ في عَهْدِهِ عائِدٌ عَلى (مَن) وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ فَهو عَلى الأوَّلِ: مَصْدَرٌ مُضافٌ لِفاعِلِهِ، وعَلى الثّانِي: مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ أوْ لِفاعِلِهِ ولا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى (مَن) مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، فَإمّا أنْ يُقامَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ في الرَّبْطِ إنْ كانَ ﴿المُتَّقِينَ﴾ مِن ﴿أوْفى﴾ وإمّا أنْ يُجْعَلَ عُمُومُهُ وشُمُولُهُ رابِطًا إنْ كانَ ﴿المُتَّقِينَ﴾ عامًّا؛ وإنَّما وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ عَلى الأوَّلِ تَسْجِيلًا عَلى المُوفِينَ بِالعَهْدِ بِالتَّقْوى وإشارَةً إلى عِلَّةِ الحُكْمِ ومُراعاةً لِرُؤُوسِ الآيِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِقُوَّةِ الرَّبْطِ فِيهِ، وقالَ اِبْنُ هِشامٍ: الظّاهِرُ أنَّهُ لا عُمُومَ وأنَّ ﴿المُتَّقِينَ﴾ مُساوٍ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجَوابُ لَفْظًا أوْ مَعْنًى مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يُحِبُّهُ اللَّهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ الخ، واعْتَرَضَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: الظّاهِرُ أنَّهُ لا عُمُومَ في حَيِّزِ المَنعِ فَإنَّ ضَمِيرَ ﴿بِعَهْدِهِ﴾ إذا كانَ لِلَّهِ فالِالتِفاتُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الظّاهِرِ لِإفادَةِ العُمُومِ كَما هو المَعْهُودُ في أمْثالِهِ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

3:77Page 59

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٧

Indeed, those who exchange the covenant of Allāh and their [own] oaths for a small price will have no share in the Hereafter, and Allāh will not speak to them or look at them on the Day of Resurrection, nor will He purify them; and they will have a painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أخْرَجَ السِّتَّةُ وغَيْرُهم عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ هو فِيها فاجِرٌ لِيَقْطَعَ بِها مالَ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ، فَقالَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فِيَّ واَللَّهِ كانَ ذَلِكَ، كانَ بَيْنِي وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ألَكَ بَيِّنَةٌ؟ قُلْتُ: لا فَقالَ لِلْيَهُودِيِّ: اِحْلِفْ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إذًا يَحْلِفُ فَيَذْهَبُ مالِي فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾“ الخ،» وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى أنَّ رَجُلًا أقامَ سِلْعَةً لَهُ في السُّوقِ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ لَقَدْ أعْطى بِها ما لَمْ يُعْطَهُ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ واللَّفْظُ لَهُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ قالَ: «”كانَ بَيْنَ اِمْرِئِ القَيْسِ ورَجُلٍ مِن حَضْرَمَوْتَ

صفحة 204

خُصُومَةٌ فارْتَفَعا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لِلْحَضْرَمِيِّ: بَيِّنَتُكَ وإلّا فَيَمِينُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ حَلَفَ ذَهَبَ بِأرْضِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ كاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِها حَقَّ أخِيهِ لَقِيَ اللَّهَ تَعالى وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ، فَقالَ اِمْرُؤُ القَيْسِ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما لِمَن تَرَكَها وهو يَعْلَمُ أنَّها حَقٌّ؟ قالَ: الجَنَّةُ، قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ تَرَكْتُها، فَنَزَلَتْ"،» وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي رافِعٍ ولُبابَةَ بْنِ أبِي الحُقَيْقِ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ حَرَّفُوا التَّوْراةَ وبَدَّلُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحُكْمَ الأماناتِ وغَيْرِهِما وأخَذُوا عَلى ذَلِكَ رَشْوَةً، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ ولا مانِعَ مِن تَعَدُّدِ سَبَبِ النُّزُولِ كَما حَقَّقُوهُ.

والمُرادُ بِ (يَشْتَرُونَ) يَسْتَبْدِلُونَ، وبِالعَهْدِ أمْرُ اللَّهِ تَعالى وما يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ، وقِيلَ: ما عَهِدَهُ إلى اليَهُودِ في التَّوْراةِ مِن أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: ما في عَقْلِ الإنْسانِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الباطِلِ والِانْقِيادِ إلى الحَقِّ، و(بِالأيْمانِ) الأيْمانُ الكاذِبَةُ، وبِالثَّمَنِ القَلِيلِ الأعْواضُ النَّزِرَةُ أوِ الرِّشا، ووَصْفُ ذَلِكَ بِالقِلَّةِ لِقِلَّتِهِ في جَنْبِ ما يَفُوتُهم مِنَ الثَّوابِ ويَحْصُلُ لَهم مِنَ العِقابِ.

﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ﴾ أيْ لا نَصِيبَ لَهم مِن نَعِيمِها بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِبْدالِ ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ بِما يَسُرُّهم بَلْ بِما يَسُوؤُهم وقْتَ الحِسابِ لَهُمْ، قالَهُ الجُبّائِيُّ، أوْ لا يُكَلِّمُهم بِشَيْءٍ أصْلًا وتَكُونُ المُحاسَبَةُ بِكَلامِ المَلائِكَةِ لَهم بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمُ اِسْتِهانَةً بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، واسْتُظْهِرَ أنْ يَكُونَ هَذا كِنايَةً عَنْ غَضَبِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ.

﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ لا يَعْطِفُ عَلَيْهِمْ ولا يَرْحَمُهم كَما يَقُولُ القائِلُ اُنْظُرْ إلَيَّ يُرِيدُ اِرْحَمْنِي، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَجازًا عَنِ الِاسْتِهانَةِ بِهِمْ والسَّخَطِ عَلَيْهِمْ، وفَرَّقَ بَيْنَ اِسْتِعْمالِهِ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ المُفَسِّرُ بِتَقْلِيبِ الحَدَقَةِ وفِيمَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِأنَّ أصْلَهُ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ الكِنايَةُ لِأنَّ مَنِ اِعْتَدَّ بِالإنْسانِ اِلْتَفَتَ إلَيْهِ وأعارَهُ نَظَرَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ عِبارَةً عَنِ الِاعْتِدادِ والإحْسانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَظَرٌ، ثُمَّ جاءَ فِيمَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مُجَرِّدًا لِمَعْنى الإحْسانِ مَجازًا عَمّا وقَعَ كِنايَةً عَنْهُ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ، وفي «اَلْكَشْفِ» إنَّ في هَذا تَصْرِيحًا بِأنَّ الكِنايَةَ يُعْتَبَرُ فِيها صُلُوحُ إرادَةِ الحَقِيقَةِ وإنْ لَمْ تَرِدْ، وأنَّ الكِناياتِ قَدْ تَشْتَهِرُ حَتّى لا تَبْقى تِلْكَ الجِهَةُ مَلْحُوظَةً وحِينَئِذٍ تَلْحَقُ بِالمَجازِ ولا تُجْعَلُ مَجازًا إلّا بَعْدَ الشُّهْرَةِ لِأنَّ جِهَةَ الِانْتِقالِ إلى المَعْنى المَجازِيِّ أوَّلًا غَيْرُ واضِحَةٍ بِخِلافِ المَعْنى المُكَنّى عَنْهُ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُخالَفَةِ بَيْنَ قَوْلَيِ الزَّمَخْشَرِيِّ في جَعْلِ بَسْطِ اليَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ مَجازًا عَنِ الجُودِ تارَةً وكِنايَةً أُخْرى إذْ حاصِلُهُ أنَّهُ إنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنِ المانِعِ الخارِجِيِّ كانَ كِنايَةً ثُمَّ أُلْحِقَ بِالمَجازِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ كِنايَةٌ بِاعْتِبارِ أصْلِهِ قَبْلَ الإلْحاقِ ومَجازٌ بَعْدَهُ، فَلا تَناقُضَ بَيْنَهم كَما تَوَهَّمُوهُ، فَتَدَبَّرْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلَيْنِ وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْوَعِيدِ.

﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ ولا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أزْكِياءُ ولا يُسَمِّيهِمْ بِذَلِكَ بَلْ يَحْكُمُ بِأنَّهم كَفَرَةٌ فَجَرَةٌ، قالَهُ القاضِي، وقالَ الجُبّائِيُّ: لا يُنْزِلُهم مَنزِلَةَ الأزْكِياءِ، وقِيلَ: لا يُطَهِّرُهم عَنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ والأوْزارِ بِالمَغْفِرَةِ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [ 77 ] أيْ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ في القِيامَةِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ اِكْتِفاءً بِالأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ في الدُّنْيا بِالإهانَةِ وضَرْبِ الجِزْيَةِ بِناءً عَلى أنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском